فلتان أمني.. وكسر محرمات.. وتنسيق بين أكبر جيش عربي وبين الجيش الإسرائيلي ضد عدو مشترك هو تنظيم الدولة الإسلامية.. تلك هي الحالة باختصار في سيناء.

بوادرها بدأت بتأسيس أنصار "بيت المقدس" عقب خلع الرئيس المصري حسني مبارك عن السلطة.. لكن تراجعت حدتها مع صعود الديمقراطية التي أوصلت محمد مرسي إلى الرئاسة، لينفجر الوضعع عقب انقلاب عبد الفتاح السيسي ومبايعة أنصار بيت المقدس لتنظيم الدولة. 

استمر الوضع بالتدهور، فوجدت إسرائيل فرصتها في تنسيق أمني علني مع مصر لمواجهة العدو المشترك.. فكسَب الجيش المصري موطئ قدم له في سيناء التي كانت محرمة عليه.. وكسبت إسرائيلل معه تنسيقاً أمنياً علنياً.

حلقة (2017/10/23) من برنامج "للقصة بقية" عرضت الفيلم الوثائقي "حدود السلام" الذي استعرضت فيه التنسيق الأمني الإسرائيلي المصري في سيناء، وناقشتها مع الكاتب والباحث السياسي الفلسطيني إبراهيم حمامي، ومدير مركز "هيرتزوغ" للدراسات الشرق أوسطية يورام ميتال.

فزاعة وتغيّر عقيدة
يقول إبراهيم حمامي إن تنظيم الدولة ليس تنظيما متجانسا واحدا، فهو يختلف في سرت الليبية عنه فيي الرقة السورية وكذلك في سيناء، وبالتالي فإن الحديث عن أن هناك تنظيما يشكل خطرا على الاحتلالل  أمر مبالغ فيه، بل هي فزاعة تستخدمها إسرائيل ومصر لتبرير التنسيق القائم بينهما.

وأكد أن تنظيم الدولة استفاد بشكل كبير داخل سيناء من التهميش والظلم والتجريم بحق أهاليها وعدم اعتبارهم مصريين، وبالتالي استطاع أن ينتعش.

ولفت حمامي إلى أن معاهدة كامب ديفد حددت مسؤوليات مصر تجاه الاحتلال، فقسمت سيناء إلى ثلاث مناطق، وجعلت القوات المصرية تتواجد فقط في المنطقة الأولى شرقي السويس بعدد محدد منن القوات والمعدات.

وأضاف أن التنسيق بين الجانبين لم يكن يوما سريا، لكنه كان معلنا من الجانب الإسرائيلي، بينما تلتزم مصر الصمت، مشيرا إلى ما كشفه أحد العسكريين في عهد مبارك من أن سيناء كانت مستباحة للطيران الإسرائيلي.

ولكن لماذا يحدث هذا؟ يجيب حمامي أن هناك تغييرا في العقيدة العسكرية المصرية منذ معاهدة كامب ديفد، حيث أصبح الجندي المصري لا يطلق الرصاص على الإسرائيلي، وفي المقابل يرى في شمال سيناء هدفا يُقصف بالطائرات، مشيرا في هذا الصدد أيضا إلى التمهيد لصفقة القرن التي يتحدث عنها الجميع.

وأوضح أن هذا التنسيق يتجاوز كثيرا التنسيق الأمني الخاص بالحدود، فتنظيم الدولة لا يشكل تهديدا بالنسبة للإسرائيليين، معتبرا أن السيسي لديه مهمة واضحة، فهو يحاول تقديم مصر على طبق من فضة لإسرائيل، فهجّر أهالي شمال سيناء، وأنشأ منطقة عازلة بعمق خمسة كيلومترات على حدودد رفح، فضلا عن التنسيق الدبلوماسي والسياسي في الأمم المتحدة، وكل ذلك مقابل الحصول على شرعية يرى أن بوابتها عبر دعم إسرائيل وعبر فزاعة الإرهاب في سيناء.

تنسيق قديم
من جهته، اعتبر يورام ميتال أن التعاون العسكري بين مصر وإسرائيل لم يبدأ مؤخرا، بل هناك اتفاق بينهما على ملحق عسكري لاتفاقية السلام، وهناك محددات لما يمكن أن تقوم به القوات المصرية من حيث المعدات والقوات في سيناء.

وقال إن ما شهدناه خلال السنوات الأربع الماضية منذ التغير العسكري في مصر والإطاحة بالرئيس محمد مرسي، ووصول المؤسسة العسكرية إلى الحكم، مثّل تغيرا كبيرا جدا في قواعد اللعبة بينهما.

وأضاف أن التعاون خلال السنوات القليلة الماضية هو بمثابة "شهر عسل" بين مصر وإسرائيل اللتين تنظران بطريقة مشابهة جدا إلى الوضع في سيناء وعلاقته بقطاع غزة تحت إدارة "حماس"، بل وحتى تتشاطران الرأي بأن التدخل الإيراني في المنطقة أمر مرتبط بما يحدث في سيناء.

أما عن مصير التنسيق بعد التخلص من تنظيم الدولة فاعتبره ميتال تحديا كبيرا للطرفين، ففي مصر يعتبر كثيرون أن تنظيم الدولة أسس قواه في سيناء بسبب الشروط التي تفرضها كامب ديفد على مصر، وبالتالي لا بد من تعديل الاتفاقية أو ملحقها العسكري.

وتابع أنه عندما يحين ذلك الوقت فإننا سنشهد الكثير من الاختلافات بين مصر وإسرائيل، لأنه ليس من السهل على الجانب الإسرائيلي القبول بهذا العدد الكبير من القوات والمعدات في سيناء، وقد لا يكون أمام الأطراف المعنية سوى التفاوض لإجراء تعديلات على الملحق العسكري للاتفاقية.