- مراجعة الموازنة المصرية
- المعونات والاقتراض

- قضايا التعذيب

- الجريمة الدولية

ليلى الشيخلي
ممدوح الولي
محمد السعيد إدريس
سامح سيف اليزل
رضا بوكادي
سعد جبار
ليلى الشيخلي: حيّاكم الله وأهلا إلى هذه الحلقة من برنامج حديث الثورة التي نتوقف فيها مع قضية التعذيب في العالم العربي وهي قضية لطالما كانت في صميم الأسباب التي قادت ضمن عوامل أخرى تشبهها وترتبط بها إلى تفجير ربيع الثورات العربي، ولكن قبل مناقشة هذه القضية نتناول في الجزء الأول من حلقتنا الجدل الذي أثاره قرار الحكومة المصرية عدم الإقتراب من مؤسستي صندوق النقد والبنك الدوليين وهو قرار قال وزير المالية المصري سمير رضوان أنه جاء نتيجة حوار مجتمعي فهل هي روح ما بعد الثورة تفعل فعلها في توجيه الإقتصاد المصري مثلما فعلته في مجال السياسة، وهل إتخذت القاهرة هذا القرار بدافع من حماسة الثورة ودافعه النفسي فقط أم أنها حسبته جيداً بمنطق الإقتصاد الصارم وحساباته الباردة، وهل قدمت الدول العربية دعماً لمصر، هذه الأسئلة وغيرها نناقشها مع ضيوفنا الكرام ولكن بعد أن نتوقف مع هذا التقرير الذي رصد فيه الزميل محمد فاوي معطيات ولادة القرار.

[تقرير مسجل]

محمد فاوي: مصر لن تقترض من صندوق النقد والبنك الدوليين كان هذا على ما يبدو أول نبأ إقتصادي كلي يثلج صدر الشارع المصري الثائر منذ إندلاع إنتفاضته التي عقد عليها الآمال في إرساء معالم إقتصاد جديد متحرر في جذوره وفروعه من أية تبعية للقوى الإقتصادية الكبرى في العالم، هذا هو سمير رضوان وزير المالية في الحكومة الإنتقالية الثورية المصرية الذي أذاع النبأ، هذا الوزير أُتهمت وزارته بالهروالة إلى المؤسسات المالية الدولية، للحصول على قروض بمليارات الدولارات للوفاء بالحاجات الإقتصادية والإجتماعية لأكثر الدول العربية سكاناً، فكان أن عقدت مصر فعلا إتفاقا للحصول على قرض بقيمة 3 مليارات دولار من صندوق النقد الدولي، وما أدراك ما صندوق النقد الدولي، أو هكذا يقول المصريون.. فطالما إتهمت هذه المؤسسة الدولية بإفقار الملايين من أبناء الشعوب العربية لدرجة أن الشارع المصري يسميها تندراً صندوق النكد الدولي جراء ما ذاقه على يدها منذ حقبة السبعينيات منذ القرن المنصرم من سياسات تقشف إقتصادي وربط أحزمة على بطون شعب يرزح ما يقرب من 20 % منه تحت خط الفقر المقطع، لكن ها هي الحكومة المصرية تزف بشرى عدم حاجة ميزانية الدولة الراهنة للإستدانة وقد جاء ذلك بعد ما جرى تخفيض عجز هذه الميزانية بعد مراجعته مع المجلس العسكري والمجتمع المدني إلى 134 مليار جنيه فقط بدلا من 170 مليار جنيه كما كان متوقعاً في السابق، وكان للدور القطري لمسة قوية في تراجع مصر عن دراما الهرولة وراء الإستدانة الخارجية إذ قدمت الدوحة للميزانية المصرية هدية سخية عبارة عن 500 مليون دولار، وهو الأمر الذي سلط الأضواء على الدور الذي يمكن أن تلعبه دول الخليج الثرية في دعم إقتصاديات دول الربيع العربي الثائر، بدلاً من الرضوح أمام ضغوط التبعية الغربية ومساعي الهيمنة، ولكن ماذا لو كانت الحكومة إستسهلت الأمور وسارعت إلى الإقتراض من الخارج، يقول الخبراء إن أي قروض كانت ستصبح ورطة مالية كبيرة للحكومات المقبلة وعبئاً كبيراً ربما على أجيال عديدة قادمة، فقد ثبت بالتجربة أن المؤسسات المالية الدولية لا تُعطي شيكات على بياض غير مشروطة للشعوب مهما قيل عن الرغبة لهذه المؤسسات في دعم البلدان النامية ففي مقابل كل قرض تمنحه مؤسسة مالية دولية هناك دوما شروط عادة ما تكون مجحفة بل وتكاد تكون محفوظة عن ظهر قلب، وإذا ما طبقت مصر الثائرة هذه التدبير بحذافيرها فإن هذا سيعني وفق الخبراء العودة ثانية لنفس السياسات الإقتصادية التي كان يتبناها نظام مبارك المخلوع والمتهمة بأنها مزقت النسيج الإقتصادي للطبقة المصرية، وزادت الفقراء فقراً والأثرياء ثراء وهو ما ينتاقض مع مطلب العدالة الإجتماعية الذي يعد أحد أبرز ركائز الجمهورية الثورية الثانية للدولة المصرية.



[نهاية التقرير]

مراجعة الموازنة المصرية

ليلى الشيخلي: لمناقشة هذه القضية ينضم إلينا من القاهرة الأستاذ ممدوح الولي المحلل الإقتصادي ونائب مدير تحرير صحيفة الأهرام، كما يشاركنا أيضا الدكتور محمد السعيد إدريس رئيس وحدة دراسات الثورة المصرية بمركز الأهرام، أبدأ معك أستاذ ممدوح الولي هناك أسباب كثيرة وضعت للتراجع عن إتفاقية القرض برأيك أيهم ترجح؟

ممدوح الولي: يبدو أن هناك شروطاً كانت للصندوق بديل أن يعني أحد المسؤولين الكبار في الصندوق صرح قبل تصريح وزير المالية المصري أن هناك مراجعة للموازنة المصرية تمهيداً للإتفاق الذي كان من المنتظر أن يتم التوقيع عليه في منتصف الشهر القادم للموافقة على الثلاثة مليارات التي تم الإتفاق عليها للإقتراض من صندوق النقد الدولي، ومن هنا ما قيل عن مسألة أن المجلس العسكري قد نفى أو يعني رفض هذا الأمر، هو أمر مشكوك فيه لأنه كان من المقرر في الموازنة الجديدة حسب الأرقام السابقة أن يتم إقتراض 59 مليار جنيه بما يوازي عشرة مليارات دولار من عدة جهات أبرزها البنك الدولي وبنك التنمية الإفريقية وبنك الإستثمار الأوروبي ودول الخليج، فإذا كان وزير المالية المصري يتكلم أنه لن يقترض من البنك الدولي أو الصندوق فإنه لم يُشر إلى القروض التي من المقرر أن يتم أخذها من بنك الإستثمار الأوروبي ومن بنك التنمية الإفريقي وكذلك من دول الخليج بما يشير أن هناك ما زال مجالا للإقتراض الخارجي.

ليلى الشيخلي: طيب يعني هذا الكلام الذي كنا نسمعه عن كارثة إقتصادية تحذير من إنهيار إقتصادي سواء على لسان البرادعي سواء على لسان سمير رضوان هل كان مبالغات د. محمد السعيد إدريس؟

محمد السعيد إدريس: يعني أعتقد أنه كان فيه قدر كبير من المبالغات، هناك أزمة إقتصادية بالفعل هناك ركود في الإقتصاد المصري، هناك كوارث تعتبر من تداعيات النظام السابق ولكن مصر لم تكن على حافة الإفلاس والسقوط الإقتصادي ولكن على ما يبدو أن هناك من يهمهم ترويع الإنسان المصري، ترويعه إقتصادياً وترويعه أمنياً وتكفيره بالثورة.. وبالفعل هناك إعلام مصري.. هناك إعلام ما زالت مؤسسات الإعلام المصرية سواء الإعلام الحكومي التابع للسلطة المصرية السابقة ما زالوا موجودين، معظم رموز الإعلام السابق هم ما زالوا يسيطرون على الإعلام الحكومي في مصر أيضا الإعلام الخاص التابع لرجال الأعمال، هؤلاء قادوا معركة شرسة ضد الثورة وضد المجتمع المصري من منظورين منظور الأمن وترويع الناس بـ..

ليلى الشيخلي: يعني تتحدث عن حملة تخويف يعني.. مصر كانت ضحية حملة تخويف..

محمد سعيد إدريس: أنا لا أنكر أن هنالك جذور لأزمة إقتصادية مصرية، هناك مشاكل، لكن لم تكن بالدرجة التي تروع المصريين وتدفعهم قصراً إلى إتخاذ مواقف سلبية من الثورة ومن متطلبات التغيير المصري يعني إحنا في مجتمع نحتاج إلى قدر عال من التماسك السياسي والإجتماعي والوعي، مطالب يعني أن يحمي ثورته بنفسه دون الحصول على ضمانات أو دعم من الخارج، نحن أدركنا أن هناك محاولات لإحتواء الثورة ومحاولات أخطر منها لشراء الثورة، نحن نرفض هذا وذاك وندرك تماما أن الثوار لا بد أن يكونوا أحراراً لا بد أن يكونوا على وعي بثقافة وطنية حقيقية من التقشف ومن تحمل يعني العيش بمشاكله دون تفريط في الإرادة الوطنية دون تفريط بالإستقلال الوطني لأن مبادئ الثورة أو الأهداف الأساسية التي قامت الثورة من أجلها هي الحرية بمعني حرية الوطن وليس فقط حرية المواطن حرية الوطن إستقلال الوطن، حرية وعدالة وكرامة مرتبطة بالإستقلال الوطني والسيادة الوطنية.

ليلى الشيخلي: يعني هذا الكلام دكتور.. نعم

محمد سعيد إدريس: يجب أن تترجم في مجالات متعددة.

ليلى الشيخلي: بهذا الكلام دكتور أنت أيضا تردد ما ردده كثيرون سواء في داخل مصر أو خارجها عن الربط بين تراجع في إستقلالية القرار السياسي في مصر خلال السنوات الأخيرة مع المعونات التي كانت تأتي من الخارج خصوصا من الولايات المتحدة، أستاذ ممدوح الولي هل ترى فعلاً هذا الرابط قائم هل تراه دقيقاً؟

المعونات والإقتراض

ممدوح الولي: بالفعل هو قائم لأنه لو نظرنا إلى قيمة المعونات الدولية من كافة الدول ومن بينها الولايات المتحدة الأميركية إلى مصر خلال العام الماضي بلغت 219 مليون دولار فقط يعني أقل من ربع مليار دولار، وهو رقم هزيل بالمقارنة إلى ما حصلت عليه دول أقل من مصر سكاناً يعني أقل في الحجم، من هنا فإن ما تم من قبل الرئيس أوباما عندما وعد بمسألة تحويل مليار من الديون المصرية إلى إستثمارات وكذلك ما قامت به مجموعة الدول الثمان في المؤتمر الأخير في فرنسا بأن ستعطي إلى مصر وتونس حوالي 20 مليار دولار، طبعاً ما زالت مسألة وعود وسوف يكون هذا المبلغ حتى في حالة تحققه ما بين إستثمارات وإيداعات، وإستثمارات بما يشير إلى أن حجم المعاونة والمنحة في تلك الأموال ستكون ضئيلة كذلك فإن ساركوزي عندما تكلم عن هذا الرقم قال إنه سيتم توجيهه إلى كل الدوِل العربية في جنوب البحر المتوسط، بداية من لبنان إلى الأردن إلى الجزائر إلى المغرب، ولن يكون هذا المبلغ كله إلى مصر وإلى تونس فقط.

ليلى الشيخلي: طيب يعني بمعنى يعني أنت ترى أن مصر بهذا القرار تؤسس لنهج جديد إقتصادياً وسياسياً؟

ممدوح الولي: يعني هذا أمر مبالغ فيه لأنه لن تستطيع مصر الإستغناء عن لا المعونات ولا الإقتراض لأن الخطر أن الدين العام المصري البالغ حوالي 197 مليار دولار خلال نهاية العام الماضي، وبالطبع هو الآن زاد بإعتبار أنه مرت ستة أشهر عن هذا الرقم وتم إصدار سندات وأذون خزانة إقتراض حكومي، هذا الرقم 197 مليار دولار نجد إن حجم الدين الخارجي منه خمسة وثلاثين مليار فقط بما نسبة 18 % بينما 162 مليار دولار هو دين محلي وهذا هو الأخطر، الأخطر في الحجم الأخطر في نسبة الفائدة، عندما كان الصندوق يتكلم معنا كان يتكلم على نسبة فائدة 1.5% بينما الدين المحلي تصل الفائدة حوالي 13 %على الأذون على السندات في الوقت الحالي ومن هنا فإن الخطر في الدين العام سواء بشقيه المحلي أو الخارجي، وهذا الخطر يتمثل بأن تكلفة هذا الدين في الموازنة تنال ثلث الإنفاق في الموازنة مما يؤدي إلى نقص الإستثمارات وعدم التمكن من رفع الأجور أو تحسين حياة المصريين..

ليلى الشيخلي: وهذا بالضبط ما يقودني دكتور.. دكتور محمد سعيد إدريس إلى تحويل الحديث إلى قلق من أن ثورة الحماس هذه التي تدفع مصر لإتخاذ قرار كهذا ربما تدفع البلاد ثمنه فيما بعد..

محمد السعيد إدريس: لا يعني.. تسمحيلي أجاوب على هذا السؤال بإمتداد السؤال الأول يعني إحنا في سياسة الإقتراض، وغرقنا في الإقتراض الخارجي والمعونات الخارجية ضاعت مصر وضاع الإقتصاد المصري، ابتداءاً من سنة 1976 بالتحديد دخول الولايات المتحدة الأميركية كطرف داعم للإقتصاد المصري، وزير الخزانة الأميركية في ذلك الوقت كان إسمه وليام سيمون إشترط للمعونات الأميركية أو الربط بين السلام والرخاء، لاحظي أولا إحنا دفعنا ثمناً غالياً جداً لهذا الرخاء المزعوم وهذه القروض وهذه المعونات الإقتصادية، نحن فرطنا بقرارنا الوطني وعملنا سلاماً مع الكيان الصهيوني، هذا ثمن فادح قدريه إنتِ إقتصادياً كم يساوي، كل مشتقاته ومعاناته على المستوى المصري وعلى مستوى شعبنا الفلسطيني، الأمر الثاني إنه كان الشرط هو بيع القطاع العام يعني عاوزين معونات من أميركا بيعوا القطاع العام بيعنا القطاع العام وكان الهدف طويل المدى هو خلق طبقة إجتماعية مصرية تكون تابعة وعميلة للأجنبي، وهذه الطبقة الآن هي التي قامت بسرقة ونهب القروض والدخل المصري إلى الخارج يعني الدول المتخلفة أو الدول النامية بتستورد رأس المال من الخارج إحسبوا أنتم وأرجو أن تحسبوا هذا كإقتصاديين مرموقين كم من الأموال التي ضخت من مصر إلى الخارج، مصر لها أموال هائلة أكثر من 200 مليار أجر أكثر من هذا موجود في الخارج، أموال مصرية مودعة في صناديق خارجية وبنوك خارجية هذه كلها أموال الشعب المصري، نُهبت تحت راية الإقتراض من الخارج إذن الإقتراض من الخارج والإعتماد على الخارج في الإقتصاد معناها ضياع الإستقلال الوطني وضياع الإقتصاد، الشعب المصري دفع ثمناً هائلاً سياسيا وإجتماعيا، حرم الشعب المصري من الحد الأدنى من حقوقه، الشعب المصري الآن يعني في معاناة حقيقية ليس بسبب فقر مصر هناك أكذوبة إسمها فقر مصر، مصر ليست فقيرة وقيسوا ماذا دخل مصر من الخارج من أموال وماذا خرج من مصر من أموال، ما خرج من مصر يفوق كثيراً ما دخل إليها، لو على ثمن السياسي الباهظ والثمن السياسي الأفجع، نحن الآن أمام سياسة جديدة ليست متفائلة وليست حماسية نحن نريد أولا زيادة الإيرادات، أن تشتغل عجلة الإنتاج المصري، أن نرفع الضرائب التصاعدية على أصحاب الدخول العالية، هناك فجوة هائلة بين الحد الأدنى والحد الأعلى ناس تحت خط الكفاف، وناس يعيشون في بحبوبة، وزير المالية الدكتور سمير رضوان خايف يرفع معدلات الضرائب من 25 إلى ما أكثر من 25 % يكتفي من 20 إلى 25 يقول لو وصلنا إلى 40 مش حنتج ضرايب لأ.. يعمل جهاز دولة محترم، يعمل تعبئة إجتماعية نحن نريد زيادة إيرادات وتخفيض إنفاق..

ليلى الشيخلي: يعنى أنت تتحدث عن مراجعة النظام الإقتصادي ككل، نحن لا نتكلم فقط عن التراجع عن قرض أوإتفاق قرض نتكلم عن مراجعة لنظام إقتصادي كامل، كيف سيتم هذا وعلى أي مدى نتحدث؟

محمد السعيد إدريس: ما أريده.. يعني ما تقوليه هو الصحيح يعني نحن يعني عندما قامت الثورة قامت من أجل الحرية والعدالة، نحن نريد مراجعة أداء النظام، نريد نظاماً سياسياً جديداً يقوم على عدالة وإنتاج كفاءة عالية في الإنتاج دولة قوية دولة منتجة وليس مجرد دولة خدمات، دولة تنتج وتأكل مما تزرع ومما تصنع، دولة مستقلة دولة ذات إرادة، نحن في مصر نمتلك هذه الإمكانيات لكن ما هو أفضل وما هو أعظم أن يكون هناك وعياً عربياً لأن التكامل الإقتصادي العربي الدعم والعربي هو دعم لإستقلالنا أموالنا العربية تذهب إلى الخارج..

ليلى الشيخلي: أريد أن أسأل إذا سمحتلي لنطرح هذه الفكرة على ممدوح الولي، هل توافق فعلا أن الإقتصاد المصري نظام الإقتصاد المصري بحاجة إلى مراجعة كاملة؟

ممدوح الولي: بالفعل نحن نحتاج إلى مراجعة شاملة حيث أن الإقتصاد المصري منذ سنوات إقتصاد ذريعي، وكذلك الإهتمام بالإقتصاد المالي على حساب الإقتصاد الحقيقي الإنتاجي، عندما حاول وزير المالية مؤخرا فرض ضريبة على التوزيعات. في البورصة المصرية، هوجم وتراجع رغم أن البورصة وسوق التداول الحالي يضر بالإقتصاد ويسحب المستثمرين من ملعب الإنتاج الحقيقي إلى ملعب لا يُضيف للناتج المحلي أي شيء، عندما كانت قيمة تعاملات البورصة المصرية خلال العام الماضي قيمتها 321 مليار جنيه فإن هذا الرقم الضخم لم يضف آلة واحدة إلى مصنع، ولا فرصة عمل في شركة ومن هنا فإن المجتمع محتاج إلى إعادة تنظيم بحيث تصبح الأولوية للقطاع الإنتاجي، ومن هنا..

ليلى الشيخلي: ربما أيضاً تحتاج إلى نموذج تنموي.

ممدوح الولي: مع مسألة رفع الضرائب في الوقت الحالي، القطاع الخاص يقوم بتشغيل حوالي 20 مليون مشتغل، بينما الحكومة تقوم بتشغيل 6 ملايين، القطاع الخاص في الوقت الحالي مثقل بالأعباء سواء بالإحتجاجات الفئوية العمالية أو سواء نقص الخامات بسبب رفض الموردين الأجانب التوريد في الوقت الحالي إلا بعد السداد المسبق، ورفض البنوك التمويل، وكذلك ضعف السيولة وصعوبة التسويق. ومن هنا فإن مسألة إضافة ضرائب أخرى على القطاع الخاص في الوقت الحالي أمر غير مناسب بالنسبة لأوضاع..

ليلى الشيخلي: إذن الحل هو إعادة ربما إعطاء الدولة والقطاع العام دور في إدارة الإقتصاد. هل هذا هو الحل؟

ممدوح الولي: لا نتكلم اليوم عن الموازنة، الموازنة نحتاج إلى موارد أخرى، هناك العديد من البدائل أولها مسألة فرض ضرائب على الأرباح الرأسمالية في البورصة المصرية لدفع المستثمرين من التواجد في هذا القطاع غير المنتج إلى القطاع الحقيقي المنتج. كذلك مسألة ملاحقة المتهربين من الضرائب والمتأخرات الضريبية التي زادت عن حوالي 100 مليار جنيه، وكذلك العديد من الفئات مثل المهن غير التجارية التي لا تدفع ضرائب مثل الأطباء، والمحاسبين، والمحامين. وكذلك إعادة النظر في إتفاقات البترول والغاز مع الدول التي تمت بثمن بخس.

ليلى الشيخلي: طيب تتحدث عن هذا الجانب ولكن هناك من يرى أن القضية هي قضية غياب نموذج تنموي، يعني في دول أخرى واجهت مشاكل شبيهة بما تمر به مصر اليوم على غرار مثلاً ماليزيا، تركيا، البرازيل، هل هذه النماذج دكتور محمد السعيد إدريس نماذج يمكن أن يُحتذى بها في مصر؟

محمد السعيد إدريس: أعتقد أن مصر في حاجة إلى نظام إقتصادي جديد، نظام إقتصادي جديد يعبر عن نظام سياسي نحن نسعى له الآن، ونسعى إلى وضع قواعده وقوانينه ومبادئه ، وعندنا تجارب كثيرة جداً، أولاً فيما يتعلق بالإقتصاد الرأسمالي الذي فرض على مصر، وضغوط التكيف الهيكلي التي أدت إلى تدمير الإقتصاد الوطني وربطه بعلاقات تبعية بالإقتصاد العالمي، دفعنا ثمنه وثمنه غالي جداً، الآن الرأسمالية التقليدية، أو الرأسمالية المتوحشة الليبرالية الجديدة لم يعد لها أو وزن تتراجع وتهزم داخل أميركا.. هزمت الرأسمالية داخل أميركا، وهناك قرار سياسي هو الذي يحمي الإقتصاد الرأسمالي في الولايات المتحدة الأميركية بعد الأزمة المالية الهائلة التي واجهت هذه الدولة العملاقة الكبيرة، هناك دول الآن إقتصادات إقليمية كبيرة، تركيا، الأرجنتين، جنوب إفريقيا، البرازيل، أندونيسيا، ماليزيا، هناك تجارب تخلط بين الإقتصاد الرأسمالي والإقتصاد الإشتراكي من منظور الملكية العامة للدولة لقطاعات وطنية مهمة جداً، نحن نريد إقتصاداً يقوم على العدل وعلى الإنتاج وليس على التبعية. نريد المواطن المصري الآن في قرى مصر وبالذات الفلاحين والعمال، الفلاحين في مصر يعانون معاناة هائلة كانوا مهمشين في حقوقهم، كانوا مضطهدين، لا يجدون أي شيء، بنك التسليف الزراعي يضطهد الفلاح المصري، ولكن كل البنوك الأخرى أعطت آلاف ومليارات القروض لمن سرقوا مصر، لمن نهبوا مصر، نحن نريد أن تصل الثورة بالعدل الإجتماعي إلى فقراء مصر من الفلاحين والعمال الذين لايجدون حياة، ولا يجدون مياهاً، أنا أعرف هذا جيداً في مناطق متعددة من مصر هناك أزمات في الماء بالنسبة للمزارعين يجب أن تعالج، وهناك وزارة ري محترمة تعالج هذا، ولكن الحكم المحلي يقف أمام إرادة وزارة الري ويضطهد الفلاحين، في مناطق متعددة من قرى مصر، نحن نريد موقفاً مهماً جداً من الحكومة المصرية..

ليلى الشيخلي: لأترك الفرصة أيضاً لكلمة أخيرة لممدوح الولي إنتهى الوقت المخصص لهذا الجزء، أشكرك جزيل الشكر. أريد أن أسمع منك ممدوح الولي هل توافق على أن مصر فعلاً بحاجة لنموذج مختلف تماماً، ألا يمكن تبني أحد النماذج في تركيا مثلاُ، أو البرازيل، أو ماليزيا، ألا يصلح أياً منها؟

ممدوح الولي: بالفعل نحن بحاجة في مصر إلى تبني نموذج تنموي مصري، عربي، مستقل بعيداً عن روشيتة المؤسسات الدولية، وأعتقد أن ما قام به أوباما، وما قامت به دول الثمانية هي محاولة لإستمالة ثورات الربيع العربي، للسير في نفس الركاب للمؤسسات الدولية والإقتصاد الحر. وأعتقد أننا بحاجة إلى مثل هذا الأمر، إلا أن القائمين على المجموعة الإقتصادية لا أعتقد أن لديهم الإرادة لأداء مثل هذا الدور، ولا الخبرة الكافية، وخاصة أننا في الوقت الحالي ليس لدينا برنامج عمل إقتصادي ولا رؤية، وإنما تسير الأمور بمسألة تسيير الأعمال، ومسألة عشوائية بدون أي تخطيط.

ليلى الشيخلي: أشكرك ممدوح الولي المحلل الإقتصادي ونائب مدير تحرير صحيفة الأهرام، وشكراً جزيلاً للدكتور محمد السعيد إدريس رئيس وحدة دراسات الثورة المصرية بمركز الأهرام. إذن نشكركم على متابعة هذا الجزء من البرنامج وأرجو أن تبقوا معنا لمتابعة الجزء الثاني عن التعذيب في العالم العربي.

[فاصل إعلاني]

قضايا التعذيب

ليلى الشيخلي: أهلاً من جديد، أهلاً إلى هذا الجزء من حديث الثورة الذي نخصصه لمناقشة قضية التعذيب في يوم تكريم العالم لذكرى ضحايا التعذيب. فالتعذيب بوصفه واحداً من صور إنتهاك الكرامة الإنسانية، كان على الدوام جزءاً لا يتجزأ من آليات عمل الأنظمة المستبدة التي تفجرت الثورات العربية مدفوعة بتصرفاتها المتمثلة في التعذيب، وإخوته من قمع وفساد ومصادرة للحقوق، وتنكيل بالخصوم وغيرها وغيرها. فهل تكفي الثورة ضد التعذيب لإجتثاث جذوره من مجتمعاتنا بصورة نهائية، أم أن الأمر بحاجة لما هو أكثر من الثورة. نناقش هذا الموضوع، ولكن بعد هذا التقرير الذي أعده الزميل عبد القادر عراضة.

[تقرير مسجل]

عبد القادر عراضة: يصادف السادس والعشرون من يونيو حزيران من كل عام إحياء مآساة نظام التعذيب عبر العالم، لكن ورغم وجود إتفاقيات مناهضة للتعذيب ما زالت الظاهرة شائعة في عدد كبير من البلدان مع تعدد أدواتها وأشكالها. لأجل ذلك جاءت إتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب وغيره من أشكال المعاملة أو العقوبة القاسية واللاإنسانية والمهينة عام 84، دخلت حيز التنفيذ في السادس والعشرين من يونيو حزيران عام 87، وبلغ عدد الدول المنضمة أو المصدقة عليها 147 بلداً. رغم كل التدابير كان العالم شاهداً حياً على نماذج لإمتهان الكرامة والقتل التعسفي تحت التعذيب، ولم يشذ العالم العربي عن القاعدة مقدماً أجيالاً جديدة من ضحايا التعذيب. كيف لمصر أن تنسى الشاب خالد سعيد كنموذج للضحايا حينما إهتزت العام الماضي وشهوراً قبل الثورة لقتله تحت التعذيب على يد مخبرين ضربوه بوحشية حتى الموت. وكيف لسوريا أن تنسى الطفل حمزة الخطيب الصبي البالغ 13 عاماً حينما إختطفه عناصر أمن من مسيرة في درعا تطالب بالحرية، ولم يتركوه سوى جثة هامدة مشوهة . حالات من بين أخرى كثيرات للتعذيب لا نغادرها دون الإشارة إلى تقرير ذكر أن الإحتلال الإسرائيلي يستخدم 100 وسيلة تعذيب نفسي وجسدي بحق الأسرى الفلسطينيين في سجونه، فيما يخص المعذبين أو قصصهم ليست حكراً على دول الثورات بل تمتد إلى دول عربية أخرى وحتى إلى ديمقراطيات غربية، رغم أن إتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب نصت على تجريمه في التشريعات الوطنية وفي جميع الظروف ومعاقبة من يرتكبه، ومنعت طرد أو تسليم أشخاص إلى دول أخرى مخافة تعرضهم للتعذيب، كما حثت على المعاملة العادلة وضمان حقوق المتهمين. كما شكلت الإتفاقية لجنة من 10 خبراء يتمتعون بالحصانة لرصد ومراقبة تنفيذ الإتفاقية على أن تتلقى التقارير الدورية كل أربع سنوات. إجراءات جيدة بالتأكيد لكن تحديات كبيرة تواجهها بينها الإفلات من العقاب، والحاجة الملحة للتخفيف من المعاناة البدنية والنفسية لضحايا التعذيب، وإعادة بناء ما تحطم من حياتهم عبر دعم الحق في كشف الحقيقية وإقامة العدل.

[نهاية التقرير]

ليلى الشيخلي: ينضم الآن إلينا من القاهرة اللواء سامح سيف اليزن رئيس مركز الجمهورية للدراسات والأبحاث السياسية والأمنية ، من تونس الأستاذ رضا بوكادي الناشط في منظمة حرية وإنصاف لحقوق الإنسان، والسجين السياسي السابق من لندن، ينضم إلينا الدكتور سعد جبار الخبير في القانون الدولي وحقوق الإنسان، ونتوقع أن ينضم إلينا بعد قليل الأستاذ وليد شفور رئيس اللجنة السورية لحقوق الإنسان. إذن ابدأ معك أستاذ رضا بوكادي وأنت سجين سياسي سابق وربما ذقت مُر العذاب في السجن وربما لا يُقدر أحد ما نتكلم عنه بقدر ما تقدره أنت. إذا أنطلقنا من موضوع البوعزيزي وما حصل هل يمكن أن نقول إذن بدقة أن التعذيب في الواقع هو الفتيل الذي أشعل نار الثورات. وكيف؟

رضا بوكادي: بالتأكيد يمكن الجزم بهذا لأن التعذيب هو إهانة بالغة لكرامة الإنسان وهذا مر على آلاف من التونسيين قبل استشهاد البوعزيزي. الكثير تعرضوا للتعذيب بمحلات الداخلية أو مراكز الأمن في مختلف مناطق البلاد، وكان تعذيباً ممنهجاً وشديداً. مات الكثير تحت التعذيب وإستشهدوا قرابة ما يفوق الخمسين شهيداً..

ليلى الشيخلي: صحيح أيضاً أنت تقول الكثيرين وهذا هو السؤال يعني ما الذي جعل القضية فجأة، الكل يعرف أن ما يدور في السجون من تعذيب ويتحدث خفية ولكن فجأة أن يخرج الموضوع هكذا للعالم ويصبح الفتيل الذي يُشعل نار الثورة. لماذا؟

رضا بوكادي: لأن التعذيب لم يطل السجين فقط أو المعتقل فقط، بل طال كل العائلة، طال الأطفال، طال المرأة، طال الأم، طال الأخت، طال الأخ، طال العم، طال الخال.. طال كل الناس بأشكال مختلفة كان ممنهجاً وشديد الوقع على الناس، وبالتالي تركنا هذا الشعور بالغبن وبالألم وبالعذابات. حتى إنفجرت الأشكال التي عبرت عنها الثورة في تونس أو في غيرها من البلدان.

ليلى الشيخلي: دكتور سعد جبار يعني ربما هنا المفارقة أن هناك إتفاقية لمناهضة التعذيب وكثير من الدول العربية المتهمة اليوم بممارسة هذا التعذيب هي دول موقعة على هذه الإتفاقية، ورغم ذلك يحدث ما يحدث . كيف؟

الجريمة الدولية

سعد جبار: أولاً يجب التأكيد أن التعذيب أصبح جريمة دولية، وأصبح يتجاوز قضية الإتفاقية الدولية بل أصبح قانوناً دولياً ملزماً بمعنى التعذيب محظور بشكل مطلق ولا ترد عليه أية إستثناءات، في الدول الغربية مثلاً بريطانيا، فرنسا أي دولة أخرى إن وجد بها أي شخص متهم بأنه كان مشاركاً في التعذيب، أمر بالتعذيب، سكت عن التعذيب، بمعنى من الآمر بالتعذيب إلى منفذ عملية التعذيب، إلى الصامت عنه فكلهم يعتبرون مجرمين بالنسبة للقانون الدولي مثل ما جاء في الإتفاقية الثالثة في الإتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، إتفاقيات الأمم المتحدة ذات العلاقة، كلها تحظر هذا، كل الدول في دساتيرها أو في قوانينها الداخلية تتحدث عن الحظر، لكن الدول العربية، أصبحت بعض الدول الغربية تصدر المواطنين للتعذيب في الدول العربية، مثلما حدث في مصر مثلاً، وما حدث في دول عربية أخرى بالنسبة للمشتبه فيهم في قضية القاعدة. إذن التعذيب لا زال كان ولا يزال أداة من أدوات السيطرة والحكم في شعوبنا، وكذلك حتى الدول الإفريقية تخلت.. الدول الإفريقية معظمها تخلت عنه.. الدول العربية ولا نقول الدول الإسلامية، الدول الإسلامية تحظر ذلك ولكن الدول العربية بقيت هي الدول الوحيدة التي لا زالت تمارس هذه الجريمة الشنعاء وهي ليست جريمة دولية حتى في ديننا الإسلامي لا يوجد فقيه لم يشرع لصالح حظر عملية التعذيب والإهانة أو العمليات المشينة والممسة بـ أو التي تمس بكرامة الإنسان وآدميته.

ليلى الشيخلي: يعني اللافت للنظر هنا رغم هذا أن هناك إتفاقية وتوقع عليها هذه الدول، ولا يمكن ملاحقتها وليس هناك في الواقع خوف من الإقرار بها، بدليل ما يحصل في سوريا سيد وليد سفّور يعني قضية حمزة الخطيب، هذه في وقت هناك وسائل الإنترنت، الهاتف المحمول، في وقت حساس جداً يتم ممارسة هذا النوع من التعذيب في حق طفل وليس هناك من يستطيع أن يفعل شيئاً.

وليد سفّور: طبعاً التعذيب في سوريا قضية شائعة قديماً، والآن في هذا الحراك الثوري السلمي الحديث إستحرت وكثرت وخاصة بحق الأطفال، يعني عندنا إحصائيات، أكثر من 65 طفل عذبوا حتى الموت منهم حمزة الخطيب ومنهم ثامر الشرعي، ومنهم البنت هاجر الخطيب، ومنهم الطفل مهند، وكثيرون كثيرون. يعني أول شيء الحكومة السورية موقعة على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ومعترفة به، سواء وقعت على الإتفاقيات الأخرى أم لم توقع عليها، فالإعلان العالمي لحقوق الإنسان يحظر التعذيب النفسي والجسدي ويحاسب على من يمارسه. فالسلطة السورية بحكم هذا الإعلان بعيداً عن إن كانت وقعت على. جزء له خاص بالتعذيب أم لم توقع لأنها لم توقع على الجزء الخاص بالتعذيب من الإتفاقيات لأنها تمارس التعذيب وتعرف تبعة ذلك لكنها هي مسؤولة عن أعمالها وعن تصرفاتها بصورةٍ كاملة أمام المجتمع الدولي وقبل ذلك أمام المجتمع المحلي، النظام في سوريا يمارس التعذيب حتى القتل ويمارس أنواعاً بشعة جداً من التعذيب..

ليلى الشيخلي: على العموم النظام السوري ليس وحده في هذا، إذا سمحتلي أريد أن أعود للواء سامح سيف اليزن يعني قد ربما يعني ما يمارس قبل الثورة شيء وأثناء الثورة ولكن بعد الثورة هذا هو ما يجب أن نتوقف عنه، يعني هذه الممارسات سجلت.. ممارسات تعذيب بعد يعني الثورة في مصر وأيضاً حالات في تونس، كيف يفسر هذا؟

سامح سيف اليزل: لأ.. يمكن يعني الحالات التي تمت بعد الثورة حالات قليلة للغاية الممارسات التي كانت قبل الثورة ممارسات على مستوى واسع جداً وكبير وطالت الكثير من المصريين لدرجة أن بعض ضباط الشرطة قد حوكموا أمام محكمة الجنايات المصرية بتهمة تعذيب مواطنين و مازالوا في السجون حتى الآن وقضى القضاء المصري عليهم بأحكام رادعة، المسألة أنه أثناء قيام الثورة كان هناك لسه جهاز مباحث أمن الدولة لايزال قائماً في مصر وكان يمارس بعض أصناف التعذيب لبعض المواطنين ولكن أنا لا أتفق أن ما يحدث الآن هو مماثل لما يحدث في بداية الثورة أو ماحدث من قبل بداية الثورة..

ليلى الشيخلي: قد لا.. يعني خلينا حتى لا نبالغ أيضاً لأنه ليس الهدف هو أن نقول أن ما يحدث ولكن فكرة أنه يحدث يعني هذا بحد ذاته يجعلنا نسأل هي يعني ثقافة سلطة، ثقافة مجتمع، ماذا بالتحديد أن يستمر الأمر حتى بعد سقوط الأنظمة التي تتهم بأنها هي الأساس في سياسات القمع والإستبداد؟

سامح سيف اليزل: لا هو طبعاً أنا لا أوافق على استمرار هذا الأمر بأي شكل من الأشكال، لا ينبغي أن استمراره تحت أية مسمى وتحت أية وضع، ولكن قلب الصفحة وبداية صفحة جديدة كاملة البياض دون أخطاء ستكون صعبة، نحن نتحدث على أربعة شهور فقط منذ قيام الثورة أو خمسة أشهر، هناك بعض البواقي لسه من بعض الأنظمة السابقة قد تكون موجودة وقد يكون بعض الذين يعملون في بعض الأماكن لازالوا يعملون بالمفهوم القديم وهذا عدد يعني قليل للغاية وأنا لا أدافع هنا ولكن المجتمع المصري وما حدث بعد ثورة يناير لا يقبل بمثل هذه الموضوعات على الإطلاق، وبالتالي أنا أراها ظاهرة الـ curve بتاعها بينزل ويهبط بمستوى سريع وأنا أرى أيضاً أن هذه التجاوزات لن يكون لها مكان على الأقل في الدول التي فيها ثورات شعبية ونضجت هذه الثورات ونجحت، في سوريا طبعاً أنا أشفق على من فيها الحقيقة من الشعب السوري..

ليلى الشيخلي: طيب أنت وضعت إصبعك على الجرح إللي في النهاية أستاذ رضى بوكادي القائمين على السجون، القائمين على تطبيق النظام، يعني لم يتغيروا رجال الشرطة يعني لا يمكن أن يستبعد كل رجال الشرطة ويؤتى برجال شرطة جدد هكذا بين ليلةٍ وضحاها، إذن في النهاية كيف يمكن تغيير أو تغيير هذه العقلية، الأخلاق ربما في التعامل مع السجين، مع المواطن، ما الذي يمكن أن يتغير بمعنى آخر الأمر يبدو أنه سيستمر ربما لفترة طويلة..

رضا بوكادي: نعم الأمر يقتضي وقتاً وهو أمر بالتأكيد ليس من السهولة بمكان ، لكن يقتضي خطوات أولى وخطوات جدية في الموضوع لا أن يترك هذا دون درس أو دون متابعة، فلا الحكومة الحالية في تونس تابعت الموضوع بجدية ولا الهيئة العليا لحماية الثورة تابعت الموضوع بل تناسته جملةً وتفصيلاً، وبالتالي نجد الجلاد الذي كان يمارس التعذيب بالأمس هو حر الآن ويمارس نفس المهمة والسجان الذي كان يعذب وكان يعتدي على كرامة الإنسان في السجن وعلى عائلة السجين إلخ.. هذا كله نجده حراً ويمارس نفس المهمة بل نجد البعض ينال الترقيات جزاء فعله الذي أتاه وهذا أمر غريب ومستهجن..

ليلى الشيخلي: إذن يجب أن لا نستغرب عندها أن هذه الممارسات تستمر، دكتور سعد جبار يعني الخط الفاصل بين أمن المجتمع وأمن النظام إلى حدٍ ما يبدو واضحاً أكثر في الغرب، لماذا ليس بنفس الوضوح في العالم العربي، لماذا يعني الشرطي ينفذ مهاماً يفترض أنه يحفظ أمن المواطن ولا يستطيع أن يفرق بين أوامر بتعذيبه وقمعه؟

سعد جبار: أنظمتنا الإستبدادية والديكتاتورية مهمتها الأساسية أو مهمة رجال الأمن أن يحفظوا.. أن يحافظوا على النظام القائم وعلى الرجل الحاكم هذه مهمة رقم واحد، مهمة رقم اثنين هو انتزاع معلومات معينة باستعمال القوة النفسية والجسدية واللاانسانية بحيث ينتزع معلومات ليس فقط لمحاربة الجريمة وإنما لمعرفة ما يدور داخل المجتمع من إثر تحكم المجتمع وترهيب المجتمع، إذن كلما كانت هناك حكومات رشيدة تمثل الشعب، تنبعث من الشعب كلما ابتعدنا عن هذه الوسائل، لماذا؟ لأن هناك سيادة قانون، هناك استقلالية قضاء، هناك إعلام حر، فالدول الغربية ابتعدت عن هذه الوسيلة عندما أدركت ..عندما تتحدثون مع رجال الأمن في الغرب يقولون أن التخلص من هذا الأمر تم منذ زمن طويل، في بريطانيا مثلاً يقولون أن كل ما ينتزع من معلومات تحت التعذيب تكون معلومات عادةً غير نافعة، وبالتالي الآن بدءوا يستعملون وسائل علمية أخرى للإستنطاق من أجل مكافحة الجريمة والإرهاب أو ما يُسمى بالإرهاب والمخدرات إلخ.. لذلك نحن ظروف الدول الديمقراطية الناشئة يجب أن تعمل على إعادة تأهيل العقلية في حد ذاتها من داخل المجتمع، مثلما حدث في جنوب إفريقيا كانت هناك لجنة بحيث كل من ارتكبوا جرائم في الماضي ضد الآخرين إعترفوا أنهم ارتكبوا هذه الجرائم وتأسفوا عنها وأنهم لن يرتكبوها مرة أخرى، ثانياً إعادة تأهيل البوليس أو رجال الأمن ليعرفوا أنهم في خدمة الوطن والمواطن وأنهم ليسوا لخدمة نظام وهمي يريد التحكم في المجتمع، لذلك في سوريا، في ليبيا، في الجزائر، في العراق سابقاً، هذه أنظمة استوردت كل أنواع تكنولوجيا التعذيب، مثلاً العراق سوريا، ليبيا لأي نوع رجل أمن هناك تدرب على أيدي خبراء النازية الألمانية تدربوا على أيدي رومانيا أو أجهزة أمن دولية، تعلموا عن طريق الـ كي جي بي وتلك العقليات لازالت سارية إلى حد الآن لذلك مثلاً ما حدث في البرتغال، إسبانيا أو اليونان عندما بدأوا عهد ديمقراطية أول ما ركزوا عليه هو تطهير جهاز الأمن وإخضاعه للقانون وعدم التسامح مع أي تجاوزات ضد المواطن، المواطن هو السيد، المواطن.. ما هو المجتمع هو مجموعة مواطنين وبالتالي الفاصل هو القانون، ولماذا نحن هنا في بريطانيا أميركا رغم أنها ديمقراطية لا تعذب لكن يقبضون على المجرم ويحاكمون الأشخاص دون اللجوء إلى وسائل التعذيب نعم بريطانيا مثلاً أميركا شاهدنا تجاوزات داخل أبو غريب، لكن عندما يقبض على الأشخاص فإن القانون يمنع ذلك يحاسب محاسبة حقيقية محاسبة مطلقة وأكبر ما يخشاه الآن البريطانيون الذين شاركوا في غزو العراق أو الأميركيون إلخ أنه إذا ظهرت أدلة أنهم مارسوا التعذيب..

ليلى الشيخلي: تعتبر فضيحة..

سعد جبار: ويخضعوا للقانون، تعتبر فضيحة ويمكن مش يمكن ويحاكموا الأشخاص.. للنظر ما حدث في كينيا في عهد الإستعمار هناك دعاوي الآن أمام القضاء البريطاني لأن نساء تعرضن إلى التعذيب أو إلى إعتداءات جنسية ضدهم، أنا شاهدت ملفات حول تونس في عهد بن علي، شاهدت بعض الملفات وأنا حضرتها كمحامي والله لم أكن أتصور أن هناك وحوشاً بهذه الدرجة بحيث فعلوا أفعالاً لا تتماشى لا مع الإسلام، لا مع قيمنا العربية ولا قيم أدنى يعني أنا شاهدت كيف كان الرجل الذي أو المسؤول البريطاني الذي كان يستجوب الشخص حول طلب اللجوء وعندما ذكر الضحية كيف تعذب أو تعرض للعذاب، بدأ المسؤول البريطاني يبكي والمترجمة تبكي، أقسم لك بالله أني لم أكن أظن أن هناك وحشية ووحوش وكاسرة بحيث تعرض مسلم لطرق لا تتنافى مع كل قيم الإنسانية وقيمنا الأخلاقية والدينية أي قيم تذكريها حتى القيم الحيوانية ممكن نتصور أن تحدث ذلك، لذلك يجب أن نحارب هذه الظاهرة و نكشفها ويجب أن لا نستحي ويجب نسمح بالإفلات من عقاب لكل من يمارس التعذيب..

ليلى الشيخلي: طيب، ويجب أن لا ننسى وليد سفور أن من يمارس هذا هم في الواقع أشخاص عاديون هم ليسوا رؤوس النظام، هم ليس من يصدر الأوامر هم رجال الشرطة، هم رجال الأمن الذين يفترض أن تكون لديهم مشاعر تعاطف، مشاعر حماية، رغبة في حماية.. هؤلاء يعني هل ثقافة ربما نستغل الفرصة لنتحدث عنها اليوم وليد سفور تغيير ثقافة المجتمع هذه لا يمكن أن تتم بين ليلة وضحاها، تحتاج إلى وقت..

وليد سفور: دعيني أقول في البداية أن في عام 1968 عندما أُنشئت إدارة أمن الدولة المرسوم رقم 16 يُبيح لعناصر الأمن من هذا الجهاز أنه ليس مسؤولاً عن الجرائم المرتكبة أثناء أداء عمله الوظيفي أي أنهم إذا عذبوا أو قتلوا المواطنين فهم غير مسؤولين عن ذلك وجاء في عام 2008 بشار الأسد ليوسع هذا المرسوم ليشمل كافة الأجهزة الأمنية بالمرسوم 69 فهذه ثقافة السلطة، ثقافة السلطة عندنا في سوريا هي ثقافة التعذيب وحتى وإن كان إنساناً معاقاً، اليوم عندي أخبار أن قتيبة دعبول وأنس دعبول واحد عاجز والثاني معاق عذبا حتى أفصحا عن أشياء لم يفعلاها ولا يمكن أن يفعلاها بحكم عاهتهما النفسية والجسدية، طبعاً نحن نعلم أن الشعب السوري في مجمله مثل باقي الشعوب شعوب حضارية لا ترتكب هذه القضايا لكن عندك السلطة، السلطة الديكتاتورية والمؤدلجة هي حتى تستحكم في رقاب الناس تقوم بأقسى أنواع التعذيب و.. دعيني أكمل لم أبدأ تقوم بشتى أنواع السيطرة

ليلى الشيخلي: يعني للأسف بقي لي دقائق فقط أكمل فقرتك إذا سمحت بسرعة..

وليد السفور: نعم ، الصحيح أن الوقت يحتاج يعني حتى تسود ثقافة التسامح لكن القانون هو الفيصل في ذلك، فالقانون عندنا في سوريا يسمح بالتعذيب ويسمح بالقتل ويسمح بانتهاك الحرمات، إذا تغير هذا القانون سوف تجدين أن كثيراً من الأمور ستتغير بسرعة

ليلى الشيخلي: وأعود وأذكر أنها دولة وقعت على اتفاقية مناهضة التعذيب.. أريد أن أعود للواء سامح سيف اليزن تركتك للأسف فترة وللأسف ما بقي الكثير من الوقت، يعني هل يمكن فعلاً أن نطوي الصفحة وأن نتوقع أن نبدأ صفحة جديدة لا نقول أنها ستكون بعيدة تماماً عن التعذيب لأن ربما هذا لن يكون واقعياً على الأقل في فترة يعني معقولة نسبياً على الأقل يكون فيها حساب لمن يمارس هذا النوع من الممارسات، الآن القضايا التي حدثت في السابق يتم النظر فيها في محاكم عسكرية وليس مدنية، هل لهذا أهمية خاصة في مصر تحديداً طبعاً؟

سامح سيف اليزل: أولاً عايز أوضح شيئاً سريعاً أن الشعوب التي ذاقت العذاب وذاقت الإضطهاد والقهر لن تسمح بمثل هذه الممارسات مرة أخرى بمعنى أن الحرية الموجودة تتنفسها الآن الشعوب التي خرجت من هذه الثورات العربية بانتصارات زي الشعب المصري والشعب التونسي وإنشاء الله الشعب الليبي قريباً بإذن الله والشعب السوري واليمني بإذن الله فكل هذه الشعوب عندما تصل إلى درجة الحرية والديموقراطية التي نعيشها الآن في مصر وتونس أنا بتصور لن يسمحوا لأي رئيس أو لأي نظام قادم أن يمارس هذه الممارسات مرة أخرى، رداً على سؤالك بالنسبة للمحاكم العسكرية التي تجرى في مصر حالياً تجرى فقط على المقبوض عليهم بقضايا تلبس يعني قبض عليه وهو يقتل، قبض عليه وهو يسرق بالإكراه، قبض عليه وهو يحمل سلاحاً يروع به الآخرين، أما القضايا الأخرى التي ليس فيها حالة تلبس يعني إحنا حاليا نعاني في القاهرة بعض الشيء من إنفلات أمني، نعاني من بعض البلطجية الذين انتهزوا فرصة هذا الإنفلات الأمني ويحاولون فرض سيطرتهم على بعض الأماكن وبالتالي هؤلاء يجوز فيهم الحكم العسكري وأنا مع ذلك حتى يصل الشارع المصري إلى حالة الأمن المرجوة وحتى يشعر المواطن المصري أنه آمن على روحه وعلى ممتلكاته.

ليلى الشيخلي: أشكرك جزيل الشكر لواء سامح سيف اليزن رئيس مركز الجمهورية للدراسات والأبحاث السياسية والأمنية ومن القاهرة وشكراً جزيلاً للأستاذ رضى بوكادي الناشط في منظمة حرية وإنصاف حقوق الإنسان والسجين السياسي السابق من تونس ومن لندن الدكتور سعد جبار الخبير في في القانون الدولي وحقوق الإنسان وأيضاً وليد سفور رئيس اللجنة السورية لحقوق الإنسان من لندن أيضاً، وشكراً لكم على متابعة هذه الحلقة من حديث الثورة في أمان الله.