دفع الليبيون من دمائهم كلفة بقاء القذافي وكلفة رحيله، لكن فرحتهم بهزيمة نظام الفوضى والاستبداد لم تدم طويلا، فعاد رجاله من شباك الثورة المضادة، بعد أن خرجوا من باب ثورة فبراير/شباط 2011.

حلقة (2017/3/13) من برنامج "للقصة بقية" سلطت الضوء على الصراع المتواصل في ليبيا منذ ست سنوات بين كتائب الثورة وقوات الثورة المضادة.

لعقود تجسدت الدولة في شخصية القذافي، فحال ذلك دون ظهور مؤسسات دولة حقيقية، وحين رحل رحلت مؤسسات الدولة المتمثلة في شخصه، مما ولّد فراغا شجعته على ما يبدو قوى إقليمية ودولية لتسهيل تدخلاتها وفرض أجنداتها على المشهد الليبي.

وبعد عدة أشهر من الرخاء الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي بعد سقوط رأس النظام، دخلت الدولة العميقة في حلف مع الثورة المضادة لإسقاط التجربة الوليدة، فظهر الانقسام جغرافياً؛ فالغرب الليبي متهم غربياً بأنه معقل للإسلاميين، والشرق استولى عليه اللواء المتقاعد خليفة حفتر.

أزمة معقدة
الكاتب والصحفي الليبي السنوسي بسيكري قال إنه "لا يمكن الفصل بين ما يجري اليوم في ليبيا وما حدث خلال أربعين عاما من حكم معمر القذافي؛ فالناس -لا سيما صناع القرار اليوم- تأثرت بشكل كبير بإفرازات العهد السابق، بداية بانهيار التعليم والثقافة، وكذلك طريقة إدارة الدولة القائمة على التمرد والزحف والتغيير الجذري وتشويه المخالفين".

وأضاف أن المساحة التي أعطيت لقوى دولية وإقليمية للتدخل والتأثير في الساحة الليبية لم تكن لتحدث لولا سماح أطراف ليبية بذلك نتيجة الانقسامات والصراعات المتعددة؛ فهناك صراعات قبلية وجهوية، وهناك صراع داخل معسكر الثورة بين الليبراليين والإسلاميين، بالإضافة إلى الانقسام بين معسكر الثورة ومعسكر الثورة المضادة.

وأشار بسيكري إلى أن حفتر استطاع أن يجمع أنصار النظام السابق ومقاتلين قبليين وبعض أصحاب السوابق ومقاتلين أجانب، إلى جانب عدد قليل من العسكريين، وأن يسوق لهذا الخليط على أنه الجيش الوطني الذي يواجه المليشيات المسلحة والإرهابية، رغم أنه لم يقاتل سوى كتائب الثورة.

صراع الثورة
من جانبه، أكد عضو المجلس الأعلى للدولة نزار كعوان أن ما حدث في ليبيا ليس جديدا، لأنه عبر التاريخ لكل ثورة ثورة مضادة، مشيرا إلى أن الثورة عندما انطلقت في البداية كان لها هدف واضح وهو إسقاط نظام الاستبداد، وعندما سقط النظام لم يكن هناك مشروع سياسي واضح.

وأضاف أن التدخلات الإقليمية والانقسامات السياسية والقبلية وانتشار السلاح أسهمت في استمرار الصراع المسلح بين الثورة والثورة المضادة، كما أسهمت في ظهور تنظيم الدولة الذي استطاع أن يستفيد من حالة الانفلات الأمني.

لكن كعوان شدد على أن الشعب الليبي ما زال متمسكا بالثورة رغم كل التحديات والمشاكل، وأن الحل يكمن في التوافق بين جميع الفرقاء الليبيين من أجل بناء دولة حديثة متقدمة.