- الصورة المتدرجة للفعل الثوري
- ثورة المفاهيم والفعل

- دور النخب في الفعل الثوري

- النخب العلمانية والليبرالية

- دور الولايات المتحدة الأميركية

محمود مراد
أبو يعرب المرزوقي
مروان بشارة
عبد الوهاب الأفندي
محمود مراد: مشاهدينا الأعزاء السلام عليكم، وأهلا بكم في هذه الحلقة من برنامج حديث الثورة، الثورة فعل تاريخي أو لا تكون مقولة تفترض بالثورات أن تعبر عن تغيير نوعي في حياة الشعوب تنقلب فيه على كل المفاهيم والأطر والقيم والعلاقات القديمة لتؤسس لمرحلة جديدة مختلفة جذريا، ربما يكون هذا التوصيف تقليدياً يُحيل على التجارب الثورية التقليدية بأكثر مما يحيل على الثورات العربية الراهنة، هذه الثورات نشبت على يد قوى شبابية حسمت موقفها من النظم الحاكمة ولم تنتظر إشارة الانطلاق من النخب السياسية والفكرية بعيداً عن أي لون أيديولوجي خاص أو اصطفاف حزبي بعينه، فنجحت في الإطاحة برموز النظام في تونس ومصر، بينما يواصل الثوار مسارهم المحفوف بالتضحيات في ليبيا وسوريا واليمن على أمل إحداث التغيير المرتقب في بلادهم، فهل من دقيق الوصف أن نقول أن ما حدث هو ثورة أم مجرد انتفاضات إصلاحية وكيف تعاطت النخب العربية مع ما بات يُعرف بالربيع العربي، ماهي انجازات واخفافات هذه الثورات ومن يصنع المرحلة الحالية أهي القوى الفاعلة في الداخل العربي أم أيادٍ أجنبية تخلق الأزمات وتفصل لها حلولاً على مقاس مصالحها الاستراتيجية، وما هي ملامح المرحلة المقبلة التي افتحتها الثورات العربية إن نحن سلمنا بهذا التوصيف، أسئلة نطرحها في حلقتنا هذه على ضيوفنا الكرام السيد أبو يعرب المرزوقي أستاذ الفلسفة العربية واليونانية في الجامعة التونسية الذي ينضم إلينا عبر الأقمار الصناعية من تونس العاصمة، والسيد مروان بشارة الكاتب والمحلل السياسي الذي يشاركنا النقاش من لندن ثم من كمبردج السيد عبد الوهاب الأفندي أستاذ العلوم السياسية في جامعة ويست منستر، نبدأ مع السيد أبو يعرب المرزوقي، سيد أبو يعرب ما الذي ينبغي على فئة ما من البشر أن تصنع حتى يقال عن صنيعها هذا أو فعلها هذا إنه ثورة؟

أبو يعرب المرزوقي: أهلا وسهلاً، أعتقد أن الفعل الذي يمكن إذا توفر في فعل من الأفعال أن يُسمى ثورياً، يتعلق أولا بالوعي بطبيعة المرحلة التي يمر بها الفعل الإنساني في لحظة من لحظات تاريخ الأمة مدركة لما تعانيه من الأزمات، والأمر الثاني هو أن لا يبق الأمر في مستوى الوعي وإنما أن يمر إلى ما يغير الأشياء من الأفعال التي عادة ما تكون سلمية عند الثوار ويقع رد فعل عليها من ثورة مضادة من المحافظين على المصالح السابقة، وهذا رد الفعل هو العنيف وهو الذي ربما يوصل الثوار إلى رد فعل عنيف، عندئذ يمكن أن نقول أن الوضعية قد صارت ثورية، وهو ما حصل في جُل بلاد العرب التي عاشت ما عشناه بداية في تونس، أي ان الثوار في تونس شرعوا في الاحتجاج السلمي، إلى أن رد عليهم في السلاح، عندئذ واصلوا ونتمنى ألا يدفعوا الثوار إلى رد فعل عنيف وهو ما يريد الثوار أن يتجنبوه قدر المستطاع.

الصورة المتدرجة للفعل الثوري

محمود مراد: هل هناك مدى زمني معين حتى نقول أن هذه الثورة نجحت أم لا في تحقيق أهدافها، يعني هل يستمر الفعل الثوري بالسنين بالشهور بالأسابيع إلى أن يحقق أهدافه؟

أبو يعرب المرزوقي: بحسب التجارب الإنسانية السابقة ثمرات الثورة تتحقق بصورة متدرجة، هناك الدفعة الأولى التي تقضي على الرموز التي وقع الثورة عليها، رموز مثل هروب بن علي أو خروج مبارك من مصر، هذه رموز ولكن ما وراء الرموز هي الحقائق التالي دفعت إلى الثورة وهذه هي العصية على التغيير، والثورات العربية في تونس وفي مصر خاصة التي نستطيع أن نقول إنها النموذج السلمي من الثورات العربية الحالية بالقياس لما يحدث في ليبيا أو في سوريا أو في اليمن، هذه الثورات الآن بدأت تصارع مستوى غير رمزي، مستوى فعلي من أدوات صمود النظام القديم في مجتمعاتنا، ونحن لا ندري متى يمكن أن نتغلب على هذه الصعوبات ولكن الشيء الثابت أنه قلما نكصت ثورة إلى الوضع السابق خاصة وأن هذه الثورة تتميز بخاصيتين لم تتوفرا فيما كان يُسمى ثورات عربية، الأمر الأول هو أنها نبعت من تحت أي من الشعب وليست ثورة في البلاط العسكري أو في بلاط الحكومة، بحيث لا نستطيع أن نقول أن الأجهزة الأجنبية هي التي نظمتها ونسقتها وأعطتها طابع الثورة لكي تزينها أمام الشعب، هي ثورة حقيقية نبعت من الشعب، وهذه الثورة الحقيقية التي نبعت من الشعب من الصعب تدجينها، هذه الخاصية الأولى، الخاصية الثانية أن الأعداء عادة يغلبون ثورة بالاعتماد إما على النمط القديم في استعمال القوة في الداخل أي العسكر، أو على التدخل الأجنبي، وكلتا الأداتين أصبحت مستحيلة، أولا الانقلابات العسكرية لم تعد ملائمة للعصر في العالم والدليل أن العسكر في تركيا الذي كان يدعي ضمان العلمانية والديمقراطية حيل دونه والتدخل وكذلك في مصر وحتى في تونس، والأمر الثاني التدخل الأجنبي تبين وخاصة في العالم الإسلامي أنه مكلف جداً بحيث أن القوى الغربية أصبحت تفضل التدخل اللطيف بدلا من العنيف، وهو أخطر طبعا ولكن علاجه ممكن بالنسبة إلى الشعوب.

محمود مراد: سيد مروان بشارة فيما يتعلق بالثورة العربية، الدكتور أبو يعرب المرزوقي متفائل إزاء ما يجري في العالم العربي، ويقول أنه ما من ثورة قلما نكصت ثورة بعد اندلاعها على أعقابها، هل تعتقد أن ما حدث في العالم العربي ولا سيما في مصر وتونس اللتين سبقتا بالإطاحة بالرئيس الذي كان موجوداً في كل بلد منهما، هل تعتقد أن ما حدث هناك فعلاً يعتبر ثورة، يعني عادت جموع المتظاهرين مرة أخرى إلى ميدان التحرير وحاولت أن تعود مرة أخرى كما سمعنا قبل قليل في تونس للاعتصام مجددا ورفعت الشعارات ذاتها التي رفعت أثناء الثورة الشعب يريد اسقاط النظام مرة أخرى ماذا تحقق حتى الآن حتى نقول أن هذه ثورات فعلا؟

مروان بشارة: الفعل الثوري هو بالفعل فعل وليس فقط عملية، هناك عملية تطور ما قبل الفعل الثوري وعملية تطور ما بعد الفعل الثوري لتحديد أهداف الثورة أو لتعريفها وما إليه، ولكن عملياً الفعل الثوري هو عملية كسر مع الماضي، هناك لحظة تاريخية ما يحصل كسر مع الماضي وهذا الكسر هو الأهم في تعريف الثورة، أي أنه ليس هناك عودة إلى الوراء، يعني ما يحدث اليوم في ساحة التحرير هو ليس خوفاً أو تخوفاً من العودة إلى الوراء، وهو حول تعريف المستقبل وبالتالي هو عمليا ما بعد الثورة، هو عمل ما بعد الثورة، لنأخذ جردة حساب بسيطة لما جرى في الأشهر الخمسة الأخيرة في مصر، عملياً الرئيس وأبنائه في السجن أو الإعتقال، رموز النظام في السجن أو الاعتقال، الحزب الوطني قد حل، البرلمان قد حل، عملياً المجالس المحلية قد حلت حتى المجالس الطلابية التي تحكم فيها الحزب الحاكم قد حلت كذلك، مباحث أمن الدولة قد حل وطبعا وضعت كل رموزه في السجن، وحتى مؤخرا هذا الأسبوع وضع أكثر من 600 كابتن وجنرال في البوليس ممن شاركوا في عمليات الاستبداد في الأشهر الأخيرة وفي السنوات الأخيرة أيضا باتجاه التقاعد، وبالتالي هنالك بالفعل عمليات جدية جذرية تجري مثلا في مصر وأيضا في تونس، وهي بذلك تؤكد على تطور الفعل الثوري الذي حدث في تونس ومصر، على أساس عدم العودة إلى الماضي على أساس الكسر مع الماضي وعلى أساس تعريف المستقبل بشكل يختلف جذريا عن الماضي.

محمود مراد: بعض الثوار ظلوا أو توهموا أن الطريق السهل هو مجرد الاستمرار في التظاهرات إلى حين إسقاط رأس النظام لكن تبين هذا الأمر ليس نهاية المطاف، برأيك هل عليهم أن يظلوا على ذات القدر من الوعي والانتباه والحذر إلى حين تحقيق أهداف الثورة كافة؟

مروان بشارة: بلا شك أنا تحدثت عن مجموعة كبيرة من رموز وبنية النظام قد حلت، ولكن النظام يعني تخلصنا من حسني مبارك ولكن نظام وأركان وبعض أركان حسني مبارك ما زالت موجودة، وبالأساس في الجيش، وبالتالي اليوم العملية الأساسية، عملية الحسم، تجري ما بين الجيش والثوار على أساس إعادة إعطاء الصلاحيات للحكومة القريبة أكثر من الشارع، وعلى أساس محاكمة رموز النظام السابق وعلى أساس أيضا مجموعة الإصلاحات التي يجب أن تُسرع باتجاه تحقيق أهداف الثورة، لأن الثورة ضد البطئ في عملية الانتقال، لأن عملية الانتقال هي عملية تميع عملية تحقيق أهداف الثورة ولذلك الثورة كما قلنا كفعل من الضروري أن تحقق أهدافها في فترة زمنية قصيرة ولو أنها أخذت في وقت لاحق وقتاً أطول لكي تنضج ولكن تمييع الثورة في الأسابيع الأخيرة وفي الأسابيع اللاحقة، أعتقد أنها بالفعل ضد أهداف الثورة وبالتالي ما يجري اليوم في ميدان التحرير هو ضروري جداً يعني لماذا تحرك الجيش باتجاه وضع أكثر من 600 عنصر متن الشرطة باتجاه التقاعد، هذا بسبب الضغط الشعبي، أنا أعتقد أن استمرار الضغط الشعبي اليوم في اليمن وفي تونس وفي مصر وفي بقية الدول العربية هو شرط أساسي من أجل انجاح الثورة التي هي عمليا فعل ومستمر اليوم.

محمود مراد: دكتور عبد الوهاب الأفندي بإزاء محاولة فهم ما يجري في العالم العربي، هل هو ثورات أم لا؟ نريد أن نعرف بالضبط ما هي الأهداف الثورية التي لا تسامح في تحقيقها، ينبغي على الثوار أن يظلوا ماضين في مساعيهم حتى تتحقق هذه الأهداف، وما هي الأهداف التي يمكن التسامح بها إزائها التخلي عنها؟

عبد الوهاب الأفندي: عادة وتاريخيا وحسب العلوم السياسية هناك ثلاث مستويات من الفعل السياسي في التغيير، في الماضي كانت تحدث هناك انتفاضات وثورات أو تمرد على نظام قائم ، لكن قد يفشل هذا التمرد أو قد لا ينجح، هناك مستوى آخر يحصل فيه انقلاب على النظام ولكن بنفس مفاهيم النظام القائم، مثلا في الثورة الإنجليزية الشهيرة في القرن الخامس عشر أو السادس عشر أطيح بالملك وأعدم، والبرلمان تولى السلطة تحت قيادة كرومل لكن لم يحصل هناك تغييرا في المفاهيم، في نفس الوقت إذا جينا للثورات الحالية الحديثة اللي هي الثورة الفرنسية والثورة الأميركية حدث تغير في المفاهيم، يعني في مفهوم أن هذه الثورات بدأت في بداية عمرها كحركات إصلاحية داخل النظام، مثلا في أميركا كان يُقال لا ضرائب بدون تمثيل، وكان يريدون أن يكون لهم تمثيل في بريطانيا، ولكن بعد فترة تغيرت المفاهيم هناك نقطة أخرى تتعلق بـ Andrew I think I don’t hear the voice

محمود مراد: نحن نستمع إليك دكتور، دكتور عبد الوهاب نحن نستمع إليك تماما، تفضل..

عبد الوهاب الأفندي: تتعلق بالانقلاب الحقيقي ولهذا مصر عبارة I don’t hear عبارة نهاية التاريخ كانت جاءت من هيجل فيما يتعلق بانتصار نابليون في معركة ينا، كان هناك فهما بأن الثورة الفرنسية قطعت مع التاريخ بغض النظر عن فشلها ونجاحها في ذلك الوقت..

محمود مراد: يبدو أن هناك مشكلة فنية مع الدكتور عبد الوهاب الأفندي، نعود إلى السيد أبو يعرب المرزوقي، دكتور أبو يعرب فيما يتعلق.. السؤال ذاته أطرحه عليك، ما الأهداف التي يمكن أن تتسامح الثورات العربية بشأنها ولا يمكن أن تتسامح بشأنه؟ هل الهدف الذي حققته الثورة في بلد ما، ما بعد الإطاحة بالرئيس ورؤوس النظام، ما الذي يمكن إذا حققته الثورة أن نقول هكذا كفى أو بدأنا نضع أقدامنا على الطريق الصحيح، هل مجرد وضع دستور جديد يحمل ملامح ديمقراطية على النسق الغربي هو نجاح لهذه الثورة في تحقيق أهدافها أو على الأقل الهدف الأكبر فيها؟

أبو يعرب المرزوقي: إذا سمحت لي أريد أن أعود إلى ما قاله أخونا بشارة فيما يتعلق بما تحقق في الثورة المصرية، في الحقيقة الثورة المصرية بدأت بعد الثورة التونسية ولكنها تقدمت كثيراً في إنجاز كثير من الأهداف التي لسوء الحظ لم تتحقق بعد في تونس لم يُصغي الأمن الذي كان يقهر الشعب التونسي، لم يعاقب المجرمون الذين قتلوا الشهداء، لم يُبحث في أسباب الفساد وفي المفسدين بل إن الحكومة والهيئة وكل الذين بيدهم النفوذ الفعلي ما زالوا من بقايا النظام بحيث أن الثورة ليس بيدها شيء بالقياس بما يحدث في مصر، الثورة في تونس تخلفت كثيراً من حيث تحقيق الأهداف الأولية للثورة إذا قارناها بالثورة في مصر، أعود الآن إلى سؤالك وهو سؤال وجيه جداً لأننا إذا لم نحدد الأهداف التي ينبغي أن نبدأ بها، فلن نستطيع أن نحقق أهداف الثورة أعتقد أن أهداف الثورة اليوم يرمز إليها أساسا بالنظام الديمقراطي، ولكن النظام الديمقراطي قد يتحول إلى نظام ديمقراطية رمزية، أي أن الشعب كما كان في عهد الباشوات وكما تريد أمريكا من أوروبا الشرقية، أن يكون الشعب له فقط مهرجان انتخابي ولكن السلطة الحقيقية خفية لا نعلم من يتحكم في قرارات الشعب، العلامات الأولى التي لا ينبغي أن تفرط بها أي ثورة هي أولا أن يصبح الحكم بيد الثوار، ثانيا أن تصبح التربية بيد الثوار، ثالثا أن يصبح الاقتصاد بيد الثوار وأخيرا أن تصبح الثقافة ومنها الإعلام بيد الثوار. أما إذا بقيت هذه المستويات الأربعة بيد من كان بيده النظام في النظام السابق فإن النظام السابق ما زال متواصلاً، والحال هي كذلك في تونس اليوم، ما زال الحكم بيد بقايا النظام، ما زالت التربية بيد بقايا النظام، ما زال الاقتصاد بيد بقايا النظام، وما زالت الثقافة وخاصة الإعلام بيد بقايا النظام. ناهيك أن اللجنة أو الهيئة التي كُلفت بالإصلاح وبتحقيق أهداف الثورة صارت أهم عائق أمام تحقيق أهداف الثورة وخاصة تحقيقها السلمي بالتوافق بين القوى السياسية الموجودة والأزمة الحالية..

محمود مراد: دكتور أبو يعرب هل تعتقد هذا فشلاً أم مجرد مرحلة تسلم إلى مرحلة ربما أفضل؟

أبو يعرب المرزوقي: لا أعتقد أنه محاولات يائسة من بقايا النظام لإيقاف تيار التاريخ، الأمر الثاني الذي أعتقد بأنه سيساعد كثيراً في نجاح الثورات العربية هي أن لا تبقى هذه الثورات جداول منعزلة بعضها عن البعض بل ينبغي أن تتحول إلى نهر واحد ينجح في نفس الوقت، إذا فشلت الثورة في مصر فستفشل في بقية الأقطار العربية، وإذا فشلت في تونس فكذلك الأمر. ينبغي إذن أن يتعاون الثوار في كل الأقطار التي حدثت فيها الثورة لكي ينجحوا حيث هم ولكي يساعدوا من هو الآن أمام عقبات تحول دونه والثورة حتى ينجحوا. الثورة عربية ولكنها لا تزال إلى اليوم قطرية، كيف تمر من المرحلة القطرية إلى المرحلة العربية، ذلك هو العامل الأساسي في نجاح الثورة العربية..

محمود مراد: هل لك فرصة لأن تمر من المرحلة القطرية إلى المرحلة العربية قبل أن يُمسك الثوار بزمام الامور؟ في هذه المرحلة لم يمسك الثوار لم يحكموا أو لم يحققوا أي من المعايير الأربعة التي تحدثت عنها لا في الاقتصاد، ولا في الحكم، ولا في التعليم.

أبو يعرب المرزوقي: نعم، حققوا شيئاً أساسياً وهو أن الذين بيدهم هذه السلطات يتظاهرون بأنهم مع الثوار، يتملقون للثوار، يُنافقون الثوار. وإذن فهم يعلمون أنهم قد فقدوا السلطة المعنوية ولم يبقى لهم إلا العنف أو الخبث والعنف والخبث لا ينجح إذا ثار الشعب. قلت لك في البداية أن الثورة ليست ثورة بلاط ولا ثورة جيش ولا ثورة جهاز يمكن التحكم فيه من الخارج أو ببقايا النظام، هي ثورة شعب، هذا وعي تجده، وأنا تجولت في جُل مناطق الجمهورية هذا وعي تجده عند أدنى أدنى أدنى مواطن تونسي حتى ولو لم يذهب إلى المدرسة، فهو مدرك بأن عليه أن يُساعد في إفتكاك هذه الأمور التي مصير الأمة.

ثورة المفاهيم والفعل

محمود مراد: طب دعني ألتقط منك طرف هذا الخيط واتوجه بالسؤال للسيد مروان بشارة. سيد مروان الثورة لم تكن في العالم العربي لم تكن ثورة بلاط، لم تكن ثورة نخبة عسكرية، لم تكن.. أنا أضيف لم تكن ثورة نخبة فكرية ولا مثقفين، وإنما كانت فعلاً شعبياً عفوياً خالصاً. أين كانت النخب وأين هي الآن؟ سيد مروان بشارة.. إذن نتوجه بالسؤال ذاته إلى الدكتور عبد الوهاب الأفندي من كمبردج. دكتور عبد الوهاب أين كانت النخب وأين أصبحت الآن؟

عبد الوهاب الأفندي: يعني فيما كنت أحاول أن أقول قبل أن ينقطع الإتصال، هناك ثورة المفاهيم وهناك ثورة الفعل، الذي حدث أنه صحيح أن الفعل الثوري، الشعبي، الجماهيري، في العالم العربي سبق الفكر، وسبق التخطيط ولم يكن متوقعاً له، ولكن الثورة نفسها أحدثت تغييراً في المفاهيم، كما حدث مع الثورات الفرنسية، والثورات الأميركية. الآن ما حدث هو أنه سقط النظام الديكتاتوري، النظام الأوتوقراطي فقد شرعيته، فقد موقعه، وحقيقة النخب تلام لأنها هي كانت إلى حد كبير جزءاً من الأزمة السابقة ولم تكن جزءاً من الحل لان بقاء الأنظمة السابقة وأيضاً استمرارية هذه الأنظمة الآن حتى بعد الثورات بصورة ثانوية يعود إلى تواطؤ كثير من المفكرين والمثقفين وقبولهم.. أو يأسهم من الإصلاح. الآن بما أن الجماهير فجرت الواقع، هي فجرت النظرية أيضاً لم تفجر الواقع القائم فقط، ولم تخضع لديكتاتوريات إنما قضت أيضاً على التواكل الفكري، وعلى التواطؤ الفكري مع النخب. في رأيي أننا عبرنا مرحلة الآن مرحلة سقوط الديكتاتوريات، وجزء من سقوط الديكتاتوريات كان أيضاً ما شهدناه من وحدة بين طوائف الشعوب العربية ونمو الشعور الوطني الموحد. هذا الشعور الوطني الموحد الآن يواجه أزمة في أن هناك الخلافات السياسية وهذه طبيعية نحن نتوقع أن تكون هناك خلافات سياسية، لكن يجب أن تستمر الوحدة إلى أن تصل بمرحلة الثورة إلى النضج، بمعنى أن يسقط النظام الديكتاتوري، ويقوم على إنقاذه نظام توافقي، ديمقراطي، يتم الصراع في إطار هذا النظام الديمقراطي، إذن لا نريد أن يسبق الصراع إنشاء النظام الديمقراطي، ولا نريد أن يكون الصراع هو على النظام الديمقراطي لأنه إذا حصل الصراع على شكل النظام القادم فسنعود إلى الديكتاتورية، الديكتاتورية كانت تقوم على اللعب بضرب الشعب بعضه ببعض.

دور النخب في الفعل الثوري

محمود مراد: طيب دعني أعود مرة أخرى إلى السيد مروان بشارة من لندن، سيد مروان سألنا الدكتور عبد الوهاب الأفندي أين كانت النخب في هذا الفعل الثوري العربي، وأين أصبحت الآن، فقال أن النخب كانت جزءاً من الأزمة . هل تعتقد أن هذه النخب الآن وعت الخطأ الذي وقعت فيه من قبل، وأصبحت مصطفة بالكامل مع قوى الثورة أم إنها ما زالت على حالها؟

مروان بشارة: اسمحلي فقط لأنني لم أسمع جزءاً أساسياً من النقاش، فيعني إذا كنت كررت بعض ما قيل فلا مؤاخذة. شوف بالأساس أعتقد أن الأساس في العمل الثوري في الفترة الأخيرة كان بالفعل هي شريحة الشباب الجديدة التي دخلت على المجتمع العربي ولم تكن موجودة أصلاً، بمعنى كان هنالك شباب ولكن الإنتقال من المراهقة إلى الحياة الزوجية مرّ بسرعة هائلة في الفترات السابقة، ولكن مؤخراً وجود طبقة متوسطة، متعلمة، عاطلة عن العمل في سن ما بين سن 17 و 30 يعني عملية أصبحت بالفعل شريحة اجتماعية. هذه الطبقات المتوسطة الشبابية المُشبكة بشبكة المعلومات العالمية، هي بالفعل التي أدخلت هذه الروح الجديدة النخبوية العربية، والتي أحدثت هذا الفعل الثوري. وبالتالي النخب العربية هي كانت نخباً تلتحق بالفعل الثوري للطبقات المتوسطة الشبابية. يعني لكي لا نظلم هذه النخب العربية لنقل كذلك آخر 30 إلى40 سنة أو بشكل خاص في مصر وفي تونس وكذلك في الأردن وما إليه. حاولت النخب أن تدخل المعترك السياسي، وأن تدخل المعترك الفكري في دولها، ولكن بالفعل هذه العملية الإقصائية التي شهدناها من قبل السلطات، وعمليات التخويف، وعمليات قتل الإبداع، وعملية الإنفراد بالسلطة هي بالفعل حولّت النخب العربية إلى حد ما وبشكل خاص النخب في المعارضات المسالمة التي اقتربت أكثر من الأنظمة العربية حتى تصل معها إلى حل وسط ما أجل الإستقرار. هذه بالفعل كانت متأخرة جداً عن الفعل الثوري الذي رأيناه، وهي اليوم تحاول أن تلحق بما استطاعت أن تفعله هذه الطبقات الجديدة المتوسطة الشبابية.

محمود مراد: سيد مروان بإزاء مشكلة تتعلق بغياب النخب عن مواكبة هذا الفعل الثوري، يعني قوى الثورة من الشباب وغيرهم ممن اصطفوا وراء أهداف الثورة وأشعلوها وقاموا بها حتى أطاحوا برئيسين في اثنتين من الدول العربية كانت كلتاهما تحظيان بنظام قمعي شديد. هل غياب النخب ومراهقة بعض القوى السياسية الإسلامية أنا أعني بالنخب النخب العلمانية، ومراهقة بعض القوى السياسية الإسلامية يجعل هذه الثورات في مأزق، ليس هناك من يقود هذه الثورات.

مروان بشارة: هو أصلاً الفعل الثوري الذي شهدناه حصل بسبب هذا التحالف خلينا نسميه لفترة قصيرة جداً غير الايدلوجي بمعنى تحالف أيديولوجيات مختلفة إذا كان ذلك يساراً، أو إسلامياً، أو علمانياً، أو ليبرالياً وما إليه. هذا التحالف من هذه القوى ودخولها بدون شروط مسبقة إلى المعترك الثوري عملياً هذا كان سبب أساسي لنجاح الفعل الثوري في تونس أو في مصر، ولكن اليوم وإن دخلنا في منطق ما بعد الثورة، وسندخل في معترك إنتخابي وما إليه، فمن الطبيعي أن يتنافس التيار الإسلامي، والتيار الليبرالي، واليساري وما إليه، حتى يحصل كل منهما على نصيبه إن أراد من التأييد الشعبي، ولكن بالأساس هي ليست فكرة المنافسة المشكلة، الأساس هو كيف النخب، وكيف القطاعات العامة المؤدلجة اليوم في الوسط العربي كيف لا تنقلب أحدها على الآخر، كيف لا تخطف أحدها الثورة من الآخر، كيف لا تصبح أحدها ضد الآخر، وكيف لا تقمع أحد عناصر الثورة عناصرها الأخرى إذا استلمت السلطة. يعني على هذا الأساس اليوم المطلوب هو بالفعل دستور ديمقراطي، وإلى حد ما ليبرالي بمعنى هنالك جرت عملية فك ارتباط أو فك ربط ما بين الديمقراطية والليبرالية في العالم العربي، وفي العالم الثالث بشكل عام. ولكن اليوم نحن بحاجة إلى دستور يمكن أن يحمي إذا تسلمت هذه أو تلك أو ذلك التيار السلطة في العالم العربي، أن لا ينقلب على العناصر الأخرى أو ألا يحتكر السلطة كما شاهدنا مثلاً في الثورة الإيرانية بعد الـ 79 كما شاهدنا حتى مثلاً في الثورة الشيوعية في العشرينات وفي أوائل القرن العشرين، وبالتالي يجب أن تكون هنالك ضمانات حتى لا تنقلب عناصر الثورة أحدها على الآخر.

محمود مراد: سيد أبو يعرب المرزوقي، حالة الإستقطاب الحادة بين النخب الليبرالية العلمانية، وبين النخب الإسلامية أو القوى السياسية الإسلامية في مصر وتونس هذه جعلت البعض يتحدث أو يصف هذا الوضع كأنه شجار وقتال على كعكة لم تنضج بعد، أو ليست موجودة بالفعل على المنضدة. ما رأيك في هذا؟

أبو يعرب المرزوقي: أن لا أعتقد أن المعركة تدور حول الكعكة، لأن الكعكة الآن ما زالت بيد غيرهم، لن يتشاجروا على الكعكة، المفروض أن يتحدوا حتى يفتكوا الكعكة ممن يحوزها الآن، أعتقد أن المعركة هي أعمق من الكعكة. هي أن ما حدث في مراحل النهوض العربي الأخيرة مدة 4 مراحل يعني قبل الإستعمار بدأ العرب يحدّثون مجتمعاتهم وثقافتهم. لمّا جاء الإستعمار هناك محاولات تحديث ولكن بالعنف الإستعماري، وفي مرحلة التحرير جاء التحديث ولكن بعنف ما يُسمى بالثورات العسكرية التي حدثت في البلاد العربية. ونحن الآن في المرحلة الرابعة، في هذه المرحلة الرابعة الذي حدث هو أن من كانوا يُتهمون بالظلامية، ويُتهمون بالجهل، وبالماروية ، أعني التيارات الإسلامية صارت هي الحائزة بالفعل على الثقافة الحديثة، في حين الذين كانوا يتكلمون باسم الثقافة الحديثة لم يبق لهم منها إلا إيديولوجيا الحداثة، وهؤلاء الذين يتكلمون باسم إيديولوجيا الحداثة لا يُمثلون حداثة يقول بها المجتمع الذي يريدون أن يحتلوه بالديمقراطية، فهي إذن حداثة مشروطة..

محمود مراد: سيد أبو يعرب أنا فقط أريد منك أمثلة على ما تقول حتى لا يكون الكلام..

أبو يعرب المرزوقي: سوف أعطيك مثالاً.

محمود مراد: لكن فقط نتجه إلى فاصل، ونستكمل بعده هذا النقاش.

[فاصل إعلاني]

محمود مراد: أهلاً بكم مجدداً مشاهدينا الأعزاء في حديث الثورة، وحديث الثورة اليوم عن الثورات العربية هل هي ثورات بالفعل أم لا، ماذا حققت وماذا لم تحقق، ما الأهداف التي ينبغي أن تحققها وما هي تلك الأهداف التي يمكن التسامح بشأنها. ونعود مرة أخرى إلى ضيفنا من العاصمة التونسية السيد أبو يعرب المرزوقي المفكر العربي. سيد أبو يعرب كنا نتحدث قبل الفاصل، أو كنت تتحدث قبل الفاصل عن المفاضلة بين النخب الإسلامية، والنخب الليبرالية، العلمانية، وسألتك عن أمثلة في هذا الصدد.

أبو يعرب المرزوقي: أنا لا أُفاضل، أنا أصفُ فقط ليست مفاضلة، ليس هناك حكم تعييري ولا قيمي. إذا كنا نريد فعلاً أن نُحدّث مجتمعاتنا بصورة ديمقراطية أي بدون اللجوء إلى قوة عسكرية تفرض التحديث، فيكون التحديث مستبداً، فمعنى ذلك أننا ينبغي أن نجعل الحداثة نابعة من الذات، من الداخل، ولذلك كل الحداثات التي حدثت سواء في تركيا أو في البلاد العربية، كانت تحتاج إلى ضامن وهو قوة فوق الجميع وهي الجيش. نحن الآن العلمانيون والليبراليون نظراً إلى ضعف وزنهم الإنتخابي يحتاجون إما إلى داعم داخلي وهو الأجهزة والجيش، أو إلى داعم خارجي. ما نريده من العلمانيين ومن الإسلاميين، هو أن يتفقوا أن الحداثة لكي تنجح، والديمقراطية لكي تنجح، ينبغي أن تكون تطوراً طبيعياً في ثقافة الشعب نابعةً من القيم التي يؤمن بها وبهذه الصورة لن يحتاج إلى قوة داخلية تكون فوق الجميع.

محمود مراد: طيب، هل هذا ذنب الليبراليين والعلمانيين دكتور أبو يعرب، يعني على سبيل المثال الكاتب الأميركي توماس فريدمان يصف ما حدث في العالم العربي ويقول أن الأنظمة القديمة جعلت المؤسسات الخاصة بالدولة مؤسسات مهترئة للغاية مما أدى إلى انتقال السلطة من القصور إلى المساجد مباشرةً، هل تجد هذا التوصيف دقيقاً، هل النخب مصدومة هي الأخرى؟

أبو يعرب المرزوقي: لا ليس دقيقاً، لأن أولاً السلطة لم تكن في القصور وإنما كانت في الأجهزة والجيش، ولم تنتقل إلى المساجد وإنما انتقلت إلى الشارع، الثورات في البلاد العربية حدثت في ساحة التحرير وحدثت في سيدي بوزيد ولم تحدث في الجوامع ولا في المساجد، هو يريد فقط أن يصف الثورة العربية بكونها انتقال من دكتاتورية الجيش إلى دكتاتورية الإسلاميين وهذا غير صحيح، الصحيح هو أن الشعب الذي ثار لم يثر بدوافع إيديولوجية إسلامية أو ليبرالية أو غيره وإنما ثار على الظلم السياسي ووالاقتصادي والتربوي والثقافي ويريد أن يحقق هذه الأمور بإرادته الحرة دون حاجة إلى قوة هي فوقه الجيش، وهذا ما نراه اليوم في ساحة التحرير.

النخب العلمانية والليبرالية

محمود مراد: سيد مروان بشارة الدكتور أبو يعرب المرزوقي نعا على النخب العلمانية والليبرالية في العالم العربي أنها ليست ذات وزن كبير في الشارع، وزن انتخابي يعني ولكن إزاء هذا الأمر هي تحتاج إلى دعم إما من الداخل في صورة المؤسسات والجيش أو من الخارج في صورة الدول الغربية وفي هذا الصدد أعلنت الولايات المتحدة بالفعل أنها أنفقت بعد الثورة المصرية أربعين مليون دولار لدعم الديمقراطية في هذه البلدان في مصر تحديداً في دولة كمصر، لكن لم يعرف أو لم يعلن فيما أنفقت هذه الأموال وعلى من أنفقت هذه الأموال، هل تشتم رائحة ليست بالرائحة المطلوبة عقب ثورة شعبية كتلك التي حدثت في مصر، هذا مثال؟

مروان بشارة: شوف عموماً، خليني نقول الدعم الغربي بغض النظر إذا كان بريئاً أو إذا كان ملغوماً بأهداف سينية كلبية غربية عهدناها في العقود الماضية، عموماً أي محاولة غربية لدعم علمانيين أو ليبراليين في المنطقة العربية أعتقد سيكون لها رد فعل سلبي لأن المنطقة العربية لم تثر فقط بسبب غياب الأمن الاقتصادي وبسبب غياب حرية الرأي، أو بسبب غياب العدالة الاجتماعية، ولكن هي أيضاً ثارت بسبب هذا النفوذ الغربي، هذا النفوذ الأجنبي الهائل في المنطقة العربية وبسبب خسارة الشعوب العربية والدول العربية من سيادتها، إن كان ذلك من خلال العدوان الأمريكي أو ذلك من العدوان الإسرائيلي وأكثر من ذلك، وبالتالي الهيمنة، همينة الأعداء أو هيمنة حتى الأصدقاء، يعني مثلاً هيمنة الأتراك في الفترة الأخيرة وهيمنة إيران في العشر سنوات الأخيرة كلها علمياً انتقضت ت من السيادة العربية، وبالتالي أنا أعتقد أن أي تدخل أجنبي اليوم في الفعل أو في العملية الثورية سيكون لها نتائج سيئة بالنسبة للعلمانية وبالنسبة للديمقراطية في العالم العربي عموماً، ولكن..

محمود مراد: عفواً، سيد مروان هل تعتقد بأن الثورة فاجأت بالفعل الولايات المتحدو والقوى الغربية، الثورات في العالم العربي بدأت في تونس ثم تلتها مصر، هل كانت أحداث مفاجئة بالنسبة للعالم الغربي، لم يعد نفسه لهذه التغيرات المتلاحقة؟

مروان بشارة: شوف هو يعني كتعريف الثورة هي مفاجئة، يعني الثورة مفاجئة حتى للذين قاموا بها، يعني هي بالتأكيد مفاجئة للغرب لم يتوقعها على الإطلاق ولكن إذا نظرنا للحظة آخر 20، 30، 40 سنة هم لم يتوقعوا 1989 سقوط جدار برلين ولم يتوقعوا الثورة الفلبينية في 83، لم يتوقعوا الثورة الإيرانية، يعني هم لم يتوقعوا أشياء كثيرة وبالتالي ليس غريباً..

محمود مراد: يعني ألم تقل السيدة كونداليزا رايس وزيرة الخارجية الأميركية السابقة أو مستشارة الأمن القومي أيضاً السابقة، ألم تقل أنها تتوقع حدوث أو اندلاع فوضى خلاقة في العالم العربي تفضي إلى أنظمة ديمقراطية على النسق الغربي، ألم تقل هذا؟

مروان بشارة: يعني المهم في هذا الأمر أن ما حدث في العالم العربي هو ليس نتيجةً لذلك، وإنما بالرغم من ذلك، يعني ما حدث في العالم العربي هو ليس بسبب سياسة المحافظين في واشنطن، سياسية المحافظين في واشنطن أدت إلى سوء الأوضاع في المنطقة العربية، هنالك محاولاتٍ اليوم في الغرب من أمثال فرينو وما إليه، هنالك محاولات إيجاد لورنس العرب من جديد، وهناك من يضعوه في الرئيس أوباما وهنالك في اليمين من يضعها في الرئيس بوش وهنالك من يضعها في أمثال بروفسورية بوسطن أمثال جي شارب الذي كانت له بعض الأوراق حول النضال غير العنيف وما إليه ولكن أعتقد أي محاولة اليوم لإيجاد لورنس العرب هي محاولة ستكون فاشلة لأنه بالفعل..

دور الولايات المتحدة الأميركية

محمود مراد: سيد مروان، هناك بعض الدوائر تروج لمقولة أن ما حدث في مصر وما حدث في تونس كان معداً له من قبل وأن هذه الجهات الغربية الولايات المتحدة تحديداً استقطبت كثيراً من الشباب العربي ودربتهم وحثتهم على فرض الأمر الواقع من خلال الثورات أو من خلال المظاهرات في بلدانهم، هل تجد لهذه المقولة من صدقها؟

مروان بشارة: لا، لا أجد لها صدقية على الإطلاق، ليس هذا.. يعني هنالك أسباب كثيرة تدخل في الفعل الثوري وهنالك إلهام من أطراف مختلفة في هذا العالم تدخل في الفعل الثوري بلا شك، بما في ذلك مثلاً الثورة الخضراء أو ما يسمى بالثورة الخضراء في إيران قبل سنتين، ولكن أعتقد وهنا أعطيك مثالاً خاصاً أنا عشته في مصر سنة 2000 عندما ذهبت إلى مصر لأعطي مجموعة محاضرات بعد نشر كتابي حول فلسطين، على ما يبدو أن الثورة المصرية نشأت بالفعل هناك في اللجان الشعبية التي تشكلت تضامناً مع فلسطين في سنة 2000 ومن ثمة تحولت إلى لجان ضد الحرب في العراق ومن ثمة تحولت إلى كفاية في 2004 وما إليه بعد ذلك 6 أبريل وما إليه من تنظيمات مصرية، ولكن الفعل الثوري المصري بدأ عندما تضامن المصريون مع الإنتفاضة الفلسطينية في سنة 2000 وأنا كنت هنالك عندما كانت تجتمع اللجان الشعبية من أجل التضامن مع فلسطين، وأذكر صديقاً عزيزاً علي من أحد المفكرين الأساسيين في العالم العربي يعني وقد غاب عنا المفكر محمد السيد سعيد، الذي كان قد نشر كتباً عديدة وأوراقاً عديدة، و كان جزءاً أساسياً من الفعل الثوري وقد عذب في السجن في سجون مبارك وكانت له كل هذه الكتب تتحدث عن ضرورة النضال الديمقراطي غير العنيف من أجل التغيير، ومن أجل إحداث ثورة مدنية مصرية وعربية، وبالتالي هنالك كثير من المفكرين العرب الذين ألهموا هذا الشباب العربي ولسنا بحاجة لكي نبحث عن لورنس عربي جديد في واشنطن..

محمود مراد: طيب، نحن لازلنا في حديث النخب الليبرالية والإسلامية في البلدان التي أسقطت رؤوس أنظمتها، دكتور عبد الوهاب الأفندي، ما هو السبيل لبناء جسور الثقة مرةً أخرى بين هذين الفصيلين حتى لا يصير الأمر كما قلنا أو كما ذكرنا قبل قليل أنه صراع على كعكة لم تنضج بعد.

عبد الوهاب الأفندي: صحيح، يجب أولاً أن نقول أنه من إنجازات الأنظمة العربية التي سمينها في بعض المراحل دولة الثقب الأسود أنها وحدت الليبراليين والعلمانيين والإسلاميين بالقمع، يعني في فترة من الفترات كانت الأنظمة في تونس وفي مصر تلعب لعبة أنها تقرب إليها النخب العلمانية وتضرب الإسلاميين ثم بعد ذلك تحولت إلى ضرب الجميع، وهذا أدى إلى هذه الوحدة التي نتيجتها رأيناها، حقيقة هناك نية، هناك إرادة الآن شعبية هي فوق هذه النخب تفرض على هذه النخب أن تتحد على الحد الأدنى وهو التوافق على قواعد اللعبة، يعني يجب أن يتفق الناس على قواعد اللعبة، وعلى كيفية الثورات الناجحة هذه نقطة مهمة نحن ذكرنا أن النخب المفكرة لن يكون لها دور كبير وهذه قد تكون نقمة أو نعمة في طيها نِعم، لأن الثورات السابقة التي كانت أيدولوجية التوجه مثل الثورة السوفيتية والثورة الفرنسية في أول عهدها تحولت إلى ديكتاتوريات، لكن الثورة الأميركية مثلاً التي بدأت أيضاً مثل الثورات العربية من الشارع وجاء دور المفكرين فيما بعد نجحت لأنها كانت لم تكن مؤطرة أيدولوجياً، الثورات العربية الآن أيضاً ليست مؤطرة أيدولوجياً هي تشبه الثورات 1989 في أوروبا أنها تتفق على الديمقراطية، في أوروبا الشيوعيون وغير الشيوعيين اتفقوا على قواعد اللعبة..

محمود مراد: دكتور عبد الوهاب، هل الشعوب كلها متشابهة، يعني أنا لا أريد أو لا نريد أن نكون عنصريين ونتهم طائفة ما من البشر بأنهم غير قابلين للحكم الديمقراطي، لكن كثيراً ما يقال عن العالم العربي أنه يقدس الفرد أو على الأقل يحتاج إلى كاريزما في تحركاته وقدوة أكثر من حاجته إلى فكرة أو أيدولوجية، هل هذا الأمر ربما كان غياب الكاريزما والقيادة في هذه الثورات كان عامل قوة أثناء اندلاعها، لكن بعد أن أطيح برؤوس الأنظمة في مصر وتونس هناك افتقار شديد للكاريزما أو للقيادة الموحدة التي تلتف حول الجماهير من كل الأطياف.

عبد الوهاب الأفندي: هذه أيضاً تكون علاقة صحة يعني يجب أن يعتمدوا على المؤسسات وليس الأفراد، أيضاً نموذج الثورة الأميركية هنا مفيد جداً في أن الثورة الأميركية أنشأت المؤسسات من كونغرس ومن محكمة عليا وبالذات المحكمة العليا كانت أهم مؤسسات هذه الدولة، فالآن يجب يتجه الناس للمؤسسات، يجب أن يستفاد من هذه، صحيح أنه ليس العالم العربي وحده الذي يستجيب للكاريزما خاصةً في الأوقات المضطربة ويتعلق بالأشخاص، لكن ليس بالضرورة أن يكون، يعني ممكن تكون الكاريزما في حركة، ممكن أن تكون الكاريزما في فكرة وممكن أن تكون الكاريزما في مؤسسة، الكاريزما في دستور، بعض الناس تحدث عن ألمانيا مثلاً أنه عندها وطنية الدستور، الألمان يلتفون حول الدستور وليس حول شخص معين، فليكن هذا أيضاً هو السبيل والتوجه العربي أن يلتفوا حول المؤسسات وليس الأفراد، أن تكون..

محمود مراد: دكتور عبد الوهاب، لكن هل الواقع يمثل ذلك أم لا، أنت تقول يجب أن يلتفوا حول الدستور أو يجب أن يحذوا حذو النظام الألماني.

عبد الوهاب الأفندي: أنا أعتقد أنه، أولاً أنا أعتقد أن الثورات العربية أثبتت أنها يعني أن ما يقال عن أن العالم العربي يقدسوا الأشخاص غير صحيح، أنهم الآن لا يوجد شخص ولا مؤسسة حتى الجيش المصري الناس عبروا عن الاحترام له ولكن الآن هناك تحدي له، الشارع تحدى كل شيء أو واقعياً أعتقد أنه ليس هناك بديل الآن بالنسبة لهذه الثورات غير الملتفة حول المؤسسات حتى لو أرادوا.

محمود مراد: طيب، دعنا نطرح هذه السؤال على الدكتور أبو يعرب المرزوقي، دكتور أبو يعرب الدكتور عبد الوهاب الأفندي يعتبر أن غياب القيادة الموحدة لهذه الثورات بعد الإطاحة برؤوس الأنظمة هي أيضاً من علامات القوة، هل الأمر على هذه الشاكلة؟

أبو يعرب المرزوقي: إذا سمحت لي أريد أن أعلق على أمرين سابقين.

محمود مراد: بسرعة.

أبو يعرب المرزوقي: الأمر الأول، بسرعة، التمويل الأميركي لما يسمى بالمجتمع المدني لم يسهم بالثورة بل بالعكس هو الآن يسهم في الثورة المضادة، أي إنه أعد لا لتحقيق الديمقراطية وإنما لجعل الديمقراطية تكون موزية، يعني مثل الديمقراطيات التي تحكم من الخارج ومن ثمة فالثورة لم تنبع من هؤلاء، والنقطة الثانية ما لم يتوقعه الغرب ليس حدوث ثورة وإنما أن تحدث حيث لم يتوقعوا حدوثها، كانوا يتصورون أنها ستقع إما في الأجهزة أو في المجتمع المدني الاصطناعي الذي مولوه انطلاقاً مما قالت كونداليزا رايس، ولكنها لم تحدث لا في الأجهزة ولا في المجتمع المدني الذي مولوه وإنما حدثت في المجتمع المدني الأهلي الحقيقي وعلامته أن الثوار غالبهم من الآفاق وليس من العواصم.

محمود مراد: طيب، بإزاء هذا الوضع هل تعتبر هذ الأمر بعد الإطاحة بالرئيس في هذه الدولة أو تلك علامة قوة؟ هل هذا يساعد على الانتقال نحو الدولة المأمولة أم يؤدي إلى ضبابية الرؤية بحيث يلجأ المواطن العادي رجل الشارع العادي الذي ربما لم يشارك في الثورة الجالس في منزله يراقب الأحداث، ربما يلجأ إلى المؤسسة التي يعرفها، على سبيل المثال في مصر يلجأ إلى الجيش.

أبو يعرب المرزوقي: لا، أولاً اللجوء إلى الجيش والجيش أداة غير اللجوء إلى الجيش والجيش سيد، يعني الجيش المصري اليوم لا يمكن أن يدعي أنه أداة مثلما كان في عهد عبد الناصر أو في عهد أنور السادات أو حتى في عهد مبارك، الجيش المصري اليوم هناك حدود لا يستطيع أن يتجاوزها، والأمر واضح الذي يحدد المستقبل في مصر هو التحرير وليس الجيش، هو ساحة التحرير، وساحة التحرير هي المحرك الفعلي للثورة ونتمنى وهذا ما سيحصل أن القصبة هي التي ستحدد مستقبل الثورة في تونس، لكن الآن هل عدم وجود قيادات علامة من علامات الضعف؟ أبداً هو علامة من علامات القوة لأن الثورة لم تحدث ضد القيادات الحاكمة فقط، بل أيضاً ضد قيادات المعارضات التي كانت قريبة من حيث الفساد من قيادات الحكام، إذن الثورة سارت مساراً لتكوين قيادات جديدة مؤمنة بهذه القيم التي لأجلها وقعت الثورة، ونحن لا ننتظر نجاح الثورة في سنة أو في سنتين، نحن ننتظر التغيير البطيء ولكنه الواثق من أنه في الاتجاه الصحيح نحو تحقيق أهداف الثورة، والقيادات بدأت تبرز في ساحة التحرير وفي القصبة وفي الأحزاب التي بدأت تغير أنفسها لأن الأحزاب أيضاً تعيش ثورات داخلية وتغير قيادتها.

محمود مراد: شكراً جزيلاً للدكتور أبو يعرب المرزوقي أستاذ الفلسفة العربية واليونانية في الجامعة التونسية، ونشكر كذلك في نهاية حلقتنا مشاهدينا الأعزاء السيد مروان بشارة الكاتب والمحلل السياسي، كان معنا عبر القمر الصناعي من لندن، ونشكر أيضاً ضيفنا الدكتور عبد الوهاب الأفندي أستاذ العلوم السياسية في جامعة وست منستر، مشاهدين الأعزاء بهذا تنتهي حلقة اليوم وغداً حديث آخر من أحاديث الثورات العربية، دمتم في رعاية الله والسلام عليكم ورحمة الله.