- رد فعل المواطن إزاء المحاكمة
- محاكمة مبارك في الإعلام المصري

- المحاكمة حيلة سياسية أم تنفيذ لمطالب الثورة؟

المحاكمة وتأثيرها على الحكام العرب

فيروز زياني
سليم عزوز
أبو يعرب المرزوقي
إسلام لطفي
محمد السعيد إدريس
فيروز زياني: السلام عليكم وأهلا بكم في حديث الثورة ها قد مثل الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك وولداه أمام القاضي، لحظة تاريخية أن يُرى فيها زعيم عربي حبيس قفص الاتهام وتلقى على مسامعه تهم ارتكاب جناية القتل والفساد، وقد تكون لحظة فاصلة في تاريخ ممارسة السياسة العربية التي لم تعرف يوماً مبدأ المساءلة والمحاسبة، اليوم هذه المحاكمة قد تكون وضعت نهاية لهذا الاستثناء الذي أنتج عقوداً من الاستبداد والفساد، عملا للقول السائر من أمن العقوبة أساء الأدب، هذه المحاكمة ترسي سابقة لم تعرفها الدولة العربية الحديثة، زعيمٌ ملأ يوماً الأسماع والأبصار يجري عليه حكم القانون كما يجري على بقية الرعية يُسئل كما تُسئل ويجيب كما تجيب.

[تقرير مسجل]

القاضي أحمد رفعت: المتهم الأول محمد حسني السيد مبارك.

حسني مبارك: أفندم أنا موجود.

أمير صديق: في لحظة مشحونة بالرمزية عامرة بالدلالات، تحقق الجميع من وجوده داخل قفص الاتهام، إبتداءا من اليوم سيحفظ الناس هذه الصورة للرئيس المخلوع محمد حسني مبارك، لن تقفز إلى أذهانهم عندما يتذكرونه بعد اليوم صورة الرئيس الذي تطغى هيبته على كل اعتبار ولم تتداعى إلى ذاكراتهم مقرونة باسمه هيئة ذلك الرجل المتأنق مصبوغ الشعر مشدود القامة المختلف عن سائر البشر حتى عندما يتعلق الأمر بسنن الطبيعة فهو ليس كبقية الناس يشيخ ويعجز بفعل كر السنين ولو بلغت ثلاثة وثمانين سنة، تلك صورة قد اندثرت أو إنها في الطريق إلى الاندثار لتحل محلها صورة شيخ في حال ضعفه البشري الطبيعي أعجزه المرض وأثقلت كاهله السنون حتى لم يعد يستطيع الإستواء على قدميه، ولعل أسوأ ما في سيرة مبارك أنه حين عجز الإستواء على قدميه كان عليه أن يواجه ما اقترفت يداه ففعل ذلك أعزل من كل معين أعانه على فعل ما يحاسب بسببه الآن، انشغل عنه أتباعه بهمومهم ولم يعد يجد إلا ما يجده كل أب عادي، أبناء كسائر الأبناء يذودون بأجسادهم عن وجه والدٍ تبتذل الكاميرات كهولته وتعرض ضعفه أمام العالمين.

[نهاية التقرير]

رد فعل المواطن إزاء المحاكمة

فيروز زياني: لمناقشة هذه القضية ينضم إلينا من القاهرة كل من سليم عزوز الكاتب الصحفي المتخصص في قضايا الإعلام، وسينضم إلينا لاحقاً إسلام لطفي عضو المكتب التنفيذي في ائتلاف شباب الثورة، نرحب بك سيد سليم ونسأل بداية قبل أن نخوض في غمار هذا النقاش، كمصري هل تخيلت يوماً أن ترى مبارك كما رأيته اليوم؟

سليم عزوز: في واقع الأمر لا أظن أن هناك أحداً قد تخيل أن حسني مبارك هذا الرجل الذي حكم مصر طيلة ثلاثين عاماً بالحديد والنار وكان يتصرف في البلاد تصرف الملك فيما يملك، لا أعتقد أن هناك أحداً كان يظن أن هذا الرجل يمكن أن يمثل في يوم من الأيام إلى المحاكمة أو يمكن حتى أن يقال أو أن يقدم إلى المحاكمة على النحو الذي قدم به مؤخراً حتى اللحظات الأخيرة كنا نؤمن بأن حسني مبارك لن يحاكم ولن يقدم إلى المحاكمة ولن يأت إلى المحاكمة أصلا لكنه الآن قد جاء إلى المحكمة وقدم للمحكمة بالفعل ووضع في قفص الإتهام كما وضع كثيرين من خصوم النظام السابق طيلة الفترة الماضية وطيلة الثلاثين سنة الماضية التي كان حسني مبارك قد استخدم فيها حقيقة، القضاء في تصفية خصومه السياسيين على نحو مزعج، الدكتور سعد الدين إبراهيم وأيمن نور وأعضاء وقيادات الجماعات الإسلامية استخدم المحاكم الإستثنائية واستخدم القضاء الإستثنائي واستخدم القضاء العسكري والقضاء الطبيعي أيضا من أجل تصفية هؤلاء الخصوم الآن على الباغي تدور الدوائر.

فيروز زياني: الآن كإعلامي متخصص وبعين متفحصة ما رأيك بالتخريجة الإعلامية لهذه المحاكمة؟

سليم عزوز: هو في واقع الأمر، جاءت هذه المحاكمة لتذكرنا بالتلفزيون المصري كنا قد نسينا هذا التلفزيون الذي استخدمه حسني مبارك في أيام الثورة من أجل التلسين على الثوار ومن أجل تشويه سمعة الثوار ومن أجل الإساءة إلى الثورة المصرية، نحن كنا قد نسينا هذا التلفزيون كلية لكنه جاء الآن هذا التلفزيون الذي أُستخدم وهذه الشاشة التي استخدمت من أجل أن تعزز وتكرس نظام حسني مبارك فإذا بهذه الشاشة تذكرنا بنفسها وتقوم بعملية نقل لهذه المحاكمات، وهذا جرى حقيقة بعد ضغط الثوار الذي حدث منذ 8 يوليو حتى الآن من دعوة إلى مليونية أتبعها اعتصام مفتوح في ميدان التحرير وفي غيره من الميادين، النظام في مصر في واقع الأمر أن هذه المحاكمة العلنية والمحاكمة في حد ذاتها جاءت بعد ضغوط من قبل الثورة المصرية، عملية نقل المحاكمات كانت هذه مسألة صعبة للغاية نقلها تلفزيونيا، لا سيما..

فيروز زياني: أستاذ سليم، نود أن تبقى معنا نعتذر منك لدواعي النقل المباشر ننتقل مباشرة إلى نيويورك وجلسة مجلس الأمن المخصصة لمناقشة الأوضاع في سوريا ومشروع القرار أو حتى البيان الرئاسي المتوقع نتابع ذلك. إذن مشاهدينا الكرام كنا في متابعة هذه الجلسة القصيرة إن صح التعبير والتي تلي فيها ما سُمي وثيقة من مجلس الأمن وهي عبارة عن بيان عبر فيه عن قلقه الكبير من الوضع المتدهور أو المنهار كما سماه في سوريا والأسف الشديد لموت مئات من الناس ولعل الأهم هي إدانة مجلس الأمن لانتهاكات حقوق الإنسان واستخدام القوة من قبل السلطات السورية ويدعو إلى نهاية فورية لكل أشكال العنف ويدعو السلطات السورية إلى إحترام حقوق الإنسان وإحترام إلتزاماتها في القانون الدولي، كما أشار بأن الإلتزامات بالإصلاح التي وعدت بها الحكومة السورية ينتظر تنفيذها ويدعوها لتنفيذ هذه الإلتزامات، يؤكد على إلتزامه على وحدة الأراضي السورية وأن الحل الوحيد يأتي من خلال عملية سياسية سورية تهدف لمعالجة تطلعات جميع السوريين من حرية تعبير كما قال والتجمع السلمي. كلمة كانت لمندوبة لبنان قالت بأن لبنان يرى طبعاً بأنه هذا البيان لا يساعد على معالجة الوضع الحالي في سوريا، وعليه فإن لبنان ينأى بنفسه بخصوص هذا البيان الصادر اليوم من مجلس الأمن، حتماً ستكون لنا وقفة في جولتنا الإخبارية حصاد اليوم مع هذا الموضوع وغيره من المواضيع. الآن نعود لمناقشة موضوع آخر شكّل حدثاً مهماً وهناك من وصفه باللحظة التاريخية مصرياً وحتى عربياً وهو يتعلق بمحاكمة الرئيس المخلوع حسني مبارك، ونجليه، وبعض من أركان نظامه يبقى معنا من القاهرة سليم عزوز الكاتب الصحفي المتخصص في قضايا الإعلام، وانضم إلينا الآن إسلام لطفي عضو المكتب التنفيذي في إئتلاف شباب الثورة، لعله من المفيد أن نستطلع رأي إسلام فيما شاهده اليوم على شاشات التلفزيون، كيف رأيته كيف امتزجت المشاعر، وبإعتقادك ما الذي يمكن أن يمثله بالنسبة لتاريخ مصر الحديث.

إسلام لطفي: بسم الله الرحمن الرحيم، أنا شايف إن ده يوم تاريخي لمصر النهاردة بداية نقدر نقول إنها بداية حقيقية لنهاية عصر الفراعين، مثول مبارك أمام المحكمة اليوم ليُسائل على قدر المساواة أمام القانون مثله مثل أي متهم ارتكب جرم دليل أن دولة القانون بدأت في مصر، وأن العجلة تقدمت إلى الأمام، اليوم نقول أن مصر بدأت مرحلة تاريخية، أنا شخصياً بحب اتوجه بالشكر للمجلس العسكري وللمجلس الأعلى للقضاء للجهود اللي بذلوها، المجلس الأعلى لقضاء يؤدي دوره طبعاً بشكل محترم وبشكل نزيه، المجلس العسكري أنا بشكره لأن الحقيقة أنا شخصياً كان عندي توجسات إن مبارك لن يتم محاكمته، وكنت متخوف من بعض الشوفينية يعني اللي تكون موجودة في المؤسسات العسكرية عادة إن ده كان قائد أعلى في يوم من الأيام، وإن هم لن يسمحوا بأنه يمثل أمام المحاكمة، ولكن الجيش المصري اليوم أو المجلس الأعلى أعطى درسا في الوطنية المصرية وغسل يديه من خطايا هذا المجرم الذي لوث يديه بدماء المصريين، وانحاز الجيش إلى الشعب وإلى تطلعات الشعب في أن ينال المفسدين جزائهم وأن يذهبوا ليمثلوا أمام القضاء، وليقول القضاء كلمته بعد ذلك، ولكن اليوم الجميع أمام القانون سواء.

فيروز زيّاني: نتحول إلى السيد سليم عزوز، ما سمعناه على لسان إسلام في الواقع من أن عهد الفراعين قد انتهى كما ذكر، هذا التوصيف الفراعين أو حتى الفرعون الأكبر الرئيس المخلوع حسني مبارك سمعناه من أكثر من طرف لكن السؤال يعني باعتقادك هذا الذي كان يوصف بالفرعون الأكبر والذي كان يُمسك مصر لثلاثة عقود و أكثر بيد حديدية، لماذا آثر الخروج بهذه الطريقة على المصريين اليوم وفي هذه المحكمة؟

سليم عزوز: في واقع الأمر أن ما حدث اليوم كما قال الأستاذ إسلام هو يوم تاريخي حقيقة، لأننا كنا جميعاً نتخوف من عملية محاكمة الرئيس المخلوع ليس لكونه فقط كان في يوم من الأيام ريئس المجلس الأعلى للقوات المسلحة، لكنه على أية حال هو الذي قام بترقية كل أعضاء المجلس العسكري لكي يكونوا في هذه المكانة دي نقطة، النقطة الثانية أنه كان منذ بداية إعلانه التنحي وكما قيل من دوائر في السلطة بعد ذلك أن محاكمة حسني مبارك هي خط أحمر، لكن ما جرى بعد ذلك من عملية ضغط من قبل الثورة والثوار هو الذي حمل حقيقة لكي نعطي كل ذي حق حقه هو الذي حمل الجهات المختصة إلى الإسراع في هذه المحاكمة وإلى علانية المحاكمة بشكل عام بعد أن ظللنا فترة طويلة جداً، نسأل ما إذا كان شخصاً مثل حبيب العادلي وزير الداخلية الأسبق هو في السجن أم خارج السجن هل هو يقدم للمحاكمة أو لا يقدم إلى المحاكمة، كان يذهب إلى المحكمة ويخرج من المحكمة دون أن يراه أحد ودون أن تراه حتى هيئة المحكمة التي تحاكمه، ولكن بالضغط تم إنجاز حقيقة عملية المحاكمة العلنية وتم الدفع بحسني مبارك إلى قفص الإتهام..

فيروز زياني: نعم سيد سليم، عذراً لكن هناك من رأى بأن خروج مبارك بهذه الطريقة وهو مستلقي على سرير طبي ربما رأه البعض وحلله بأنه حيلة من قبل فريق الدفاع لاستدرار العطف من قبل المصريين. إلى أي مدى باعتقادك نجحت هذه الخطوة أم أنه على العكس من ذلك.

سليم عزوز: والله أنا في تقديري أن هذه الخطوة لم تنجح يعني حسني مبارك وهو مستلقي على سريره لا يبدو لي أنه مريض إلى هذه الدرجة التي تدفعه أن يكون على هذا النحو من المشهد، لكن منذ البداية محاميه كان يحاول حقيقة إثبات أنه مريض، أنه دخل في غيبوبة، أنه دخل في العناية المركزة، أنه ممتنع عن الطعام، أنه مضرب عن الطعام، أنه أنه.. إلخ ،من باب التشويش في عملية نقله إلى المحاكمة وأيضاً من باب إستدرار عطف الشعب المصري..

فيروز زياني: لكن في اعتقادك كيف كان أثر هذه الخرجة لمبارك على الناس، كيف استقبلت؟

سليم عزوز: في تقديري أنه لم ينجح أن هذا الإخراج السينمائي الذي جرى من خلال تقديم حسني مبارك إلى المحكمة على سرير المرض لم تنجح في عملية إستدرار عطف الناس وما إلى ذلك، لأن حسني مبارك له سابقة حقيقة في هذا الأمر عندما أعلن في أيام الثورة الأولى أنه يريد أن يُدفن في تراب هذا الوطن، وأنه يريد أن يستمر حتى نهاية الدورة، دورته الرئاسية ولقي تعاطفاً معه من قبل كثيرين من الشعب المصري، ثم بعد ساعات من هذا الخطاب العاطفي إذا بفلول النظام البائد وإذا بالبلطجية، والقناصة، والخيّالة يقومون باقتحام ميدان التحرير من أجل إخلائه من الثوار بالقوة بقوة البلطجة، وبقوة السلاح، وبقوة القناصة، في المعركة أو الموقعة التي سُميت إعلامياً بموقعة الجمل. الناس لم تعد الرأي العام في مصر لم يعد يتعاطف مع حسني مبارك الذي قام أيضاً على طيلة 30 عاماً بالتنكيل بخصومه وتصفيتهم سواء التصفية الجسدية أو تصفيتهم من خلال تقديمهم إلى محاكم استثنائية أو محاكم طبيعية والإنتقام منهم من خلال أحكام لا أعتقد أن كثيرين يمكن أن يتعاطفوا مع حسني مبارك ورأينا الذين يُقال عنهم أنهم فلول أمام المحاكم بضع عشرات من الأشخاص يقومون برفع صوره وما إلى ذلك لا أظن أن الصيغة والطريقة السينمائية دي الوقت قُدم بها إلى المحكمة يمكن أن تقنع أحداً.

فيروز زياني: سيد سليم دعنا نتحول إلى إسلام، ما دامت طريقة سينمائية دعنا نتخيل سوياً مع إسلام سيناريو آخر ماذا لو آثر مبارك الوقوف أمام المحكمة بصلابته المعتادة والتي اعتادها المصرييون على امتداد أكثر من ثلاثة عقود، أية ردة كانت يمكن أن تكون لهذه الخطوة باعتقادك إسلام؟

إسلام لطفي: لا تخيل ده خيال علمي، هو أن حد يوقف ويواجه بقوة وشجاعة دي يفترض فيه إن هوعنده مكرمة مواجهة الناس، الحقيقة مبارك لو كان عنده هذه الفضيلة ما كنش وصل بيه الحال إلى هذا الأمر، كان استجاب لرغبات الناس في 25 بإقالة حبيب العادلي ولكنه ركب رأسه وكان عنيداً ورفض أن يتحدث مع الناس، ويعترف بأخطائه وبأن أقرب مساعديه مجرم، وبالتالي إنقلب السحر على الساحر، لو كان استجاب للناس يوم 28 ورحل لما كان في هذا الموقف، ولو كان استجاب للناس يوم 11 فبراير ورحل عن مصر لما كان أمام المحكمة الآن. فبالتالي هذا السيناريو غير وارد، وحتى هذا السيناريو الذي خرج به علينا اليوم هو رديء جداً جداً، أنا لا أتخيل كيف يأتي على سرير طبي وهو صابغ شعره، يعني حاجة غير منطقية وغير مفهومة..

فيروز زياني: هل إلتقط جميع المصريين عذراً إسلام، بإعتقادك هل إلتقط جميع المصريين ما تتحدث عنه الآن هل ربما تفطنوا إلى ما تقول أنه حيلة أم أنها إنطلت على البعض؟

إسلام لطفي: والله لأ، أنا في الدوائر المحيطة وفي الناس اللي تكلمت معاهم بعضهم أصلاً كان متعاطف قبل المحاكمة وبتكلم على موضوع السن، والناس كانت بتقول يا جماعة عيّان، قبل المحاكمة خالص بيومين ثلاثة، لمّا شافوه في المحكمة بالمنظر اللي هو داخل بيه الناس كلها استدعت إن هو من لم يحترم سنه، هو اللي أصر على التشبث بمقعده، هو من قتل المصريين، هو من أفسد عليهم حياتهم وبالتالي الآن يلاقي جزاءً ما فعله الناس اللي أنا أعرفهم وكانوا متعاطفين معاه والله ما فيش ولا واحد فيهم متعاطف معاه اليوم، خالص نهائي بالعكس، يعني أثر عكسي تماماً الناس بقى قصادها الأمر واضح وجلي، وما فيهوش أي نوع من أنواع اللبس.

فيروز زياني: دعنا نتحول للسيد سليم عزوز، سمعنا إسلام في بداية حديثه يصف اللحظة بالتاريخية، وبأنه لم يكن يتوقع أن يحدث ذلك لكنه حدث وبأنه حدث جلل، باعتقادك عموم المصريين هل يرون بأن مجرد رؤيتهم لمبارك وهو بهذه الحالة في قفص الإتهام دعنا نقول قد شفى غليل بعضهم وأن هذا كار ربما كفاية بالنسبة إليهم أم أن المطلوب أكثر باعتقادك.

سليم عزوز: والله في تقديري أن كثيرين ممن إلتقيت بهم الآن وممن شاهدت معهم المحاكمة عبر شاشات التلفزيون، كان رأيهم حتى لو أصدرت المحكمة لا قدر الله ولا سمح حكماً ببراءة مبارك من التهم المنسوبة إليه فإنهم يكفيهم ما جرى له، يكفيهم تقديمه إلى المحكمة على هذا النحو يكفيهم أنه تم تقديمه للرأي العام بهذا الشكل الذي يراه البعض شكلاً مهيناً لرجل كان يحكم البلاد بالحديد والنار، يعتقدون أن ما جرى له وأن تقديمه بهذه الحالة حتى لو صدر حكماً ببراءته يعتقدون أنه قد شفا هذا المشهد غليل الجميع وشفا غليل الأمهات الثكلى، هذه نقطة، النقطة الأخرى عن الذين يتحدثون عن حالة التعاطف مع حسني مبارك يعني حسني مبارك لم يقدم إلى المحكمة في قضية فيها لبس وما إلى ذلك، أو في قضية صغيرة هينة لينة لكنه قدم إلى المحاكمة في قضية قتل الثوار، قتل شباب كالورد يعني كان خرج ينادي سلمية سلمية، خرج يواجه قوات الأمن بصدور عارية وقلوب مفعمة بحب هذا الوطن، حسني مبارك يقدم بتهمة أنه قاتل والقاتل لا يستثير عطف الناس إلا إذا تم القصاص منه، لا يستطيع أي أحد لا يستطيع الجنين في بطن أمه أن يصدق أن وزير الداخلية وأن قوات الأمن التي واجهت المتظاهرين والثوار في أيام الثورة الأولى بالقنابل وبالرصاص الحي لا يستطيع أحد أن يتصور أن هؤلاء قاموا بتنفيذ هذه المهمة بدون أوامر عليا من حبيب العادلي وزير الداخلية ومن حسني مبارك كرئيس الجمهورية ورئيس المجلس الأعلى للشرطة يعني منذ البداية كان حسني مبارك يتصرف على نحو أنه يريد أن ينهي هذه المظاهرات بأي شكل، والسوابق الأخرى عندما خرجت المظاهرات في ميادين مصر احتجاجاً على إحتلال العراق تم سحق المتظاهرين سحقاً في شوارع القاهرة، فعملية السحق وعملية القتل وعملية إبادة المتظاهرين وتصفية الخصوم هذا مما عرف عن نظام حسني مبارك بالضرورة وبالتالي فإن حسني مبارك لم يقدم في قضية هينة بل أنه قدم للمحكمة بقضية قتل الثوار، وبالتالي سواء قدم على سرير مرض أو على فراش المرض، وقدم حتى لو في تابوت الموت، لا أعتقد أن هذه الحالة يمكن أن يستدر بها عطف أحد من الذين يشاهدونه بهذا الشكل، هذا رجل أهان نفسه قبل أن يهينه أحد، وهذا رجل يقدم للمحاكمة بتهمة القتل، وخلال الأيام الماضية تم الإعلان عن حجم الفساد الذي ارتكب في..

فيروز زياني: واضح تماما سيد سليم، أشكرك جزيل الشكر، وعذرا للمقاطعة لأن هذا الجزء الأول من هذه الحلقة قد انتهى تماما، أشكرك جزيل الشكر سيد سليم عزوز الكاتب الصحفي المتخصص في قضايا الإعلام كما نشكر ضيفنا من القاهرة أيضا إسلام لطفي عضو المكتب التمثيلي في ائتلاف شباب الثورة، لنا فاصل ووقفة قصيرة نعود بعدها لمتابعة المضامين السياسية لهذه المحاكمة التي وصفت مصرياً بالتاريخية لحسني مبارك، نعود بعد قليل.

[فاصل إعلاني]

محاكمة مبارك في الإعلام المصري

فيروز زياني: أهلا بكم من جديد في هذه الحلقة التي نخصص الجزء الثاني منها للمضامين السياسية التي مثلتها محاكمة مبارك كأول زعيم عربي يلاحق قضائيا بموجب محاكمة مدنية، ينضم إلينا في هذا الجزء من النقاش من القاهرة الدكتور محمد سعيد إدريس رئيس وحدة دراسات الثورة المصرية بمركز الأهرام، ومن تونس المفكر الدكتور أبو يعرب المرزوقي، ربما سنأخذ نظرة بعيدة بعض الشيء جغرافيا لكنها قريبة بما أن تونس كانت هي مفجرة شرارة هذه الثورات ونود أن نعرف منك دكتور أبو يعرب كيف تابعتم في تونس هذه المحاكمة؟

أبو يعرب المرزوقي: أهلا، في الحقيقة أنا شخصيا لم أتابعها كاملة رأيت بعض اللمحات منها وخاصة رد الرئيس المصري السابق برفض كل التهم الموجهة إليه، السؤال الذي أعتقد أن أي إنسان يريد للثورة أن تؤتي أُكلها وأن تنجح هو أهمية مثل هذا النوع من المحاكمات في اللحظة التي لم تزل فيها الثورة في بداياتها ولم تتأكد بعد من أنها أصبحت قادرة على التحكم في مجرى الأمور بصورة تجعل المحاكمة فعلاً ذات دلالة سياسية، أنا شخصيا أتساءل عن الدلالة السياسية لمثل هذه المحاكمات هل هي فعلاً بطلب من الثوار لأهداف تفيد الثورة في مستقبلها أم أنها حيلة من حيل الثورة المضادة لتلهية الثوار وتلهية الشعب بنوع من أكباش الفداء حتى تخفي الآلة الجهنمية التي جعلت مثل هؤلاء الزعماء يستطيعون أن يسيطروا على شعوبهم وأن يهينوهم وأن يبددوا ثراوتهم، لا يحترموا أي قيمة من قيم الحضارة..

فيروز زياني: دكتور يعرب سؤال مهم جداً وجوهري طرحته الليلة، ما رأيك أن نحيله إلى الدكتور محمد سعيد إدريس، الدكتور أبو يعرب يسأل ما هي الدلالات السياسية لهذه الثورة هل باعتقادك هي فعلاً بطلب من الثوار لتحقيق أهداف هذه الثورة، أم أنها حيلة سياسية من الذين ربما يتسترون وراء الثورة المضادة ليلهوا الشعب كما قال؟

محمد سعيد إدريس: أولا خليني أحيي صديقي الدكتور أبو يعرب وكل الإخوة المشاهدين في كل مكان، مصر النهاردة في يوم جديد من حياتها السياسية أطمن كل الناس على أن هذه المحاكمة حقيقية وليست مسرحية كما تصور البعض، الشعب المصري كله طالب بهذه المحاكمة طالب بالقصاص، الثوار خرجوا من ميادين مصر يوم 12 فبراير عقب انتصار الثورة مباشرة ولم يكتفوا بالخروج من الميادين لكن زينوها وجملوها في إشارة منهم إلى ثقة كاملة في قيادة القوات المسلحة المصرية بأنها أصبحت هي الآن معنية بشكل كامل بقيادة الثورة، ولكن بعض مضي عدة أشهر تكشف للناس أن هناك بطئ البعض أسماه تواطئ والأهداف تتراجع أو تتناثر أو الثورة تحتوى وتُشترى ولذلك بدأت الجماهير والثوار ينزلون مرة أخرى إلى الميادين ولكن بعد ذلك بدأت لقاءات مباشرة وحوارات مكثفة، أستطيع أن أقول أنني شاركت في أحد هذه أو ربما في آخر هذه اللقاءات يوم الأحد الماضي بدعوة من الفريق سامي عنان رئيس أركان القوات المسلحة المصرية لمدة 6 ساعات مع عدد من مفكري ومثقفي مصر وكان كل الأسئلة تدور حول أن المطالب تتركز في أمرين: إكمال إسقاط النظام ثم بداية بناء نظام جديد، عقد إجتماعي سياسي جديد لمصر التي نريدها مصر العزة والكرامة، مصر بمبادئ الثورة: الحرية والكرامة والعدالة والإستقلال الوطني..

فيروز زياني: إذن رسالة تقييم من قبلك، دكتور محمد سعيد إدريس..

محمد سعيد إدريس: هذه هي المبادئ، وحصلنا على تأكيدات مؤكدة..

فيروز زياني: تأكيدات مؤكدة ورسالة تطمين لكل من يمكن أن يساوره أي شك بخصوص هذه المحاكمة، دكتور الآن إن كان لنا أن نسأل عن الأثر السياسي الآني أو حتى بعيد المدى لهذه المحاكمة داخليا في مصر كيف تراه؟

محمد سعيد إدريس: أنا شايف إن إحنا ربما يشاركني في ذلك الدكتور أبو يعرب أن المشروع الحضاري للأمة انتكس لأسباب كثيرة كان من أهم أسبابها إختلال العلاقة بين الحاكم والمحكوم، الحاكم العربي لسنوات وربما لقرون طويلة أشبه بالإله العلاقة علاقة رعية مع حاكم، حكام ظلمة أسر حاكمة، أحزاب حاكمة والشعب مغيب تماما ولا يدري ما هي حقوقه وما هي أيضا واجباته، اليوم الشعب المصري يضع بداية جديدة لعلاقة المواطن بالسلطة، العلاقة بين الحاكم والمحكوم أن الشعب هو القيادة هو القائد هو المعلم وأن الرئيس أو الملك يجب أن يكون مأمورا بأمر شعبه نحن نبدأ عهدا جديدا نحن نكتشف السياسة في مصر مرة أخرى، جماهير السياسيين في مصر بالملايين يعني كان في حالة جمود سياسي قبل الثورة، كنا نعاني من جمود طبقة المثقفين، عدد محدود جداً، الآن الشارع المصري كله أصبح شارعاً مسيساً، الناس كلها بتتكلم سياسة، أصبح الإنسان المصري إنسانا سياسياً، ولن يسمح بعد الآن لأي حاكم أن يتعالى على شعبه، الشعب هو اللي حيختار حاكمه، هو الذي سيحاسبه ولن يسمح المصريون بعد الآن برئيس أو بحاكم يورث حكما أو يتعالى أو يكون فاسداً أو أن يكون مستبداً، هذه مبادئ جديدة للسياسة والحكم في مصر، أعتقد..

فيروز زياني: مبادئ جديدة للسياسة والحكم في مصر دكتور محمد سعيد إدريس، لكن إن كان لنا، عذراً أود أن تبقى معنا، إن كان لنا أن نرى الصورة ربما من جانبها الأوسع والأكبر أو على مستوى عربي، نتحول بالسؤال للدكتور أبو يعرب هل باعتقادك ما حدث أو ما يحدث اليوم في مصر بامكانه فعلا أن يشكل ربما أسسا لمبدأ المساءلة والمحاسبة التي للأسف غاب عن دولنا العربية وهو الذي أوصل الأوضاع إلى ما هي عليه من ما يراها البعض استبداد وديكتاتورية وتوحد ربما أو تفرد في الحكم؟

أبو يعرب المرزوقي: أولا اسمح لي أن أرد التحية لصديقي سعيد، وأهل مصر طبعا أدرى بشعابها، ولكني لا أعتقد أن المحاكمة التي تجري في مصر تناظرها المحاكمة التي جرت في تونس أعتقد أن ما تحدثت عنه لنا منه نموذج في تونس أولاً الرئيس المصري الذي يحاكم موجود في مصر لم يغادر مصر وقبل أن يحضر للقضاء وأن يحاكم وهذا يحسب لشعب مصر وحتى لنظام مصر القديم، لكن الرئيس التونسي فر وغادر البلاد ولم يحاكم حضورياً وحتى إذا حوكم لن يحاكم من أجل الجرائم التي يعتبر الشعب التونسي أنها هي الأولى بأن ينظر فيها، المهم بالنسبة إلينا هل ما يحدث لهذين الرئيسين في تونس وفي مصر يمكن أن يمثل درساً لمن بقي من الرؤساء ومن الحكام العرب، أعتقد أننا إذا قارنا هذين الرئيسين بالمقارنة مع الرئيسين الآخرين الذين يجريان حمامات دم فإن المقارنة ربما تجعل الثورة العربية السلمية حدثت في تونس وفي مصر ولله الحمد ولكنها اليوم تؤدي إلى حمام دم في سوريا وفي ليبيا والمحاكمات قد لا تشجع التغيير السلمي في البلاد العربية الأخرى لأن الرؤساء.

المحاكمة وتأثيرها على الحكام العرب

فيروز زياني: هل تتوقع دكتور أبو يعرب ونفهم من كلامك أنه يمكن أن يكون لهذه المحاكمات رد فعل عكسي على الحكام الذين ذكرتهم وبالتالي يتشبثون بالسلطة إلى آخر رمق حتى يحدث لهم ما يحدث لمبارك.

أبو يعرب المرزوقي: هكذا أتصور لأن الرؤساء ربما يفعلون ما يجري في سوريا وفي ليبيا حتى يتجنبوا المحاكمات ونحن لا نريد ذلك، ولذلك سألت هل هذا فعل من الثوار أم هو حيلة لاستدراجهم إلى ما ربما يصبح تهمة ويفسد وجه الثورة، نحن نريد ثورة سلمية وعندما يكون الثوار بيدهم الحل والعقد قد يميلون إلى حل الرسول صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة اذهبوا فأنتم الطلقاء، لكي تفكر الثورة في بناء المستقبل ولكن بعد أن تكون الثورة قد أصبحت صاحبة الحل والعقد ولا أعتقد أن الثورة لا في تونس ولا في مصر هي اليوم صاحبة الحل والعقد وأنا أميل إلى أن هذه المحاكمات هي حيلة من الثورة المضادة وليست فعلاً ثورياً حقيقياً.

فيروز زياني: دكتور أبو يعرب إذن أنت متشبث بوجهة نظرك.

أبو يعرب المرزوقي: يجب أن يكون التحفظ حتى لا يفر المجرمون وحتى لا يأخذوا ثروات البلاد، تحفظ ورعاية استعجالية لمنع الإفلات من العقاب ولكن الاهتمام خاصة بالتمكن من السلطان الحقيقي الذي يجعل الثوار ربما يقومون بمصالحة لفائدة مستقبل مصر ومستقبل تونس دون أن يؤدي ذلك إلى نسيان الشهداء وأهلهم، والشهداء وأهل الشهداء.

فيروز زياني: عذاراً دكتور لم نفهم تماماً ما تقصده بالمصالحة، ما الذي تقصده؟

أبو يعرب المرزوقي: أقصد بالمصالحة أن الثوار عندما يصبح بيدهم الحل والعقد تفكيراً في مستقبل البلاد ينبغي أن يقللوا من أعداء الثورة وأن يرجعوا كل من يقبل الإصلاح بشرط أن يتم العدل وبعد العدل يمكن أن يحصل العفو من الثوار ومن أهل الشهداء ولكن قبل ذلك..

فيروز زياني: دعني أنقل هذه الفكرة إلى الدكتور محمد سعيد إدريس، دكتور أبو يعرب حتى فقط نتقدم في النقاش دعنا نحول هذه النقطة للدكتور محمد سعيد إدريس، ما رأيك فيها هل يمكن فعلاً تطبيقها اليوم في مصر ما تحدث عن ربما مصالحة أو عفو يمكن أن يقدمه الثوار؟

محمد سعيد إدريس: هو الدكتور أبو يعرب اشترط مسألة العفو دي بوصول الثوار إلى الحكم والاستقرار ونظراً إلى أن الثوار ليسوا في الحكم والاستقرار لم يتحقق فهذه مسألة غير واردة تماماً، ولكن أود أن أوضح مسألة مهمة جداً أن كل ثورة من الثورات لها خصوصيتها، هذه الثورة المصرية ثورة شباب ثورة شعب لم يكن لها قيادة واضحة ومحددة ولذلك بعد الانتصار المباشر وإسقاط رأس النظام آلت قيادة الثورة إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة وأنا ذكرت في مقدمة مداخلتي أن هناك تعهدات حقيقية من قيادة المجلس الأعلى للقوات المسلحة أنهم قيادة للثورة وليسوا متفرجين عليها، هذا وعد وهذه قيادة نحن أخبرناهم بما يجيش في قلوب الشعب المصري وقلنا أن الشعب المصري يقف على أصابع قدميه انتظاراً لمحاكمة عادلة، لأنه بدون المحاكمة العادلة.

فيروز زياني: وهذا ربما دكتور محمد عذراً ما يطرح السؤال الحقيقي اليوم باعتقادك هل يريدون فعلاً نتيجة هذه المحاكمة وبالتالي العدالة أم محاكمة في حد ذاتها كما رأوها اليوم على شاشات التليفزيون.

محمد سعيد إدريس: لا هو الشعب المصري يريد محاكمة حقيقية لعهد سابق من الفساد للرئيس وسياساته وحكوماته لأن القضية كما ذكرت قضية شهداء سقطوا في الثورة أو مصابين ولكن هي قضية وطن، قضية أمة انتهكت مكانتها، أهدر قيمتها، بدد ثرواتها، لم يكن وفياً بعهده ووعده وقسمه لحماية هذا الوطن هو باع هذا الوطن، هو تعاون مع أعداء هذا الوطن أصبح رجل إسرائيل ورجل أميركا في مصر، كان يحكم اسمعوا أصدقائه من قيادة الجيش الإسرائيلي ماذا يقولون عن حسني مبارك هو انتكس بمصر ومكانة مصر وعزة مصر وكرامة مصر، ربما مئات الآلاف من المصريين استشهدوا في البحار بحثاً عن عمل، ثروة مصر بددت، الإنسان المصري تم تخريب وعيه تماماً نحن نحاكم عهدا بالكامل هذه محاكمة سياسية ومحاكمة قانونية لا يمكن بأي حال من الأحول بداية عهد جديد دون تسوية هذه القضايا، هذه ثورة وهذه إرادة الشعب المصري في المحاكمة العادلة وهذا هو قضاء الله سبحانه وتعالى "ولكم في الحياة قصاصاً يا أولي الألباب" إذا لم يحاكم من انتهك العهد وانتهك حرية الشعب فلن تحترم حرية للشعب المصري ولن يكون في مصر عدل بعد الآن، لابد أن نؤسس لعهد جديد على أساس احترام القوانين واحترام العهود ولذلك فإن أولى مطالب الثورة هي إسقاط النظام وإكمال المحاكمات، الحديث عن مصالحة وعن العفو، العفو عند المقدرة والعفو لمن يستحق العفو، هؤلاء لا يستحقون عفواً، هؤلاء لم يكونوا على رأفة بشعبهم لم يرأفوا بحال مئات الفتيات اللاتي وقعن في قهرالفقر وما زلن يقعن في قهر الفقر والشباب الذي بلا عمل والوطن الذي بلا أمل، هذه كلها قضايا نحن لا يمكن أن نؤسس لمستقبل سعيد لهذا الوطن العظيم إلا بالقصاص وبالمحاكمة العادلة دون افتراء ودون افتئات على أحد، القضية ليست قضية أموال وليس قضية عهود تم هدرها ونحن لن نبدأ صحيحاً إلا إذا صنا العهد الحقيقي للحرية والعدالة.

فيروز زياني: الدكتور أبو يعرب يبدو أن لديه تدخلا تفضل..

أبو يعرب المرزوقي: أنا فعلاً لست ضد المحاكمات ولكن المحاكمات قبل أن تصبح الثورة صاحبة الأمروالنهي لا يمكن أن تعد محاكمات.

فيروز زياني: لكن الجميع كان يشتكي من البطء دكتور أبو يعرب..

أبو يعرب المرزوقي: نعم، المحاكمات يقوم بها من يقوم بالمحاكمة، في تونس مثلاً من يقوم بالمحاكمة الذين يقومون بالمحاكمة كانوا جزءا من النظام بل هم كانوا في هذا النظام طيلة العشرين سنة فكيف يمكن أن أصدق أن المحاكمة محاكمة، المحاكمة إذا صارت بيد الثوار يمكن أن تؤول إلى العفو ثم إن الجرائم التي اقترفت لا يمكن بأي محاكمة أن نصل إلى القصاص منها فهي جرائم حق عام، تصوروا أن رؤساء أصبحوا رؤساء مافيات يسرقون جرائم حق عام، فكيف سنحاكمهم وهي جرائم خيانة أمانة، خيانة الدولة وهي جرائم تعامل مع العدو وهي جرائم على الإنسانية لأن هناك من عذب ومات تحت التعذيب.

فيروز زياني: دكتور أبو يعرب، عذراً دكتور أبو يعرب، رغم ذلك ورغم أننا سنعرف موقفك في المحاكمات التي تطرح حولها العديد من التساؤلات إلا أننا نسأل هنا ربما ما رأيك لو أقمت لنا مقارنة إن صح التعبير لهذه المحاكمات التي هي من وحي الثورات من حيث ما تقدمه، على الأقل كما يراها البعض محاكمات مدنية ومحاكمات ربما جرت في خمسينيات وستينيات القرن الماضي التي كانت عن طريق انقلابات عسكرية، ألا ترى فرقاً على الأقل بين الاثنتين؟

أبو يعرب المرزوقي: نعم، نعم هناك، ولكن المحاكمات العسكرية التي وقعت لم تكن محاكمات، كانت في الحقيقة قضاء مادي على شخص يحكم عليه بالإعدام من قبل مجلس ثورة أو جيش.

فيروز زياني: هذا ربما ما يطرح تساؤل أنه لو مثلاً الثوار هم من أقاموا هذه المحاكم لكان هناك وجدنا الكثير ممن سيشكك في نزاهة هذه المحاكم ولربما اعتبرها انتقامية.

أبو يعرب المرزوقي: لا، لو انتصرت الثورة وصارت الثورة واثقة من نفسها فهي لن تحتاج إلى الانتقام، بل ستطبق العدل، يعني مثلاً في تونس لنفترض أن الانتخابات تحصل وأنه يخرج مجلس تأسيسي حقيقي شرعي ممثل للشعب التونسي فإن السلطة الشرعية التي ستخرج تستطيع أن يكون لها الشرعية الشعبية والدستورية والديمقراطية لتطبيق القانون على من تثبت جريمته وبعد ذلك يمكن أن يفكر الشعب في المصالحة، ولكن قبل أن تصل الثورة إلى أن تسيطر على الحكم وعلى أدوات أجهزة الدولة فإن المحاكمة لا يمكن إلا أن تكون حيلة لترضية الشعب وليست علاج لقضايا الشعب، الثورة تفكر في المستقبل ولا تفكر في الماضي، لا تفكر في الانتقام فضلاً عن أن الجرائم التي حدثت لا علاج لها إلا بأن نعود إلى قواعد جديدة، ماذا أستطيع أن أفعل ضد نظام أفسد النخب، أفسد الجامعات، أفسد العدالة أفسد القضاء، أفسد التعليم، أفسد الصحة، أفسد كل شيء، أفسد الأمن.

فيروز زياني: تقديمه للمحاكمة كما يقول البعض كما حدث اليوم، دكتور أبو يعرب أعتذر منك بشدة لأن وقتنا انتهى تماماً شكراً جزيلاً لك دكتور أبو يعرب المرزوقي الكاتب والمفكر التونسي كنت معنا من تونس، كما نشكر الدكتور محمد سعيد إرئيس رئيس وحدة دراسات الثورة المصرية بمركز الأهرام وقد كان معنا من القاهرة، بهذا مشاهدينا تنتهي حلقة اليوم، غداً حديث آخر من أحاديث الثورات العربية، دمتم في رعاية الله وحفظه والسلام عليكم.