- تأييد الكنيسة القبطية لمبارك
- سقوط الأنظمة وأثره على الأقليات

- الإخوان المسلمون ومخاوف الأقليات

- الأقليات والبديل الديمقراطي

- الأقليات ودورهم في الربيع العربي

 
 خديجة بن قنة
 أحمد أبو بركة
إلياس الزغبي
بشار عيسى
 سامح فوزي

خديجة بن قنة: مشاهدينا أهلاً وسهلاً بكم إلى حديث الثورة، التنوع الإثني والديني في العالم العربي أو ما يعرف بالأقليات هو نقاش قديم جديد يعود إلى واجهة الجدل مجدداً في زمن الثورات العربية البطريرك الماروني بشار الراعي أثار زوبعة من ردود الأفعال مؤخراً في تصريحاتٍ صور فيها نظام الأسد في سوريا بأنه ضامن للوجود المسيحي في الشرق وهذه أيضاً وزارة الخارجية الأميركية تحذر في تقريرٍ حديث مما سمتها مخاطر تهدد الأقليات في العالم العربي بسبب التحولات التي يمر بها العالم العربي، وبعيداً عن هذه المواقف فليس خافياً أن التنوع العرقي والديني في الوطن العربي تحول خلال العقود الماضية إلى أزمة أقليات وغدا واحداً من أخطر بؤر التوتر التي تهدد نسيج مجتمعاته ومنظومة أمنه القومي، اليوم إذن يعود هذا الملف ليطرح نفسه كتحدٍ وكاختبار للنخب الحاكمة المتشكلة في الوطن العربي بعدما أطاحت الثورات العربية ببعضٍ من نُظمه الاستبدادية التي لطالما استخدمت ورقة الأقليات لإقصاء خصومهم ردحاً من الزمن.

[تقرير مسجل]

بين سيءٍ موجود وأسوأ قد يأتي نختار السيئ، مفاضلة خلص إليها البطريرك الماروني في لبنان بشارة الراعي عندما تحدث عما يجري في سوريا، فجر الكلام عاصفة من ردود الفعل، انتقده كثيرون بينما دافع عنه البعض ورأوا فيه مكاشفةً صريحة لمخاوف أثارتها هيلاري كلينتون نفسها، يفترض الرجل أنه إذا ذهب نظام بشار الأسد وأتى نظام كالإخوان المسلمين فإن المسيحيين سيدفعون الثمن قتلاً وتهجيراً، تبلغ الصدمة ذروتها حين يخلص البطريرك إلى معادلة قوامها أنه إذا انتصر السنة في سوريا كما قال فإنهم سيتحالفون مع السنة في لبنان مما يحيق خطراً بالمسيحيين والأقليات، كثيرون ومنهم مسيحيون لمسوا في كلامه ما يشبه تحالف أقليات في وجه أغلبيةٍ ثائرة لا يرى منها غير هويتها الدينية ويستبطن الموقف كما قد يفهم تسامحا مع الاستبداد طالما أنه لا يطالنا، تقع هذه الإرهاصات في خضم ثوراتٍ ما كانت تقع لولا أنظمة من الحكم ابتلعت في سبيل بقائها حقوق الجميع ولعبت طويلاً على وتر التخويف مما تعرف بفزاعة الإسلاميين، الثورات التي فجرها تونسي فقير وضعت الجميع أمام حقيقةٍ مختلفة فلا ثورة انطلقت بعناوين دينية ولا أهدافها قومية كبرى ويصدف أن الواقع العربي الذي تفجرت فيه الثورات هو فسيفساء دينية ومذهبية واثنيه، مسيحيون وشيعة وعلويون وأكراد وأرمن بين غالبيةٍ عظمى من المسلمين السنة العرب شكلت بالتالي غالبية الثائرين على حكامها بدءاً من تونس وصولاً إلى ليبيا وإلى اليمن وفي تلك البلدان المكون الجهوي القبلي هو الطاغي، الأخطر كان الواقع الطائفي، في مصر طلبت كنائس قبطية من أتباعها عدم المشاركة في الثورة عند اندلاعها، لكن في ميدان التحرير كان يمكنك أن تلحظ وجود شبابٍ أقباط إلى جانب المسلمين، بعد الثورة أكدت الكنيسة وقوفها إلى جانب شباب الثورة وتمسكها بدولةٍ مدنية ديمقراطية ويعبر بعض الأقباط اليوم عن مخاوفهم من وصول تياراتٍ إسلامية إلى السلطة ويبقى المشهد الأكثر تعقيداً في سوريا امتداداً إلى لبنان، يصر السوريون على نبذ الطائفية لكن الواقع ليس حالماً إلى هذه الدرجة إذ لا يخفى تنفذ الطائفة العلوية التي تشكل 12% من عدد السكان في مواقع القرار، النظام السوري تحدث من اللحظة الأولى لاندلاع الانتفاضة عن مؤامرةٍ طائفية يقودها سلفيون وإرهابيون مع استمرار الثورة والقمع وقف معظم ممثلي الأقليات إما إلى جانب النظام أو على الحياد وهو واقع ينذر بانفجارٍ كبير إذا لم يستدرك وذلك بالضبط ذهب إليه رئيس وزراء تركيا حين حذر من حربٍ أهلية إذا لم يوقف الأسد ما يجري، مخاوف تدركها نخب الأقليات التي تصدر بين حينٍ وآخر بياناتٍ تؤكد دعمها مجيء نظامٍ ديمقراطي تكون فيه المواطنة هي الضمانة بدل التمسك بتلابيب استبدادٍ لا ينتج غير اضطهادٍ ومخاوف تتسلل منها مفاهيم عجيبة لا ترى بأسا مثلاً في أن تبيد الأغلبية كي تبقى الأقلية وتطمئن.

[نهاية التقرير]

تأييد الكنيسة القبطية لمبارك

خديجة بن قنة: ولمناقشة هذه القضية ينضم إلينا عبر الأقمار الاصطناعية من القاهرة القيادي في حزب الحرية والعدالة الدكتور أحمد أبو بركة ومن بيروت الإعلامي والكاتب السياسي اللبناني إلياس الزغبي، كما ينضم إلينا من باريس الكاتب والمعارض السوري بشار عيسى ومعنا من القاهرة أيضاً الكاتب والباحث في الشؤون القبطية الدكتور سامح فوزي، نرحب بضيوفنا جميعاً وأبدأ معك أستاذ سامح فوزي في القاهرة، في الواقع لا ندري إن كان توصيف أو وصف الربيع يليق بالثورات العربية في نظر الأقليات الدينية وأتحدث عن الأقباط في مصر، هل هذه المخاوف التي تثيرها الأقليات لها ما يبررها برأيك؟

سامح فوزي: هو بالطبع لها ما يبررها، لكن لابد أن نؤكد على حقيقة في البداية أننا نتحدث عن نموذج مصري ربما يكون مختلفاً عن بعض النماذج العربية الموجودة، لدينا دولة موحدة، لدينا دولة مركزية، لدينا حالة من الاندماج الإسلامي المسيحي الموجود داخل المجتمع المصري على مدار عقود وعلى مدار قرون وإن كان اختبر بعض اللحظات من التوتر، ما نريد أن نقوله أن المسيحيين في مصر كانوا من أشد المنتقدين للنظام وعدم حصولهم على حقوق المواطنة كاملةً وهذا لا يعني أنهم في خصومة مع المسلمين ولكن مشكلتهم كانت مع النظام، ومشكلتهم أيضاً لم تكن مع الحركة الإسلامية لأن الحركة الإسلامية لم تكن في الحكم، فمشكلتهم الحقيقة كانت مع النظام الذي لم يكن يمنحهم الوظائف، لم يسمح بتمثيلهم السياسي الملائم، لم يسمح بتوليهم مواقع قيادية، فرض بعض القيود عليهم في مسألة بناء دور العبادة، إذن نحن نتحدث عن حالة كان المجتمع المصري كله كان يعاني منها، كان هناك إسلاميون يعانون وكان هناك مسيحيون يعانون وكان هناك تيارات سياسية إلى آخره..

خديجة بن قنة: ولكن أستاذ سامح فوزي ربما وأنت تتحدث عن هذا الواقع ربما من الغريب أو المفارقة التي تثير الدهشة هي أن البابا شنودا وهو يمثل أقباط مصر كان مؤيداً للرئيس السابق حسني مبارك.

سامح فوزي: الكنيسة القبطية لابد أن نفرق ما بين الكنيسة القبطية ونفرق ما بين الأقباط، الكنيسة القبطية بوصفها مؤسسة كانت تتفاعل مع هذا النظام وكانت تتعامل معه ولم يحدث أن خرجت الكنيسة القبطية على أي نظام كان في مصر، على مدار قرون، فالكنيسة القبطية بوصفها كنيسة تضم في النهاية قلة عددية ولا أحبذ أن أقول أقلية هي في النهاية إنما تتعامل مع هذا النظام، الأمر الثاني.. أما الأقباط أنفسهم فكانوا يعبرون عن حنقهم، عن غضبهم ونزلوا في المظاهرات حتى بالرغم مما ذكر من جانب الكنيسة في هذا الصدد، الأمر الأساسي في هذا الموضوع أننا كنا نحلم ولازلنا نحلم بدولةٍ مصرية جديدة تقوم على المواطنة والديمقراطية ولكن هناك كثير من هواجس أعقبت هذه الثورة مثلما أعقبت أيضاً ثورة 19 لو نتذكر أن التلاحم الإسلامي المسيحي تعرض أيضاً لبعض التصدعات في أعقاب ثورة 19 واليوم هناك العديد من المشاكل التي يعرفها القاصي والداني مشكلات تتعلق ببعض القضايا ببناء وترميم كنائس، تتعلق بكنائس مغلقة وعد رئيس الوزراء أن تفتح ولم تفتح، قانون لبناء دور العبادة أيضاً وعد به منذ شهور ولم يصدر، هناك قضايا كثيرة يضاف إلى هذا أيضاً أن الخطاب الإسلامي في بعض عناصره هو خطاب غير واضح وأحياناً يحمل إنكارا للمواطنة بالنسبة للمسيحيين، الخطاب الإسلامي ليس خطاباً واحداً من جانب الإخوان المسلمين ربما يكون الخطاب وسطي ويتحدث أيضاً عن المواطنة ويتحدث عن الاندماج وإن كان الأمر يحتاج إلى إجراءات وسياسات عملية على أرض الواقع ولكن من جانب قوى جديدة دخلت على المجتمع السياسي مثل القوى السلفية، لو نظرنا إلى الخطابات التي تصدرها والمواقف التي قامت بها هي تنزع عن المسيحيين المواطنة وتتحدث عن الذمة وتتحدث عن الجزية وتتحدث عن أشياء هي من قبيل الماضي في الدولة القديمة، لم تعد في دولة حديثة نحلم بها مثلما خرجت وثيقة الأزهر وطالبت بدولة حديثة تقوم على المساواة والمواطنة لكل المصريين، طبعاً هذا الموضوع لا بد أن يثير قلقاً ولاسيما أن يصدر عن قيادي سلفي منذ يومين في حديث تليفزيوني مذاع ومصور أن يقول أن الأقباط كفرة فهذا الأمر بالطبع لابد أن يصيبهم بالقلق على بلد هم يريدون أن يكونوا طرفاً أساسياً في صناعة النظام الجديد الديمقراطي جنباً إلى جنب مع المسلمين مثلما نعرف في تاريخ مصر أن الأقباط لم ينفصلوا عن المسلمين في بناء الدولة الحديثة، هذا الكلام كلام خطير لا يعبر عن الوجدان المصري.

خديجة بن قنة: طيب، شكراً الفكرة وضحت نعم.

سامح فوزي: بالإخوان المسلمين وغيرهم من الوسطيين أن ينتقدون هذا الخطاب.

سقوط الأنظمة وأثره على الأقليات

خديجة بن قنة: نعم، طيب، سيحدثنا بعد قليل أحمد المبارك عن ماهية الخطاب الإسلامي وهو من الإخوان ولكن فقط أشير إلى أنه ليس فقط البابا شنودا الذي كان مؤيداً للرئيس السابق حسني مبارك أو الكنيسة القبطية وإنما أيضاً جامع الأزهر أيضاً كان مؤيداً للرئيس السابق حسني مبارك، الآن فهمنا المخاوف، مخاوف الأقباط في مصر أيضاً المسيحيين في لبنان عبر عن قلق المسيحيين في لبنان البطريرك بشارة الراعي والسؤال لإلياس الزغبي في بيروت، هل القلق الذي عبر عنه البطريرك بشارة الراعي هو محاولة لتصوير الأسد، واضح في كلامه ما لمسه الجميع من محاولة لتصوير الرئيس بشار الأسد على أنه ضامن لحماية المسيحيين في لبنان، هذا الطرح برأيك واقعي ومعقول ومنطقي؟

إلياس الزغبي: في تقديري أن موقف غبطة البطريرك الراعي كان نتيجة تراكمات عبر التاريخ ربما، ولكنها الآن جاءت في غير سياقها الصحيح هو يعبر عن تخوف من أن تأتي أصولية ما إلى الحكم بعد نظام بشار الأسد، نظام بشار الأسد ليس مؤبداً حكماً وهو سينتهي في يومٍ أو آخر، إذن الخوف مما سيأتي بعد الأسد، بعد نظام الأسد هو خوف مشروع من جهة ولكنه مبالغ فيه من جهة ثانية، لأن من يقول مثلاً أن الأصولية هي التي ستخلف الأسد في حكم سوريا، لدينا ثلاث تجارب على الأقل في العالم العربي والربيع العربي في ليبيا، في تونس، في مصر، لم نلمس حتى الآن أن الأصولية أقوى مما كانت قبل هذا الربيع، إذن في سوريا حيث هناك تعدداً وتنوعا وهناك كثير من التفاعل الاجتماعي أكثر من سواه من الدول العربية، نحن لا نتوقع أبداً أن تأتي الأصولية كذا بذهنية متخلفة وأن تحكم على الأقليات، المشكلة هي في الأساس عند الأقليات نفسها في نظرتها إلى نفسها، هي تصنف نفسها أقلية، المسيحيون عبر التاريخ منذ الأمويين والعباسيين مروراً بالمماليك والعثمانيين كانوا منخرطين في صلب الدولة، دولة الأكثريات، دولة السنة، كانوا في الإدارة في المال، في الاستشارة، والمسيحيون حين ينكفئون يتحولون إلى أقلية ويؤدي بهم هذا الشعور إلى مثل هذا الكلام الذي سمعناه وأنا في تقديري كان مبالغاً فيه وقد ذهب بعيداً في التخوف، الخوف لأي أقلية مسيحية أو سواها يزول حين تنخرط هذه الأقلية في إعادة بناء المجتمع، المسيحيون في القرن التاسع عشر أطلقوا وساهموا مساهمة أولى في إطلاق النهضة العربية الأولى في القرن التاسع عشر بين بيروت ودمشق والقاهرة خصوصاً واليوم هم مدعوون إلى خوض غمار التغيير العربي والربيع العربي بدون تردد ولا وجل ولا أي خوف ولا أي نظام دكتاتوري يضمن الأقليات، هو يحتمي بالأقليات، هو يستخدمها يوظفها من أجل أن يبقى وهذا دليل نموذج بسيط استعمله بشار الأسد في الإتيان بوزير مسيحي إلى الدفاع، متى، منذ شهرين كي يغرقه ويغرق الأقلية المسيحية في هذا الولوغ في الدم السوري وإذن هذه الأقلية الأقوى تبتلع الأقلية الأضعف وتصبح بالنسبة للأقلية الأضعف كأنها أكثرية، إذن حلف الأقليات الذي يتحدثون عنه وقد ألمح إليه البطريرك الراعي هو حلف يقتل الأولويات ويدمرها قبل سواها وقد جربناه في لبنان مرتين في التاريخ الحديث.

خديجة بن قنة: أستاذ إلياس أنت ترى أن هذا الخوف مبالغ فيه، لكن هناك من يرى أن البطريرك بشارة الراعي يخشى حقيقةً على مسيحيي سوريا من مصير مماثل لمصير الذي آل إليه أيضاً وضع مسيحيي العراق، قتل تشريد إحراق كنائس تفخيخ أديرة وربما القوى التي فعلت ذلك في العراق لها من يمثلها أيضاً في سوريا، هل ترى ذلك منطقياً وواقعياً؟

إلياس الزغبي: النموذج العراقي لا ينسحب على النموذج السوري طبيعياً، ولكن حتى في النموذج العراقي دعونا نرى بشكل واقعي الأمر، الحكم في العراق اليوم، هو حكم بطبيعة إيرانية بميل إيراني، هو حكم الشيعة وليس السنة، السنة هم الأكثرية في العالم العربي والمسيحيون حل بهم منذ ست أو سبع سنوات ما حل بهم تحت ظل هذا الحكم الجديد الشيعي الإيراني في العراق، في سوريا يا سيدتي حين جاء نظام حافظ الأسد نظام البعث كان في سوريا حوالي مليوني ونصف مليون مسيحي، الآن هم دون المليون، كان هناك أسماء لامعة كثيرة تحكم سوريا مثل فارس الخوري حتى ميشيل عفلق الذي أسس حزب البعث، كانوا أسماء مسيحية لامعة في الإدارة في السلطة في السياسة، اليوم دليني على اسم واحد مميز من المسيحيين في سوريا، يجب ألا ننخدع كثيراً ونذهب إلى القول إن نظاماً دكتاتورياً يحمي أي أقلية مسيحية أو سواها، في لبنان هذا النظام نفسه منذ أربعين سنة دمر لبنان، دمر المناطق المسيحية قبل سواها، هجر المسيحيين والأطراف، سلبهم صلاحياتهم التي كانت قبل الطائفية، هو الحكم نفسه الذي يدمر سوريا اليوم هو دمر لبنان ودمر المسيحيين في لبنان، كيف يحمي الأقليات مثل هذا النظام ولماذا نخاف من أي بديل وأي تغيير يجب علينا أن ننخرط من أجل هذا التغيير كي لا يأتي التغيير على حساب ما يسمى الأقليات وسواها.

الإخوان المسلمون ومخاوف الأقليات

خديجة بن قنة: طيب، أحمد أبو بركة، كي لا يأتي هذا التغيير على حساب الأقليات، إلى ماذا يستند الخطاب الإسلامي لطمأنة الجميع وقبل قليل كان الأستاذ سامح فوزي يقول أنكم تنكرون أًصلاً مفهوم المواطنة في أدبياتكم وخطاباتكم، طبعاً تحدث عن الإخوان المسلمين.

أحمد أبو بركة: تحياتي لك ولضيوفك وللسادة المشاهدين، أتفق تماماً مع كل ما قيل من محدثك من بيروت، النظام الاستبدادي يستخدم ورقة الأقليات لتشطير المجتمع وإضعافه وإحكام القبضة والسيطرة عليه، ولا يمكن بحالٍ من الأحوال أن نتوقع مزيداً من التهميش أو الإضعاف للأقليات، إن جاز التعبير لبعض المواطنين أنهم أقليات، المسيحيون في مصر ليسوا أقلية وكذلك المسيحيين في كل الدول العربية ليسوا أقليات وإن كانوا من حيث العدد قلة، لكنهم مواطنون كاملي المواطنة، الخطاب الإسلامي يقوم على أسس ثابتة راسخة من كاتب الله وسنة رسوله وعلى التطبيق العملي في نظرية الإسلام عن الدولة وعن الحكم وعن النظام السياسي، الدولة في الفكر الأساسي تقوم على ركيزتين أساسيتين، الركيزة الأولى هي مبدأ المواطنة ذلك أن أول وثيقة في التاريخ الإنساني عرفت مبدأ المواطنة ووضعت له محتوى ومدلول هي وثيقة المدينة، ميثاق المدينة الذي أبرمه النبي صلى الله عليه وسلم حينما أراد أن يهاجر فانتقل من مكة إلى المدينة ولم يدخل المدينة ومكث بقباء هناك ثلاث ليالي يقدم عليه فيها غير المسلمين من ساكني المدينة وأبرم لهم ميثاقا كان النص الأول فيه، هو نص لم تكن تعرفه الحضارات القانونية قبل الإسلام ولم تعرفه الدول قاطبةً قبل الإسلام، وهو أن المسلمين واليهود في المدينة أمةٌ واحدة، هذه هي الوثيقة الأولى في التاريخ القانوني التي تعرف مبدأ المواطنة التي توجد معنى للأمة مختلفا عما كانت تعرفه البشرية أنها جماعة من الناس تلتقي على أمر مشترك قد يكون في الدين أو العرق أو الأصل أو غيره من مما تجتمع عليه البشرية، لكن لم تكن تعرف معنى الإجماع على إقليم محدد وأن تخضع لسلطة سياسية وأن تنشأ رابطة قانونية بين من يقيم على هذا الإقليم وهذه السلطة السياسية، تكون هذه الرابطة هي المعيار الوحيد في اكتساب الحقوق والتمتع بالحريات التعامل بالالتزامات، ومضى هذا الاتفاق من بعد يبين الحقوق والحريات فيقرر حرمة النفس وعصمة الدم حرمة العبادة، وحرية الاعتقاد وحرية الشعائر الدينية والعبادة وقداستها، وحرية التملك والتصرف وحرية الرأي والتعبير وغير ذلك من.

خديجة بن قنه: أنت تعود لحقب زمنية قديمة، لكن خطابكم الراهن حالياً في زمن الثورات الذي ارتبط الآن بصعود الإسلاميين وأبرزها الإخوان المسلمون في مصر، إلى أي مدى الإسلاميون مستعدون اليوم لتنقيح هذا الخطاب الإسلامي وجعله منفتحاً على جميع الأطياف السياسية والسكانية أيضاً في مصر ويكون مستند إلى دولة مدنية وإن كان بمرجعية إسلامية.

أحمد أبو بركة:  يا سيدتي هذا الخطاب قلت لك هذه ثوابته هذه أطره النظرية هذه أطره التي لا يملك لا الإخوان غير الإخوان أن يخرجوا عليها أو أن يخرجوا عنها إن خرجوا عنها فهم خاطئون، هذه ثوابت أصلية في الخطاب الإسلامي ثابتة بنصوص قطعية الثبوت قطعية الدلالة، لا يملك كائناً من كان أن يخرج عليها، وبالتالي فهو ذات الخطاب، أنا لا نتحدث عن فترات زمنية إنما نتحدث عن أصول ثابتة في النظرية الإسلامية في الحكم وفي الفكر السياسي وفي النظام السياسي، تتحدث عن المواطنين باعتبارهم يتمتعون بالرابطة القانونية بينهم وبين الدولة والسلطة السياسية، هذه الرابطة هي المعيار الوحيد في التحمل باكتساب الحقوق والتمتع بالحريات والتحمل بالالتزامات لا يوجد معيار آخر لا دين ولا جنس ولا أصل ولا غيره، وبالتالي نقول نحن أصحاب السبق في تأسيس مبدأ المواطنة وتعريف هذا المبدأ وإعطاء الحقوق والتحمل بالالتزامات بناء عليه، في هذا الميثاق تحمل واجب الدفاع وأمانته تحملاُ عينياً بعض غير المسلمين عن أماكن في المدينة وده تطبيق عملي وبعضهم لم يرغب في ذلك بحرية واختيار وقدم أداءً مالياً لتحمل عبء الدفاع عن الدولة، وبالتالي كما قال أيضاً ضيفك من القاهرة أن المسيحيين لا يخافون من خطاب الإسلام ولا يخافون من الإخوان المسلمين، إنما يخافون من الاستبداد والقهر والإقصاء الذي يقصي الجميع، الكارثة الكبرى سيدتي على المجتمعات العربية على كل مكونات الشعوب وهي إقصاء الشعوب وهي إلغاء مبدأ مصدرية الشعب، هي إلغاء مصدرية الشعب للسلطة، هي إلغاء وجود الشعوب كصاحب مصلحة أصيلة في إدارة الحياة وفي تطوير الحياة، وفي بناء حضارة جديدة وفي تصدير القيم الإنسانية للعالمين بل وفي صناعة الحياة على هذا الأرض وفي هذا المكان، حينما يأتي الاستبداد يكون الإضعاف وتستخدم هذه الأوراق أوراق الأقليات للتشطير وللتبغيض لمزيد من الإضعاف كي لا يقوى المجتمع كي لا يجابه الاستبداد ويسقطه، وتستخدم هذه الورقة أيضاً في مخاطبة ومداعبة ومغازلة القوى الخارجية التي ستكون إقليمية وعالمية لكي تكرس الاستبداد وتكرس وجوده ويضمن هذا وجوده لأبعد مدى، الحل الوحيد لكي يتمتع كافة المواطنين باعتبارهم مواطنين هو نظام قانوني يفرز الدولة القانونية الصحيحة التي تحترم الحقوق والحريات وتقوم على أساس المواطنة وعلى أساس مبدأ سيادة الشعب ويندرج كل ذلك في دستور مكتوب واضح يضمن الفصل بين السلطات ويضمن الحقوق الحريات والأمن بنطاق واسع ويضمن الرقابة القضائية الشاملة على ممارسة الحقوق والحريات ويضمن كذلك (جملة غير مفهومة) على القاعدة القانونية ويضمن معايير تكريس القاعدة القانونية التي هي في وجهة نظرها في النظام الإسلامي أن الشريعة الإسلامية بما ضمنته من أصول وثوابت مستقرة تضمن حقوق الناس كافة بغض النظر عن أجناسهم أو أديانهم أو ألوانهم أو عقائدهم أو.

خديجة بن قنه: طيب دعني أنتقل إلى بشار عيسى في باريس، دعني أنتقل إلى بشار عيسى من باريس، طيب، بشار عيسى في باريس ربما ما يراه البعض ربيعاً قد تراه الأقليات العرقية والدينية في الدول التي حدثت فيها ثورات خريفاً لهم، ارتباط لكن دعني أسأل عن هذا الارتباط الذي أو على الأقل بعض الارتباط بهذه الأقليات هو النظم الحاكمة عبر التاريخ، إلى أي مدى ساهم في تكريس هذا الواقع الذي تعاني منه الأقليات في العالم العربي.

بشار عيسى: اسمحي لي بالأول سيدتي أن أوضح فكرة، أن ثورات العالم العربي اليوم هي ليست انقلابات وليست ثورات عقائدية أو أيديولوجية وكما تفضلتم أنها ثورة أطلقها شابٌ فقير انتفض لكرامته ومن أجل حريته وحق العمل أي أنه ثار على هذا النظام العربي السائد والذي أصبح له عشرات السنين يمسك بخناق المجتمعات يخنق الرأي، ألغى المجتمع، ألغى مؤسسات المجتمع المدني، خلق لنفسه بؤراً يعتاش منها، وهذه الأنظمة التي سادت هي التي ألغت المجتمع وألغت الحياة السياسية وحرية الرأي والكرامة، اليوم الشعوب تثور من أجل استرداد أوطانها ومجتمعاتها من دولة الاستبداد.

خديجة بن قنه: بغض النظر عن انتماءاتها الدينية.

بشار عيسى: حقيقةً الشباب الذين قادوا هذه الثورات لا يستطيع باحثٌ واحد أن يجد فيها أو يتقدمها أو يتقدم خطابها انتماءاً دينياً أو عرقياً أو قومياً عربياً، هؤلاء نطقوا تماماً ما عبر عنه شباب سوريا، الحرية الكرامة المواطنة ضد الاستبداد ضد الفساد القطع مع هذه النظم السائدة والتي تشبه بعضها بدرجات متفاوتة ألغت المجتمع، هؤلاء الشباب، شباب عصري واعي، ودعيني أقول في كل هذه الثورات تخلفت الأحزاب السياسية سواءً الدينية أم القومية أم اليسارية عن الالتحاق بالثورة وتحاول جاهدةً أن تلتحق بالثورة الشبابية، بثورة الحرية والكرامة وأن تجد لها مكاناً في هذا التسارع الذي يحدث من أجل استعادة المجتمع والوطن من الاستبداد من الذي ألغى التنوع الثقافي والتنوع الاجتماعي لمكونات المجتمعات العربية، في البلاد العربية، دعني أقول وليس العربية، الأنظمة الاستبدادية التي حاولت أن تبدي لها أعشاشاً أو أوكاراً يستفيد منها مجمل النظام العربي الأيديولوجي على حد تعبير ياسين الحافظ بدل من أن يجعلوا من الشعوب العربية، وقوداً لتحرير فلسطين جعلوا من فلسطين وقوداً لحرق الشعوب العربية، هؤلاء من أعوانهم من أتباعهم، هم الكهنوت هم الأكليروس سواءً كان المسيحي أم الإسلامي السلفي في سوريا حافظ أسد سنة 82 حين قضى على الانتفاضة الشعبية وتدمير مدينة حماه، هو الذي قرب (مؤسسة الإفتاء وهو الذي قرب البوطي كلية الشريعة وهو الذي أوجد مدارس حفظة القرآن وهو الذي أنشأ منظمة ومؤسسة الرشيخات القبيسيات الذي أشاع السلفية، قوى السلفية ترتبط بالأنظمة، مثل ما الأزهر يرتبط بمبارك مثل ما البطريركية القبطية ترتبط بالسلطة لأن الكنيسة المسيحية على مدى التاريخ من يوم أن تبنت بيزنطة المسيحية كديانة رسمية مثلها مثل المؤسسات الدينية الوقفية الأخرى تحاول أن تستفيد من علاقتها بالسلطة، اليوم الثورات.

خديجة بن قنه: واضح العلاقة بين هذه الأقليات والسلطات الحاكمة في العالم العربي في هذا الجزء الأول من برنامجنا سلطنا الضوء على وقائع وهواجس الأقليات العرقية والدينية في العالم العربي، سنحاول أن نتحدث في الجزء الثاني عن البدائل والحلول لكن بعد فاصل قصير، فلا تذهبوا بعيداً.

[فاصل إعلاني]

خديجة بن قنه: مشاهدينا أهلاُ وسهلاُ بكم إلى حديث الثورة من جديد والتحول إلى القاهرة وللأستاذ سامح فوزي، أستاذ سامح حينما يقول المفكر القبطي ميلاد حنا، يقول أنه سيترك مصر إذا تسلم الإخوان الحكم وسيدعو الأقباط أيضاً إلى مغادرة مصر لو تسلم الإخوان الحكم، أليس هذا مصادرة لإرادة الناس وسلوكا غير ديمقراطي من جانبه.

سامح فوزي: أنا أعتقد أن هذا التصريح غير موفق ومرفوض جملةً وتفصيلاً الأقباط مثلهم مثل المصريين جميعاً مسلمين ومسيحيين، لا بد أن ينخرطوا في الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية داخل المجتمع المصري وبناء مصر الجديدة على أكتاف مواطنيها جميعاً دون استبعاد ودون إقصاء وإذا تحدثنا عن الإخوان المسلمين فكما أن هناك مساحة من الاتفاق معهم هناك أيضاً مساحة من الاختلاف، هذا أمر طبيعي ويظل محورا للنقاش وفي تقديري أن الأقباط الحليف التقليدي للمسيحيين العرب هو الإسلام الحضاري الذي يقوم على فكرة المساواة بين المواطنين بصرف النظر عن اختلاف في اللون أو الدين أو الجنس أو العرق، ويحفظ لهؤلاء المواطنين المساواة ويحفظ لهم حقوقهم وواجباتهم في ظل دولة أغلبيتها من المسلمين وهذه الصيغة المصرية تعارفنا عليها على مدار القرن العشرين ولدينا كتابات فقهاء، ولدينا أيضاً نظريات حديثة في مثل هذا الموضوع، سواء أكان في كتابات المستشار طارق البشري أو الأستاذ فهمي هويدي أو غيرهم لكن القضية الأساسية في هذا الموضوع هو أن نتخلى عن هذه الهواجس ونوفر مساحات للانطلاق لهؤلاء المواطنين المسلمين والمسيحيين وأنا أعتقد أن هذه هي المسؤولية الكبرى للتيار الرئيسي في المجتمع فإذا كان التيار الرئيسي كما يقول الإسلاميون أنهم هم التيار الرئيسي في المجتمع فهذا واجبهم وهذا دورهم وتقع على عاتقهم المسؤولية الأكبر في إدماج القطاعات المختلفة داخل المجتمع في إطار منظومة الحقوق والواجبات، أما المسيحيين فلا أعتقد أنهم سيتركون مصر، فهم ليدهم أرضهم ولديهم علاقاتهم الإنسانية داخل المجتمع المصري ولديهم آثارهم ولديهم تاريخهم، وإذا كان أي شخص يريد أن يترك فليترك ولكن سنظل موجودين في مصر مواطنين مشاركين في تحقيق المواطنة الكاملة والمساواة الكاملة والديمقراطية الكاملة أيضاً داخل المجتمع المصري ولا أعبء بمثل هذه الأمور وإذا حكم عليّ أن أكون معارضاً لأي تنظيم أو فصيل، فسأكون معارضاً له داخل مصر، هذه نقطة، نقطةً أخرى عندما نتحدث عن نظام الاستبداد ونظام مبارك فلا بد أن نعرف أنه ترك مساحة واسعة جداً من الهواجس داخل المجتمع المصري لا يجوز القفز عليها، ولا يجوز تجاهلها لا بد من نقاشها كان يرسل للمسيحيين أنه يحميهم من الإسلام السياسي، ويرسل للإسلام السياسي رسالة أن المسيحيين يريدون أن يكونوا دولة داخل دولة وترك مساحات واسعة جداً من الهواجس وترتب عليها مشكلات كثيرة ترك المشاكل بلا حلول لم يسهم في حلها لا بد في إطار الدولة الجديدة أن حل هذه المشاكل.

خديجة بن قنه: طيب في إطار الدولة الجديدة، نعم، في إطار الدولة الجديدة، شكراً أستاذ سامح، أحمد أبو بركة هذه الدولة الجديدة ألا يفترض أن تكون هي الدولة المدنية القائمة على أساس المواطنة العدالة الحرية الديمقراطية، هل هذا تصوركم لها؟

أحمد أبو بركة: هذا هو عين تصورنا للدولة وإن كنت أتحفظ على كلمة على مصطلح الدولة المدنية باعتبار ممثلة للفكر السياسي النظامي إنما أقول الدولة القانونية، الدولة القانونية التي تقوم على ركيزتين كما قلت.

خديجة بن قنه: نعم، لكن نريد أن نفهم لماذا هذه الحساسية المفرطة للإسلاميين من مصطلح الدولة المدنية.

أحمد أبو بركة: لا هي ليست حساسية مفرطة من المصطلح لكنه استخدم لأنه عجز عن استخدام مصطلح العلمانية في العالم العربي والإسلامي، فبدأ يستخدم هذا المصطلح كتلطيف لكلمة الدولة العلمانية، لكننا نحن نريد مصطلحاً منضبطاً مصطلحاً عرفه العلم، وعرفته التجربة ومصطلح حقيقي صادق للتعبير عن مضمونه ومحتواه في الواقع نعني الدولة القانونية، هي الدولة التي تقوم على مبدأ المواطنة باعتبارها ركيزة أساسية وعلاقة واحدة بأن المواطن والدولة في التعاطي مع الحقوق والحريات العامة، والترجمة العملية له مبدأين مبدأ المساواة ومبدأ تكافؤ الفرص بين كل المواطنين بغض النظر عن الجنس أو الأصل، أو العرق أو الدين أو غير ذلك مما يميز بين الناس، والركيزة الثانية مبدأ سيادة الشعب وله ترجمة كما قلت، دستور مكتوب يحدد شكل الدولة ونظامها السياسي، ويقوم بنظام الحكم فيها على مبدأ الفصل بين السلطات.

الأقليات والبديل الديمقراطي

خديجة بن قنه: هل أنتم مستعدون، سيد أبو بركة، هل أنتم مستعدون للتخلي عن فكرة المرجعية الإسلامية طالما أنها تخيف هذه الأقليات؟

أحمد أبو بركة: يا سيدتي المرجعية الإسلامية لا تخيف الأقليات، أنا لا أحب كلمة الأقليات لا تخيف إخواننا المسيحيين المواطنين المسيحيين في مصر ولا في غير مصر من بقاع العالم العربي، بل هذه المرجعية الإسلامية هي الضمانة الحقيقية للحقوق الحريات للمسلمين وغير المسلمين، هذا التنوع الكبير وهذا البقاء للتنوع على مستوى العقائد على مستوى العبادات على مستوى التنوع الحضاري بين مختلف أصحاب العقائد والديانات لم تضمنه ولم يضمنه نظام قانوني ولم تضمنه حضارة بمعناه العام الشامل كما ضمنته الحضارة الإسلامية ونظام القانون الإسلامي المسبب بالشريعة الإسلامية، النظام الإسلامي السياسي حينما يقوم على الثوابت والأصول الموجودة بنصوص قطيعات السلوك قطيعات الدلول في كتاب الله عز وجل وسنة رسوله، هي الضمانة الحقيقية لكل حق، لكل إنسان بغض النظر عن معتقده أو جنسه أو لونه أو لغته أو عرقه أو غير ذلك، هي الضمانة الحقيقية التي تتمتع بحقوقه وحرياته ليس على مستوى النص فقط بل على مستوى الواقعية في واقع الحياة بحيث تتمتع بهذه الحقوق والحريات بلا كلفة وبلا إعاقة وبلا حاجة إلى اللجوء إلى سلطة الإدارة، وبلا معوقات وبانتظام وباطراد، وبالتالي الضمانة الحقيقية في الإسلام وفي مرجعية الإسلام وليس في نظم التي تبتدع من اليمين واليسار ولا تتفق ومقومات المجتمع المصري أو العربي أو مقومات المجتمع الإسلامي ثم تصطدم معه وتوجد مساحات كبيرة لمن يريد أن ينحرف أو يستبد فينحرف ويستبد وهو في حلٍ من المجتمع ومن يقظة الفكرة القانونية في وجدان وشعور ومقومه الأساسي كشخصية إنسانية فتفتح مناخ واسع للاستبداد فتفتح مناخ واسع للاستبداد, فتعصب بالحقوق وبالحريات, فيسقط المجتمع كله في هوة التخلف, فيفسد الاجتماع ويفسد الاقتصاد وتفسد السياسة وتفسد الحقوق وتفسد الحريات, بل تفسد الإنسانية في الإنسان, وينقلب المواطن كأنه كما وتراثا يباع ويشترى, ولذلك قامت الثورات قديما وقامت الثورة حديثا, لا لشيء إلا لأن نضع حدا لأن نورث, أو أن نكون عقارا أو متاعا وأن نستعيد حريتنا ونستعيد كرامتنا, جميعا مسيحيين ومسلمين, وغير ذلك من أصحاب الديانات, حتى لو كانوا يهودا في المجتمعات العربية والإسلامية الذي يضمن لهم بقاء عقائدهم, الذي يضمن لهم بقاء دور عبادتهم سليمة, وأن يضمن لهم بناءها وتعميرها وإعمارها الذي يضمن حرمة العدوان عليها, وحرمة الانتقاص منها, أو حرمة العدوان على حقوقهم أو حرياتهم, ألا زاد أن حقوقهم العامة كافة, حق التملك والتصرف, حق التنقل حق حرية الرأي والتعبير, حرية التجمع السلمي في الأحزاب والحريات, والتجمع المهني النقابي والتجمع الأهلي, بكل فروعه ومشتقاته وألوانه وروافده, بحيث يضمن حد الكرامة الإنسانية بعيش كريم, بحيث إذا سقط بالمواطن بأي كان أيضا جنسه أو دينه أو لغته, دينه أو عن حد الكرامة الإنسانية, تضطلع الخزينة العامة بتحمل هذا الدين عنه, وكذلك في مسألة الرعاية الصحية وغير ذلك من أنواع الرعاية في المجتمع.

خديجة بن قنة: لكل المواطنين طبعا, إلياس الزغبي هل إذن تفكيك النظم الاستبدادية وإقامة نظم ديمقراطية بديلة نظم تعددية, هل تحل مشكلة المجموعات الدينية والعرقية تلقائيا برأيك؟

إلياس الزغبي: طبيعيا التغيير الذي سيحصل, أنا باعتقادي وتقديري سيكون نحو الأفضل وليس الأسوأ مرة في أحد التعليقات, نحن نتجه نحو حالة اجتماعية جديدة تؤسس للانفتاح على الديمقراطيات الأخرى, حتى الإسلام الحديث يختلف عن الإسلام منذ أربعين سنة مثلا, الجماعة الإسلامية في لبنان وسواه, والإخوان المسلمون هم اليوم يختلفون كثيرا عما كانوا عليه قبل أربعين سنة أو نصف قرن, إذن هناك تفاعل حدث بين قيادات هذه الجماعات والمجتمعات الأخرى الأوروبية وغير الأوروبية, وقد اختزنوا تجارب جديدة ونحن نسمعها, اليوم مساء اليوم صدر بيان عن الجماعة الإسلامية في لبنان يتحدث عن رفض الذمة, أي فكرة الذمة التاريخية المعروفة, رفضوها أي هم الأخوان المسلمون, ورفضوا أيضا أن يكون المسيحي إلا شريكا, بمرتبة شريك وليس بمرتبة تابع, في سوريا النظام استغل الأقليات هو أقلية ويستغل الأقليات هو الأقلية الأقوى, بعد النظام السوري أنا لا أخشى من أصولية ستأتي, في العالم العربي جميعا ستأتي مرحلة الوطنيات أو الحالات الوطنية أو الوطنيات, حتى ليس الحالات القومية العمياء التي كانت هكذا تلتهب بمشاعر حادة, الاتجاه نحو الوطنيات بمعنى أن لبنان وطن, سوريا وطن, الأردن وطن, مصر وطن, إلى آخره, ويتعاملون هذه القوى هذه الدول تتعامل على أساس خلفية وطنية وليس على أساس خلفية أصولية, أو خلافة إسلامية أو عالم إسلامي, أو على خلفية قومية متزمتة ومقفلة, إذن المسألة تتجه باتجاه تصاعدي نحو التفاعل مع المجتمعات الحديثة, ونحن لا نخشى أن المسيحي الماروني الأقلوي بين مزدوجين, وأرفض الكلمة أيضا, أنا لا أخشى من هذا الحراك العربي, لأنه مطعم على التجربة الحديثة التي يعيشها الإسلام السياسي اليوم, والأصولية بلغت ذروتها وهي لم تعد في مرحلة ازدهار, بل في مرحلة انحسار, فظاهرة بن لادن هي بلغت ذروتها والآن هي في اتجاه تراجعي, إذن لماذا هذا الخوف علينا نحن الذين يسموننا أقليات أن نتجه نحو القيم, أنا طرحت حلا سميته حلف الأولويات وليس حلف الأقليات طبعا, ردا على حلف الأقليات المدمر للأقليات, الأولويات بمعنى الأهداف الديمقراطية المواطنة العدالة حقوق الإنسان الاعتراف بالآخر التفاعل الحياة الحديثة القيم الإنسانية, نتفق عليها, وقد اتفقنا في لبنان على هذه القيم في 14 آذار 2005 فكانت ذروة حلف الأولويات في هذا التعبير السياسي, بين مسلمين ومسيحيين, بين السنة والمسيحيين والدروز وأقلية شيعية, إذن المسألة تتجه باتجاه واضح نحو مصلحة المجتمعات العربية, وليس خطوة إلى الوراء إلى عهد الحشاشين مثلا, أو حتى عهد ابن تيمية وسواه.

الأقليات ودورهم في الربيع العربي

خديجة بن قنة: سيد بشار عيسى في باريس, كيف يمكن جعل الربيع العربي ربيعا لكافة المجموعات الدينية والعرقية, وهل ثمة مسؤولية برأيك على عاتق هذه المجموعات؟

بشار عيسى: أنا قناعتي أن ربيع الثورات الذي سيؤدي إلى أنظمة ديمقراطية سليمة قائمة على أسس مواطنة, ودولة مدنية عصرية بدستور أربعين خمسين سنة غابت عن مجتمعاتنا، دستور ينظمها, وقانون يفصل في أمورها, ليس لمن يرى في نفسه أقلية أو ضعفا أو تميزا, ليس له من حماية غير دولة الديمقراطية, غير الديمقراطية كنظام يفصل بين السلطات وتتقدم حقوق المواطنة, على الامتيازات التي تعطى هبات لهذا التابع أو ذاك, من مصلحة من يسمون أنفسهم أقليات, وأنا شخصيا لا أرى في الأكراد أقلية ولا أرى في المسيحيين أقلية ولا أرى في الدروز أقلية, السلطان باشا الأطرش حينما أراد الفرنسيون رشوته, أعلن أنه عربي وينتمي إلى العروبة, وهو يحمل لواءها, الدولة الوطنية السورية التي ورثناها من الاستقلال, كانت دولة تعددية, من يعرف إلى من تنتمي هذه الأسر, آل نظام الدين, فارس الخوري القوتلي, مردم بيك, الجابري, هذه الأسر في فترة من الفترات, أسندت وزارة الأوقاف بالوكالة إلى الشيخ فارس الخوري, كان على البطريرك الراعي أن يتمثل بفارس الخوري, يعني لا أفهم هذه الهدية المجانية التي قدمها للسلطة السورية التي أرادت منه أن تخردق الحصار الدولي المتواضع الذي يحاول أن يمنع قتل السوريين, يعني هذا الكلام أعيده لإخوتنا الموارنة, وإخوتنا المطارنة الموارنة أن يحكموا على موقف البطريرك الراعي, نحن في سوريا مكونات الشعب السوري اضطهدت بالكامل, وأكيد في مصر كذلك, من كان يعرف إذا في محمد بو عزيزي أمازيغيا أم عربيا, صحيح في دولة الاستبداد يقرب الاستبداد بعض الناس, ويبعد بعض الناس.

خديجة بن قنة: ولو كان محمد البوعزيزي في الغرب, لكان مصدر تنوع عرقي وديني ومذهبي, طبعا هناك فرق كبير بين النظر إلى الأقليات في الغرب وفي العالم العربي, لأنها في الغرب مصدر تنوع وثراء وغنى, وفي الواقع في العالم العربي يختلف الواقع عن ذلك, لأنها مصدر أزمات ومشكلة, كيف يمكن تحويلها إذن الأستاذ سامح فوزي, كيف يمكن تحويل هذا التنوع إلى مكون أصيل في المجتمعات العربية, وربما لعلها هي الآن من أقدم المجموعات؟

سامح فوزي: التنوع في حد ذاته قيمة إنسانية كبرى وهو يعني عنصر أساسي من عناصر الحياة في المنطقة العربية, المشكلة عادة تأتي ليست من التنوع ولكن في إدارة التنوع, يعني إدارة التنوع التي عرفناها على مدى عقود كانت إدارة رديئة أحيت الأحقاد وعمقت الفجوة ما بين المجموعات المتنوعة المختلفة ووجدت مساحة من الهواجس الكثيرة بينهم, وأحيانا وجدت ذاكرة محملة بمشكلات كثيرة ومشاعر سلبية تجاه بعض المواطنين داخل المجتمعات, اللحظة الحالية هي لحظة فارقة في المنطقة العربية, عندما نبني دولة جديدة, دولة نستعيد بها مفهوم المواطنة, دولة وطنية حديثة تقوم على إدارة التنوع, إدارة التنوع تحتاج إلى عدد من المتطلبات, المتطلب الأول, حكم كامل للقانون ومساواة الكاملة لكل المواطنين بصرف النظر عن أي اختلاف في اللون أو الدين أو الجنس أو العرق, مساواة في الفرص والوصول إلى مراكز اتخاذ القرار, مشاركة لا تحمل المغالبة ولا تحمل الإقصاء لأي طرف من الأطراف, نقطة ثالثة حرية ثقافية وحقوقا ثقافية داخل المجتمعات العربية, هذا العنصر غائب الثقافة العربية هي ثقافة غنية بتنوعها, والحقوق الثقافية للأفراد وللمواطنين المختلفين هي التي تعمق وتثري الثقافة العربية بنوع من أنواع التنوع وبلون خاص بها, القضية إذن تحتاج إلى منظومة شاملة من الحقوق والواجبات, تحتاج إلى دولة كما تحدث المتحدث من القاهرة, تحتاج إلى دولة مواطنة ودولة قانون ولكنها أيضا تحتاج إلى دولة ترعى المختلفين, وتنص على هذا الاختلاف وتجعل هذا الوطن, ليس وجود المسيحي فيه وجودا رمزيا أو وجودا استدعائيا أو وجودا هامشيا, ولكنه وجود حقيقي لمواطنين, ولا أمل إلا في الاندماج, لا أمل بالنسبة للمسيحيين إلا في الاندماج داخل نسيج المجتمع العربي, وان يصبحوا عنصرا فاعلا من عناصر ما أطلقت عليه الإسلام الحضاري.

خديجة بن قنة: شكرا جزيلا لك الأستاذ سامح فوزي كنت معنا من القاهرة, وأشكر أيضا من بيروت إلياس الزغبي, وكان أيضا معنا من باريس بشار عيسى المعارض السوري, ومن القاهرة أيضا أحمد أبو بركة, شكرا جزيلا لكم, وبهذا نأتي إلى نهاية حلقة هذا اليوم من حيث الثورة, غدا بإذن الله أو الأسبوع المقبل بإذن الله، حديث آخر من أحاديث ثوراتنا العربية, لكم مني أطيب المنى والى اللقاء.