حرام على معارضيهم تسييس الدين لكنه حلال عليهم، يظل العالِم مقربا من السلطة ما دام يفتي لها، وحين يفتي ضدها يكون السجن مصيره، لكن الأسوأ من ذلك اليوم ألا يُقبل منه مجرد الصمت.

فمنذ ميلاد الدولة الوطنية الحديثة وتأميم أملاك الأوقاف غابت حرية انتخاب علماء ومشايخ الفتوى، وحضر معه تعيين السلطات لمشايخ حرصوا على أن يفتوا لها بما تحب، فمن حرمة قيادة المرأة للسيارة إلى جوازها، وغيرها من التبدلات في الفتوى نفسها.

حلقة (2018/1/1) من برنامج للقصة بقية سلطت الضوء على تسييس الأنظمة العربية للفتوى في تحقيق مصالحها وأهدافها السياسية.

رئيس مركز المقاصد للدراسات والبحوث أحمد الريسوني أكد أن العلماء والفقهاء لم تكن لهم مواقف موحدة في التعامل مع الحكام عبر القرون، ولكن في القرون الأولى للإسلام عصر الصحابة والتابعين كان العلماء أحرارا يتصرفون في أوساط الناس وكان هناك تلاحم تام بين العلماء والحكام.

وأضاف حين وقع ما يصطلح عليه في التراث الإسلامي بافتراق القرآن والسلطان، صار للعلماء رأيان بارزان في التعامل مع الحاكم، فالأول يرى ضرورة إبقاء العلاقة مع السلطان لنصحه وتنبيهه ورفع شكاوى الناس إليه وكانوا يحافظون على استقلالهم العلمي الكامل، وكانوا يستقلون بقطاعي القضاء والفتوى، أما الرأي الآخر فيرى أن الأسلم للعالم في دينه ودنياه هو أن يبتعد عن السلطان ويبقى واضحا مستقلا في صورته وموقفه.

وبحسب الريسوني، فإن مهمة العلماء الأساسية همشتها السلطة في العصر الحديث، وبات العلماء قسمين، الأول أعضاء المؤسسات الدينية الرسمية وهم تابعون للسلطة بشكل كامل وأصبحوا مجرد لجان دينية للحزب الحاكم، أما القسم الثاني فهم العلماء المستقلون أو المعتقلون في السجون أو المنفيون.

وعن رؤيته لحل أزمة تسييس الفتوى والمؤسسات الدينية، أكد أن كل معين من قبل سلطة سياسية سيكون خاضعا لها، ولذلك فإن الحل يكمن في ألا يكون تعيين العلماء في مناصبهم بيد السلطة السياسية، أو أن تدعم الأمة العلماء المستقلين وتوفر فرصة رزق لإعالتهم بما يضمن استقلالهم عن السلطة السياسية.

أزمة دولة
من جانبه، رأى أستاذ الأخلاق السياسية في جامعة حمد بن خليفة، محمد المختار الشنقيطي، أن تحول العلماء من حالة الاستقلال والحرية إلى الواضع الذي نعيشه اليوم جزء منه يرجع إلى بنية الدولة المعاصرة، لأن الدول الإسلامية القديمة كانت فسيحة الأرجاء ولكن وطأتها على الناس ضعيفة فلا يوجد بها أجهزة أمن قمعية كما أن مؤسسات الأوقاف والتعليم كانت مؤسسات مستقلة.

ومضى قائلا "الدولة المعاصرة بطبيعتها هي دولة شمولية ذات بيروقراطية قوية مركزية تسعى للاستحواذ على كل شيء، وإذا لم تكن الدولة ديمقراطية خاضعة لإرادة الناس تتحول إلى آلة متغولة تخضع الناس وتخضع جميع المؤسسات الدينية والاجتماعية والتعليمية".

وأشار إلى أن سيطرة الدولة الحديثة على المؤسسة الدينية بدأت مع تأميم قطاع الأوقاف ثم تأميم الفتوى، فبدل أن يكون المفتي هو من يطمئن المؤمن إليه ويرضى بعلمه وأخلاقه، أصبح المفتي رجلا معمما عينته الدولة بعد أن أدركت أنه سيسير في هواها وبالتالي أصبحت المؤسسة الدينية تابعة بالكامل لسلطة الدولة.

وشدد الشنقيطي على أن الفتوى ليست مجرد علم شرعي وإنما هي موقف شرعي كذلك، وإذا أصبح المفتي تابعا للسلطة السياسية فإنه رغم علمه الشرعي قد يعبر عن موقف غير شرعي ورغم عقله الواسع قد يتحول إلى شخص بلا ضمير.