- المشروع النهضوي ومبادئه
- القوميون في تونس

- الثورات وتجاوز النخب

- أخطاء الأنظمة ووزرها

- دروس وعبر الثورات

- غياب الزعيم الملهم

عبد الصمد ناصر
سالم الأبيض
مجدي خليل
عبد الإله المنصوري
عبد الصمد ناصر: السلام عليكم ورحمة الله ومرحبا بكم مشاهدينا الكرام في حديث الثورة، على مسافة من المتابعة الخبرية التفصيلية نحاول اليوم أن نقف عند قراءة وتفاعل تيار تاريخي موجود على الساحة العربية للثورات الجارية فيها، إنه التيار القومي الذي تعبر عنه دول وأحزاب ومؤسسات وشخصيات يجمع بينها الإيمان بالوحدة مآلاً طبيعيا للشعوب العربية ومخرجا لها من أزماتها الحالية لكن قسم واسعا من تلك الشعوب ثار ضد نظمٍ حكمته عقوداً باسم القومية ورفع شعار اسقاطها، ورفع أثناء هذه المعركة مطالب اجتماعية وحقوقية لم تنضبط لأي تأطير أيديولوجي، الأمر الذي شجع البعض على القول إن الثورات العربية دلت على تحدٍ بالغ للقوميين بتعبيراتهم المختلفة، تحدى لوسائلهم وإخفاقهم المشاركة والتصدي للثورات العربية وعلى المراجعات الجريئة التي قدموها لأفكارهم وتجاربهم التقليدية، باختصار هل ضبط القوميون العرب فعلا ساعاتهم على توقيت الثورات العربية، فاطمة التريكي وتقرير يبسط بين أيديكم معطيات ونقاط نمهد بها نقاشنا.

[تقرير مسجل]

فاطمة التريكي: لم تخرج الثورات العربية من رحم الأحزاب ولا من تنظيرات التيارات ولا من انقلاب عسكري خرجت من سوق خضار على يد رجل بسيط صاح غاضبا في لحظة يأس؛ كفى لقد سئمت! صاح معه ملايين العرب نحن أيضا سئمنا وتنقلت الثورة كصاعق تفجير في أحضان أنظمة متضادة بعضها ليبرالي على طريقته أو ثوري أممي من طراز خاص كالقذافي، وأيضا نظم قومية مثل نظام البعث في سوريا، أنظمة جمعها التمسك بالسلطة والبطش بالثائرين، عاش العرب منذ مطلع القرن العشرين تحت تأثير تيارات سياسية وفكرية مختلفة كان أبرزها تيار اسمه القومية العربية، أيديولوجيا واسعة تجسد العروبة بالنسبة لأصحابها عقيدة هي نتاج اللغة والثقافة والتاريخ والإسلام الذي يتكامل برأيهم مع العروبة ولهم في ذلك شروحات معمقة ويؤمنون أيضا بحرية الأديان، انتشر المد القومي في السيتينات والسبعينات قبل أن ينحسر كهيئة منظمة ويتشظى إلى تيارات تشكلت على جانباته، وكان وصول جمال عبد الناصر إلى الحكم في مصر أكبر تجسيد فعلي لتجربة القومية العربية في الحكم وهي تجربة سرعان ما اختصرت الفكر بشخص الزعيم فصارت التجربة الناصرية، ثم واكبها وتلاها وصول أحزاب قومية إلى الحكم في العراق وسوريا من خلال حزب البعث الذي انشطر حزبين في كل من البلدين، وفي ليبيا عقيد قومي الهوى في البداية ثوري النهج انتهى أفريقي الانتماء، يرى منتقدو تجربة القوميين في الحكم أن هذه الأنظمة التي تبنت الأيديولوجية القومية في الظاهر، ارتدت عنها في الباطن، وأطاحت بثوابتها بالممارسة وراحت تتخفى وراء الشعارات الرنانة الكبيرة عن الوحدة والتحرر والتحرير للاستبداد بالشعوب والبقاء بالحكم فكانت النتيجة فشلاً في كل شيء، في التنمية وفي ضمان كرامة الإنسان مجسدة في الحريات العامة والفردية وفي حفظ السيادة الوطنية وحتى في استرجاع أرض محتلة، فما بالك بالهموم والانشغالات القومية الكبرى التي تحولت عناوين مكررة في مؤتمرات نخبوية، بينما رجل الشارع في مكان آخر، شيئا فشيئا بدأ شعار القوميين بتلازم التحرر الوطني مع التحرر الاجتماعي يتحول بين جموع المنتفضين إلى شعار التحرر الاجتماعي والسياسي مدخلاًَ ومؤسساً لأي شأن وطني آخر، فالتحرر لا يصنعه إلا أحرار يقول من يؤمن بالتيار القومي العربي إن فشل أنظمة في الحكم وهم يفرقون بينها في موقفهم من الثورات لا تعني فشل النظرية أو سقوط الأيديولوجيا التي تبقى صالحة وحية بينما يرى منتقدوهم أن سقوط الأنظمة العربية المستبدة بيد شعوبها هو سقوط لتيارات سياسية وفكرية عجزت في كل تنظيراتها وممارساتها لعقود عن فعل نجح فيه بائع خضار.

[نهاية التقرير]

عبد الصمد ناصر: ينضم إلينا في هذا النقاش عبر الأقمار الصناعية من تونس سالم الأبيض أستاذ علم الإجتماع السياسي بجامعة تونس، ومن بيروت عبد الإله المنصوري عضو الأمانة العامة لمؤتمر القومي العربي، ومن واشنطن مجدي خليل مدير منتدى الشرق الأوسط للحريات نبدأ معك سيد سالم الأبيض لنسأل كيف قرأ التيار القومي العربي هذه الثورات العربية وفي أي سياق يضعها؟

سالم الأبيض: شكراً جزيلاً، أبدأ بتوضيح مسألة معينة هو أن وجود التيار القومي أو الأحزاب القومية في السلطة في تجارب عديدة لا يلغي على التيار القومي العربي ومختلف التيارات السياسية الأخرى مشاركتها في هذه الثورات العظيمة التي انطلقت من تونس ووصلت إلى مصر واكتسحت أقطار عربية أخرى، والشيء الأكيد في هذه التجارب بالنسبة للتيار القومي العربي وغيره هو تأكيد فكرة وهي أن الثورة التي كان ينظر إليها بالأمس القريب على أنها فكرة طوباوية ورومانسية وتحيل على زمن قد ذهب وولى، ها هي تسترجع أنفاسها وتصبح الثورة مقولة في صميم النقاش السيسولوجي القائم الآن وهي تعبيرة سياسية قائمة تتفاعل في هذا الواقع بل تحدد مصيره في أقطار عربية كثيرة، وفي الوطن العربي بمجمله وأعتقد أن الخارطة السياسية في الوطن العربي ستتغير بفعل هذه الثورات وانعكاس هذه الثورات العربية ما زال يتوسع في أقطار أخرى حتى خارج الوطن العربي، وأعتقد أن القوميين في تونس قد شاركوا في هذه الثورة منذ بداياتها وقد تحدث تقريركم عن الدور الذي لعبه صاحب عربة الخضار الشهيد محمد البوعزيزي ولكن دعني أقول لك أن أول خطاب سياسي في تلك الفترة كرد فعل على حرق البوعزيزي لنفسه في منطقة سيدي بوزيد، قد قامت به شخصية قومية وهو المحامي خالد عواينية الذي خطب بالجمهور وأجج مشاعرهم ووفر الأرضية العاطفية لقيام الثورة في تونس وانطلاقها بشكل انتفاضة في سيدي بوزيد، وهناك أسماء كثيرة في مناطق أخرى في القصرين وفي تالا وفي غيرها من المناطق قد لعبت دوراً كبيراً في تأجيج الثورة في تونس، وأعتقد أن هذا الدور قد قامت به الكثير من الشخصيات والقوى القومية والناصرية وغير القومية في مصر ولعبت دوراً كبيراً، وفي اعتقادي أن التيارات القومية ما زالت تؤمن بفعل الثورة وتعتقد أن الثورة تشكل مدخلا حقيقيا ومهماً للتغيير الاجتماعي والسياسي في الوطن العربي ككل.

عبد الصمد ناصر: لقد تركتك تسترسل ولكن ربما يحضرني هنا، الكثير أن التيارات السياسية في تونس ربما حين تسمعك الآن وحين تقول بأن أول من عبر وساهم في هذه الثورة وعبر عنها كان هو عواينية كما تقول، هناك من يقول هناك حركة شعبية كانت بشكل عفوي هي التي قادت هذه الثورة، وأسأل هنا عبد الإله المنصوري، عبد الإله المنصوري وأنت عضو الأمانة لمؤتمر الأمانة العامة لمؤتمر القومي العربي، هل القوميون بتعبيراتهم المختلفة بمؤسساتهم بحساسيتهم ومختلف شخصياتها، هذا التيار، هل هم على قلب رجل واحد في فهم الثورات العربية والتعاطي معها أيضا؟

المشروع النهضوي ومبادئه

عبد الإله المنصوري: أنا أستطيع أن أؤكد لك عبد الصمد بأن هذه الثورة العربية التي انطلقت في تونس وتلقفتها مصر، انطلقت لتعم كل أرجاء الوطن العربي طبعا تؤكد صحة الأطروحة التي دافعنا عليها في مؤتمر القومي العربي وشقيقيه في المؤتمرات الثلاثة هي: المؤتمر القومي العربي، ومؤتمر القومي الإسلامي، والمؤتمر العام للأحزاب العربية، حول وحدة مصير هذه الأمة هذه الحركة الشعبية الجماهيرية التي يمكن أن نسميها بالحركة القومية هي حركة شعبية جماهيرية، مستقلة عن كل النظم السياسية في الوطن العربي، وهي حركة انطلقت من مراكمة أو محاولة تجاوز أسباب الفشل والعجز التي مني بها جزء من الذين تحملوا إيصال المشروع القومي العربي، هذه الحركة هي تفتخر الآن بأن عدداً كبيراً من شبابها الذين شاركوا في المخيمات القومية أو في عدد من الفعاليات يلعبون أدواراً أساسية في كل الثورات العربية المنطلقة في الوطن العربي من مغرب الوطن العربي إلى مشرقه، هذه الحركة الجماهيرية المستقلة طورت أفكارها وبنت مشروعا نهضوياً متميزا قائما على أساس ستة مبادئ أساسية، أعتقد أن كل القوى السياسية في الوطن العربي تستطيع أن تجد نفسها فيه، هذه المبادئ هي تحقيق الوحدة والنضال من أجل الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والتنمية المستقلة والاستقلال الوطني والقومي وأيضا التجدد الحضاري، أنا أعتقد أن هذه المبادئ الست تشكل منظومة متكاملة يتطلع جميع المواطنين جميع الأفراد في الوطن العربي إلى تحقيقها عبر نضالاتهم المستمرة في هذه الحركة الثورية العربية التي لا تزال مناطق الوطن العربي المختلفة تعرفها.

عبد الصمد ناصر: هذه النقطة سنعود إليها بنقاش أكثر، مسألة هذه المبادئ الست لأترك المجال لمجدي خليل ربما لديه تعليق على ما قلت سالم الأبيض وعبد الإله المنصوري، سيد مجدي خليل هل تتفق مع هاتين القراءتين؟

مجدي خليل: الحقيقة لأ ما بتفقش معاهم، الحقيقة أن القومية العربية.. أولا طبعاً هو كما نعلم أن فكرة القومية العربية تبناها في البداية المسيحيون الشوام وكانوا عاوزين يهربوا من فكرة الخلافة الإسلامية، ونظّروا لهذا قام المسيحيون في الشام والعراق بالتنظير لفكرة القومية العربية والوحدة العربية حتى يهربوا من الخلافة الإسلامية، وتبناها بعض الزعماء يا إما رغبة في الزعامة وبعد ذلك استخدمت هذه القومية العربية في أولاً: استخدمت للزعامة زعامة بعض الزعامات العربية لكي تأخذ دورها في الزعامة، استخدمت أيضا لتكريس الاستبداد لأن الاستبداد قام القوميون العرب بقتل فعلا فكرة الفردية والحرية والديمقراطية والتعددية في بلادهم، وقتلوا الحريات وبالتالي عندما جاءت القومية العربية كما نعلم أخذ الضربة الأولى سنة 1967 بالهزيمة الكبيرة التي منيت بها دولة عبد الناصر وسوريا والأردن ووقوع أجزاء كبيرة تحت الاحتلال الإسرائيلي ثم جاءت عملية سنة 1991 اللي هي سنة 1990 الغزو العراقي للكويت كي يضرب بقوة فكرة القومية العربية وزي ما قال فؤاد عجمي أنه ماتت القومية العربية بعد الغزو العراقي للكويت، ولكن الثورات العربية جاءت لتقضي على آخر ما تبقى من هذه القومية لماذا؟ لأن هذه الثورات تجاوزت تماما الشعارات القومية والأيديولوجيات القومية والشعارات التي استهلكت والتي استخدمت لقهر المواطن العربي وكان المواطن الثوري العربي الجديد على دراية بأن هذه الشعارات استخدمت على مدى عقود لقهره ولضرب الديمقراطية ولضرب الحريات والضرب الحقيقي لكرامة وإنسانية الإنسان العربي، دلوقت إحنا قدامنا المنطقة العربية تتجه إلى إتجاهين يا إما تتجه بأن تكون دولا ديمقراطية، يا إما تتجه إلى الإسلامية، إذا اتجهت المنطقة العربية أن تكون شرق أوسط ديمقراطي أو منطقة عربية ديمقراطية، الديمقراطية قائمة على المصالح تعلم لا تشغلها كثيرا الشعارات، الديمقراطية قائمة على رفاهية الفرد..

عبد الصمد ناصر: هذا موضوع آخر، ولا بد أن أنتقل.. سيد خليل..

مجدي خليل: ثانية وحدة، أما.. بس أكمل فكرة، أما إذا اتجهت الثورات بأن تكون شرق أوسط إسلاميا، فالإسلامية أيضا تعادي القومية، الإسلامية فكر أوسع من القومية العربية ومن ثم سواء نجحت الشرق الأوسط كديمقراطيات أو نجحت كمنطقة إسلامية أو عاد الإسلاميون يحكمون المنطقة العربية كلاهما ضد فكر القومية العربية، ومن ثم وضعت الثورات العربية النهاية الحتمية لفترة ولعقود الشعارات القومية.

عبد الصمد ناصر: رغم تحفظي على كلمة الإسلاميين يعادون القومية لأن هناك شخصيات إسلامية الآن ولديها توجه قومي وهي الآن معروفة على الساحة فقط أريد أن التقط منك مسألة الشعارات ما دمت تقول بأن الثورات جاءت لتقضي على ما تبقى من القومية العربية وشعاراتها وهنا أسأل سالم الأبيض، الثورات العربية كما نعلم، كما يقول الكثيرون طبعاً جاءت وقامت خارج الأيديولوجيات هل يحرجكم ذلك وأنتم الذين تقولون قبل قليل بأن هذه الثورات هي انتصار للقومية وبأنها تجسيد لمشروع طالما حلمتم به؟

سالم الأبيض: هو يكفي أن تصف هذه الثورات بأنها ثورات عربية لتؤكد قوميتها من ناحية لأن القومية إذا أردنا أن نبسطها هي الفكرة الوطنية العربية التي تتجاوز الأوطان الضيقة لمختلف الأقطار العربية وهناك وطنية واسعة هي الوطنية العربية، وأنا أؤكد لك أن هذه الثورات طبيعتها العربية متأكدة وإلا لماذا لم تنتشر خارج الفضاء العربي، نحن نعرف في تاريخ الثورات أن هناك ثورات قامت فيما يعرف سابقا بجمهوريات الإتحاد السوفيتي، ونعرف في تاريخ الثورات أن هناك ثورات قامت في أوروبا الشرقية سابقا ولكنها لم تلامس ولم تؤثر في الوطن العربي، وهذه الثورات القائمة الآن في الوطن العربي لها خصوصية عربية وبالتالي لها خصوصية قومية لا بد أن نعترف بهذا، المسألة الثانية هو لا بد من أن نعترف وأن يحلل التاريخ على أرضية منطقية وأن نكون موضوعيين في تحليل التاريخ نحن نعرف أن القومية العربية لمَا ظهرت في الشرق ظهرت ضد حملة التتريك، والتتريك ناتج عن الدولة العثمانية من دولة ترعى مصالح جميع الشعوب التي تكون بداخلها إلى دولة توظف الشعوب الأخرى إلى صالح تركيا ثم بعد ذلك قامت القومية العربية لتكون الأداة في وجه الاستعمار، وأنا أؤكد لك ونحن في شهر إجويل يوليو نحتفل بثورة 23 يوليو التي قامت في مصر، وهناك استرجاع لهذا الثورة الآن من طرف الثورة المصرية التي قامت الآن، وأؤكد لك أن ثورة مصر 23يوليو بقيادة جمال عبد الناصر قامت ضد الاستعمار وضد الاستبداد وضد الاستعباد وضد التخلف وضد كل أنواع الاستغلال وأنا أؤكد لك كذلك أن عبد الناصر لمَا ضرب في عام 1956، من الأسباب الرئيسية بالإضافة إلى تأمين قناة السويس كان هناك سبب أخر وهو دعم عبد الناصر للثورة في تونس، الثورة المسلحة التي قادتها الحركة اليوسفية، ودعم خاصةً الثورة الجزائرية، والثورة الجزائرية كانت ثورة كبرى انتهت بإنهاء الأسطورة الفرنسية فيما يعرف بالجزائر الفرنسية وذهبت فرنسا إلى غير رجعة من الجزائر، وقد ردَت فرنسا على ذلك بالمشاركة بالعدوان الثلاثي مع إنجلترا ومع إسرائيل، ونحن نعرف أن كل الحروب التي قامت بها القومية العربية وقام بها القوميون العرب قامت من أجل فلسطين، ونحن نعرف كذلك أن جمال عبد الناصر كانت له مقولة تاريخية يرددها وهي أن أنبل ظاهرة عرفها التاريخ العربي الحديث والمعاصر هي الثورة الفلسطينية ونحن نعرف كذلك أن جميع الحروب التي خاضتها مصر، خاضتها من أجل القضية القومية وهي قضية فلسطين ونعرف أكثر من ذلك.

عبد الصمد ناصر: أستاذ سالم، تركت لك المجال طويلاً لكي ترد على الأستاذ مجدي، خليني أعلم أنك تريد أن ترد عليه، لكن أريد أيضاً جواباً على سؤالي؟

سالم الأبيض: نعم، إعادة السؤال من فضلك.

القوميون في تونس

عبد الصمد ناصر: أعيده مرة أخرى، قلت بأن الثورات العربية كما بات معروفاً قامت خارج إطار الإيدولوجيات، وأنتم تقولون بأنكم كنتم عنصراً فعالاً، وهذه الثورات جسدت كل آمالكم وطموحاتكم، هل أحرجكم ذلك؟

سالم الأبيض: القوميون في تونس كانوا عنصراً فعالاً مع قواى سياسية أخرى، وأنا تحدثت في كثير من المناسبات وانطلاقاً من التحليل السيسيولوجي، أعرف إن الثورة في تونس مثلاً شارك فيها القوميون وشارك فيها اليساريون الذين كانوا ينشطون في الإتحاد العام التونسي للشغل، وأؤكد لك أن هذه الثورة في تونس لم تكن ثورة عفوية، لقد كانت مراكمة لتاريخ كبير من النضال التي شاركت به قواى سياسية من بينها القوى القومية في تونس، وهي مراكمة لتراث وفعل حركات إجتماعية وحركات إحتجاجية نعرفها في الحوض المنجمي، ونعرفها في منطقة بن غردين ونعرفها في مناسبات أخرى كثيرة قد لا يتسع الوقت للحديث عنها، ولكن القوى السياسية بما فيها القوى القومية لم تكن غائبه عنها، بالعكس لم يكن ممكناً أمام هذه الحركة السياسية التي أسقطت نظام بن علي أن تتحول إلى ثورة لو لم تكن هناك قوة منظمة تديرها.

عبد الصمد ناصر: ولكن الشعارات التي سمعناها في الشارع التونسي إبَان الثورة، كانت تتعلق بالمطالبة بالحرية وبالكرامة وبالعدالة بالتنوع والشغل وغير ذلك، كنا نسمع شعارات قومية..

سالم الأبيض: وهذه الشعارات يتبناها القوميون ويتبناها غير القومييون في تونس وفي غير تونس، ومن حقهم أن يتبنوها، لأن لا بد أن نعترف أن كدارس للتراث القومي في تونس وفي غير تونس أعرف جيداً أن هناك ديموقراطية أخرى هي الديموقراطية الإجتماعية، الأخ من واشنطن يتحدث عن الديمقراطية الليبرالية السياسية، ولكن لا تقوم ديمقراطية ليبرالية سياسية بدون وجود ديمقراطية إجتماعية تقوم على العدالة الإجتماعية وأنا أتكلم عن تكافؤ الفرص وهذا ما تبنته الحركات القومية وحتى بعض الأنظمة القومية، هذا ما قامت به الثورة الناصرية سنة1953 ...

عبد الصمد ناصر: نعم، أستاذ سالم، عبد الإله المنصوري الآن كما قال قبل قليل السيد سالم الأبيض، بأن وجود الأحزاب القومية في السلطة لا يلغي مشاركتها في هذه الثورات العربية وأسأل هنا إن كانت هذه الثورات ومنها ما زال قائماً حتى الآن تتم ضد أنظمة قامت على خلفية قومية ألا تشكل هذه الثورات إدانة من الشعوب للأنظمة القومية؟

عبد الإله المنصوري: أولاً علينا أن نقرب الأمور بشكلٍ موضوعي إذا تأملنا إندلاع هذه الثورات فهي إندلعت في ظل أنظمةٍ إستبدادية تسلطية، يدعمها الغرب يعني بشقيه الأمريكي والأوروبي، الأستاذ مجدي يتحدث وكأن هؤلاء الذين ثاروا وكأن ثاروا ضد أنظمةٍ قومية، اللذين ثاروا في تونس ثاروا ضد نظام تسلطي تبعي مرتبط بالتطبيع مع الكيان الصهيوني، ولم يكن ينفذ إلا مطالب الغرب الذين كانوا.

عبد الصمد ناصر: والذين ثاروا في سوريا سيد عبد الإله وثاروا في ليبيا وفي اليمن ..

عبد الإله المنصوري: نعم الذين ثاروا، نعم أولاً اليمن ليس نظاماً قومياً، نظام القذافي ليس نظاماً قومياً، هذا نظام..

عبد الصمد ناصر: ليس نظاماً قومياً لكن لديه ولكن لديه قضية أيضاً ويحمل أفكاراً قومية.

عبد الإله المنصوري: لا، غير توجهاته منذ أكثر من 20 سنة، لم يستطع أن يكتشف نزوعه الإفريقي إلا بعد 15 سنة من الثورة، طبعاً لم يستطع أن يجمع بين إنتمائه العربي والإفريقي الذين.

عبد الصمد ناصر: والقذافي اللذي كان يعتبر أن عبد الناصر إستأمنه على القومية العربية؟

عبد الإله المنصوري: وما ذنب القومية أو العروبة إذا كان هذا الديكتاتور يعتبر هذا الأمر الذي يزعم الإنتماء للفكر العروبي التحرري ينبغي أن يكون أول من يطبقه، لا ينبغي أن يكون مستبداً، لا ينبغي أن يكون قاتلاً لشعبة، لا ينبغي أن يكون ناهباً لشعبه، لا ينبغي أن يكون أداة في بناء بنية تسلطية تحمي مصالح العدو، والقذافي قال أن أمن إسرائيل سوف يصبح مهدداً في حالة إذا تمت الإطاحة به في الثورة، علينا أن نكون واضحين هؤلاء اللذين ثاروا ليست الأحزاب القومية لوحدها ولا اليسارية لوحدها وليست الإسلامية هي التي أطلقت شرارة الثورة لكن هذه الأحزاب بما قامت به من تراكمات نضالية سابقة وجدت نفسها في خضم هذه المطالب الشعبية العربية، حينما إندلعت الثورة في تونس إنتقلت مباشرةً إلى مصر مركز العروبة لم تنتقل إلى مالي أو تشاد طب هذا دليل على وجود رابطة بين الشعب العربي من المحيط إلى الخليج والآن نحن نشهد حركةً ثوريةًً من الماءإلى الماء، يعني كيف يمكننا أن نتجاهل هذا الأمر هذه الثورة العربية في تونس أو في مصر رفعت شعارات أيضاً لتحرير فلسطين، خصصت جمعة في مصر للتضامن مع فلسطين لفك الحصار عن غزة وتحرير فلسطين...

عبد الصمد ناصر: أستاذ الإله دعني أسألك ما هو الموقف الحقيقي للأمانة العامة للمؤتمر القومي العربي من الأسلوب الذي إنتهجة نظامان السوري والليبي في تعاملها مع الحركة الإحتجاجية داخل بلديهما؟

عبد الإله المنصوري: نعم حددنا موقفنا بشكل واضح في الأمانة العامة للمؤتمر القومي العربي طالبنا النظام الليبي أولاً أتحدث عن ليبيا..

عبد الصمد ناصر: هل هو موقف إدانة؟ هل أدنتم بشكل واضح؟

عبد الإله المنصوري: نعم بشكل واضح وصريح، كل ديكتاتور يقوم بعملية قمعٍ، يطلق الرصاص على شعبه، فهو مدان ومرفوض ولا شرعية له.

عبد الصمد ناصر: هذا كلام عام، هذا كلام عام..

عبد الإله المنصوري: نعم أنا أتحدث عن ليبيا، ليش كلام عام هذا كلام واضح وفي نفس الوقت أيضاً بعد تحولات الدراماتيكية التي عرفتها الثورة الليبية وتدخل الناتو، أدنا التدخل الأجنبي لأن التدخل الأجنبي لا يريد أن يقييم نظاماً ديمقراطياً لصالح الشعب الليبي وأيضا حددنا موقفا واضحا طالبنا النظام السوري بتلبية سريعة لكل مطالب الشعب السوري المحقة في الديمقراطية العدالة الإجتماعية والتعددية السياسية وأيضاً دعونا المعارضة السورية لكي تتجاوز منطق التحالف مع الأجنبي، لأن هذا الأجنبي أيضاً لدينا تجربة مريرة معه في العراق والنتيجة دولة فاشلة في العراق دولة طائفية دولة تم إخراج كل سلبيات المجتمع العراقي التي طفت على السطح، هذا موقف واضح نحن نتوجه ضد كل النظم الإستبدادية ونطالبها بأن تدخل إصلاحات سريعة على مستوى الديمقراطية وإحترام الكرامة والعدالة الإجتماعية، وأيضاَ في نفس الوقت نحن نرفض التدخل الأجنبي من يناضل من أجل الحرية في وطنه طبعاً لن يكون إلا لصالح هذه الحرية طبعاً في المستوى العربي.

عبد الصمد ناصر: مجدي خليل قلت أن ما تبقى من شعارات القومية العربية ذهب مع هذه الثورات لكن ألا تعتقد أن هذه الثورات العربية القومية جسدت حالة من التضامن الشعبي بين الشعوب العربية وهي تؤسس ربما لقومية تنبع من الشعب وليس قومية فوقية إذا جاز لنا أن نقول من نظم تفرض هذا التوجه؟

مجدي خليل: الحقيقة نفس اللي قاله الأخ في تونس أنه هو الثورات جمعتها هذه الثقافة العربية، الحقيقة لأ، الحقيقة جمعتها المنطقة الجغرافية، وكانت هذه المنطقة الجغرافية زي ما حصل بالزبط في أوروبا الشرقية، حصل في أوروبا الشرقية وحصل الدومينو برضه في أميركا الجنوبية لما بدأت حركات الاستقلال في أميركا الجنوبية، ثم بعد ذلك الاستبداد ثم بعد ذلك الديمقراطيات، بدأت مراحل كده في أميركا الجنوبية، نفس الكلام حصل في المنطقة العربية وفي الشرق الأوسط، الاستعمار ثم الاستقلال ثم الاستبداد ثم التحرر من الاستبداد الداخلي إللي هو أسوأ بكثير من الاستعمار، لكن خلينا ندخل مثلاً إللي بنسميهم يوليا وأخواتها السبعة، اللي هم السبع دول اللي هي سوريا والعراق والسودان وليبيا واليمن والسلطة الفلسطينية والجزائر، هذه السبع دول التي تبنت قومية يوليو،فين هي دلوقتي، هي الدول التي إستعبدت شعوبها إلى أقصى درجة ممكنة من الإستعباد والتي وصلت لمرحلة الإستعباد والإستبداد وبكل ما يتعلق بالشمولية، النظام الشمولي الإستبدادي الفاسد، هي تبنت القومية العربية، إنظر حالياً ماذا يحدث بسوريا، مش سوريا رفعت شعارات القومية العربية التي رفعتها سوريا ومن قبلها العراق، ماذا أفادت المواطن بسوريا وماذا أضرته، إذا تحدثت ماذا أفادت المواطن في سوريا إنما كانت هي فقط لتأكيد الإستبداد السوري وحكم الشلة وفساد الشلة ولكنها لم تفعل شيئاً لرفاهية المواطن السوري وإنما قضت على حريته وكرامته وعلى إنسانيته ولم تفعل شيئاً للقضية الفلسطينية التي إدعت أنها تحميها وتحرسها وبالتالي نفس الكلام حدث بالعراق...

عبد الصمد ناصر: نعم لدينا محوراً آخر سنعود إليه ولكن سنتوقف عنده بعد فاصل، بعد الفاصل سنطرح سؤال كيف للتيار القومي أن يجدد خطابة وآساليب عمله على ضوء دروس مستخلصة من الثورات العربية وما هي ضمانات مصالحة محتملة بينه وبين الإستحقاقات الحقوقية نقاشنا لم ينتهي بعد.. ابقوا معنا بعد الفاصل.

[فاصل إعلاني]

عبد الصمد ناصر: مرحباً بكم من جديد في حديث الثورة الذي نخصصة لتفاعل التيار القومي العربي مع الثورات العربية، تخفي لام التعريف في مصطلح القومية العربية الكثير من التنوع، هذا الفكر الذي إتخذ له مكانه بارزة في الساحتين الفكرية والساسية العربية منذ بواكير القرن العشرين يعرف بأوسع مفاهيمه يعرف بأنه تيار يوصف بالتاريخي والعريق صعد نجمه مع ثورة الضباط الأحرار في مصر ووصول البعث إلى السلطة في كل من العراق وسوريا، يتبنى النضال من أجل وحدة الأمة العربية إستناداً إلى مشتركات ثقافية ودينية وجيوسياسية تتقاسمها الشعوب العربية، تشمل القومية نظماً وأحزاباً وهيئات وشخصيات مستقلة تلتقي في العناويين العريضة إلا أنها تفترق في المضامين الفكرية والمواقف السياسية من أهم المدارس القومية الناصرية والبعث بشقية السوري والعراقي، ونظام العقيد القذافي قبل أن ينأى بنسه لاحقاً عن القومية لكن تجارب أخرى بقيت في حيز الدعوة الفكرية ولن تجد طريقها للحكم مثل تجربة الدكتور عصمت سيف الدولة صاحب نظرية الثورة العربية التي تعتبر الدليل النظري للتيار العصمتي عدا عن مؤسسات مستقلة ظهرت حديثاً مثل المؤتمر القومي العربي الذي يعد منبراً نخبوياً لشرح ونقل الفكر القومي، يذكرنا التاريخ بأن نكسة 67 وإسقاط النظام البعثي في العراق مثلاً مثلتا ضربتين قاسيتين للتجارب القومية أعقبهما صعود للتيار الإسلامي الذي قدم نفسه بديلا لما يقول إنه فشل للقومية العربية... إذن نستأنف نقاشنا مع ضيوفنا سالم الأبيض وعبد الإله منصوري ومجدي الخليل، سيد سالم أبيض هناك من يقول أن التيار القومي يمثله أنه مثل فاقد الشيء لا يعطيه يبشر بالوحدة وهو ممزق ومتشظي ومنغمس في تمجيد الزعامات، كيف لهذا التيار المتشبع بهذه الثقافة كما يرى البعض أن يجد له موطئ قدم بين ثورات شبابية تقطع مع هذه الأفكار؟

سالم الأبيض: أولا أخ عبد الصمد دعني أعلق ولو بإيجاز على ما قاله ضيفك من واشنطن.

عبد الصمد ناصر: رجاءاً بإيجاز لأن الوقت ضيق وهناك أسئلة كثيرة..

سالم الأبيض: بإيجاز شديد أنا أقول له أنه يجب أن يستعمل أدوات تحليل جديدة لفهم الوقع السياسي العربي فلا أعتقد أن النظام في اليمن الجنوبي في الثمانينات أو حتى بداية التسعينيات قبل الوحدة كان نظاما قومياً ولا أعتقد أن نظام بورقيبه كان نظاماً قوميا في تونس ولا أعتقد أن الأنظمة في الخليج هي أنظمة قومية، يجب أن نفهم أن حالة الإستبداد السياسي الموجودة في الوطن العربي ناتجة عن إرث ثفافي سلطاني وهذا الإرث الثقافي السلطاني قد مس جميع الأقطار العربية وجميع التوجهات الأيدولوجية، ولا يقتصر على إتجاه معين.

عبد الصمد ناصر: دعنا نتجاوز هذه النقطة سيد سالم..

سالم الأبيض: بأن هناك قضية الوطنية، نعم هناك قضية الوطنية كقضية مركزية تصاحب قضية الديمقراطية فالمعادلة في الوطن العربي بين أن تكون وطنياً أو تكون ديموقراطيا في السابق ولكن تغير المشهد الأن كل القوى السياسية بما فيها التيارات القومية الآن أصبحت تؤمن بالعملية التداولية سياسيا ولم تعد تؤمن بإحتكار السلطة إذا كان هنالك نوع من إحتكار السلطة لنوع من الانظمة القومية في وقت من الأوقات فذلك ناتج.

عبد الصمد ناصر: سيد سالم نغلق هذا القوس وأجبني من فضلك على سؤال سألته أريد إجابة واضحة على مع كل هذه أن هناك من يرى أن هذا التيار فاقد لشيء يريد أن يعطيه بما أنه ممزق ومتشظي ومنغمس في معارك داخلية كما يقولون مكيف له أن يجد موطئ قدم بين حركات شبابية أو ثورات شبابية تقطع مع كل هذه الثقافة؟

سالم الأبيض: أنا في رأيي هذا تيار موجود مكثف وموجود بالشارع كما له تعبيرات سياسية وله تعبيرات في المؤسسات النقابية وله تعبيراث ثقافية ولا يمكن أن نتحدث عنه هكذا بأنه تيار متشظي أو متعدد أنا أعتقد أن تيار متشظي أو متعدد، أنا أعتقد أن المشروع السياسي لهذا التيار هو الذي لم يتحقق وإذا أردنا أن نبحث في الأسباب التاريخية فسنجد المبررات لماذا لم يتحقق هذا المشروع السياسي، وهذا مشروع معقد وهو مشروع نهضوي حضاري كبير يقارع المشاريع الحضارية للدول الكبرى في الإتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية، وهو يشكل مشروع الكتلة التاريخية الكبرى التي يمكن أن توفر الكرامة، وأعتقد أن تحقيقه أمر صعب جداً ويتطلب أجيالاً ونضالات تاريخية كبرى لأنه هو مشروع بديل لثقافة معينة ونمط ليبرالي سائد الآن في العالم لا يقارع النمط الليبرالي إلا بالنمط الثقافي القومي العربي وهو نمط أعتقد أنه تغير كثيراً من حيث المبدأ والأيدولوجية، فالقومية العربية كانت في السابق قومية لاهوتية علمانية مسيحية عربية في الشرق لكنها تحولت الآن إلى قومية إسلامية تعبر عن التيار القومي العربي الإسلامي وهناك في مستوى الديمقراطية قوى الأحزاب أعتقد القومية الآن أصبحت تشارك في اللعبة السياسية وخاصةً في ظل الثورات هي تؤمن بصناديق الاقتراع وتعتقد أنها يمكن أن تقوم بالإنتصار لمشروعها عن طريق صناديق الاقتراع وعن طريق العملية الديمقراطية بالمشاركة مع القوى السياسية.





الثورات وتجاوز النخب

عبد الصمد ناصر: دعني أسأل، هنا التقط منك هذه الفكرة سيد سالم، أسأل عبد الإله المنصوري، سيد عبد الإله هناك من يرى بأن الثورات العربية تجاوزت النخب سواءاً كانت قومية وغيرها وبأنها قدمت ربما مشروعاً بديلاً وانتقلت من التنظير إلى الفعل ما قولك في ذلك؟

عبد الإله المنصوري: نعم، هذا صحيح، الجماهير العربية والشباب العربي تجاوزوا النخب العربية بشتى انتماءاتها الأيديولوجية ولكن هذا لا يعني أن هذه الحركة هي بمعزل عن كل القيم التي بثتها حركة التحرر العربي في الوسط العربي لأكثر من ستة قرون لا ننسى أن التجربة الناصرية حررت أقطاراً واسعة من الوطن العربي وساهت في تغيير العوامل الجيوستراتيجية الناظمة العالم من خلال حركة عدم الانحياز والثورات في أفريقيا وفي الجزائر وفي المغرب وفي اليمن إلى غير ذلك، لا ننسى أن هذه الثورة واجهت العدو الصهيوني في فلسطين المحتلة وإن كانت قد انكسرت سنة 67 فقد أعادت بناء الجيش المصري وانتصرت في حرب الاستنزاف وحرب 73 ثم فيما بعد استطاعت هذه الفكرة التحررية العربية أن تنتصر على الصهاينة وتخرجهم من لبنان وانتصار مايو عام 2000 ثم انتصار تموز 2006، كل هذه الجهود هي جزء لا يتجزء من حركة التحرر العربي التي يتم إسنادها الآن بفكرة إقامة أنظمة ديمقراطية حقيقية في كل أقطار الوطن العربي، وأعتقد أن سيادة نطم ديمقراطية في كل أقطار الوطن العربي سينقلها تلقائياً إلى الوحدة وإلى التنمية أيضاً مثلما وقع في أوروبا وفي غيرها من التجارب الإنسانية، لدي تعليق بسيط أختم به هذه المداخلة..

عبد الصمد ناصر: تفضل.

عبد الإله المنصوري: مرتبط بالتحليل الذي وضعه صديقك من واشنطن، أنا أعتقد أن الأستاذ مجدي لايزال مرتبطاً بأدوات تحليل وفهم سابقة على حركة الثورات العربية، حينما يتحدث مثلاً عن الفزاعة الإسلامية، هذه الثورات أسقطت مجموعة من الأساطير التي كان الاستبداد العربي المسنود أميركياً وأوروبياً يروجها حتى يمنع حقنا في أن نتحرر، وأولى هذه الفزاعات هي الإسلامية، مسألة الإسلامية سقطت الآن، الآن الكل مقتنع بما فيها القوى الإسلامية العريضة خاصة الديمقراطية منها في ضرورة إقامة نظم ديمقراطية نقوم على حقيقة تدوال سلمي.

عبد الصمد ناصر: سيد مجدي خليل لك الفرصة أن ترد أيضاً ولكن باختصار من فضلك.

مجدي خليل: نعم، أولاً نحن نتمنى أن عصر الأيدولوجيات ينتهي كما انتهى في كثير من دول العالم سواء الإسلامية أو القومية، نحن المفروض نكون نواكب العالم، نواكب الحدث أن ندخل في عصر الديمقراطية وحقوق الإنسان، الأيديولوجيات تقف حجر عثرة أمام فكرة الفردية والديمقراطية وحقوق الإنسان ومن ثمة، المسألة الثانية إللي عاوز أعلق عليها..

عبد الصمد ناصر: تفضل..

مجدي خليل: المسألة الثانية إللي عاوز أعلق عليها إللي هي أنه حصل احتفال بـ23 وفي مصر بالعكس، 23 يوليو في مصر مر بشكل جاهد جداً عند الشعب ولم يحتفل به سوى العسكريين لأنهم يستمدون شرعيتهم العسكرية من 23 يوليو أما الشعب المصري فقد كان في التحرير وكان يناضل من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان وليس من أجل عودة يوليو أو عودة هذه الأيدولوجيات، ثالثاً المسألة الثانية انظر دلوقت هل تعلم أن جامعة الدول العربية عاجزة عن أن تفعل شيئاً لأن التناقضات ما بين الدول أكبر بكثير جداً من التوافقات بين الدول، كيف تكون التناقضات إلى هذا الحد ونتحدث عن قومية أو وحدة أو كلام من هذا القبيل، أقولك حاجة أنا بجواز سفري الأميركي أستطيع أن أدخل دول الخليج ولكن لا يستطيع المصري أو الصومالي أو التشادي أو إللي من شمال أفريقيا أن يدخل أو يحصل، هناك عوائق.

أخطاء الأنظمة ووزرها

عبد الصمد ناصر: ولكن سيد مجدي لا يمكن أن نحمل، سيد مجدي حتى نكون موضوعيين لا يمكن أن نحمل وزر أخطاء سياسات أنظمة ركبت موجة القومية أو غير ذلك للفكر القومي أو التيار القومي بشكلٍ عام.

مجدي خليل: سيدي، هل تتصور أن المواطن من دول الخليج بعيداً عن أن الدول العربية هي إللي فرقت بين الشعوب والكلام إللي إحنا بردده أديلنا سنوات طويلة، هل يقبل مواطن سعودي أو مواطن إماراتي أن يكون في وحدة مع الصومال أو التشاد أو مع ليبيا، شوف أنت العلاقات، الأردن وسوريا تأمل هذه العلاقات، الأردن وسوريا، العراق والكويت، فلسطين والكويت، السعودية وليبيا، الجزائر والمغرب، قطر والسعودية، سوريا ولبنان، التشاد وليبيا، العراق وسوريا، يعني هاتلي دولتين في حالة توافق بين الدول العربية.

عبد الصمد ناصر: نعم أستاذ مجدي، هذا ما قد يرد عليه البعض بأنه ربما يعود إلى أسباب خارجية، هناك أيادٍ خارجية طبعاً إذا علمنا بنظرية المؤامرة هي التي تريد أن ترى هذا المشهد متشظياً مقسماً وهذه الخلافات في الدول العربية وبالتالي السؤال هنا، أستاذ مجدي، السؤال هنا هذا ربما يبرر السؤال، إلى أي حد تحتاج ربما هذه الثورات العربية حتى نعود إلى الموضوع، إلى درعٍ قومي يقيها من سرقة الغرب للثورات، ونحن شاهدنا هنا كيف أن الثوار انتقدوا زيارة هيلاري كلينتون ونددوا بهذه الزيارة في كل من مصر وتونس حينما جاءت وقالت بأنها جاءت لتدعم الثوار.

مجدي خليل: سيدي، أحد الأفكار المغلوطة جداً جداً أن الغرب عاوز يسرق الثورات العربية، ده إللي عاوز يسرق الثورات العربية هم بقايا الأنظمة القديمة، هم العسكريين إللى هم عاوزين يحولوا الثورات إلى مجرد انقلابات عسكرية إللى بدأوا يرددوا نفس الكلمات القديمة العقيمة إللي عفا عليها الزمن أن التدخل الخارجي والأجنبي والتمويل ومش التمويل والعمالة والتدريب في صربيا، كل هذه الكلمات هي من مخلفات الماضي، الشعوب في المنطقة العربية، الشعب في مصر وفي المنطقة العربية يدرك تماماً أن أعدائهم داخليون مافيش حد من الخارج عاوز، بل بالعكس إذا تحررت المنطقة العربية وصارت ديمقراطية وصارت حريات ستكون صديقة للعالم وستكون منفتحة على الانسانية ومنفتحة على البشرية، ولكن العوائق الحقيقية هي من الذين يريدون اختطاف الثورات العربية وتحويل مسارها، إما إلى ثورات رجعية إسلامية أو إلى رجعية إسلامية أو إلى عودة الأنظمة القديمة تحت مسميات أخرى وتحت مسميات مختلفة ولكن تغيير الأشخاص فقط وتكون القوى العسكرية والعسكريين هم الذين يقبضون على مقتضيات السلطة في هذه البلاد.

دروس وعبر الثورات

عبد الصمد ناصر: أستاذ سالم الأبيض في تونس، إن الوقت ضيق ونكون دقيقين وأرجو أن تكون الأجوبة أيضاً مختصرة قدر الإمكان حتى نجيب على السؤال الذي قدمناه قبل قليل في المؤتمر أو في التيار القومي بشكلٍ عام، ما هي الدروس والعبر التي ربما ترونها من هذه الثورات العربية والتي تدفع إلى إحداث مراجعات في الفكر القومي؟

سالم الأبيض: أنا أعتقد أن التيار القومي مثله مثل بقية التيارات السياسية قد استفاد من هذه الثورات العربية وقد ساهم فيها قبل ذلك مساهمة فعالة وهو الآن على أرضية سياسية مختلفة، هذه الأرضية السياسية تطلب منه تحليل أدبياته الفكرية والأيدولوجية وخاصةً أفكاره ومشاريعه السياسية، وأعتقد كذلك أن هذا التيار يجب عليه في هذه المرحلة التاريخية من تاريخ الوطن العربي ككل أن يدرك أكثر من أي وقت مضى، أن هذا الشعب الممتد في أيدولوجيته التقليدية من البحرين إلى مراكش هو شعب واحد وأن قضاياه واحدة وأن الكتلة التاريخية التي يجب أن يؤسس لها هي صمام الأمان ضد كل التدخلات الخارجية لأننا نحن نعرف الآن بالملموس أن هذه الثورات العربية هي في مرحلة السرقة وهذه السرقة لا تتم فقط بالوسائل العسكرية ولكن تتم بوسائل ناعمة تبدو أنها ديمقراطية ولابد من الانتباه إلى سرقة الثورات، لأن الثورات العربية ستكون هي المدخل الحقيقي للتحول الديمقراطي، وهذا التحول الديمقراطي في الوطن العربي هو الذي يؤسس إلى تنمية ذاتية مستقلة يمكن أن تضمن الكرامة العربية في المستقبل، ولكن يجب الانتباه أيضاً كذلك إلى أن هذه الديمقراطية تتأسس في واقع فيه نسبة كبيرة جداً من الأمية، أمية القراءة والكتابة تفوق في أحسن الأقطار 35%، وكذلك لابد من الانتباه إلى أن الوعي العام بنتيجة استبداد الأنظمة هو وعي إذن غير متطور، وكذلك لابد من الانتباه إلى أن توفير الديمقراطية الاجتماعية وقرع الفقر والتهميش هو الأرضية الحقيقية لقيام ديمقراطية سياسية حقيقية تذهب بهذا الشعب من محيطها الخارجي إلى التداول على السلطة هو حق وواجب.

غياب الزعيم الملهم

عبد الصمد ناصر: عبد الإله المنصوري في بيروت، في غياب الزعيم الملهم والحزب القائد المنفرد بالسلطة ومع أيدولوجيا تختلف مع تلك التي سادت في زمن الصعود القومي، نسأل ماذا سيبقى من القومية العربية في المشروع القومي مستقبلاً بعد هذا الربيع العربي؟

عبد الإله المنصوري: يعني هذه القيم لحظة ظهور الزعيم أو مجموعة من الأحزاب التي تلعب أدواراً فردية تنتمي إلى الماضي، الآن نحن أمام مواطنين عرب أحرار يتصدون لرسم مصيرهم ومستقبلهم من أجل التحرر طبعاً من الاحتلال الأجنبي وهذا هو مطلب الاستقلال ومن أجل التحرر من القطرية، هذه الحالة الكيانية المرضية التي دفعت والتي جعلت صديقنا مجدي من واشنطن يتحدث عنها حيث لا يمكن الدخول بين بلدين عربيين إلا بجواز سفر طبعاً هذه حالة قطرية تؤكد حقيقة حاجتنا إلى مشروعٍ قومي ثم التداول السلمي حول السلطة عبر إقامة أنظمة ديمقراطية في جمهوريات يتم فيه التداول حول السلطة بما فيها منصب الرئاسة وفي الملكيات عبر ملكيات برلمانية يسود فيها الملك ولا يحكم وأيضاً بناء عدالة اجتماعية تزيل حالة الفوارق الطبقية الفاحشة وأيضاً التنمية المستقلة عن القرارت و الاستراتيجيات النيوليبرالية التي تحاول من خلالها أميركا ومن يدور في فلكها السطو على هذه الثورات ثم أيضاً الحق في التجدد الحضاري لمواجهة حالة التأخر التاريخي، أنا أعتقد هذه هي المآخذ الحقيقية للثورة العربية وأعتقد أن المقاربة النقدية التي يقدمها المؤتمر القومي العربي تنتمي إلى هذا السياق ولن يكون..

عبد الصمد ناصر: وضحت الفكرة عبد الإله.

عبد الإله النصوري: إلى كتلة تاريخية تتكامل في مجهوداتها..

عبد الصمد ناصر: عبد الإله بقيت ثواني نريد أن نفسح المجال إلى مجدي خليل في كلمة أخيرة في ثواني أستاذ مجدي خليل، أذا كانت بالنسبة لك وأنت منذ البداية ترى بأن القومية مشكلة والتيارت الإسلامية أيضاً مشكلة، في ثوانٍ ما هو البديل برأيك؟

مجدي خليل: نعم، قبل أن أتحدث عن البديل أقول..

عبد الصمد ناصر: بقي ثوانٍ مجدي خليل.

مجدي خليل: البديل هو الطريق الثالث أن تكون الديمقراطية وحقوق الإنسان وحكم الفرد وحكم المؤسسات، والديمقراطية، المواطن هو أعلى سلطة في النظام الديمقراطي المواطن العادي هو أعلى سلطة في النظام الديمقراطي وتبقى كلمة الوطن العربي والقومية العربية، العالم الإسلامي، العالم العربي، كلها مصطلحات وهمية وعار على القوميين العرب أنهم يزوروا سوريا ويدعموا هذا القتل للمواطنين السوريين وعار عليهم أن يمهدوا لفاشية إسلامية باللعب على أرضية الإسلاميين.

عبد الصمد ناصر: شكراً لك أستاذ مجدي، تضطرني إلى ترك مجال لكي يرد ولكن في أقل من عشرة ثواني أو خمسة عشر ثانية أستاذ سالم.

سالم الأبيض: يبدو لي أنا ما أسمعه من الأستاذ مجدي هو أن آليات التحليل السيسيولوجي لديه ضعيفة جداً ولابد عليه أن يقوم بعملية مواكبة لما يجري في الواقع، أنا أعطيك مثالاً بسيطاً.

عبد الصمد ناصر: أستاذ سالم شكراً لك..

سالم الأبيض: ثانية واحدة.

عبد الصمد ناصر: لم يبق وقت ولا ثانية واحدة للأسف، قلت لك في ثوانٍ، أستاذ سالم الأبيض نشكرك على مشاركتك معنا من تونس أستاذ علم الإجتماع السياسي سالم الأبيض، ومن بيروت عبد الإله المنصوري عضو الأمانة العامة للمؤتمر القومي العربي شكراً جزيلاً لك، وشكراً أيضاً للأستاذ مجدي خليل مدير منتدى الشرق الأوسط للحريات من واشنطن، وإلى هنا تنتهي حلقة اليوم مشاهدينا الكرام شكراً لكم وإلى اللقاء بحول الله.