عثمان عثمان
حارث الضاري

 عثمان عثمان: السلام عليكم مشاهدينا الكرام وأهلاً ومرحباً بكم على الهواء مباشرة في هذه الحلقة الجديدة من برنامج الشريعة والحياة، يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ}[المؤمنون:52] سادت لدى القوميين منذ أربعينيات القرن الماضي صورة زاهية عن تماسك مجتمعاتنا وما شذت عن إثبات هذه الصورة أو التسليم بها إلا كتابات بعض أنصار المحليات والقطريات والإثنيات في لبنان والعراق والجزائر، لكن منذ السبعينيات ظهرت هشاشة في مجتمعاتنا حيث خشي البعض على لبنان حتى من التعددية السياسية التي تحولت إلى انقسام طائفي على مشارف الحرب الأهلية وظهرت التوترات العرقية والدينية في عدد من البلاد العربية مثل الجزائر والسودان والصومال والعراق ومصر وسوريا، وتدفعنا مجريات الأحداث اليوم إلى التفكير مجدداً في جملة من التساؤلات كيف تتجلى الطاقة التوحيدية للإسلام؟ وبماذا نفسر الانقسامات الفرقية داخله؟ ولماذا يتحول المعتقد أحياناً إلى عامل فرقة وتنازع؟ الإسلام وعوامل الوحدة والتنوع والانقسام موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة الشيخ حارث الضاري أمين عام هيئة العلماء المسلمين في العراق، مرحباً بكم فضيلة الشيخ.

حارث الضاري: أهلاً بكم.

الشهادتان طريق الوحدة

عثمان عثمان: الآية التي افتتحنا بها يعني هذه الحلقة {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} [المؤمنون:52] هناك رابط بين شهادة التوحيد والوحدة، بدايةً كيف تتجلى الطاقة التوحيدية للإسلام؟

حارث الضاري: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه وبعد، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله هي أساس الوحدة لأنه لا يكون المؤمن مؤمناً إلا بها وكل من آمن بها هو محسوب عليها، أنا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ومن ثم أصبح مسلماً ينتمي إلى هذا الدين الذي أسسته هاتان الشهادتان أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فقول الله تعالى  {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} [المؤمنون:52] وفي آية في سورة الأنبياء قال الله تعالى {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء:92] معنى ذلك أن الشهادتين هما أساس هذه الأمة وهما اللتان توحدان هذه الأمة إذا آمنت الأمة بما جاء بهاتين الشهادتين وما استدعته هاتان الشهادتان من التنزيل الحكيم تنزيل القرآن الكريم وما جاء فيه من هدي إلهي ثم ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من سنته ومن سيرته، فالشهادتان هما أساس الإسلام والإسلام هو ما جاء في الكتاب والسنة، إذن من تشهّد الشهادتين تلفظ بهما لزمه أن يؤمن بما جاء عن الله لأنه بقوله أشهد أن لا إله إلا الله إذن إلهه الوحيد الذي لا إله سواه هو الله فعليه أن يكون مستسلماً لأمر الله ولكل ما جاء من عند الله تعالى من خلال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن يكون أيضاً مؤمنا بما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فالله تعالى حينما قال {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} أي دينكم دين واحد أساسه الشهادتان وما ترتب على هاتين الشهادتين من هدي إلهي وهدي نبوي عن طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم.

عثمان عثمان: إذن الشهادتان هما طريق الوحدة داخل الإسلام، لكن كيف نفسر الانقسامات الفرقية داخل هذا الدين انطلاقا من حديث النبي عليه الصلاة والسلام الذي يتحدث عن انقسام الأمة إلى بضع وسبعين فرقة؟

حارث الضاري: هذا الحديث ورد في كثير من كتب السنن غير الصحيحين وهو يرقى إلى مرتبة الصحيح لتعدد طرقه وصحة وحسن بعض أسانيده فهو حديث صحيح وإن لم يرد في الصحيحين ولكن هذا الحديث ليس معناه أنه حتماً ستفترق، الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر بما سيكون وهو أن هذه الأمة ستفترق وهذه سنة الله في خلقه، أهل الأديان السماوية السابقة افترقوا كما جاء في الحديث فالنصارى إلى 72 فرقة واليهود إلى 72 فرقة وقيل إن كلاهما إلى 72 فرقة والمسلمون إلى 73 فرقة، بمعنى أن المسلمين لا يشذون عن غيرهم من أبناء الأديان السماوية الأخرى وعلى كل حال هذه الفرقة التي أشار إليها النبي صلى الله عليه وسلم لا تستدعي أن تفترق الأمة إلى ما افترقت إليه اليوم من خصومات واقتتال وكيد وتكتلات ضد بعضهم البعض حتى أضعفوا أنفسهم وكشفوا أنفسهم لأعدائهم والمتربصين بهم من كل جهة.

عثمان عثمان: في موضوع الأمة هناك من تحدث عن هذا الانقسام عن أمة الدعوة وهناك من قال أن هذا الانقسام يكون في أمة الشهادة.

حارث الضاري: والله هو الحاصل الواقع الآن في أمة الشهادة وفي أمة الدعوة، نحن إذا نظرنا إلى أمة الشهادة نجد أن المسلمين الذين يقولون لا إله إلا الله محمد رسول الله ينقسمون إلى 4 مذاهب كبيرة وكل مذهب من هذه المذاهب ينقسم إلى مذاهب أو إلى فرق أو إلى مجاميع، ثم أمة الدعوة إذا كانت هناك دعوات كبيرة أو مجموعة كبيرة وتسمي نفسها أمة الدعوة، أيضاً هذه أمة الدعوة أيضاً اعتراها الفرقة والخلاف بناءً على تفسير النصوص المحتملة لأكثر من وجه أو لأكثر من معنى سواء من كتاب الله أو من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم التعصب لهذه المفاهيم أو هذه المعاني التي يفهمونها من خلال فهمهم لظواهر النصوص من الكتاب أو من السنة أو من الحديث ثم أيضاً الآن طرأ طارئٌ جديد وهو الأدهى وهو السبب الرئيس في الخلافات بين أبناء هذه الأمة التي وصلت للاقتتال كما ترى في أكثر من بلد عربي الموضوع السياسي، حينما ألبست بعض الأفكار أو المعتقدات الدينية أو المفاهيم الدينية ألبست أثوابا سياسية أو جعلت هي أغطية لسياسات أو لمشاريع أو لمخططات لهذا الطرف أو ذاك من المسلمين مما زاد الطين بله كما ترى اليوم في مشهد الأمة الذي لا يسر الصديق.

تحول المعتقد إلى عامل فرقة

عثمان عثمان: يعني متابعةً لهذا الكلام لماذا يتحول المعتقد أحياناً إلى عامل فرقة واختلاف وتشاحن وتطاحن واقتتال؟

حارث الضاري: يرجع دائماً بسبب التعصب للمعتقد للفكرة للتوجه وأحياناً للرأي، يختلف اثنان ممن لهم شأن أو ممن لهم مكانة بين الناس في الرأي وكل واحد منهم يتبعه فريق من مؤيديه أو من محبيه أو ممن يثقون به فيحدث الخلاف فلذلك الخلافات متوقعة وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قال "تفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة" ولعله أراد بها فرق رئيسية لها يعني معتقداتها ولها حججها ولها أدلتها سواء كانت مقبولة أو غير مقبولة مؤولة أو غير مؤولة، لو الآن أردنا أن نحسب الفرق الموجودة سواء كانت عقائدية أو مذهبية أو سياسية أو فئوية لوجدناها تزيد على 73.

عثمان عثمان: لكن في تكملة الحديث سؤال ربما يشكّل معضلة كبيرة عند الكثيرين "كلها في النار إلا واحدة" كيف يمكن أن نفسّر هذا الحديث؟

حارث الضاري: الحقيقة هذه الزيادة هي وردت بألفاظ عديدة أشهرها ثلاثة: إلا ما أنا عليه وأصحابي وفي رواية  وهي السواد الأعظم، وفي رواية هي الجماعة، هي الجماعة، والحقيقة كلها تؤول إلى قوله عليه الصلاة والسلام إلى هذه الزيادة: ما أنا عليه و أصحابي، وما هو عليه وأصحابه والسواد الأعظم من الأمة والجماعة هم الجمهور، هم الأكثر هم مجموع الناس، واعتقد أن هاتين الروايتين هما تفسير لقوله عليه الصلاة والسلام: ما أنا عليه وأصحابي، فلذلك أقول لا خوفا من هذه الرواية كلها في النار إلا واحدة، لان من فسرها إلا واحدة هي الجماعة الفلانية أو الفريق الفلاني  أو كذا نجدهم كلهم مدى التتبع لمقالاتهم ولنسبتهم إلى الفرقة الناجية نجد أنهم سلكوا مسلك التعصب والتشدد، وهذه النسبة قديمة، منهم من قال المتكلمون ومنهم من قال المحدثون ومنهم من قال من قال هذا في القرون الأولى، أما الآن ظهر من يقول نحن الفرقة الناجية، ومن الغريب جدا انه في التوجه الواحد الذي انقسم  إلى عدة أقسام اليوم هناك من يقول نحن الفرقة الناجية وغيرنا هم الفرقة غير الناجية حتى من معتنق فكرهم وتوجههم، فالسبب في ذلك في تقديري هو التعصب وإلا  فإن المسألة واسعة  والرسول صلى الله عليه وسلم كلامه واضح في هذا حينما قيل له ويروى أن القائل هو عمر بن خطاب رضي الله عنه قال له يا رسول الله ما هي؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي وإذا نظرنا إلى المسلمين اليوم نجد أن الكثير منهم يسير ما عليه الرسول وما عليه أصحابه.

عثمان عثمان: البعض يقول بأن هذه الفرقة الناجية هم أهل السنة والجماعة..

حارث الضاري: أنا أقول أكثر، كل من قال لا اله إلا الله محمد رسول الله وآمن بما انزل على محمد وهو القرآن الكريم وبكل ما جاء من محمد من قول أو فعل أو سلوك فهو ناجٍ سواء كان من السنة أو من غيرهم نحن لا نريد أن نحجر واسعا، نقول هو كل من سار على ما كان عليه رسول الله وأصحاب رسول الله من آل بيته وغيرهم لان أصحاب رسول الله للأسف بعض الناس يطلقون على غير الأصحاب وبعض الناس يطلقون أن الأولى برسول الله صلى الله عليه وسلم والذين يعتمدوا عليهم ولا يؤخذ إلا كلامهم هم آل بيت النبي وعدد قليل من الصحابة فالكل واهمون، فأصحاب رسول الله الذين مات وهو راض عنهم، توفي عليه الصلاة والسلام وهو راض عنهم وترضى القران عنهم هؤلاء هم من عناهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله "ما أنا عليه وأصحابي" وعلى هذا كل من سار على نهج رسول الله وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم جميعا من آل بيته أو غيرهم من أصحاب رسول الله فهو ناجٍ تحت أي عنوان تحت عنوان مسلم، تحت عنوان محمدي تحت عنوان سني أو تحت عنوان شيعي أو أباضي أو زيدي..

عثمان عثمان: هو سماكم مسلمين..

حارث الضاري: لأنه  كل من يسير على هدي رسول الله وهدي أصحاب رسول الله فهو مسلم وهو مؤمن دون أن ينتسب إلى أهل سنة أو إلى أهل شيعة أو إلى أهل المذاهب الأخرى لأنه يوم القيامة يسأل المرء عن إسلامه ولا يسأل عن مذهبه الله تعالى يقول {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت: 33] لم يقل إنني سني أو إنني شيعي أو أباضي أو زيدي أو سلفي أو صوفي أو ما إلى ذلك.

صراع سياسي بلبوس الدين

عثمان عثمان: دكتور تحدثتم عن أن  الصراع الذي يدور الآن في ساحتنا الإسلامية والعربية بشكل خاص هو صراع سياسي يلبس لبوس الدين لكن في بعض المواقع خاصة في سوريا سمعنا فتاوى ذات بعد سياسي بخلفية دينية وعقدية، هناك دعوات متبادلة للجهاد في سوريا جاءت من كل الأطراف كيف يمكن معالجة هذه المعضلة.

حارث الضاري: هذه حقيقة هي معضلة والخلاف حقيقة هو ليس دينيا في سوريا وليس أساسا هو مذهبي وإنما شعب مظلوم ثار ضد حاكم ظالم، حكم البلاد هو ووالده نحو أربعين أو يزيد سنة فالشعب السوري قال كفى وتظاهر الشعب السوري أكثر من 5 أشهر أو 6 أشهر سلميا إلا أن الرئيس السوري لم يتعامل معهم بالتي هي أحسن، بالحوار بالتفاهم بتحقيق بعض المطالب التي ثاروا من اجلها والمطالب في بدايتها كانت بسيطة ورفع المظالم والمظالم معروفة ويستطيع أن يرفعها،  لكن حصل الذي حصل اختار الرئيس السوري الحل الأمني ثم بعد ذلك الحل العسكري وتطورت الأحداث للأسف إلى المشهد المأساوي الذي يمر به اليوم الشعب السوري وسوريا بأكملها..

عثمان عثمان: لكنها أخذت أبعادا دينية ثم دينية عقائدية..

حارث الضاري: هنا تدخلت المشاريع والقوى السياسية الإقليمية والدولية واستخدمت كل الأسلحة الفتاكة، الأسلحة القتالية بكل أنواعها واستخدمت أيضا الأسلحة العقدية والفكرية، ومن هنا جاء الموضوع الطائفي وتخندق الناس طائفيا في هذه المعركة معركة سوريا أو ثورة الشعب السوري على الحاكم في سوريا إلى أن تطورت الأحداث اليوم إلى ما نراه من مشاهد مؤلمة ومفزعة وغير سارة..

عثمان عثمان: إذن الدين يجمع ولا يفرق يوحد هذه الأمة ما هي تطبيقات الوحدة ومظاهرها في التشريع الإسلامي؟

حارث الضاري: مظاهرها كثيرة أولا ابتداء، أول أساس وحدة المسلمين هو إيمانهم بالله واحد بقولهم لا إله إلا الله وبرسول واحد، وهذا الأساس يبنى عليه كل ما جاء من تعاليم وتشريعات تضمنهما الكتاب والسنة، فإذا سار المسلمون على هذا النهج فهموا الإسلام فهما صحيحا ولم يقدموا عليه شيئا وأصبح ولاؤهم الأول له دون غيره لا لشخص أو لرمز أو لفكر معين طارئ على الإسلام فالمسلمون يتوحدون وإذا حصل بينهم خلاف يحل هذا الخلاف في الإطار الإسلامي ولا يتشعب المسلمون، رأينا الخلاف الأول بين المسلمين بين علي رضي الله عنه ومعاوية رضي الله عنه وحدث فيه ما حدث مما يؤسف له وقتل فيه الآلاف من الطرفين ولكن بعد المعارك بقليل انتهت الأمور إلى صلح، لأنه لم تكن هناك دوافع غير الاجتهاد وغير الظروف التي مروا بها وظن كل منهما انه على الحق ولو أن الحق معروف، لكن هكذا حصل ما حصل، وهذا مصداق لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: سألت ربي ثلاثا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة، في الرواية المشهورة: (سَأَلْتُ رَبِّي: أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِسَنَةٍ) وفي رواية بالسنين أي بالقحط والجوع (وأَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالْغَرَقِ) وفي رواية أن لا يسلط عليهم عدوا وأن لا يجعل..

عثمان عثمان: بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ.

حارث الضاري: بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ.

عثمان عثمان: فما فمنَعَنيها.

حارث الضاري: فمنَعَنيها، فمنَعَنيها، فما نشهده اليوم هو واقع ومتوقع وليس غريبا لأن المسلمين للأسف لم يلتزموا بما كان عليه على النبي وأصحابه.

عثمان عثمان: إذن أعود إلى الفقرة الأخيرة من الحديث وسألته (أن لا يجعلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ فمنَعَنيها) هل يؤثر ذلك بتصورنا على وحدة الأمة أسمع الإجابة ولكن بعد أن نذهب إلى فاصل قصير، فابقوا معنا مشاهدينا الكرام نعود إليكم بإذن الله بعد الفاصل.

[فاصل إعلاني]

عثمان عثمان: أهلاً وسهلاً بكم مشاهدينا الكرام من جديد إلى حلقة هذا الأسبوع من برنامج الشريعة والحياة والتي هي بعنوان: "الإسلام وعوامل الوحدة والتنوع والانقسام" مع فضيلة الشيخ حارث الضاري أمين عام هيئة علماء المسلمين في العراق، فضيلة الدكتور وسألته: (أن لا يجعلَ بأسَهم بينهم فمنَعَنيها).

حارث الضاري: فمنَعَنيها.

عثمان عثمان: نعم هل يؤثر ذلك في تصورنا عن وحدة الأمة؟

حارث الضاري: لا أبداً هو الإسلام جاء لتوحيد بني الإنسانية كلهم والرسول صلى الله عليه وسلم بعث رحمة للعالمين {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}[ الأنبياء: 107]

عثمان عثمان: {رحمة للعالمين}..

حارث الضاري: للعالمين {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا}[سبأ: 28] وعلى أي حال فمن آمن بالإسلام والتزم بما جاء به الإسلام بالتأكيد سيكون خاضعاً لأوامر الإسلام ومستجيباً لهديه وتوجيهاته ولما يطلب منه، فلو عاد المسلمون اليوم إلى الإسلام واحتكموا إليه في خلافاتهم لما اختلفوا، أما إذا اختلفوا فذلك لأنهم يدعون الإسلام، الإسلام شعار لكثير منهم ولكنه مرجعيته أصبحت اليوم غير الإسلام إما أن تكون مرجعيته الحزب الفلاني أو المذهب الفلاني أو الفرقة الفلانية أو الفئة الفلانية يحتكم إليها ولا يحتكم إلى كتاب الله، ولا يحتكم إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فأولويته أصبحت معتقده الفكري أو السياسي أو المذهبي، فلهذا افترقوا ويفترقون ويحصل فيهم ما هو حاصل اليوم في سوريا والعراق ومن قبل في الصومال وفي غير هذه البلاد من بلاد العرب والمسلمين.

عثمان عثمان: اسمح لي أن نأخذ الدكتور رضوان السيد أستاذ الدراسات الإسلامية في الجامعة اللبنانية ينضم إلينا من بيروت، السلام عليكم دكتور.

رضوان السيد/أستاذ الدراسات الإسلامية في الجامعة اللبنانية: وعليكم السلام.

التعددية الدينية وموقف الإسلام منها

عثمان عثمان: مسألة التعددية الدينية والثقافية تثير معضلة عند الحديث عن الوحدة هل هذه التعددية هي عامل انقسام وفرقة؟

رضوان السيد: نعم صارت عامل انقسام وفرقة بسبب الارتباط بين الدين والمذهب السياسي، صارت لدينا أحزاب سياسية ذات عقيدة دينية وبالتالي عندما تعمل في السياسة تعمل بحسب اعتقادها الديني وليس أنها تريد أن تمثل اتجاهاً معيناً في إدارة الشأن العام أو في السلطة أو في إصلاح الأحوال العامة التي تتناول مصالح الناس فهناك من الأحزاب الإسلامية من يتحدث عن دين الدولة ومنهم يتحدث عن دولة الدين، وفي كل الأحوال فإنه يملك كما يقول هدفاً دينياً من وراء عمله السياسي، ولذلك من الطبيعي ليس أن يحترف فقط مع غيره من ذوي المرجعية الإسلامية بل تتعدد المرجعيات باسم الدين داخل الأحزاب الإسلامية ذاتها أو نفسها، وهذا هو السبب فيما نراه من مشكلات بين الإسلاميين ثم بين الإسلاميين وغيرهم بحيث صار من الصعب التفرقة عندما يحدث الخلاف أن تقول أنهم مختلفون باعتبارهم أحزاباً سياسية على إدارة الشأن العام لأنه لا يتحدثون كأحزاب سياسية بل يتحدثون كأنهم فرق دينية مختلفة.

عثمان عثمان: دكتور لكن هناك من يرى أن السياسة جزء لا يتجزأ من هذا الدين، هل أفهم من كلامكم أنكم تحملون مشكلة أو أوزار هذه الفرقة والاختلاف إلى التزام بعض الأحزاب بالدين؟

رضوان السيد: الله سبحانه وتعالى يقول، {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا} [المائدة: 3] فديننا تام كامل، وشريعتنا ثانية مطبقة ومجتمعاتنا الإسلامية على خير حال في تطبيق الفرائض والواجبات وفي رعاية الشأن الديني العام وفي حراسة الدين، خلافاتنا ومشكلاتنا في بلداننا وأوطاننا هي على إدارة الشأن العام وليس على من هو مذهبه الديني صحيحاً أو غير صحيح، ولذلك قلت أن في هذا الخلط كأنما عندما يطرح حزب إسلامي برنامجه لإدارة الشأن العام كأنما هو يريد أن يستدرك ما فات المسلمين من دينهم وهذا غير صحيح، فليس هذا الأمر في الخلافات في سوريا وفي العراق وفي لبنان ليست خلافات ذات طبيعة دينية بل هي على إدارة الشأن العام إنما أكثر أطراف تستخدم الدين في اجتذاب الناس أو صرفهم وفي التمييز بينهم فتنسى قضيتها الرئيسية التي هي إصلاح إدارة الشأن العام الذي يتناول الناس جميعا وإذا كان مألوفاً الخلاف في المسائل السياسية عندما وهذا مألوف لأنه على إدارة المصالح الدنيوية فإذا اتخذ طابعاً عقائدياً أو عقدياً من أحد الأطراف أو أكثر من طرف فهذا أجدى أو أولى أن يزيد من حدة الخلاف لأنه يحوله إلى خلاف ديني بدل أن يكون خلافاً سياسياً على إدارة المصالح وتقاسهما وإصلاح الإدارة بالشأن العام

عثمان عثمان: دكتور الآن، نعم العالم العربي الآن متنوع دينياً ومذهبياً وطائفياً هل من ضرورة للحفاظ على هذا التنوع وبأي معنى؟

رضوان السيد: أنا أرى أن ديننا ليس في خطر وشريعتنا ليست في خطر وأنه أوطاننا وبلداننا في خطر بسبب الحكام الطغاة وبسبب سوء إدارة الشأن العام وبسبب الجرائم والخيانات التي لا تقبل في أي بلد من بلدان العالم وهي تجري عندنا منذ عدة عقود، ولذلك بلغ من سخط الناس أنهم قالوا أنه حتى ديننا انتهك وحتى ديننا صار في خطر بسبب فظاعة المشكلات التي ولدها هؤلاء الحكام الطغاة لكن إذا أعدنا المشاكل إلى حجمها الطبيعي وهي مشكلات سياسية واقتصادية في الأساس أنا أعتقد أنّ النزاع تقل حدته وعندما يكون دموياً بسبب هؤلاء الحكام الطغاة لا يمكن تضليل آراء العالم وتضليل الخارج بالقول إنّ الصراع صراع ديني أو بين إرهابيين..

عثمان عثمان: شكراً.

رضوان السيد: وهذه الدعوة والكلام الفارغ.

عثمان عثمان: شكراً دكتور رضوان السيد..

رضوان السيد: ما أقصد قوله، ما أقصد قوله..

عثمان عثمان: نعم.

رضوان السيد: أنّ وحدة المسلمين ووحدة دينهم ووحدة عباداتهم ووحدة عقائدهم هذا أمرٌ مسلم به على اختلاف مذاهبه عندما يشعر مذهب من هذه المذاهب أو فرقة من هذه الفرق مهما بلغ حجمها أنّ دينه في خطر أو أنّ مصالحه في خطر وينسب ذلك إلى الدين هذا يزيد من حدة الخلافات ونحن الذين نعرف هذا يكون من الأمانة لديننا بالفعل أن لا ندخل ديننا في النزاع والصراع مما يتسبب..

عثمان عثمان: شكراً.

رضوان السيد: بعقبات كثيرة في وجه التغيير في إدارة الشأن العام وتفرقة الكلمة بين الناس.

عثمان عثمان: شكراً دكتور رضوان السيد أستاذ الدراسات الإسلامية في الجامعة اللبنانية كنت معنا من بيروت، فضيلة الدكتور التربية الدينية قامت على أنّ الدين مقدم على كل شيء وحفظ الدين من أهم مقاصد الشريعة ربما هو المقصد الأول من مقاصد الشريعة هل يعني هذا أنّ انتماء الدين مقدم على أيّ انتماء آخر، ما تأثير ذلك على مسألة التنوع داخل الوطن الواحد؟

حارث الضاري: لا يؤثر على هذا هو الانتماء للدين هو بالتأكيد هو الانتماء الأول وهو الأساس، والانتماء للدين لا يتنافى مع الانتماء للوطن لأن الدين هو الذي يغرس في الإنسان حب الوطن ويدفع المواطن المسلم إلى الدفاع عن هذا الوطن إذا حلت به مصيبة أو حدث به حادث أو غزاه غازي، فالإسلام هو الذي يدفع هذا المسلم أو هذا المؤمن إلى أن يدافع وإلى أن يضحي بروحه، والتضحية بالروح هي أعلى غايات أو سمات التضحيات بالنسبة للإنسان، فلذلك الولاء للدين لا يتنافى للولاء للوطن وحب الوطن ولا يعني يؤدي إلى أنّ الولاء للوطن أو حب الوطن يكون بديلاً لحب الله أو لحب الدين بل بالعكس إنّ حب الوطن حب الأوطان هو نابع أو ناتج عن حب الإنسان المسلم لدينه واستجابته له في أن يحب وطنه وأن يدافع عن دينه، رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم عندما أخرجته قريش من مكة نظر إليها وقال: (والله إنك أحب أرض الله إلي لولا أنّ أهلك أخرجوني) أحبُ فأطلق الحُبُ على مكة فالحُبُ إذن الحب يكون للدين ويكون لله ويكون للوطن والحُب أيضاً يكون طبيعي وغريزي ويكون حب التملك وحب الأولاد وحب الأصدقاء وما إلى ذلك..

عثمان عثمان: نعم.

رضوان السيد: فلهذا نقول إنّ الحب للوطن أو الولاء للوطن لا يتنافى مع الولاء على الحب لله تعالى وللدين لا يتنافى مع الحب للوطن.

عثمان عثمان: أنقل لك سؤال السيد جمال الطواب، هل ظهور المذاهب السياسية والفقهية والعقدية كان إثراءً للحركة الإسلامية أم أنه سبب في تأخرها؟

حارث الضاري: هو كان المفروض أن يكون إثراء لكن للأسف رأينا أنه كان سبباً لبعثرة جهود المسلمين في السعي إلى الوحدة لهذه الأمة، يعني وحدة على الأقل إن لم تكن وحدة دولة وإنما ربما وحدة أهداف ووحدة سياسة ووحدة اقتصاد ووحدة تعاون ووحدة مشاريع سياسية واقتصادية مشتركة، لكن للأسف كثرة السياسات والفرق والمذاهب والتيارات أدت إلى ضعف الأمة بدل أن تؤدي إلى قوتها.

عثمان عثمان: دكتور الخطاب القومي العربي انشغل لعقود طويلة بموضوع الوحدة العربية، الخطاب الإسلامي انشغل أيضا بموضوع الوحدة الإسلامية قامت ديانات عدة لتجسيد كل من هاتين الوحدتين لكن لا تزال هذه الوحدات على اختلاف تنوعها وأسمائها مجرد حلم لماذا فشلت كل هذه المشاريع برأيكم؟

حارث الضاري: طبعا في أوائل القرن الماضي العشرين نشأت هذه المجاميع والأحزاب الوحدوية القومية على اختلاف توجهاتها، لكن جمعتها الدعوة إلى وحدة الأمة، والكثير منها كان جادا وهذه الدعوة حقيقة كانت تلاعب يعني ضمائر الكثير من أبناء الأمة وتستهوي يعني تطلعاتهم وآمالهم في أن تتوحد هذه الأمة يوما ما، ولكن فشلت هذه الدعوة لأن دعاتها ساروا على أفكار لم تكن نابعة من تراث هذه الأمة ولا من عقيدة هذه الأمة ولا من تاريخ هذه الأمة فلو كانت دعوتهم إلى الوحدة العربية مصحوبة بالعمل بالفكر أو بالموروث العربي الإسلامي لربما تحقق شيء من هذا الحلم أو على الأقل لوضعوا اللبنات الأساسية للوحدة العربية أو لوحدة الأمة لكنهم بأفكارهم هذه التي استفادت من الخارج أو ما يعبر عنها الأفكار المستوردة كانت مخالفة لتراث الأمة فقابلهم الإسلاميون بالدعوة إلى وحدة الأمة الإسلامية فحصل بينهم ما حصل فلا هذا وصل إلى وحدة الأمة ولا ذاك وحد الأمة الإسلامية فحصل بينهم ما حصل هذا يقول أنت تأتي بأفكار غير إسلامية وذاك يقول أنت تأتينا بأفكار رجعية تريد أن تعيدنا إلى الماضي أو إلى القديم أو ما إلى ذلك من الأفكار التي جاءتنا من الخارج، فلهذا فشلت جهودهم وللأسف ضيعوا فرصا كثيرا على هذه الأمة ولكن مع ذلك يبقى الأمل موجودا في أن هذه الأمة ستتوحد يوما ما دام عندها آليات الوحدة الحقيقية ألا وهو دينها وما وضعه من تشريعات وتعاليم وتطبيقات سار عليها الصحابة والتابعون ومن بعدهم من أبناء الأمة إلى عدة قرون.

عثمان عثمان: في العصر الحديث الآن منذ سنوات ليست بعيدة نشأ ما يسمى بالمؤتمر القومي الإسلامي يجمعون بين الوحدة العربية والوحدة الإسلامية، ما إمكانية التزاوج أو التناغم أو الانسجام بين هذين المصطلحين أو هذين المضمونين؟

حارث الضاري: والله هذا حينما عمل عليه من عمل ومنهم الشيخ القرضاوي جزاه الله خيرا وغيره من الإسلاميين والقوميين الواعين الذين انتبهوا مؤخرا إلى أنه لا بد أن يجتمع أبناء الأمة بكل تياراتهم وبكل اتجاهاتهم الإسلامية وغير الإسلامية وأن يجتمعوا حول مشترك ألا وهو الأمة ووحدة الأمة وقوة الأمة ودفع الأذى والاستهداف الموجه إلى هذه الأمة، فنتج عن هذه الجهود ما هو معروف بالمؤتمر القومي الإسلامي وقد فرحنا به حينما اتفق عليه وعقد جلساته الأولى في لبنان وكان لنا نصيب في أن نشارك في الكثير من اجتماعاته في أيامه الأولى أو في سنواته الأولى يوم كان الأمل فيه كبيرا في أن يوحد أو على الأقل يقلل من هوامش الفرقة بين أبناء الأمة بسبب توجهاتهم الإسلامية واللاإسلامية أو الإسلامية والعلمانية إلى آخره، لكن للأسف الشديد تدخلت فيه جهات واخترقت هذا المؤتمر وسيرت المؤتمر في السنين الأخيرة إلى تحقيق مشاريعها..

عثمان عثمان: أريد أن أسألك عن إمكانية الانسجام بين هذين المصطلحين ممكن إذا قام على مبادئ ثابتة وراسخة، فضيلة الشيخ اسأل الآن الصراع في المنطقة يكاد أن يتحول أو ربما تحول إلى صراع طائفي متشابك مع مشاريع سياسية وتدخلات أجنبية واحتقان هائل وسياسات تعمق هذا الشرخ، أمام هذا الواقع الذي لا ينكره أحد الآن ما العمل؟

حارث الضاري: بالنسبة لهذا الموضوع أقولها إن ما يحدث اليوم وخصوصا في موضوع سوريا الخلاف فيه ليس مذهبيا وقد لا يرضى بذلك غيري أو كثير مما يسمعون الخلاف هو سياسي وهو خلاف مشاريع إقليمية ودولية في المنطقة، وكما قلت في بداية كلامي أن أصحاب هذه المشاريع استخدموا كل الأسلحة، الأسلحة العسكرية الجارحة الفتاكة، واستخدموا أيضا الأساليب الأخرى السياسية والدينية ومنها المذهبية، فلذلك ما يجري اليوم في سوريا هو صراع سياسي لمشاريع، إيران مثلا اليوم هي وراء ما يجري وبصراحة في سوريا وهي مناصرة للنظام ومؤيدة له ومساعدة وبكل وضوح وصراحة، وكذلك تخندق معها بعض الأطراف الدولية كروسيا والصين وأطراف أخرى، والمشاريع الأخرى هم يقولون بين المشروع المقاوم والمشروع الأميركي الإسرائيلي..

عثمان عثمان: وأنت ترى غير ذلك؟

حارث الضاري: الحرب بين شعب مظلوم وبين حاكم ظالم.

عثمان عثمان: في الختام أعتذر منك فضيلة الشيخ في الختام أشكركم على حضوركم معنا في هذه الحلقة ودائما سيف الوقت مسلط على رؤوسنا، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة لكم تحيات معد البرنامج معتز الخطيب والمخرج منصور الطلافيح وفي المتابعة عبير العنيزي وسائر فريق العمل، وهذا عثمان عثمان يترككم في أمان الله السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.