"ولي الأمر لا ينازع في مقامه ولا في منصبه ولا ينافس عليه.. وإن رأيته يرتكب المعاصي على التلفاز فلا يجوز لك الخروج عليه". هذا ما يقولونه وينسبونه إلى الشرع الحكيم ويبررونه بحفظ دماء المسلمين.. المسلمين الخانعين الخاضعين لولي الأمر أيا كانت عيوبه.

أما المسلمون المنتفضون المعارضون فهم كفرة يجوز اعتقالهم بل واغتيالهم.. وإن كانوا أئمة أو علماء دين.. إنه نهج جديد يسير عليه أتباع "الجامية المدخلية"، الذين يحظون برعاية رسمية من قبل أنظمة أرعبتها ثورات الربيع العربي.

وبعد القمع السياسي يبدو أن الدور جاء على القمع باسم الدين.. وهو نهج لم يعهده المسلمون، فهم منذ قرون على نهج أسلافهم بقناعتهم "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق"، فما الذي تغير إذًا؟ ولمصلحة من ينشرون معتقداتهم من الخليج إلى المحيط.. من السعودية الى اليمن إلى مصر إلى ليبيا إلى الجزائر.. حيث حذرت السلطات الرسمية من خطورتهم وحتى المغرب الأقصى مرورا بدول عدة.

حلقة الاثنين (2018/9/3) من برنامج "للقصة بقية" حاولت الإجابة على هذه التساؤلات، فمن هؤلاء؟ ومن يقف وراءهم بالتمويل والدعم؟ ولأي هدف؟ ما أصولهم الفكرية والدينية؟ وما طبيعة علاقاتهم بباقي التيارات الإسلامية والسلفية؟

المداخلة والسلفية
استضافت الحلقة للحديث عن هذا الموضوع كلا من الدكتور عادل رفوش المشرف العام على مؤسسة "ابن تاشفين" للدراسات والأبحاث في المغرب، والناشط السعودي سلطان العبدلي.

يقول رفوش إن منهج هؤلاء لا يمكن أن يمثل أو أن ينسب للمدرسة السلفية بحال، ولا سيما فيما يتعلق بالولاء والبراء والطاعة "العمياء البلهاء" وكذلك ما يتعلق بحامل اللواء.

ويضيف أنه لا يمكن أن ننسب هؤلاء أيضا للمذاهب الإسلامية المعروفة، غير أنهم يأخذون من السنة النبوية الشريفة وكتب التراث ومواقف السلف ما يبرر الفقه الخاص بهم وما يناسبهم لترويج أفكارهم.

تنظيم مخابراتي
أما العبدلي فقال إن هؤلاء لديهم قدرة كبيرة على التكفير والتفسيق، فمن كان لديه الجرأة على ذلك فلا محالة سوف ينسحب ذلك على سفك الدماء، وبالتالي إذا كفر أحدا أو فسقه، فهو يرى أن دمه حلال، مؤكدا أن هذا التنظيم ليس تنظيما دينيا وإنما تنظيم سياسي مخابراتي، ولكن بلحية وثوب قصير.

وأكد أن هؤلاء ليس لهم رصيد اجتماعي أو وجود سياسي أو إنجازات اقتصادية، يركزون على شرك القبور فيما ينظّرون لشرك القصور، حسب قوله.

من هم؟
وتنتسب الجامية المدخلية إلى شيخين؛ هما ربيع بن هادي المدخلي (ولد بالسعودية عام 1932)، ومحمد أمان الجامي (1931-1996) الإثيوبي الأصل.

نشأت الحركة المدخلية إبان حرب الخليج الثانية بداية التسعينيات، وكانت في صميمها ردة فعل على رفض مكونات التيار الإسلامي فكرة الاستعانة بالولايات المتحدة لإخراج القوات العراقية من الكويت، انطلاقا من فتاوى ترفض "الاستعانة بغير المسلم لقتال المسلم". وهي الولادة التي عبر عنها ربيع المدخلي بكتابه "صد عدوان الملحدين وحكم الاستعانة بغير المسلمين".

انتشرت الحركة في كل ربوع السعودية بدعم من الأسرة الحاكمة التي رأت فيها معادلا موضوعيا للتيار الإسلامي المتنامي، الذي يرفض اجتناب الخوض في السياسة، التي ترغب السلطات السعودية أن تظل بعيدا عن التداول في الساحات العامة بالجامعات والمساجد.

وقد وجدت السلطات السعودية في التيار الجامي ضالتها، فأصبح يقارع كل طروحات التيارات الإسلامية، الخاصة بالشأن السياسي، بمنطق يتخذ من النصوص الشرعية منطلقا له.