سنتان كانتا كافيتين لتنتصر إرادة الشعب الليبي على نظام استبدادي جثم على صدره أكثر من أربعة عقود.. لكن أربع سنوات لم تُفلح في هزيمة ثورة مضادة أرادت إعادة عقارب ساعة الشعب إلى الوراء.

بين عامي 2011 و2013 مياه كثيرة جرت، سقط أول نظام استبدادي عربي شرس.. لكن موجة الثورة المضادة العنيفة في مصر بإزاحة رئيس منتخب وعودة العسكر إلى السلطة، شكلت رافعة قوية لرموزز الثورة المضادة المحليين والإقليميين.. فانقلبت على الشرعية الثورية الشعبية.. ورفعت شعار مكافحةة الإرهاب.. لكنه ما كان إلا إرهاب ثورة الشعب.

عجز الليبيون خلال هاتين السنتين القليلتين عن معالجة أربعة عقود من الاستبداد والتسلط، فاستغلت رموز الثورة المضادة تفرق الثوار وتشتتهم، فأعادت صفوفها المنظمة أصلا منذ أيام الاستبداد ساعية إلى فرض إرادتها، مستقوية بقوى محلية عربية.. لكن الحرب سجال.. ولا يزال الشعب يصر على إكمال ثورة يراها لم تنته بعد.. فالمارد خرج من قمقمه.

حلقة الاثنين (2018/1/15) من برنامج "للقصة بقية" عرضت الفيلم الوثائقي "ليبيا.. الانقلاب على الشرعية" وناقشته مع ضيوفها صلاح البكوش مستشار وفد المؤتمر الوطني العام في الصخيرات، ونزار كريكش مدير مركز بيان للدراسات.

خريطة الصراع
عن خريطة المتصارعين على الكعكة الليبية يقول البكوش إن الصراع الأساسي يدور بين جناحين؛ أولهما يريد تغييرا جذريا في الدولة الليبية ومؤسساتها، وتحويلها إلى دولة ديمقراطية، والجناح الثاني اختلطت فيه الأوراق لكنه يريد دولة تستمر مؤسساتها في التصدع ويعمها الفساد وتسيطر عليها قوى لا تريد الديمقراطية وإنما حكم الفرد الواحد.

ويضيف أن الوقت الحالي يشهد اصطفافات، فهناك مجلس النواب ومعه الجنرال المتقاعد خليفة حفتر ودول إقليمية مثل الإمارات ومصر وفرنسا، وهناك معسكر آخر كان يمثله سابقا المؤتمر الوطني العام، والآن يمثله المجلس الأعلى للدولة وكتائب الثوار وبعض المدنيين الذين لا يزالون متمسكين بمبادئ الثورة.

وأوضح البكوش أن حفتر لا يمثل بداية الثورة المضادة في ليبيا، بل كان عبارة عن الفصل الثالث من هذه الثورة المضادة، التي بدأت بتشكيل المجلس الوطني الانتقالي الذي ترأسه وزير العدل في عهد القذافي وترأس المكتب التنفيذي وزير التخطيط في عهد القذافي، فيما عزل الثوار تماما.

احتراب داخلي
من جانبه، اعتبر نزار كريكش أن ليبيا في مسيرتها تمثل نموذجا للاحتراب الداخلي، وقال إن مشروع الإعلان الدستوري كان ظاهرة فريدة في الثورة الليبية، لأنها الثورة الوحيدة التي كان لها خريطة طريق مفصلة عرضت على كل الدول المهتمة والمعنية بليبيا، وكانت هناك مباركة لهذه الخريطة.

وتابع أن الانقسام السياسي حول هذا المشروع تبعه انقسام عسكري ثم انقسام إداري استنزف موارد الدولة وجعل هناك ثنائيات لكل من البرلمان والحكومة والجيش، مما أنهك الدولة الليبية واقتصادها ومؤسساتها، فأصبح المشهد عبارة عن ثنائيات مرهقة للجميع.

ولفت كريكش إلى أن حفتر استطاع إقامة تحالفات مع بعض القبائل في المنطقة الشرقية، مما وفر له بيئة ليست فيها مؤسسات دولة بالقوة التي يمكن أن تقاوم، ولا سيما أنه جرب الانقلاب في المنطقة الغربية ووجده صعبا لوجود هذه المؤسسات حتى وإن كانت في بدايتها.

وتابع أن حفتر وصل إلى بعض القوى الفاعلة في بنغازي ونشر سردية مكافحة الإرهاب التي كان المجتمع بالفعل مهيأ لقبولها بفعل الإعلام، مما وفر له تواجدا مع رجال الأعمال، وبالتالي استمرارر الحصول على بعض الأموال من دول الإقليم خاصة الإمارات.