في الخامس من يونيو/حزيران 2017 قطعت السعودية والإمارات والبحرين ومصر ودول أخرى علاقاتها الدبلوماسية مع قطر، وفرضت حصارا عليها بإغلاق كافة المنافذ الجوية والبرية والبحرية معها، وعززتها بحرب اقتصادية على العملة القطرية، كما كشفت مراسلات سفير الإمارات في واشنطن يوسف العتيبة، بحسب تسريبات "ويكيليكس" .

واستطاعت قطر أن تتجاوز تداعيات الحصار الذي فرضه عليها جيرانها نتيجة الإجراءات السريعة التي اتخذتها الدولة من جهة، ودينامية القطاع الخاص المحلي الذي أظهر قدرة كبيرة على التعاطي مع حجم التحديات الكبرى من جهة أخرى، وفق ما يذكره مراقبون.

فلم تمض أسابيع قليلة حتى أطلقت قطر سلسلة خطوات ومبادرات لإبطال مفعول الحصار وضمان تزود البلاد بكل احتياجاتها، سواء الاستهلاكية أو المتعلقة باستكمال المشاريع الكبرى، وفي مقدمتها مشاريع مونديال 2022.

وكان لميناء حمد الذي دشن في يوليو/تموز الماضي دور كبير في مواجهة هذا الحصار، إذ لم تعد بعده الدوحة بحاجة إلى موانئ وسيطة لتأمين احتياجاتها، بعد ربط ميناء حمد بموانئ إقليمية وعالمية، أما الخطوط القطرية فلا تزال تتبوأ المرتبة الأولى عالميا ومطار الدوحة المرتبة السادسة.

ولم تقف الدوحة عند هذا الحد، بل رفعت وتيرة الشراكات مع العديد من البلدان -في مقدمتها سلطنة عمان والكويت وتركيا وإيران وبلدان آسيوية أخرى- باعتبارها سلاحا في معركتها التجارية مع دول الحصار، ووصل حجم الاحتياطي النقدي القطري إلى 340 مليار دولار أميركي، كما بلغ حجم الاستثمارات في قطر أكثر من مئتي مليار دولار.

حلقة (2017/12/18) من برنامج "للقصة بقية" سلطت الضوء على طريقة تعامل قطر مع أزمة الحصار منذ بدايته، وكيف حولت المحنة إلى منحة عبر مبادرات صناعية وتجارية ومشاريع أمن غذائية ومالية.

استعداد مسبق
الإعلامي القطري عبد العزيز آل إسحاق أكد أن الهدف الرئيسي للحصار كان ضرب الاقتصاد القطري، رغم كل ما يروج من شعارات سياسية وإعلامية وغيرها، لكن الاستعداد المسبق للحكومة التي كانت تتوقع أن يحدث الحصار منذ أزمة سحب السفراء عام 2014، أسهم بشكل كبير في إنقاذ الاقتصاد القطري ومنع انهياره.

وبحسب آل إسحاق، فقد أسهمت علاقات قطر المتميزة خارج منظومة مجلس التعاون الخليجي في إجهاض الحصار، لا سيما العلاقة مع تركيا، التي أسهمت بشكل كبير في توفير السلع الغذائية خلال 36 ساعة فقط من بداية الحصار، كما قامت دول عربية كالجزائر والمغرب وتونس بدور مميز، حيث سارعت في إرسال مواد غذائية وبضائع دون حتى طلب من قطر.

وشدد على أن دول الحصار كانت ترغب بشكل كبير في دفع قطر للارتماء في أحضان إيران، وهذا لم يحدث؛ مما شكل صدمة لدول الحصار، لافتا إلى أن الحكومة القطرية انفتحت على أسواق عدة كالصين وماليزيا وإندونيسيا لشراء بضائع بديلة، كما قامت بجهود كبيرة لدعم المنتجات الوطنية والاتجاه نحو الاكتفاء الذاتي في كثير من السلع.

بدوره، قال أستاذ الاقتصاد السياسي والعلاقات الدولية يونس بلفلاح إن "تدمير الاقتصاد القطري كان هو الهدف الحقيقي للحصار، وما يقال عن معارك دبلوماسية وإعلامية هو مجرد غطاء لحرب اقتصادية، أرادت دول الحصار أن تشنها على قطر بهدف سحب الاستثمارات الأجنبية وخفض مستوى المعيشة وإضعاف القطاع البنكي والمصرفي".

ولفت إلى أن تسريبات السفير الإماراتي في واشنطن يوسف العتيبة كشفت عن محاولات دول الحصار لوقف الاستثمارات الأميركية في قطر، بالإضافة إلى محاولة التضييق على قطر في موضوع استضافة كأس العالم عام 2022.

وحول طريقة التعاطي القطري مع الملف الاقتصادي، أوضح بلفلاح أن أداء الاقتصاد القطري بعد الحصار تميز بأنه كان فاعلا غير منفعل، وسريعا وغير متسرع، وإستراتيجيا وليس تكتيكيا، ويمكن القول إن الحكومة القطرية اعتمدت إستراتيجية تحويل الأزمة إلى فرصة، في المقابل كانت الإمارات أكبر خاسر اقتصادي من الحصار؛ فقد فقدت عدة شركات إماراتية السوق القطري، لاسيما (الخليج للسكر، وداماك، وأرب تيك)، كما تضررت منطقة جبل علي جراء الحصار الذي خسر خلال هذا العام 15% من حجم الاستثمارات الأجنبية.