قفز عدد سكان الخرطوم من نصف مليون نسمة في ستينيات القرن الماضي إلى عشرة ملايين مقيم حاليا.. تصاعد سكاني مخيف لا يتناسب مع البنية التحتية المتوفرة للمقيمين، وزحف ريفي على العاصمة يشير إلى اختلال تنموي خطير على مستوى الوطن ويلقي بظلاله على العاصمة نفسها تنمويا وحتى إشكالات أمنية.

هي مشكلة العواصم العربية كلها التي بدأت تعاني تضخما سكانيا في العقود الأخيرة على حساب التنمية والتجانس المعهود عنها.

حلقة الاثنين (2017/10/16) من برنامج "للقصة بقية" عرضت الفيلم الوثائقي "الخرطوم.. ترييف المدن"، وناقشت أبعاد القضية مع كل من أستاذ التعليم العالي في المدرسة الوطنية للهندسة المعمارية بالرباط العربي بوعياد، ومعتمد محليات أم درمان مجدي عبد العزيز.

تأثير الاستعمار
يقول بوعياد إن السبب الأساسي لهذه المشكلة معقد، ويضم في طياته أسبابا كثيرة، أولها وأبرزها الاستعمار الذي خطط لنقل سكان الريف إلى المدينة كأيدٍ عاملة رخيصة ليستخدمها في الصناعة، وبعد رحيل الاستعمار أصبحت هذه المدن هجينة برأسين، أحدهما أصيل والآخر دخيل.

ويرى أن المسؤولية لا تقع فقط على الحكومات المتعاقبة، ولكن المجتمعات كلها مسؤولة، لأن العمران والتعمير مرآة صادقة لأي مجتمع.

واعتبر بوعياد أن خطط التطوير والتنمية للمدن موجودة في كل البلدان العربية، ومعظمها يأتي من توجيهات خبراء في الغرب وبالتالي لا تراعي الهوية المعمارية العربية، محذرا من أن هذا الأمر سيديم ظاهرة "هجين المدن" لدى العالم العربي.

ويرى أن هذا التطوير والتنمية قد يكون حلا من الناحية المادية، لكنه يغفل الروح والتماسك الجماعي انطلاقا من الهوية والمبادئ العربية والإسلامية "وحينها ستكون هذه هي المدينة الرابعة (بعد الأصيلة والدخيلة والهجينة) التي لا بد أن نسعى إليها".

وختم بوعياد بالقول "لا بد أن نكتسب رؤية للمستقبل وأن نفهم مواقعنا وننظر إلى مستقبلنا بنوع من الاستقلالية والتميز، ونقترح الحلول التي يمكن أن يستفيد منها غيرنا حتى في الغرب".

موقع فريد
من جهته، اعتبر معتمد محليات أم درمان مجدي عبد العزيز أن الخرطوم تتميز بموقع فريد ومتميز حيث يلتقي فيها نهرا النيل الأبيض والنيل الأزرق ليكونا نهر النيل العظيم، والمثير أن الكثير من الدراسات التاريخية والدينية بدأت تشير إلى أن هذا الموقع هو مجمع البحرين الذي التقى فيه نبي الله موسى عليه السلام مع الرجل الصالح الذي طلب منه موسى العلم.

ويرى أن الذي جرى للخرطوم جاء بحكم التطور والكثير من الظواهر المرتبطة بحركة السكان، والخدمات كالتعليم والصحة وغيرهما، مما تسبب في حركة نزوح كبيرة من الأرياف نحو الخرطوم.

وأضاف عبد العزيز أن الخرطوم لم تكن لتستوعب هذا العدد الكبير من المواطنين الذين هاجروا إليها، خاصة أن الحركة لم تكن متدرجة، بل جاءت خلال وقت قليل وبأعداد ضخمة جدا.

لكنه يرى أن العاصمة السودانية بدأت حاليا تستوعب مجمل هذه التحديات، ومن ضمنها كثافة السكان، وبدأت تضع خططا وإستراتيجيات من أجل أن تنهض من جديد عبر البنى التحتية.

وفي هذا الصدد، أشار إلى رصف آلاف الكيلومترات من الطرق، وإنشاء عدد كبير من الجسور على النيل، وعدد من المرافق الصحية والتعليمية والجامعات.