ستون عاماً تقريباً على إعلان أول وحدة عربية.. وحدة لم يكتب لها الاستمرار، فانهارت بعد ثلاث سنوات فقط على قيامها.. ثمارها حلُّ أحزاب وتأميمُ شركات وإصلاحُ أراضٍ زراعية.. لكنها كانت بذوراً لفشلها.

وبينما مُنع السياسيون من العمل العلني الذي لم يتقنوا غيره، كان العسكريون منهمكين في عمل سري لم يعرفوا سواه، فكان التحضير لانقلابات عسكرية كان أدومَها انقلابُ الثامن من آذار في سوريا الذي كان انتصاراً للعسكر لكنْ بالضربة القاضية، بينما ظلت مصر تعيش حياة العسكر منذ ذلك التاريخ حتى  الآن.

حلقة (2017/10/30) من برنامج "للقصة بقية" عرضت الفيلم الوثائقي "في ظلال تجارب الوحدة" بين سوريا ومصر، وناقشت تجارب الوحدة والفشل منذ الوحدة السورية المصرية وحتى مجلس التعاون الخليجي الذي يعيش اختباراً قاسياً هذه الأيام.

مراحل وتجارب
حول هذا الموضوع يقول الباحث في المركز العربي الدكتور شمس الدين الكيلاني إن فكرة الوحدة وممارستها على الصعيد السياسي مرت بمراحل أساسية، كانت بدايتها في نهاية القرن 19، وطرحها الإصلاحيون والقوى الليبرالية باتجاه وحدة تعاقدية بين الدول العربية، وظلت هذه الفكرة مسيطرة  على النخب حتى الخمسينيات وتوجت بالجامعة العربية على أمل أن تتطور إلى وحدة.

وفي الخمسينيات غزت فكرة الاشتراكية واليسار الفكر والسياسة العربية نتيجة المناخ العالمي آنذاك، فانحازت الكثير من النخب إلى فكرة الاشتراكية والثورة والوحدة الاندماجية، وفي تلك الفترة برز دور مصر في الساحة العربية وظهر جمال عبد الناصر أمام الجمهور كزعيم لا يبارى بشعبية جارفة  تجاوزت حدود مصر.

يضيف الكيلاني أنه تمخض عن ذلك الوحدة بين مصر وسوريا في شكل الجمهورية العربية المتحدة التي لم تكن وحدة تعاقدية بل كانت اندماجية، ولكن التجربة انتكست لأنها لم تراع الأخطاء.

وتابع أنه بعد تجربة الوحدة ثم الانفصال عادت حالة التمزق، فظهرت أنظمة تشارك عبد الناصر شعاراته لكنها تقوم على الاستبداد، ثم ظهرت الوحدات الصورية بينما كل الأنظمة تتخندق داخل حدودها.

ونتيجة لظهور مخاطر جديدة كالحرب الإيرانية، ظهرت تجارب جديدة كمجلس التعاون الخليجي، ثم الاتحاد المغاربي، ثم الاتحاد العربي الذي أخفق لتعود حالة الركود الكامل في العمل العربي المشترك.

ويرى الكيلاني أن ثورات الربيع العربي أحيت فكرة الوحدة العربية وأعادتها للجمهور العربي الذي يرفع شعارات واحدة، وبينه تأثيرات متبادلة.

تحديات ومشاكل
من جهته، اعتبر أستاذ العلوم السياسية الدكتور سيف الدين عبد الفتاح أن التجارب الوحدوية العربية ظلت تعاني من مشاكل حقيقية، حيث ولدت التجربة مسكونة بمجموعة من التحديات، أبرزها النشأة المشوهة للدولة القومية التي ظلت تسكن هذه الدول في تكويناتها وتركيباتها المختلفة.

وأضاف أن الحالة الوحدوية الفوقية التي لا تعبر إلا عن رغبة بعض الأنظمة، جعلت هذه التجارب تقوم بالسلاح أو في حراسته.

ويرى عبد الفتاح أن طبيعة الشخصية الكاريزمية التي تعلقت بعبد الناصر غطت على مسائل وأزمات كثيرة، حيث كانت شخصيته الطاغية تعبر عن حالة في الرأي العام العربي، وكان لها من القبول الكثير خارج الحدود في الوطن العربي ككل.

لكن أستاذ العلوم السياسية اعتبر أن الأشواق التي تتعلق بالوحدة لدى الشعوب غير كافية لإقامة تجربة وحدودية حقيقية، مشيرا إلى أن الجامعة العربية سرقت المفهوم الأساسي للوحدة، وخلقت نوعا من التجمع الشكلي، ومن ثم قامت كل هذه التجارب في إطار نظرات فوقية تتعلق بمجموعة من الحكام يسعون لإنشاء تنظيم إقليمي يجمعهم دون أن تكون له أي أسباب تتعلق بفاعليته.