شهدت المملكة العربية السعودية خلال الفترة الأخيرة تغييرات ملحوظة، من اعتقالات للنخب بجميع شرائحها، وقابليه الانفتاح على قضايا كانت تعد من المحرمات منذ نشأة الدولة؛ مثل السماح بقيادة المرأة للسيارة، إلى افتتاح دور السينما وتدشين الحفلات الغنائية، وصاحب ذلك توتير العلاقات مع الجيران. 

وتصدّعت مشروعية حكم قام عليها لعقود، ليبحث عن شرعية جديدة، يراها البعض سراباً في ظل التركيز على الحرية الاجتماعية كبديل عن الحرية السياسية.

فهل سيكتفي أنصار الشرعية الجديدة بالحرية الاجتماعية؟ أم سيطالبون بالتمدد إلى السياسية، ما دامت قيم الحرية لا تتجزأ؟ وهل سيصمت في المقابل أصحاب الشرعية القديمة وهم يرَون انهيار مشروعهم؟

وما بين الشرعيتين وأهلها ثمة فريقان تجاه تغيير المجتمع، اختصرهما قبل سنوات الشاعر والدبلوماسي السعودي غازي القصيبي بقوله "إن القادرين على فهم هذا المجتمع عاجزون عنن  تطويره، وإن القادرين على تطويره عاجزون عن فهمه".

حلقة الاثنين (2018/2/12) من برنامج "للقصة بقية" عرضت الفيلم الوثائقي "رياح التغيير"، وناقشته مع كل من أستاذ النزاعات الدولية في معهد الدوحة للدراسات العليا إبراهيم فريحات، والكاتب الصحفي السعودي جمال خاشقجي.

ثورة
يقول فريحات ما يحدث من إصلاحات هو ثورة على الكثير من المفاهيم والأسس التي قامت عليها المملكة سواء على الصعيد السياسي أو الديني أو الاجتماعي مما يذكرنا بسياسات ما قبل انهيار الاتحاد السوفياتي، عبر الانقلاب على الكثير من المفاهيم في العديد من المجالات.

ويرى فريحات أنه لا يجب التقليل من أهمية ما يحدث في المملكة، فهي بحاجة لمثل هذا الإصلاح والتغييرات، لأنها مرت بحالة ركود لفترة طويلة جدا، لكن يبقى السؤال كيف تتم هذه الإصلاحات وضمن أي إطار؟ ومن هم أطراف هذا الإصلاح؟

وأضاف أنه يجب أن يتم هذا الإصلاح ضمن عقد اجتماعي يتم تحديد أطرافه، وهي السلطة والمجتمع، فعندما تكون هذه التغيرات ضمن عقد اجتماعي وشراكة بين الدولة والمجتمع فإنه يكون صحيا ومهما جدا للتغيير، ولكن بحسب التقييمات فإن التغييرات الحالية في السعودية لا تتم وفق عقد اجتماعي يحكمها.

أما عن العامل الخارجي في هذه التغييرات فيرى فريحات أنه موجود وحاضر بقوة، وجزء كبير من الإصلاحات التي تنفذ موجه نحو المجتمع الدولي؛ فالسعودية تعاني من صورتها في المجتمع الدولي، وبالتالي ليس هناك خطأ في هذا التوجه، لكن المشكلة أن هذا يأتي على حساب العقد الاجتماعي والشراكة بين السلطة والمجتمع.

ويضيف أن طريقة الإصلاحات أيضا تثير إشكالية غياب المنهج، ولكن ما حدث في الحملة على الفساد -على سبيل المثال- تم خارج الإطار القانوني، وكان عبارة عن تسويات بلا نهج مؤسساتي.

ثلاث مؤسسات
من جهته، اعتبر الكاتب والصحفي السعودي جمال خاشقجي أنه كان من الضروري أن تحدث هذه التغيرات، فما سبق لم يكن صحيحا، وبغض النظر عن نوايا ولي العهد فإنه يُحدث تحولا هائلا في السعودية، ورغم أنه قد لا يرى في المنظور القريب، فإنه سوف يؤثر على المملكة.

وأوضح أن ثلاث مؤسسات كبرى في السعودية حاليا يجري تعديلها، وكان من الضروري تعديلها، أولها المؤسسة الدينية التي لم تكن مساعدة في التنمية، وكانت عقبة في وجه التغيير.

ويتابع أن المؤسسة الثانية، هي الأسرة المالكة، فكان من الضروري إجراء تعديلات فيها، حيث توسعت بشكل كبير جدا وتقاسمت السلطة وشكلت مراكز قوى أربكت اتخاذ القرار في المملكة، كما أنه كان من الطبيعي انتقال السلطة إلى جيل آخر بعد جيل أبناء الملك المؤسس.

المؤسسة الثالثة والمهمة هي مؤسسة الفساد، التي أصبحت قاعدة للعمل والحياة والنشاط التجاري في المملكة، مشاركة بين الأمراء والتجار، وكان أيضا من الضروري أن ينهيها أحدهم، فبغض النظر عن النوايا، فإن ولي العهد السعودي بدأ في فعل الشيء الصحيح.