تجمعات سكانية متكاملة أخذت تتمدد تحت الأرض السورية للابتعاد عن لهيب الحرب التي أشعلها النظام ضد الثائرين عليه، الذين يحاولون حماية وجودهم عبر ابتكار أنماط حياتية جديدة ولو كانت بعيدا عن أشعة الشمس، بانتظار شمس الحرية.

هؤلاء الصامدون نيابة عن الجميع رفضوا اقتلاعهم من أرضهم ورفضوا التهجير القسري، فحتى لو لم ينالوا من شمسها وهوائها الذي لوث بالكيميائي والقنابل والقصف، لهم جذورهم التي تشبثوا بها.

هرب السوريون من فوق الأرض إلى تحتها.. لكنْ لاحقتهم القنابل الفراغية والأسلحة الكيميائية والفوسفورية.. شارع واحد يَقسم العاصمة دمشق إلى اثنتين، الأولى الحياةُ فوقَها، وأما الثانية فالحياةُ تحتها.

مؤسسات الدولة الصحية والتعليمية والخدماتية دُمّرت بشكل شبه كامل في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة، إما بقصف النظام السوري أو بطيران حلفائه ومليشياته الأجنبية.

من دمشق إلى إدلب وما بينهما.. الجزيرة استطلعت من خلال الوثائقي "سوريا.. سلام تحت الأرض" نمط الحياة الذي اضطُرَّ الأهالي لاعتماده بهدف الاحتماء في ملاجئ تحت الأرض، فكانت حياة مختلفة.. مشافٍ ومدارس ومساجدُ ومدن مَلاهٍ.. كيف يعيش أصحابها؟ وما هي معاناتهم؟

وعقب عرض الفيلم، ناقش البرنامج بقية القصة مع المدير الطبّي في مؤسسة "عطاء" الخيرية الطبيب مأمون سيد عيسى، والطبيب مأمون مبيض استشاري الطب النفسي ورئيس الجمعية السورية للصحة النفسية.

استهداف ممنهج
في البداية تحدث مأمون عيسى عن الدمار والخراب الذي أحدثه القصف بالمؤسسات الطبية والتعليمية، مؤكدا أن هناك استهدافا ممنهجا للمنشآت الحيوية، ومشيرا إلى تقرير للمرصد السوري لحقوق الإنسان أحصى 286 استهدافا لمنشأة طبية خلال العام 2016.

ويضيف عيسى أن الأمين العام السابق للأمم المتحدة بان كي مون قال إنه في عامي 2014 و2015 كان هناك استهداف لـ600 منشأة طبية، معتبرا أن الاستهداف الممنهج جزء ثابت في سياسة النظام السوري.

وعن الملاجئ التي يعيش فيها السوريون تحت الأرض، قال عيسى إن هناك ثلاثة أنواع من الملاجئ، أولها الموجودة في المدن، وهي عبارة عن قبو كان موجودا في الماضي وأعادوا ترميمه واستعماله.

وهناك أيضا ملاجئ في الريف، حيث يقوم أصحاب المنزل بحفر غرفة في ساحته ويلجؤون إليها عند القصف. والنوع الأخير هو تلك الكهوف التي يتم حفرها تحت الأرض في الجبال وغيرها.

ويرى عيسى أن المشافي التي تم تجهيزها تحت الأرض لم تعط الأمان ولا تحمي من الأمراض، لا سيما أنه يمكن أن تستهدف بقنبلة ارتجاجية أو بالصواريخ الحديثة، فضلا عن أنه لا تصلها أشعة الشمس وتعاني من الرطوبة التي تؤدي إلى العديد من الأمراض.

تأثيرات نفسية
من الناحية النفسية، يؤكد استشاري الطب النفسي ورئيس الجمعية السورية للصحة النفسية مأمون مبيض أن الحياة تحت الأرض ليست حياة طبيعية، "لكن الحاجة أم الاختراع".

وأبدى مبيض إعجابه بعزيمة وإرادة هؤلاء السوريين الذين يتمسكون بأرضهم، وقال إن طبيعة الأبنية وألوان غرف الأطفال تؤكد أنهم يحاولون قدر الإمكان، مؤكدا أن الصورة المأساوية هذه يجب أن تحرك من لم تحركه السنوات الماضية من الأزمة السورية.

وعن التأثيرات النفسية على الأطفال، تساءل: كيف لهم أن ينسوا أنهم يعيشون في الحرب؟.. هذه الجدران تحفر ذكرياتها في مخيلة الطفل، فالطفل الذي يذهب إلى المدرسة يتساءل: من أنا؟ ولماذا أنا مضطر للحياة تحت الأرض؟

وذكر مبيض أن من حقوق الطفل إنسانيا وعالميا الغذاء والصحة والتعليم، في حين أن النظام السوري وحلفاؤه يحرمون أطفال سوريا من الغذاء ويستهدفون المدارس والمشافي.

ولفت إلى أنه لا يمكن فصل الحياة تحت الأرض عما يحدث فوقها من حياة شبه مستحيلة، فالوضع الصحي فوق الأرض أيضا يعوزه الكثير، والمستشفيات تحت الأرض قد تكون غير صحية وغير آمنة لكنها يمكن أن تنقذ مريضا من الموت.