في الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني 2017 وصل رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري إلى السعودية في زيارة هي الثانية له إليها خلال أيام، التقى ولي العهد محمد بن سلمان، في ظل تصعيد كلامي من المملكة ضد إيران وحزب الله، وبعد يوم واحد أعلن الحريري استقالته من رئاسة الحكومة، وذلك في خطاب متلفز من العاصمة الرياض بثته وسائل إعلام سعودية، وبرر ذلك بخشيته من تعرضه للاغتيال.

وخلال 19 يوما، مرت أزمة استقالة الحريري من العاصمة السعودية بتطورات متسارعة خلال نحو أسبوعين قضاهما بالرياض في ظروف غامضة، تفاوت وصفها من قِبل جهات رسمية وسياسية لبنانية بين الاختطاف والاحتجاز والاعتقال، بينما ظل هو نفسه يؤكد أنه حر وسيعود في أقرب وقت، وهو ذاته الموقف الذي عبرت عنه السلطات السعودية أكثر من مرة.

وتردد خلال تلك الفترة حديث واسع عن وجود الحريري في إقامة جبرية، وقال الرئيس اللبناني ميشال عون يوم 11 نوفمبر/تشرين الثاني 2017 إن رئيس الوزراء تعرض "للخطف"، وطالب السعودية بتوضيحات عن وضعه الذي يكتنفه الغموض، وانضمت واشنطن إلى المطالبين بعودته إلى بلاده.

وفي 18 من الشهر نفسه غادر الحريري الرياض متوجها إلى فرنسا بعد تدخل منها لدى السلطات السعودية.

وبعدها بأربعة أيام وصل إلى لبنان وأعلن بعد لقاء له مع الرئيس عون عن التراجع عن استقالته بعد طلب من الرئيس، وجدد دعوته إلى النأي بالنفس عن كل ما يمس الأشقاء العرب، حسب قوله.

حلقة (2017/12/25) من برنامج "للقصة بقية" سلطت الضوء على أسباب استقالة الحريري والتراجع عنها، وتفاصيل الدور الفرنسي في إنهاء الأزمة.

أسباب الأزمة
الكاتب الصحفي يوسف دياب أكد أن التسوية التي أقرت في لبنان وأتت بالعماد ميشال عون رئيسا للجمهورية وبسعد الحريري رئيسا للحكومة، بنيت على توازنات دقيقة تراعي خصوصية الساحة السياسية اللبنانية، لكن عند تطبيق هذه التسوية ظهر خلل كبير وباتت التسوية تميل بشكل كبير إلى صالح حزب الله وحلفائه، وقدم الحريري الكثير من التنازلات لصالح الحزب من أبرزها تعيين سفير لبناني في دمشق، وهذه التنازلات أثارت حفيظة الكثير من اللبنانيين قبل أن تثير حفيظة السعودية.

ومضى قائلا "لا أملك معلومات عما حصل، ولكن أعتقد أن الحريري عندما ذهب إلى الرياض وضعه السعوديون بين خيارين إما أن يصبح حليفا لحزب الله وإيران، أو أن يظل حليفا لهم وبالتالي عليه أن يقدم استقالته من رئاسة الحكومة، وهذا ما حدث".

وشدد دياب على أن الحريري عاد عن الاستقالة بتسوية جديدة تعهد فيها حزب الله بأن يلتزم قولا وفعلا بمسألة النأي بالنفس عن قضايا المنطقة، وأن يكف عن مهاجمة الدول العربية في خطاباته، لافتا إلى أن الأزمة شكلت رافعة شعبية كان يفتقدها الحريري خلال تسوية تشكيل الحكومة.

في المقابل قال المحلل السياسي وسيم بزي إن "المعطيات التي جعلت الرئيس عون وحسن نصر الله وكل المعنيين -بمن فيهم عائلة الحريري والوزير نهاد المشنوق- تؤكد أن الحريري كان مختطفا وأجبر على تقديم الاستقالة في فندق الريتز كارلتون بالرياض، وثبتت صحتها عندما عاد الحريري عن الاستقالة فور عودته إلى بيروت".

وبحسب بزي فإن لبنان يملك منذ استقلاله طبيعة ديمغرافية طائفية تجعله في مهب الرياح الإقليمية العاتية، والكلام عن الحياد والنأي بالنفس تبقى مجرد مخطوطات تكتب على الورق، وتبقى الوقائع المحيطة بلبنان أقوى من أي كلام، معتبرا أن تأكيد تحالف 8 آذار على الالتزام بسياسة النأي بالنفس كان محاولة لاحتواء الحريري بعد عودته من الرياض.

وأشار إلى أن هذه الأزمة أظهرت أن الاستقرار اللبناني حاجة إقليمية ودولية، وأن محاولة العبث السعودي بهذا الاستقرار كانت ضمن منظومة التهور التي يتمتع بها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان.