جسّدت ساحات اليمن لأول مرة في تاريخه الحديث ثنائية الحرية والعدالة، لا فرق بين كبير وصغير ورجل وامرأة. فالهتاف للحرية والعدالة كان بعيدا عن ثقافة سلاح يعج بها المجتمع اليمني.

لكن سلاح اليمنيين في مظاهراتهم هذه المرة كان مختلفا، ذخيرته المساواة والحرية والعدالة، سعيا إلى رسم صورة بانورامية لثورة يمنية بدأت فسيلة من ساحات الحرية في تعز وصنعاء وغيرهما، لتكبر وتكبر حتى غدت غابة يستظل بظلها كل التوّاقين للحرية.

وشكّل فرض الحوثي نفسه لاعبا سياسيا وعسكريا، تناقضا مع الثورة السلمية ذاتها، لتأتي المبادرة الخليجية فتساوي بين الضحية والجلاد، وتزرع الألغام في طريق الثورة لتنفجر أو تُفجر متى شاء زارعوها وتُعيد بذلك إنتاج النظام البائد مع المتغير الحوثي، فيقولون جميعا ضمنيا للثورة السلمية وناشطيها "كش ملك".. لكن الثورة لا تزال حاضرة.. قد تمرض لكنها لا تموت.

حلقة الاثنين (2018/2/19) من برنامج "للقصة بقية" عرضت الفيلم الوثائقي "الثورة اليمنية" وناقشته مع كل من الكاتب والباحث اليمني عضو مؤتمر الحوار الوطني عصام القيسي، والخبير في الشأن الخليجي الدكتور عبد الله الغيلاني.

تشويه الثورة
يقول القيسي إن النظام اليمني عقب اندلاع الثورة كان لا بد أن يتصرف ويدفع بها إلى المربع الذي يجيده، وهو مربع الحرب والعسكرة والسلاح، لأن الثورة السلمية كانت ثقيلة على النظام وكان يدرك أنها ستطيح به عاجلا أو آجلا، لذلك أراد تشويهها بالسلاح الذي سيكشف عن قوى كان النظام يقول إنها مليشياوية تابعة لأجنحة موجودة في المعارضة.

وأضاف أن شباب الثورة لم يشتركوا في هذه المعركة، بل كانت المعركة بين فصائل معينة مساندة للثورة الشبابية، بينما اختار الشباب الطريق السلمي للوصول إلى أهدافهم.

وتابع القيسي أنه عندما وجد شباب الثورة أن الأبواب قد أوصدت من قبل النظام والإقليم، كان لابد من أن يمضوا إلى غاياتهم وأهدافهم عبر مستويات أخرى من النضال، حتى لو اقتضى الأمر النضال المسلح لحماية مكتسباتهم.

دور خليجي
بدوره، اعتبر الغيلاني أن الثورة اليمنية جزء من المشهد الثوري العربي، وبالتالي ينبغي أن ينظر إليها عبر هذه الزاوية فهي ليست حدثا تاريخيا معزولا.

وأوضح أن هناك عوامل بعضها داخلي وبعضها خارجي، أثرت في الثورة اليمنية ومسارها، ففي الداخل كانت هناك القوى السياسية الكبرى، والأحزاب كالتجمع اليمني للإصلاح والحزب الاشتراكي والناصريين، مثلت عاملا أدى إلى تراجع وإخفاق هذه الثورة.

واعتبر الغيلاني أن هذه القوى لم تكن تملك صبرا إستراتيجيا، ولم يكن يتوفر لديها فهم لكيفية اشتغال الثورات، مشيرا أيضا إلى أن المسؤولية الكبرى فيما وصلت إليه الثورة اليمنية تقع على الفاعل الخليجي الذي كان حاضرا في الثورة اليمنية منذ اليوم الأول.

وتابع أن هناك فلسفة سياسية حاكمة هي التي تقود المقاربات الخليجية إزاء اليمن، تقوم على أن اليمن مصدر تهديد وعبء إستراتيجي، وبالتالي لابد من اختراق النظام السياسي والقبلي وهذا ما حدث، بهدف الإبقاء على اليمن عاثرا سياسيا وممزقا اقتصاديا ومتراجعا اجتماعيا.

ويرى الغيلاني أن الالتفاف الخليجي على الثورة اليمنية جرى عبر مراحل متعددة، أولها كان الدفع بنظام علي عبد الله صالح للتصدي للثورة بالقوة واستخدام العنف لوأد الثورة، وقد أخفقت هذه المرحلة  فجرى الانتقال إلى مرحلة أخرى وهي محاولة إعادة إنتاج النظام عبر المبادرة الخليجية.