ما الذي يدفع الأم إلى التخلي عن فلذة كبدها وتسليمه لقمة سائغة لمافيا الاتجار بالبشر؟ المحظوظ منهم مصيره التبني، والأقل حظا تنهشه مافيا تجارة الجنس.

يحدث هذا في العراق، حيث الفاقة تدفع عائلات لبيع أطفالها بعد أن تخلى عنهم المعيل.. مافيا، وعبر شبكات جريمة منظمة تتواصل مع زبائنها وتزور شهادات الميلاد، تسلم وتستلم.. صفقات تتم في شوارع بغداد رصدتها وتعقبتها كاميرا الجزيرة.

حلقة الاثنين (2017/8/14) من برنامج "للقصة بقية" عرضت الفيلم الوثائقي القصير "يحدث في العراق" وتساءلت: ما الذي أوصل الأمور إلى هذا الحد؟ وما مسؤولية المجتمع المدني ومؤسسات التعليم؟ وما السبل الكفيلة لمواجهة هذه الظاهرة؟

غياب الدولة
بشأن هذا الموضوع يقول الكاتب العراقي لقاء مكي إن الفقر والحاجة قد يدفعان لذلك، لكن دوما كان في العراق فقراء ولم يكن الناس يبيعون أبناءهم بهذا الشكل، معتبرا أن المشكلة ليست في أم أو أب يفرط في أبنائه، وإنما في وجود سوق لهذه التجارة وتجار يعملون فيه بحرية.

وأضاف أن المسألة تتعلق بمعيار وسبب مباشر لهذا، وهو غياب أو ضياع الدولة، فالعراق يمر بحالة سيولة كبيرة للدولة، مؤكدا أن الدولة التي لا تستطيع الحفاظ على حدودها وأبنائها هي دولة فاشلة.

ولفت في هذا الصدد إلى أن السلطة والحكومات المتعاقبة للعراق بعد الغزو الأميركي كان يمكنها أن تعيد بناء العراق كاملا، لكنها لم تفعل.

وإضافة إلى البعد السياسي، أشار مكي إلى أن هناك نظما اجتماعية جديدة تتكون في عموم المنطقة والعالم، وقال إنه منذ تسعينيات القرن الماضي تغيرت قيم كثيرة، وأصيب بعضها بانحدار شديد تزامنا مع تراخي الدولة.

وأوضح أن تركيز الدولة العراقية على محاربة الإرهاب جعلها تتغاضى عن أمور أخرى لا تقل أهمية، كالجريمة المنظمة التي تشمل بيع الأطفال وتجارة المخدرات وغيرها.

وردا على سؤال بشأن دور مؤسسات المجتمع المدني في مواجهة هذه الظاهرة، قال مكي إن المجتمع العراقي أثبت أنه أقوى من الدولة التي انهارت بعد الاحتلال الأميركي، في حين نجح المجتمع في التماسك.

وأضاف أن المجتمع المدني في العراق جيد نسبيا، لكن المشكلة أن منظماته أصبحت كثيرة جدا، ومن الصعب فرز الغث من الثمين.

تغير المجتمع
من جهته، يرى مدير المركز العراقي للتنمية الإعلامية عدنان السراج أن الواقع في العراق ما بعد الحروب والمواجهات أفرز تغييرا في طبيعة المجتمع والعلاقات المجتمعية، وولد نوعا من التخلف والفقر وعدم التجانس المجتمعي، خاصة بعد الغزو الأميركي وتغيير طبيعة الحكم.

وأضاف السراج أن هذا الوضع أسفر بدوره عن انتشار السلاح وغياب هيبة القانون، لكنه أكد أن بيع الأطفال لا يمثل ظاهرة في العراق، بل حوادث متفرقة.

وشدد على أن المجتمع العراقي لا يزال متماسكا وقويا وقادرا على حماية أولاده، مشيرا إلى أن هذه الحالات تنشط في المناطق العشوائية والفقيرة.

وأشار السراج إلى أن المسألة تتعلق بأمور عديدة، أبرزها التفاوت الطبقي والفقر اللذان أفرزا الصراع على المال ودفعا الكثير من هذه العصابات لأن تسلك هذا الطريق، غير أنه أكد أن هناك تراجعا في الجريمة بنسبة 80%.