- مفهوم الدين وأبعاده
- سُبل إحياء الدين
- تحسين صورة الإسلام بالغرب
- أهمية الاستقامة في حياة المسلم
- دور الدين في إعمار الحياة


عثمان عثمان
 العربي الكشاط 

عثمان عثمان: السلام عليكم مشاهدينا الكرام وأهلاً ومرحباً بكم من العاصمة الفرنسية باريس في حلقة جديدة من برنامج الشريعة والحياة، يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى}[طه:123] ويقول سبحانه وتعالى أيضاً {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال:24] ويقول عزّ القائل{وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا}[طه:124] الدّين أحد مقومات الحياة الإنسانية بل قد اعتبره الكثيرون غريزةً فطرية، والدّين يتجلّى عبر مستوياتٍ عدّة أبرزها المستوى الاجتماعي أو ما يسمّيه علماء التصوف بالمعاملة، فكيف تتجلّى الوظيفة الاجتماعية للدّين؟ وهل تراجعت الممارسة الاجتماعية له لصالح الشكليات والمظاهر أو الأفكار والعقائد العقلية والقلبية؟ وكيف نعيد التفكير في الدين وتجسيده في عالم حافل بالتغيّيرات؟ الوظيفة الاجتماعية للدين موضوع اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة الدكتور العربي الكشّاط، مرحباً بكم فضيلة الدكتور.

العربي الكشّاط: مرحباً.

عثمان عثمان: بدايةً نقول الدين، ما مفهوم الدين؟

مفهوم الدين وأبعاده

العربي الكشّاط: بسم الله والحمد لله وصلّى الله وسلّم على سيدنا رسول الله، الدّين عبارة عن أحكام ومعايير أكرم الله بها المتدينين من أجل أن يكيّفوا الموجودات التي يتعاملون معها، والدّين ليس دعوةً إلى الانسحاب من الدنيا والاهتمام بما لا علاقة له بالدنيا وإنّما أن يتمكّن الإنسان في المكان الذي يوجد فيه وأن يتحيز في الزمان الذي يعيشه.

عثمان عثمان: طبعاً له أبعاد نفسيّة أبعاد سلوكيّة أبعاد اجتماعية وغيرها.

العربي الكشّاط: موضوع الدين الأساسي هو الإنسان والإنسان ليس ذا بعدٍ واحد وإنّما ذو أبعادٍ متعدّدة، ولا يوجد فكر من الأفكار ولا دين من الأديان مثل الإسلام على قدرته في تلبية أشواق الإنسان وحاجاته النفسيّة والعاطفيّة والعقليّة والفكريّة والعمليّة في إطار مجتمع.

عثمان عثمان: إذن نتحدّث هنا عن الدّين الإسلامي بشكل مخصوص وليس عن مجمل الأديان.

العربي الكشّاط: نتحدّث عن مجمل الأديان إشارةً إلى ما تفضّلت به عندما قلت إنّ الدين ملازم للإنسان، كيف مثلاً في الفكر الغربي الفلسفة القديمة اليونانيّة درسوا ولاحظوا ما أمكن ملاحظته فاهتدى الانثروبولوجيون والاجتماعيون إلى أنّ الكائن الوحيد الذي يتديّن إنما هو الإنسان، ومن هنا فإننا نستطيع أن نقول إنّ تعريف الإنسان تعريف يتمثل في كونه كائن متديّن أعمق وأشمل من تعريفه الإنسان ككائن عاقل.

عثمان عثمان: نعم عندما نتحدّث عن الدين فضيلة الدكتور ما أهمية أن نفكّر بهذا الدين بوظائفه بأبعاده كيف يمكن تحقيقها في الحياة؟

العربي الكشّاط: لا نستطيع أن نتحدّث عن الدين وعن الدّين الإسلامي بصفةٍ خاصة بمعزلٍ عمّا يعانيه العالم المعاصر من ويلات، فالدّين يربط الإنسان بالواقع الذي يعيشه وهذا يشترك فيه الناس كلهم، فما وظيفة الدين؟ اعتاد بعض المسلمين أن يطنبوا في الحديث عن فضائل الدّين وديننا كله فضائل وفي الحديث عن إعجازيّة القرآن أنا دائماً أقول إنّ القرآن معجزٌ والأمة عاجزة، المفروض ترجمة الإعجاز القرآني يتمثّل في تهيئة الظروف الضرورية لئن يصبح المسلم فرداً وجماعةً معجزة.

عثمان عثمان: إذن أنت تتحدثون عن عالم مليء بالويلات والمشكلات هل ترون أنّ حل مثل هذه المشكلات وإزالة مثل هذه الويلات يكون بالدّين؟

العربي الكشّاط: لا شك حتّى نلاحظ في العالم الغربي بعض بقايا المفكّرين، بقايا، لأن في ضحالة فكر وانحطاط ثقافي، بعض بقايا المفكّرين ماذا يقولون؟ يقول أحد المفكّرين الفرنسيين وكان وزير للثقافة عهد الجنرال ديغول: إنّ الحضارة الوحيدة التي لا تستطيع أن تطرح السؤال لِما ولا تستطيع الإجابة عنه إنما هذه الحضارة هي الحضارة الغربيّة، إذن الحضارة الغربيّة أبدعت في الإجابة عن سؤال كيف، كيف أطوّر وسائل المواصلات؟ كيف أطوّر وسائل كذا؟ كيف أطوّر؟ ولكنّها نسيت؛ نسيت السؤال الأهم وهو لما أعيش؟ فالآن هذا السؤال لن نجد له إجابة شافية إلّا في الإسلام.

عثمان عثمان: لكن في المقابل دكتور نلاحظ أنّ عدداً كبيراً لا بأس به من الوعّاظ من العلماء عندما يتحدّثون إلى الناس يتحدّثون بلغة الوعظ يتحدّثون عن اليوم الآخر عن الجنة وعن الترغيب في الجنة عن النار والتخويف من النار ولا يعلّمون الناس كيف يعيشون حياتهم بطريقة توصلهم إلى الجنة؟

العربي الكشّاط: إذن هذه ملاحظة لها ألف وألف شاهد من واقعنا مع الأسف، الآية التي تفضّلتها وافتتحت بها هذه الحلقة {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا} [طه:124] ينبغي أن نستحضر الآيات التي سبقتها، الآيات التي سبقتها تتحدّث عن تجربة رائدة تجربة أب البشرية آدم عليه السلام {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى* ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ} [طه:121،122] هنا عن حديثنا عن موقف الإعراض من الدّين ينبغي أن نتذكّر أن القرآن الكريم سجّل موقف إعراض المعرضين بعدما أخبرنا بتجربة آدم عليه السلام، وتجربة آدم عليه السلام تتجدّد من خلال أبناء آدم فالإنسان قد يعيش لحظة اهتداء ويقطف ثمار اهتدائه وقد يعيش لحظة اللاإهتداء ويجني شوك اللاإهتدائه فطريقة الحديث عن الآخرة تجعل الناس يفهمون أنّني عندما أفشل في حياتي أبحث عن معوّض ينسيني هموم الحياة اليومية لا حتى حديث القرآن الكريم عن الجنة لا يأتي إلّا في سياق الربط بين الثمرات التي يجنيها الإنسان من عمله الصالح في الدنيا والثمرات التي يجنيها الإنسان من عمله الصالح في الآخرة، فالجزاء جزاءان والثواب ثوابان وكلمة دقيقة كلمة الثواب يعني العمل الذي أعمله خيراً أو غير خير يؤول ويثوب وترجع إليّ نتيجته، فهذه الطريقة التي يعرض القرآن الكريم بها الحديث عن دور الإنسان في الحياة وما يستحقّه من خيرٍ أو شر في الدنيا إنّما يتوقّف على عمله وايش معنى الوعظ؟ الوعظ أن يقول الواعظ للذي يعظه كلاما يؤثّر فيه ولا يستطيع الإنسان أن يتأثّر إلّا إذا مثلاً الذي وضع يده في يوم من الأيام في النار هذا لا يحتاج إلى كلام طويل عريض يعني يصبح عنده فعلاً شراطي عندما يرى النار لا يضع يده فيها هذه طريقة القرآن.

عثمان عثمان: تهيئة نفوس لإلقاء المعلومات أو خطة العمل في الحياة.

العربي الكشّاط: أعجبتني كلمتك تهيئة النفوس، القرآن حقائق تتنزّل وتنزّلها يتجدّد المشكلة وين؟ المشكلة في القابلية ودائماً القرآن يتحدّث عن الخير النازل وإذا نلاحظ عطب نلاحظ العطب من جهة القابلية ومن ثم فإن الإسلام يحث المسلم على أن يشحذ عوامل القابلية لديه {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا* فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا}[الشمس:7-8] هذا لا دخل لي فيه ولكن {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا* وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} [الشمس:9-10] والكلمة القرآنية أفلح تذكّرنا بكلمة فلح والمعنى المحسوس لفلح، فلح الفلّاح الأرض أي شقّها واستودعها البذور الصالحة، هناك بذور صالحة مبذولة فالخير دائماً مبذول والمحل دائماً قابل، اختيار المقبول هو الذي يناط بمسؤولية الإنسان.

عثمان عثمان: إذن نحن هنا نتحدّث عن خلل في الخطاب الإسلامي خلل ينعكس على سلوك المسلم في الحياة وينعكس على صورة الإسلام عند غير المسلم.

العربي الكشّاط: هو المسلم مطالب بأن يحسّن سلوكه لأمرين: الأمر الأول أنه أقرّ ولا قيمة لإقراره ما لم يتحقق في سلوك ملموس ملحوظ هذا، ثانياً السلم باختياره الإسلام نزّله الإسلام منزلة الشاهد، منزلة الشاهد {لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ} [البقرة:143] وفي باب من أبواب الفقه باب الشهادات، باب الشهادات فينبغي علينا جميعاً نحن أن نراجع مقوّمات الشهادة والشروط التي تشترط لكي تكون الشهادة مقبولة غير مردودة في الحقيقة نذهل ذلك أنّنا نرى كثير من شروط قبول الشهادة وصحّتها مفقودة في مسالكنا أفراداً وجماعات.

سُبل إحياء الدين

عثمان عثمان: تحدّثنا في بداية الحلقة عن قول الله عزّ وجل {اسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال:24] وكأنّ القرآن يشير إلى وظيفة إحيائية لهذا الدّين، كيف تتجلّى هذه الوظيفة الإحيائية انطلاقا مما ذكرتم؟

العربي الكشّاط: الحقيقة الإنسان يؤدي وظائف حيوية بشكل تلقائي لا دخل له فيها عمليات نبض القلب الحمد لله الإنسان ليس المسؤول عن هذا عملية التنفس وهذه وظائف حيويّة ويشترك فيها كل الأحياء العقلاء وغير العقلاء من الأحياء، المسلمون وغير المسلمين، المؤمنون وغير المؤمنين وما إلى ذلك، فالإسلام شرائع الإسلام شرائع توظيفيّة تكلّف الإنسان بأن يوظّف إمكاناته وطاقاته من أجل أن يعطي للحياة الحيوية ما يمكنّها من أجل أن ترتقي من الحياة الحياتيّة إلى الحياة الإحيائيّة فهذا لما يحييكم، ولما يحييكم هنا ليس تقييدا ليس معنى ذلك أن الرسول عليه الصلاة والسلام والله جلّ جلاله يعني أحياناً يدعون إلى ما يحيي لا، هذا الكشف كشف عمّا، كل ما دعا إليه الله وكل ما دعا إليه رسوله صلّى الله عليه وسلّم مبناه ومعناه إحياؤنا ومن هنا نستطيع أن نطرح السؤال متى حيي العرب؟ نحن نعرف القرآن أيضاً قبل أن وهو يمنّ على العرب بإرسال النبي عيه الصلاة والسلام { لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ} [آل عمران:164] فالسؤال متى يعني يجرّنا إلى تصوّر لما قبل والآن ولما بعد، لما قبل أطلق عليها فترة الضلال وإشراق الإسلام إشراق نور الإسلام هي مطلع اليوم مطلع الميلاد الجديد وكما قال السيّد المسيح عليه السلام: القضية ليست قضية الميلاد البيولوجي، الميلاد البيولوجي لا يتعلّق بي لا أختار اللحظة التي أولد فيها ولا دخل لي في اللحظة التي أنتقل فيها من دار الفناء إلى دار البقاء إنّما حياتي كإنسان تبدأ بالقوس الأول قوس ما يسمّى عندنا بسنّ التكليف من سنّ التكليف إلى القبر هنا الإنسان المسلم إذا قلت أنا مسلم ما معنى أنا مسلم؟ أسلم عواطفي وجوارحي وعقلي ومخيّلتي وكل ما وهبني الله عزّ وجل أسلمه إلى الإسلام يكيّفه وعندما يسلم العقل وتسلم العاطفة ويسلم القلب ويسلم الباطن ويسلم الظاهر يتحوّل الإنسان المسلم إلى طاقة تعطي حياتها وتنقاد لأداء واجباتها والواجبات واجبات قلبيّة وواجبات اجتماعية.

عثمان عثمان: إذن نتحدّث عن وظائف قلبيّة وظائف روحيّة وظائف نفسيّة للدّين ووظائف عمليّة هل نستطيع أن نقول إنّ الدّين ذو طبيعة عملية نفعيّة في الحياة؟

العربي الكشّاط: هو في تيّار من تيّارات الأفكار المعروفة في الغرب تيّار البراغماتية في كثير من المسائل نستطيع أن نقول أن الإسلام عملي، كيف عملي؟ مثلاً عندما يتحدّث القرآن الكريم عن أعمال القلوب التقوى شيء مجرّد ما معنى التقوى؟ يعني باختصار التقوى هي الامتثال لما أمر الله والانتهاء عمّا نهى الله، لكن ما حكمته والكيفية التي يترجم بها القرآن الكريم التقوى؟ خذ المثال هذا {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا} [الأحزاب:70] كأنّ سائلاً يسأل ما معنى اتّقوا الله؟ اتّقوا الله تتجلّى في تكييف اللسان الذي هو عضلة من العضلات أنعم الله بها علينا تكييفاً إسترّائيّاً الكلمة التي أنطق بها لا قيمة لها إلّا إذا كنت أهدف من ورائها إلى أن أنال رضا الله، "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت" وتلاحظون وأنت سيّد العالمين أن قال في اللغة العربية تطلب مفعولاً لماذا هنا النبي عليه الصلاة والسلام لم يقل قل لزيد لا لعمرو قلت كلمة الله فليقل خيراً يعني ابذر الخير ابذر الخير ولعلّك في يوم من الأيام الكلمة البذرة تصادف أرضاً طيبةً فتخرج ثمارها والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربّي والذي خبث لا يخرج إلا نكداً نيجي الآن في مجال القول والحضارة هذه المهيمنة أسرفت على نفسها فانتقلت من مستوى القول إلى مستوى الأقاويل، فهي حضارة أقاويل مثلاً.

عثمان عثمان: أيّة حضارة نتحدّث؟

العربي الكشّاط: الحضارة الغربيّة لماذا أقول الحضارة الغربيّة لأننا نحن مقلّدون تقليدا مضاعفا إما تقليد في إطار ثقافتنا وتراثنا لما أبدعه أسلافنا فهذا التقليد ألآبائي وجدنا آبائنا على أمة وفيه مجموعة أيضاً من أبناء المسلمين هذا إذا أصيب الغرب بزكام عطسنا مكانهم المفروض الذي يعطس هو المزكوم إذن هذا على ما يدل؟ يدل على أنّ جهاز التفكير عندنا في عملية إضراب متواصلة بينما القرآن الكريم، القرآن الكريم يجب أن يتلقّى لا على أساس أنه كلمات وإنّما على أساس أنه أفعال ولحكمة ما كانت أول كلمة لم تكن اسما ولا صفةً وإنما كانت فعلاً كانت فعلا مثلاً اقرأ، اقرأ ماذا أقرأ؟ أيضاً حذف المفعول لكي تستوعب الوظيفة القرائية جميع ما يمكن أن يطلّع عليه الإنسان ويقرأه.

عثمان عثمان: لذلك وصف أحدهم صحابة النبي عليه الصلاة والسلام كأنه أحدهم قرآنا كأنّ كل واحد منهم قرآناً يمشي على الأرض، دكتور أنقل لك الآن كلام السيد مهند كنّاس يبدو يعيش في أوروبا يقول: مسلمو أوروبا على احتكاك مباشر مع غير المسلمين وبالتالي تترتّب عليهم واجبات أكثر في الدعوة إلى الله عزّ وجل يقول عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه "كونوا دعاة إلى الله وأنتم صامتون، قيل وكيف ذلك؟ قال: بأخلاقكم" يعني يعتقد أو يقول بأنّ المسلمين يتحملون الجزء الأكبر في التشويه الذي يتعرض له الإسلام في الدول الغربية من فرقة يعيشونها وخلافات مذهبية، غياب مرجعية إسلامية ناهيك عن غياب الوسائل الإعلامية إلى ما هنالك، يركز على مسألة أساسية أنهم لا يلتزمون بدينهم وبالتالي لم يستطيعوا نقل الصورة الحقيقية للإسلام فما رأي الشيخ في ذلك؟ أسمع الإجابة لكن بعد أن نذهب إلى فاصل قصير فابقوا معنا مشاهدينا الكرام نعود إليكم بإذن الله بعد الفاصل.

[فاصل إعلاني]

تحسين صورة الإسلام بالغرب

عثمان عثمان: أهلاً وسهلاً بكم مشاهدينا الكرام من جديد إلى حلقة هذا الأسبوع والتي تأتيكم على الهواء مباشرة من باريس مع فضيلة الدكتور العربي الكشّاط، دكتور ذكرتم أنّ التقوى يجب أن تنعكس استقامةً في القول والسلوك والفعل، والسيد مهند كنّاس يقول أنّ مسلمين في الغرب لا تنعكس التقوى في حياتهم هناك فرقة هناك مشكلات ثقافية يعانونها هناك عدم وحدة على الأهداف والأفعال هناك عدم التزام بالدين ينعكس على الصورة الحقيقية للإسلام، ما رأيكم في ذلك؟

العربي الكشّاط: أنا أوافق الأستاذ مهند لا شك أنّ الطابع الغالب الآن على ما يكتب وعلى ما يقال في الشرق وفي الغرب بالكرة الأرضية القضية الإسلامية تحتل فيه مساحة شاسعة وهذا له عاملان: أولاً عامل أساسي وعامل ثانوي، العامل الأساسي نحن يعني نحن مسؤولون إلى حد كبير عن الصورة غير الصحيحة التي يصورها الناس عن الإسلام وهذا مثلما تفضل به أخونا الأستاذ مهند، ثانياً هناك ترسبات عند إخواننا الغربيين غبرت عليها قرون، وهذه الترسبات تملأ فضاء اللاشعور الغربي..

عثمان عثمان: ترسبات عن مفهوم الدين ودور الدين في الحياة.

العربي الكشّاط: مفهوم الدين، ترسبات منذ القرون ما يسمّى بالقرون الوسطى في أوروبا يعني أحياناً لما نقرأ من حين لآخر نراجع ما كتب يستغرب الإنسان يقول هؤلاء الناس، ففي ترسبات، هذه الترسبات قد تخمد فيظهر السلوك معوج منا سيضخم هذه الصورة إذا أردنا أن نقلل من امتداد هذه الصور المشوَهة المشوِهة علينا أن نحسّن علاقتنا، علينا أن نسأل نفسي أنا عندما أقول أنا مسلم ماذا تعني هذه الكلمة؟ هل الإسلام  يعني تقليص الإسلام إلى بعض الشعائر، هذه الشعائر، هل تقليص الإسلام إلى بعض الأركان، النبي عليه الصلاة والسلام أفصح من نطق بالضاد قال: "بُني الإسلام" لم يقل شرقُ الإسلام الخمس، فحقيقةً مسؤوليتنا ضخمة، والعرب تقول: كيف يستقيم الظل والعود أعوج، فالعود نحن لذلك القرآن يقول الوصية للنبي عليه الصلاة والسلام الذي سأله قال: "قل لي كلاماً مختصراً لا أسأل عنه أحد بعدك قال قل آمنت بالله ثمَّ استقم"

عثمان عثمان: ثمَّ استقم.

العربي الكشّاط: إذن كأنَّ مضمون الإيمان كأنَّ مضمون الإيمان بأعماقه وأبعاده وآفاقه تلخصه كلمة واحدة "استقم" وعلى فكرة..

عثمان عثمان: لذلك لمّا عرف العلماء الإيمان هو ما وقر في القلب وصدقه..

العربي الكشّاط: العمل.

عثمان عثمان: العمل، المشكلة أنّ ممارسات بعض الأشخاص الخاطئة من المسلمين أو المحسوبين على المسلمين يراها الآخرون نقيصة في الدين.

العربي الكشّاط: نعم، نعم.

عثمان عثمان: ولا يردونها إلى سلوك هذا الفرد وأنه مخالف إلى دين الله.

العربي الكشّاط: هذا فيه يعني نوع من الإجحاف ومن الظلم، المفروض أنّ كل إنسان يؤخذ بجريرته فهذا ومع ذلك يعني في أجهزة ومؤسسات خاصة ترصد هذه الظواهر التي لا نوافق عليها والتي لا علاقة لها بالدين ترصدها فتضخمها وتضع عليها لافتة الإسلام، هناك وقع في تاريخنا مشكلة الظاهر والباطن في العصر الأولي اللي هو العصر النموذجي ما كان قضية الظاهر والباطن..

عثمان عثمان: الظاهر اللي تبناها المتصوفة.

العربي الكشّاط: نعم.

عثمان عثمان: والظاهر عن الفقهاء.

العربي الكشّاط: نعم، هل مثلاً عندما كان سيدنا عمر رضي الله عنه يخطب في المدينة المنورة، وكان عمر لما يكون في الجمعة أو الصحابة اللي كانوا معه غير وجودنا نحن وإذا به يرفع رأسه ويقول: "يا سارية الجبل" أين ومن يستطيع أن يقول لي ما هي الحدود التي تفصل بين باطن عمر وظاهره؟

عثمان عثمان: هناك كثيرون الآن يقولون يا سارية الجبل ويدعون الكرامات و..

العربي الكشّاط: هذه ليست كرامات مثلما يقولوا إخوانا في الشرق مكرمات، أعظم صورة تتجلى فيها الكرامة مثلما قال شيخ الإسلام ابن تيمية "الاستقامة" أعظم صورة للكرامة هي الاستقامة والاستقامة شو معناها؟ استقامة القلب بحيث لا يجد غير الله مكانا فيه غير حب الله سبحانه وتعالى، واستقامة اللسان بحيث لا يقول إلاّ صدق وعند الضبابية يكف، واستقامة اليد التي لا تفعل إلاّ خيراً، واستقامة الرجل التي تتحرك إلا للخير شوف مثلاً سيدنا يوسف عليه السلام كان سجيناً والمفروض وضع السجناء غير وضع الأحرار، وكان فأول ما وصل في زنزانته ربط علاقات خدماتية مع السجناء سألوه فأجابهم إذن قدم لهم خدمة، وكل المجتمعات تقدم خدمة المجتمع الإسلامي لا يكتفي بتقديم خدمة فقط وإنما يضيف إلى الخدمة معروفاً {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ}[النساء:8] هذا خدمة مادية {وَقُولُواْ..} إذن قطعة الخبز التي يعطيها من عنده للذي ليس عنده تتبعها كلمة طيبة تتبعها نظرة تتبعها ابتسامة والإنسان أقرب مسافة بين قلب بشري وبين قلب بشري الجمال.

أهمية الاستقامة في حياة المسلم

عثمان عثمان: سنعود إلى محور كلامكم لو أردنا أن نلخص {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا}[فصلت:30] لكن أريد دكتور أن نتوسع قليلاً في الوظيفة العملية للدين الوظيفة الحياتية للدين انطلاقا من بعض النصوص"الإيمان ما وقر بالقلب وصدقه العمل" "ربُّ صائم ليس له من صيامه إلاّ الجوع والعطش وربَّ قائم ليس له من قيامه إلاّ التعب" "من حجّ فلم يرفس ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه" يعني نتحدث عن عبادات عن شعائر دينية، ما أهمية أن تنعكس آثار هذه الشعائر الدينية والعبادات في حياة الناس ومدى ارتباط قبول هذه الأعمال والشعائر الدينية عند الله عز وجل بمدى انعكاسها على حياة الناس عملياً واجتماعياً؟

العربي الكشّاط: أنا عندما كنت أستمع إليك أستاذ عثمان وأنت تسرد وتقرأ هذه الآيات الكريمة أرادت بعدين  البعد مثلاً الصيام  اللي هو عبادة والبعد لعلكم تتقون، فالذي نستنتجه أنّ هذه العبادة التي هي حق الله على عباده إذا أُديت كما أراد الله عز وجل وكما بيّن النبي عليه الصلاة والسلام فإنها تُثمر ثمرات في حالة صيام التقوى في حالة الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر..

عثمان عثمان: أدى بشروطها وأركانها وواجباتها.

العربي الكشّاط: هذا، لذلك كلما تحدث القرآن الكريم عن الصلاة المرادة جعلها في إطار الإقامة لم يذكر القرآن الكريم الصلاة دون فعل الإقامة إلاّ في حالة المنافقين فالإقامة هذه تعود بنا إلى مفهوم الاستقامة ولا تصح الصلاة بدون قراءة الفاتحة، أنا أريد أن ألفت النظر نحن نقرأ {اهدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}[الفاتحة:6] فاللغة يقولون لنا وهذا الصحيح والتالي السين والتاء للطلب إيش معنى للطلب؟ هنا الصراط الذي نسلكه الذي هو الإسلام يطلب إلي ويطلب إلى كل المسلمين أن يستقيموا، هذا الصراط نفسه لو نطق ولو كلنا عندنا القدرة على فهم منطوقه لسمعت الإسلام يقول لي: أنت لست مسلماً إلاّ إذا حققت الاستقامة في حدود المستطاع.

عثمان عثمان: ولا تقبل صلاتك أو صيامك إلاّ في تحقيق الاستقامة.

العربي الكشّاط: لا تقبل هذا، "ربّ صائم - كما تفضلت- ليس له من صيامه إلاّ الجوع والعطش" والمرأتان اللتان جيء بهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال عليه الصلاة والسلام: "صامتا عما أحل الله وأفطرتا على ما حرم الله" وأيضاً المشكلة الآن مثلاً فيما يدخل..

عثمان عثمان: صامتا عن الطعام والشراب وأفطرتا على الغيبة والنميمة.

العربي الكشّاط: على الغيبة، كم نسبة كم نسبة المغتابين في مجتمعاتنا كم نسبة قبل..

عثمان عثمان: فاكهة المجالس يا دكتور.

العربي الكشّاط: والعياذ بالله هذه ضريعُ المجالس، قبل الحلقة تفضلت وذكرتنا بـ.. نسيت قلت لي كلمة كثير مفيدة، فهذه الصلاة.. سيدنا يوسف أعود إلى سيدنا يوسف عليه السلام لمّا أحسن للسجناء لم يلقِ خطبة في موضوع الإحسان والجمال قالوا {إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ}[يوسف:36] إنّا نراك من المحسنين مثلاً القرآن الكريم عندما يتحدث عن المجتمع الصالح نحن عندما نتحدث نقول يعني أفضل مهمة يؤديها الإنسان هو أن يدعو إلى الله عز وجل فقال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ}[فصلت:33] نلاحظ أنّ القول جاء بعد بناء المجتمع الصالح.

عثمان عثمان: بعد الفعل.

العربي الكشّاط: بعد الفعل، فالقول في الإسلام قول يشير إلى ما أنجزه المسلمون هذا، وعندما الناس لها أعين تبصر، عندما يبصرون يتساءلون كيف استطعتم أن تحققوا هذا؟ كيف استطعتم أن تبنوا هذا؟ كيف استطعتم كيف؟ عند ذلك قال: "أنا أرجع أنا كنت محلاً لرحمة الله عز وجل" كما يقول أحد الصالحين، فلا يفرح المؤمن بالأعمال الصالحة لأنها صدرت منه ولكن يفرحها بها لأنّ الله تبارك وتعالى جعله مظهراً لها.

عثمان عثمان: إذن انتم تتحدثون الآن عن اهتمام بالشكليات عند البعض على حساب الجوهر على حساب الفعل النافع والعمل النافع وتقديم القول على الفعل كمن يضع العربة أمام الحصان؟

العربي الكشّاط: نعم في الحقيقة لأنّ القول مسؤولية والإنسان، الإنسان القرآن الكريم مثلاً يعني آية كلما قرأها الإنسان {الرَّحْمَنُ*عَلَّمَ الْقُرْآنَ*خَلَقَ الإِنسَانَ}[الرحمن:1-3] يعني كان من المتبادر إلى الذهن أن نقرأ الرحمن خلق الإنسان علم القرآن لكن لا، علم القرآن لكن لا هنا الخلق نعمة إيجاد والقرآن الكريم نعمة إمداد، فالله تبارك وتعالى أعطى الأولوية لنعمة الإمداد على نعمة الإيجاد اليوم سبع مليار أو 8 مليار بشر كلهم مشتركين بأنهم موجودون، لكن كم نسبة الذين يستمدون من المعاني التي تجعل وجودهم يرتقي إلى أخلاق ملائكية ولا حتى في قصة يوسف عليه السلام لمعاملته الحسنى ولنجاحه في معترك الحياة، اللائي شاهدنه ماذا قلنا عنه؟ {مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ}[يوسف:31] هذا تشبيه عجيب في أخلاقه وفي عفته، كيف اكتشفوا أنه ليس مثل الناس الآخرين؟ من خلال التعامل، هذا هو القلب الذي صفا، اللغة العربية لغة معجزة أيضا هناك علاقة وثيقة بين السريرة والسيرة.

دور الدين في إعمار الحياة

عثمان عثمان: لا نريد أن ندخل دكتور في أعماقها حتى لا يتيه بنا الوقت ونبتعد عن صلب الموضوع بارك الله فيكم، وإن كان لكل ما تقولونه أهمية كبيرة، لكن نتحدث الآن أيضا عن دور الدين في إعمار الحياة وإعمار الدنيا، أنقل لكم قول الإمام الموردي أن أول قاعدة لصلاح الدنيا حتى تصير أحوالها منتظمة وأمورها ملتئمة "دينٌ متبع" كيف تتحقق وظيفة إحياء الدنيا إعمار الدنيا من خلال الدين؟

العربي الكشّاط: في الحقيقة المهمة الأساسية الإنسان أن يعبد الله عز وجل وهناك مثلث ذو أضلاع ثلاث: العبادة والخلافة والعمارة، العبادة والخلافة والعمارة عندما ينخرط المسلمون في عملية العمران في عملية التعمير إنهم يعبدون الله عز وجل عندما لا يعمرون لا يعبدون الله..

عثمان عثمان: ليست العبادة فقط صلاة في المسجد.

العربي الكشّاط: لا، لا، هناك علاقة وثيقة بين المكان والزمان الإنسان، الإنسان يتأثر بمحيطه الطبيعي وبالبيئة الاجتماعية والمفروض أنه يؤثر في المحيط الطبيعي وفي البيئة الاجتماعية مثلا قضية الوجود نحن الآن يعني هذه الحلقة إن شاء الله المباركة لا نستطيع أن نتصورها خارج إطاري الزمان والمكان الزمان في الساعة الفلانية والمكان في باريس، هذا ما علاقتي وعلاقتك بهذه اللحظة الزمنية التي نعتبرها نعمة من نعم الله، وبهذا المكان الذي نعتبره نعمة من نعم الله، المكان عنده معنيان: المعنى الجغرافي  لا دخل لك ولا لي  في هذا المكان لكن ما نضعه في هذا المكان أنت وأنا لولا أنت ما استطعنا أن نعمر هذا المكان، في هذا المكان قد يأتي بعدنا ناس آخرون يعمرونه بما يشاءون من التصورات.

عثمان عثمان : هو وسيلة..

العربي الكشّاط: وسيلة، هذا ظرف، إذن الزمان ظرف، والمسلمون مطالبون بأن يختاروا المظروف، والمظروف ليس هم  يختارون أسسه ومنطلقاته وأهدافه إنما يبدعون وسائله لكي يتكيف المسلم مع الزمان والمكان، فيسأل هذا السؤال هذا متى بدأ طرح هذا السؤال؟ بدأ طرح هذا السؤال من عهد ابن خلدون رحمه الله عندما تحدث عن العمران، تحدث عن بلوغ العمران الاستهلاكي الدرجة العليا ثم الانحدار ثم خروج الإنسان الآن ماذا يقولون؟ 

عثمان عثمان: يتحدثون عن العمران بشكل المعروف المادي الملموس.

العربي الكشّاط: هذا لأن الحضارة الغربية التي أتت بالعجب العُجاب في ميدان الأشياء الآن تختنق، لأن العمران المادي هذا يلبي نسبة زهيدة من مطالب الإنسان ويبقى مطلب الروح هو الذي يؤرق الإنسان، وهذا ليس الذي أنا أقوله يعني هذه الأيام في باريس إحصائية رهيبة جدا حول تزايد ظاهرة القلق، هذا ليس العمران، المسلم مثلا في زمان عام وزمان خاص في مكان عام وزمان خاص، المسلم مثلا أنت تفضلت وأشرت إلى الحج، في حياة الإنسان كم عدد الساعات التي يقضيها في الحرم الشريف بالنسبة لامتداد العمر؟ الساعات عديدة قليلة ولكن تلك الساعات القليلة يشعر فيها شعورا نوعيا خاصا ويرجع من شعوره بالزمن الخاص في الكعبة الشريفة لينفخ في زمان ممتد بالليل والنهار في باريس في الشرق في الغرب لينفخ فيه هذه الروح، ما الفرق بين المسلم عندما يجتهد وغير المسلم عندما يجتهد؟ غير المسلم يعمر ليتمتع والمسلم أيضا مطلوب إليه أن يتمتع ولكنه يرجى بذلك ثواب الله، يحكى أن الإمام البيروني رحمه الله وكان عالما رياضيا كبيرا كان في مرض وفاته يعاني من آلام مبرحة زاره أحد أصدقائه العلماء، كيف حالك الشيخ؟ بعدما فاق من الغيبوبة قال له: والله أنا تذكرت المعادلة الرياضية الفلانية لم أهتدِ إلى حلها، فقال له الزائر: يا شيخ أفي هذه الحال؟ قال: أحب أن لا ألقى الله وأنا أجهل هذه المسألة.

عثمان عثمان: دكتور نتحدث عن الوظائف الحياتية والدينية والاجتماعية للدين هذه الوظائف هل تختلف باختلاف المجتمعات باختلاف الزمان باختلاف المكان، الزمان والمكان ربما متغيران؟

العربي الكشّاط: تختلف باختلاف التصورات، الإنسان كائن لا يستطيع أن يستغني عن أن يتصور شيء ما هذه الخطوة الأولى، الخطوة الثانية الإنسان أوتي القدرة على تصوير تصوراته هذه مثلا ندخل نحن الآن مكان عام ندخل إلى مطعم فتلاحظ شخص يتناول مشروبا معينا وشخص إلى جواره يتناول مشروب آخره إنها من خلال سلوكه عرفت تصورات هذا الشخص وعرفت القيم التي تحكم سلوكياته مع أنه تناول الأكل شيء مشترك، والإسلام كما تعلم شرائع الإسلام فيه جوانب منشأة أنشأها الإسلام وفي جوانب مطّورة محسنة، البيع والشراء قبل الإسلام المسلمون يبيعون ويشترون جاء الإسلام وضبطه بضوابط الشرع، شو هي ضوابط الشرع؟ تتلخص في ضرورة توفير العوامل التي تستجلب الخير وتستدفع الشر عنا كأفراد وكجماعات.

عثمان عثمان: هذه الوظائف والتجليات والعوامل تختلف في أوروبا عن بلاد الشرق مثلا عن بلاد المسلمين؟

العربي الكشّاط: تحدث بعض فقهائنا الكبار خاصة الذين عاصروا المسلمين في الأندلس تحدثوا عن الفروق الجغرافية الاجتماعية فمثلا في بلد من البلدان التي نشأت على الإسلام قد يجد الإنسان مجالا واسعا لتعبير عن تصوراته، أما في أمكنة أخرى إذا استثنينا الأصول واستثنينا أمهات الفضائل والأخلاق في داخل الإطار داخل القوس والمنطلقات الإسلامية والأهداف الإسلامية فإن المسلم يتصرف ويتكيف حسبما تقتضيه الظروف ولأمر ما تحدث الأصوليون عن الظروف العادية والظروف غير العادية التي تسمى الضرورات ولضرورة أحكام، لكن حتى لا نتسيب أن المسألة تحتاج إلى تأطير ثقافي، ثقافي بالمعنى الأشمل للكلمة يعني ينبغي أن نجدد نظرتنا إلى بناء جهازنا الثقافي المتمثل في التصورات والمعتقدات والمنطوقات والمنتوجات، بحيث يؤدي المسلم كل ذلك وهو مطمئن، لأن المسلم أحيانا تغلبنا نفوسنا وعوامل جذب وشد مع ذلك المسلم ما زال عنده حس الحلال والحرام فعندما يرتكب والعياذ بالله مخالفة يشعر بأنه غير مرتاح وهذا الشعور إيجابي لأن ذلك يدفعنا العودة إلى الطريق والعودة إلى الطريق تقتضينا أن ننهي عملية الطلاق الموجودة بين ما نقول وما نفعل وبين بواطننا وظواهرنا وبين مواقف الأفراد ومواقف الأمة.

عثمان عثمان: يلاحظ في الغرب أو في الكثير من الغرب هامشية للمسجد غياب ظاهري لأداء الشعائر الدينية كصلاة الجماعة ربما صوت الآذان موضوع الأعياد إلى ما هنالك هل تؤثر هذه المظاهر على الوظيفة الاجتماعية للدين عند المسلمين؟

العربي الكشّاط: لا تؤثر ولا تؤثر، لا تؤثر شريطة أن يشعر المسلمون أن المحافظة على الشعائر بحدود الإمكان ستشكل مع مرور الأيام، ستشارك في تشكيل بيئة ثقافية يتاح  فيها المجال إلى التعبير ثم الأمور تدريجية يعجبني كاتب بلجيكي اهتم قديما بالشأن الإسلامي قال كلمة عميقة قال وهو يخاطب الناس قال لهم: "الإسلام في أوروبا يدخل إلى بواطننا من أبواب عدة" قال: "يدخل من أنوفنا ومن أعيننا ومن أذاننا" وضرب مثالا في شهر رمضان قال مثلا عندما يتجول أحدنا طول النهار وروائح الطبخ تذكره والزي أيضا يذكره، فالحواس كلها الآن تلتقط هذه الصورة، بطبيعة الحال يعني إخواننا الغربيون عندما يرون ذلك لأن الإنسان عبد مألوفاته ونحن أيضا عبيد مألوفاتنا، ظاهرة أخرى المسلمون الآن في أوروبا ليسوا أجانب، المسلمون مكون أساسي من مكونات المجتمع الغربي ولا ننسى أن قرونا طويلة مضت على هذه الثقافة وعلى هذه الحضارة لم تعرف فيها ما يسمى بالحوار، نحن الآن مطالبون بأن نهيئ الشروط الضرورية للانطلاق حوار فكري مع أصحاب الفكر وللانطلاق حوار اجتماعي من خلال الجيرة الحسنة، "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه" من خلال الإحسان من خلال مساعدة الفقراء من خلال تنظيف الشوارع وهكذا من خلال تقديم خدمات، عند ذلك يقول لنا الناس ما قال السجناء ليوسف يا يوسف {إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ}[يوسف:36] إنا نراك من المحسنين يقولوا إنا سمعناك تتحدث على أنك محسن، ما سمعت في حياتي أن زهرة ألقت خطبة حول عطرها وإنما عطر الزهرة هو الذي يدل على وجودها ولو كانت مندسة في غابة كثيفة الأشجار.

عثمان عثمان: وأنت عطر هذا المكان دكتور، في الختام أشكركم على حضوركم معنا في هذه الحلقة، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة لكم تحيات معد البرنامج معتز الخطيب والمخرج منصور الطلافيح وسائر فريق العمل، وهذا عثمان عثمان يترككم في أمان الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.