- قراءة في مفهوم الطغيان
- البطانة المحيطة بالطغاة

- فكرة الحاكم المستبد العادل

- الاستبداد والطغيان في العمل الإسلامي

- عاقبة الطغاة في الدنيا والآخرة


عثمان عثمان
يوسف القرضاوي

عثمان عثمان: مشاهدينا الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أهلا ومرحبا بكم على الهواء مباشرة في هذه الحلقة الجديدة من برنامج الشريعة والحياة، يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ}[النحل:36] ويقول عز من قائل {الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا}[النساء: 76] نقض الطغيان بكل أشكاله وألوانه أحد أهم مقاصد القرآن الكريم، فكيف يخل الطغيان بأصل التوحيد الذي جاء به الأنبياء؟ وما صور الطغيان وأشكاله؟ وما العاقبة التي حددها القرآن الكريم للطغاة الذين يعذبون ويقتلون ويشردون الناس؟ "الطغيان وعاقبة الطغاة" موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة شيخنا العلامة الدكتور يوسف القرضاوي مرحبا بكم سيدي.

يوسف القرضاوي: مرحبا بك أخ عثمان.

قراءة في مفهوم الطغيان

عثمان عثمان: جاء الحديث عن الطغيان في القرآن الكريم بألفاظ متعددة منها الاستكبار والتجبر وجاء أيضا بلفظ الطغيان بداية ما المقصود بالطغيان؟

يوسف القرضاوي: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا وإمامنا وأسوتنا وحبيبنا ومعلمنا رسول الله وعلى اله وصحبه ومن اتبعه هداه {رَبَّنَا ءاتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا} [الكهف: 10] {رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} [آل عمران: 8] وبعد، فإن الشّارع الحكيم يريد للناس أن يعيشوا حياة طيبة سعيدة يحس كل منهم بها بنفسه وبغيره لا يظلمه أحد ولا يطغى عليه أحد ولا يستبد بأموره أحد، ولهذا كان سعي الإسلام إلى الحكم العادل، إقامة العدل في الأرض، الله بعث الأنبياء جميعا لإقامة العدل {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ}[الحديد:25] هذا هو الهدف الأكبر لكل الرسالات أن يقوم الناس بالقسط فإذا ذهب القسط والعدل وبدأ هناك أناس يفرضون أنفسهم على الناس يريدون أن يتصرفوا بالناس على حسب أهوائهم لا على حسب الحق ولا على حسب الشرع ولا حسب المصلحة ولا حسب الأخلاق إنما حسب أهوائهم هم فهؤلاء هم الطغاة، الطغاة هم الذين يجاوزون الحد في العصيان وفي الظلم وفي مجاوزة حقوق الناس، دائما كل ما يجاوز حده القرآن يسميه طغيانا، واللغة العربية تسميه طغيان، حتى الماء لما يتجاوز ويبدأ يغرق الناس يقول لك طغّى الماء، لما سيدنا نوح طغى الماء ماء الأرض طلع ميّاه، والميّاه والسماء تنزل ميّاه طغى الماء {إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاء حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ}[الحاقة: 11] فهذا طغيان، طغيان مجاوزة الحد، فالإنسان إذا جاوز حده ونسي أنه مخلوق ضعيف مثله مثل الآلاف والملايين يعني الملك اللي بدعي أنه هو متجبر في الأرض أو أنه إله في الأرض ما الفرق بينه وبين غيره من الناس؟ لا يزيد عنهم عينا ولا أنفا ولا فما ولا إصبعا بل هو كسائر الناس إلا أنه بسبب طغيانه يتضخم ويتضخم بحيث يصبح يأخذ مكان الآلاف من الناس، فهؤلاء هم الذين يسميهم الناس في عصرنا الطغاة، هؤلاء الطغاة الظلمة الذين جاوزوا الحد ولذلك القرآن بعث أنبياء الله ورسله جميعا {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ}[النحل:36] اجتنبوا الطاغوت، الطاغوت هو كل ما يعبد ويعظم ويطاع من دون الله، طاعة مطلقة، هذا هو مصدر الفساد في الأرض فالله أرسل وقال {اعْبُدُواْ اللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ} لا تتم عبادة الله حقا إلا إذا اجتنبت الطاغوت ولا يتم الإيمان بالله إيمان حقيقي إلا إذا اجتنبت الطاغوت ولذلك الله تعالى يقول: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا}[البقرة: 26] في الأول يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله، والطاغوت أحيانا يطلق على الأصنام والآلهة التي اتخذها المشركون من دون الله، هذه أيضا أصبحت طاغوتا {وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى}[الزمر:17] يعني أصبح هناك طواغيت في الأرض الذين يعني أمرهم الشيطان أن يكفروا بالله ويتحاكموا إلى الطاغوت يتحاكم إلى الطاغوت بدل أن يحتكم إلى كتاب الله أو إلى سنة رسول الله أو إلى وحي الله نتحاكم إلى هذه الطواغيت ونرجع إليها التي تحكم بيننا، فهذا شر ما تصاب به البشرية أن تصبح هذه الطواغيت هي التي يعمل الناس من أجلها ويقاتل الناس من أجلها كما قال القرآن: {الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ..}[النساء: 76] طاغيتهم شيطانهم ألهاتهم هذه {يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ}[النساء:51] فالطواغيت هذه هي ما أشاع الظلم وأشاع الاضطراب وأشاع الفساد في الأرض ولذلك جاء أنبياء الله جميعا ليقاوموا هذا الطاغوت سيدنا موسى لماذا أرسله الله إلى فرعون قال له: {اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى}[طه:24] وقال لموسى وهارون معا {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى}[طه:43] ما دام طغى يعني جاوز حده في الإسراف على حقوق الناس وعلى حرمات الناس وعلى دماء الناس وعلى أموال الناس وعلى أعراض الناس وعلى حريات الناس وعلى كل ما يحرص عليه الناس أصبح هذا خطرا عليهم فلا بد أن يذهب إليه رسل الله ليعرفوه قدره وليعرفوه بربه ولذلك ذهب موسى إلى فرعون {قُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى}[النازعات: 18-19] وربنا يعني مع هذا أمره بأن يذهب إلى فرعون ويقول له قولا لينا {فَقُولا لَهُ قَوْلا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى}[طه:44].

عثمان عثمان: مولانا أين موقع الاستبداد من الطغيان؟

يوسف القرضاوي: الاستبداد جزء من الطغيان، الاستبداد يعني هو أن ينفرد الحاكم بالأمر دون أن يأخذ رأي الناس أن يشاور أهله، الشورى، هو إذا جاء في ذهنه أمر نفذه قام به وفرضه على الخلق وهذا هو الاستبداد الذي ألف فيه الإمام الكواكبي كتابه الشهير "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد" فالاستبداد هو جزء من هذا الطغيان الذي يطرأ به، والقرآن يعني ذكر لنا أسماء كثيرة من أشياء هي  يعني مثل الطغيان أحيانا نسميه الطغيان أحيانا نسميه الظلم {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ}[الأنعام:21] {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}[المائدة:51] { وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ}[هود:102] ويسميه أحيانا الجبروت، {وَاسْتَفْتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ}[إبراهيم: 15] يعني فالجبابرة في الأرض لا بد أن يخيبوا ولن ينجحوا أبدا أو المستكبرين انه {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ}[النحل:23]، المفسدون أيضا، الجبروت يؤدي إلى الفساد إلى الطغيان يؤدي إلى الفساد، ربنا قارن بين الطغيان والفساد فقال: { أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ *إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ* الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ *وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ* الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ* فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ{ [الفجر: 6-12] شوف جمعوا بين الطغيان وكثرة الفساد {فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ} فالطغيان يعني ظلم فادح مع فساد، الفساد غير الظلم، فيه ظلم يقع ولكن لا يكون فيه فساد، ولكن في ظلم يقع مع الفساد إن الأشياء تسمى بغير أسمائها توضع في غير أماكنها يأخذها غير أصحابها تظهر بغير الصورة الحقيقية، فهذا هو الإفساد في الأرض، فهذا كله من الطغيان الذي يمارسه هؤلاء الذين سماهم الله تعالى "ظالمين" وسماهم "مستكبرين" وسماهم يعني "أهل الجبروت" والقرآن يعني يكره هؤلاء سواء كانوا حكاما أو محكومين، حتى إذا المحكومين كانوا من أهل الجبروت أو أطاعوا أهل الجبروت وأصبحوا جنودا لهم يصبحون مثلهم، لماذا قال: {إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ}[القصص:8] {فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ}[القصص:40] لان هم الذين يؤدون ما يريده فرعون من ألوان المظالم والمفاسد والمخاطر على البشر ولذلك يقول: {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ}[الزخرف:54] ويقول على قوم نوح{وَتِلْكَ عَادٌ}[هود:59] قوم عاد، {وَتِلْكَ عَادٌ}[هود:59] يقول لسيدنا هود، {وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُواْ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} [هود:59] فما دام اتبعوا أمر كل جبار عنيد أصبحوا ملعونين مثلهم جاءت النقمة وجاء عذاب الله أخذ هؤلاء القوم وأتباعهم..

عثمان عثمان: ما المطلوب من أتباع الطغاة والمستبدين الذين يعيشون في مجتمع فيه حاكم مستبد فيه طاغية فيه جبار عنيد ما واجب الذين يعيشون في ظل هذا الحكم؟

يوسف القرضاوي: واجب هؤلاء أن يتعاونوا ليقفوا ضد هذا الطغيان وضد هذا الجبروت، لا يستطيع الفرد وحده أن يقاوم الطغاة، الطغاة هؤلاء أناس معهم قوة؛ قوة مادية قوة عسكرية قوة بشرية تملك وتأدب كل من يرفع صوته ويطالب بحق، لماذا حرم الناس في سوريا؟ الناس قاموا في سوريا ما كان معهم سلاح لم يكن معهم مدفع ولم يكن معهم سيف ولم يكن معهم سكينة بل لم يكن معهم حجر ولا حصاة يعني في فلسطين قاموا معهم حجارة هدول ما معهم حتى حجارة ما معهم أي شيء فقط ينادون بالحرية وقفت الطغاة والجبارون يقولوا لهم لا، فهذا هو موقف دائما أهل الطغيان والجبروت يقفون ضد الشعوب، كيف تستطيع الشعوب؟ الشعوب ما معها أسلحة، الشعوب عادة هم أهل الشعب يعطوا الأسلحة للجيش يعطي من قوته وقوت أولاده وعصارة رزقه يعطي للجيش يشتري أسلحة وبعض الأسلحة دي تصبح في يد مين في يد هذا الجيش، هذا الجيش الذي سلح من أموال الشعب يصبح الشعب هو الضحية لهؤلاء الظلمة وهؤلاء الطغاة، فهذه مشكلة كيف يستطيع الشعب أن يقاوم إذا تعاون بعضهم مع بعض، ضعيفان يغلبان قوي زي ما يقولوا، فإذا كان أنت معك أسلحة ولكن إحنا الشعب أضعاف الجيش فإذا تعاوننا بعضنا مع بعض ووقفنا نقول لا بكل قوتنا وبكل صراحة نقول لهذه الطاغية المستبد الجبار نقول له لا، لا بد أن نرغمه على أن ينزل على رأينا، سيستطيع أن يقتل منا، لأن هؤلاء الطغاة والجبابرة لا يبالون بدماء الناس ولا يبالون بحقوق الناس ولا يعبئون بحريات البشر، كل هذا عندهم لا قيمة له من أجل أن يبقى هو في الحكم ويبقى مسيطراً ويبقى متحكماً في رقاب الناس سيظل يُعمل أسلحته ودباباته وطائراته ومدافعه وراجماته في البشر، البشر يتقوون بالتجمع أن يقف بعضهم مع بعض، تتجمع القوة البشرية مع القوة العقلية مع القوة الإرادية مع الكثرة ومع من يعاونهم من البشر في النهاية ينتصرون على الظالم ويأتي من معه السلاح يسلم لهم سلاحهم ويكثر القليلون ويقوى الضعفاء بمرور الزمن إن شاء الله.

عثمان عثمان: إبراهيم حاتم يسأل هل يجوز مواجهة الطغيان بطغيان أكبر؟

يوسف القرضاوي: لا، لا نحارب الطغيان بطغيان، نحن نحارب الطغيان بالعدل نحارب الظلم بالعدل نحارب الاستكبار في الأرض بالحق نحن معنا الحق، لا نريد أن نكون طغاة مثلهم، إذا كان طغاة مع طغاة لما يروحوا في داهية الاثنين، طاغية يحارب طاغية، "اللهم العن الظالمين بالظالمين وأخرجنا من بينهم سالمين" يعني اضرب الظالمين بالظالمين وأخرجنا من بينهم سالمين، هكذا كان دعاء أهل الحق في الزمن الماضي، أن ربنا سلط الظالمين على الظالمين ويخرج سائر الناس من بينهم سالمين،  إنما لا يجوز أن طغيان يحارب طغيان، ممكن أن إذا كان عندنا طغيان يحاربنا وجاء طغيان آخر نقول ربنا سلط الطاغية على الطاغية، إنما لا نكون نحن طغاة ونحارب الطغيان لأ، نحن نحارب الطغيان باستمساكنا بالحق، لأننا معنا الحق نستحق أن ينصرنا الله، لأن الله هو الحق، {فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ}[يونس:32] {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ}[الحج:62] {يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ}[النور:25] فالحق هو الله فنحن نستمسك بالحق ما جاء من قبل الله، الذين مع الله هم مع الحق، الذين ينصرون الله ينصرون الحق، فلا بد ن نتأيد دائماً بالاستمساك بالحق لا بالطغيان أبداً.

عثمان عثمان: القرآن الكريم مولانا أطلق صفة الطغيان على القائد السياسي كما تحدث عن فرعون، {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى}[طه:43]على القوم عندما قال إنا قوم طاغون، على البصر {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى}[النجم:17] وجعل الطغيان صفة عامة للإنسان، عندما قال {كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى}[العلق:6] كيف يمكن تحليل ذلك!

يوسف القرضاوي: الطغيان كما قلنا أساسه مجاوزة الحد في كل شيء خصوصاً في الظلم والتعالي على البشر وأكل أموال الناس وأكل حقوق الناس، هذا هو الطغيان..

عثمان عثمان: ليس مرتبطاً فقط بالقائد السياسي أو الزعيم أو الحاكم؟

يوسف القرضاوي: لأ هو يعني القائد السياسي قد يكون طاغية طبعاً وقد يكون الإنسان يعني العادي طاغية، قد يكون الرجل طاغية على أهل بيته، على زوجته وعلى أولاده، هو مستبد معهم لا يشاورهم في أمر، لا يأخذ أمرهم في شيء، يفرض عليهم رأيه لا يعلمهم كيف تكون الحياة الطيبة بين الناس، هذا مستبد هذا طاغية في بيته، ليس هذا من الإسلام في شيء، "إذا كان رب البيت بالدف ضارباً فشيمة أهل البيت كلهم الرقص"، وده يعلمهم الاستبداد ويعلمهم الطغيان، القرآن يقول { كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى* أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى} [العلق: 6-7] في طغيان سياسي وفي طغيان مالي واقتصادي، الإنسان ممكن يكون معه مال ولكن المال لوحده لا يجعله طاغية، إنما إذا رأى نفسه استغنى عن الناس واستغنى عن الله واستغنى عن الكل، فيصبح في هذه الحالة طاغية، { كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى* أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى} [العلق: 6-7] الإنسان لا يطغى بمجرد الغنى إنما بمجرد رؤية نفسه مستغنياً عن الناس وعن الله، هذه النظرة هي النظرة السيئة التي تجعل الإنسان طاغية والإنسان ممكن يطغيه ماله ممكن يطغيه منصبه أنه مدير أو وزير أو عميد أو رئيس، فيطغى على الذين يرأسهم ويصبح متحكماً فيهم ولا يخاف الله فيهم ولا يعطي لأحد منهم حقاً يصبح هذا فرعوناً، قالوا لفرعون: "يا فرعون ما فرعنّك قال لهم: ما لقتش حد يردني".

عثمان عثمان: {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ}[الزخرف:54].

يوسف القرضاوي: {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ}[الزخرف:54] فهناك ليس الحاكم وحده هو الطاغية، هو أساس الطغيان الحكم، والطاغية الأكبر أن الطاغية في ماله أو في أسرته أو في جماعته أو في وزارته طاغية محدود، إنما هذا هو الطاغية الذي يعم الوطن كله ويشمل الأموال ويشمل الدماء ويشمل الحقوق ويشمل الحريات فكان هذا طاغية كبير مثل فرعون حينما يعني أرسل الله إليه موسى وقال يعني أراد أن يقتل موسى {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ}[غافر:26] فرعون يتهم موسى أنه جاء يبدل الدّين ويظهر في الأرض الفساد، إنما هو قال إيه؟ {قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ}[غافر:29] فانظر فرعون يهدي سبيل الرشاد وموسى يظهر في الأرض الفساد، هذا شأن الطغاة دائماً، يعني كل شيء يعني يفسرونه لمصالحهم هم، هم الذين يقومون على حقوق الناس وعلى أموال الناس مع أنهم هم الذين يأتون على الناس بكل الشر، ليس وراء الطغيان إلا الشرور، إذا الناس تعودوا على الشر، ما معنى تتعود على الشر؟ تعود أنك تطيع إله غير لله، هذا الذي يدعي أنه يعني متحكم في الناس معناها يدعيّ عن نفسه إله كما ادعى فرعون وقال لقومه: {فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى}[النازعات:24] {مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي}[القصص:38]  فأصبح هذا الطاغية الذي قال الله أنه طغى وقال موسى وهارون {قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى}[طه:45] لأنه طاغية كبير، هذا أصبح متأله، {فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى}[النازعات:24] أكبر رب في الناس، فهذا وشأن هؤلاء إذا الناس أذعنوا له ولم تقف منهم طائفة ضد هذا التجبر في الأرض والاستكبار على الخلق، هذا سيستمر إذا لم يجد مقاومة سيستمر في طغيانه ويزداد كل يوم طغيان على طغيان وكبراً على كبراً وجبروت على جبروت إذا لم يقم الناس عليه ويوقفوه عند حده.

البطانة المحيطة بالطغاة

عثمان عثمان: نتحدث مولانا عن الطاغية أو الطغاة لكن هناك ما يسمى بالحاشية من القريبين من هؤلاء الحكام ربما يكونون من أهل المشورة من أهل الحكمة وربما نجد بعض الطغاة أيضاً من يقف إلى جانبهم ممن ينتسب إلى العلم من العلماء يعني يقولون لهذا الحاكم ما نرى إلا ما رأيت ويشجعونه على طغيانه وظلمه، هل مثل هذا الفعل يكون مبرراً للحاكم أو عذراً له في ممارسة طغيانه؟

يوسف القرضاوي: لا، لا يكون عذراَ له، هؤلاء هم أتباعه وكل طاغية له أتباع من قومه من جنوده العسكريين من الزعماء السياسيين، من الرجال الاقتصاديين من عامة الناس، كثير من عامة الناس يكونون مع الحاكم الظالم الذي يعني يأكل حقوقهم ويأخذ عرق جبينهم وكد يمينهم، يعني لا يستفيدون حتى مما يكسبونه، يأخذ هو كل شيء ومع هذا هؤلاء الناس لا يعرفون ظلم هذا الظالم فيظلون أتباعا لها ويؤيدونه ويسيرون وراءه ولا يعرفون انه هو أكبر عدو لهم لأن حقوقهم كلهم هو التي أكلها، أموالهم كلهم هو الذي ضيعها، جهودهم كلها هو الذي ذهبت سدى في عهده، فهؤلاء ليسوا حجة لهذا الظالم بل هم حجة عليه لأنهم ليس عندهم منطق يقوم على يعني عدل، منطقهم بماذا يؤيدون هذا الرجل؟ لماذا يستحق أن يؤيد؟ لأن معه إقامة الحق أو إقامة العدل وأنه ينصف الضعفاء من الناس، إذا جاءته امرأة أرملة أو صبي يتيم أو رجل لا يجد عملاً أو إنسان ضعيف يحتاج إلى قوة، إذا جاء أحد هؤلاء المستضعفين هل ينصفه؟ لا ينصفه، فهم الذين يقولون يعني يؤيدون هذا الظالم يؤيدونه بغير حق ليس معهم حجة يسندون بها ظهره، لو كان معهم حجة كنا معهم إنما هم ليس معهم حجة فحجتهم باطلة، ولذلك المفروض أن إحنا دائماً نقف مع أهل الحق لا نقف مع أهل الطغيان أبداً، أهل الطغيان هؤلاء دائماً هم أهل الباطل، ولذلك ربنا يحذرنا دائماً أن نقف مع هؤلاء، نقف دائماً مع أهل العدل ولو كانوا حتى من أقل الناس حتى لو كانوا ناس ضعفاء ليس معهم قوة ولا معهم كثرة ولا معهم.. أنا أقف مع صاحب الحق ولو كان أضعف الخلق، حسبي أن الله معه وأنه في النهاية هو المنصور حتى لو لم ينصف في الدنيا لو فرض أن الناس لم تثر على هذا الظالم، كثيراً ما يحدث هذا، نجد هذا الظالم يستمر في ظلمه ويجد أعواناً له يعاونوه على الظلم حتى بعض الزعماء يصبح عوناً له حتى بعض القضاة يصبح عوناً له، حتى بعض الأدباء والشعراء يصبحوا ألسنة تسبح بحمده، حتى بعض العلماء يصبح من بطانته..

عثمان عثمان: هؤلاء معه في طغيانه ومعه في العاقبة والجزاء؟

يوسف القرضاوي: طبعاً هم معه في الجزاء مثله مثلهم، حينما ينزل عقاب الله على هؤلاء الناس ينزل على الجميع، ربنا يأخذ الجميع الكبار والصغار وكل من شارك مع هذا الرجل في ظلمه وطغيانه يأتي عذاب الله حينما ينزل يأخذهم جميعاً أو يوفرهم الله إلى الآخرة أحياناً ربنا لا يأخذ الناس بالعذاب لو أخذهم بالعذاب أحسن لهم لأنه عذاب الدنيا يوفر عليهم بعض من عذاب الآخرة إذا ادخر كل العذاب لهم بالآخرة سيكون نصيبهم من عذاب الله أكبر وأقصى {وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ} [إبراهيم: 42].

فكرة الحاكم المستبد العادل

عثمان عثمان: نعم، مولانا تحدثنا أن الاستبداد هو جزء من الطغيان ماذا عن مقولة كما يسأل السيد جمال الطواب، ماذا عن صحة مقولة المستبد العادل وهل لها نماذج من حكام المسلمين؟

يوسف القرضاوي: هذه قيلت في أيام المصلح الكبير جمال الدين الأفغاني الذي وقف ضد الطغاة والظالمين والملوك والحكام في كثير من بلدان المسلمين ولكن هو نفسه نفى هذا وقال إنه الاستبداد...

عثمان عثمان: يتنافى مع العدل.

يوسف القرضاوي: يتنافى مع العدل، لا يمكن أن يكون العادل مستبداً، العادل لا يكون مستبداً والمستبد لا يكون عادلاً أبداً، لذلك لا يجوز أن نقول كما زعموا أنه لا ينهض بالشرق إلا مستبد عادل لا، إذا قوي عادل معلش الشرق يحتاج إلى حاكم قوي عادل ما يكنش حاكم مزعزع الناس تعمل عليه انقلاب أو عصيان أو كذا ولا يستقر له أمر، الحاكم الذي يستطيع أن يقيم الحياة الطيبة للشعب هو الحاكم القوي فهذا هو معنى المستبد هنا، إنما ليس معنى المستبد الذي ينفرد بالسلطة ولا يشارك الشعب ولا يسأل أهل الرأي ولا يأخذ يعني من الناس ما ينبغي من عندهم هذا لا يمكن أبداً هذا مرفوض.

عثمان عثمان: جاءني أكثر من سؤال منهم من السيد هشام وليد والسيد محمد أبو الهيجاء يسألون: هناك من يعمل في الحقل الإسلامي ويمارس الاستبداد باسم الدين ولا يقبل النصح، كيف نتعامل مع مثل هذا الصنف من الناس، أسمع الإجابة لكن بعد أن نذهب إلى فاصل قصير، فابقوا معنا مشاهدينا الكرام نعود إليكم بإذن الله بعد الفاصل.

[فاصل إعلاني]

الاستبداد والطغيان في العمل الإسلامي

عثمان عثمان: أهلاً وسهلا بكم مشاهدينا الكرام من جديد في حلقة هذا الأسبوع من برنامج الشريعة والحياة والتي نتحدث فيها عن الطغيان وعاقبة الطغاة ومع فضيلة شيخنا العلامة الدكتور يوسف القرضاوي، سؤالنا قبل الحلقة فضيلة الدكتور عمن يمارس الاستبداد في العمل الإسلامي، لا يقبل رأياً ولا يقبل نصحاً ولا مشورة، هذا السؤال سأله هشام وليد ومحمد أبو الهيجاء كيف يمكن التعامل مع مثل هذا الشخص، وهل هناك فعلاً استبداد وطغيان في العمل الإسلامي؟

يوسف القرضاوي: لا طغيان في العمل الإسلامي المفروض الإسلاميون هم أبعد الناس عن الاستبداد وعن الطغيان الإسلاميون هم أقرب الناس إلى أن يقيموا العدل والشورى والحرية هم الذين يقرؤون كتاب الله عز وجل }إ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ{[النساء: 58] هم الذين يقرؤون قوله تعالى }وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ{ [الشورى: 38] وقوله تعالى {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ}[آل عمران:159] ويعتبرون أن الشورى هي أساس الحكم العادل وأساس السعادة حتى في الحياة البشرية العادية يحتفي بالأسرة، ربنا جعل يعني قال يعني الزوجين الرجل والمرأة يعني حينما إذا أراد فصالاً منهما فيعني لا بد أن يتشاورا فيعني الأم والأب إذا أرادا الفصال بين طفلهما يفصلاه عن الرضاعة يتشاورا، فالمشاورة هذه أمر مطلوبة للإنسان المسلم ((ما خاب من استخار وما ندم من استشار)) ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم أكثر الناس استشارة للصحابة كان يشاورهم في كل أمر من الأمور ولا ينفرد هو برأيه، وكذلك كان أبو بكر رضي الله عنه ويقول: "إن رأيتموني على خير فأعينوني وإن رأيتموني على باطل فسددوني" وسيدنا عمر أيضاً يقول لأصحابه هذا، الخلفاء الراشدون هم أكثر الناس استشارة وعلّمونا هذا ويجب أن نتعلم من هؤلاء كيف يعني نحكم بلادنا إذا كنا حكاماً نحكم فئتنا، إذا كانت فئة صغيرة مدرستنا كليتنا جامعتنا إدارتنا كيف نحكم هذه الأشياء، لا بد أن نحكمها بالعدل وبالشورى نأخذ ونعيش بآراء الناس، لا يعيش الإنسان برأيه وحده، المشاور يأخذ عقول الناس مع عقله فبدال ما يشتغل برأيه لوحده يشتغل بآراء الآخرين فلماذا تعيش برأيك وعندك آراء أخرى كثيرة ربما كان هناك رأي بعض الناس أفضل من رأيك وهذا ما يوجد في كل مجتمع، فلماذا يحرم الإنسان من آراء هؤلاء، ولذلك أنا أقول الإسلاميين عليهم أن يكونوا أحرص الناس على أن يكونوا ملتزمين بإقامة العدل وبإقامة الشورى وبأخذ الرأي والبعد عن الطغيان والاستبداد وإذا وجدوا إنساناً مستبداً أو طاغية عليهم أن ينصحوه ويقولوا هذا ليس من الإسلام، الإسلام يرفض هذا الأمر ينصحوه وبعد ذلك يكون ضده، الإسلام يعلمنا إننا نرفض الحاكم الظالم لو تعلمنا هذا إننا نقول للحاكم الظالم لأ، ونخرجه من الحكم ونجيب غيره لتعلم المسلمون الكثير، ولكن إحنا بعد شوية نستسلم للحاكم الظالم لما يتحكم فينا زي حسني مبارك ما تحكم في المصريين وقعد 30 سنة يحكمهم وهم مستسلمون لما يريد، أهل الحق قالوا رأيهم وقاعدين أخذوا إلى السجون وأخذوا إلى التعذيب وأخذوا إلى الإهانات ويعني كانوا يقولون ما يقولوا وهم صامتون لا يستطيعون أن يفعلوا شيئاً حتى هيأ الله يعني الأمة لتقوم الأمة، كل الأمة بهذا الأمر، وترفض هذا الحاكم الطاغية الظالم وتستبدله بالذي هو خير منه.

عثمان عثمان: إبراهيم جابر من تونس يسأل لماذا الطغيان في البلدان العربية يذهب مباشرة إلى محاربة الدين إن كان بطريقة مباشرة أو بتحريم مباح مثل الجهاد والعكس في الدول الغربية حيث أن الطغيان يكون خارج الديانة وخارج البلدان؟

يوسف القرضاوي: هو لأن الطغيان في البلاد العربية عادة طغيان جاء من خارج الدين ليس طغياناً دينياً إنما في الغالب هو طغيان سياسي، طغيان يقوم به أناس يعني لا يخشون خالقاً ولا يرحمون مخلوقاً، هذا هو شأن الطغاة المستبدين دائماً، ناس لا يخافوا الخالق ولا يرحموا الخلق، فلذلك يجور على الناس ولا يبالي بهم ويجور على الدين ويطغى على الدين ويكون ضد الدين لأنه يخاف من هذا الدين إن الدين هو الذي يرجى منه إن الشعب يرجع إلى هذا الدين ويتقوى به، إيه اللي يغير الشعب ويجعل من الشعب قوة تقاوم هذا الحاكم المستكبر في الأرض المتجبر على الخلق الدين هو الذي ممكن أن يعمل هذا فهو يريد أن يبعد الدين ولذلك يحارب الدين حتى لا يمكّن الناس من أن يتمسكوا بالدين، ولكن أنا أقول إنني أدعو الناس الذين يحاربون الحكام الطغاة أن يكون الدين هو أساسهم وهو مرجعهم وهو الذي يؤيدهم بروح القوة وقوة الروح لا يوجد شيء مثل الدين يعطي الإنسان الذي يقاوم الطغاة والمستبدين يعطيه قوة لا تقاوم، ليس هناك قوة مثل قوة الدين أبداَ فأنا أنصح الذين يحاربون المستبدين ويحاربون الظالمين ويحاربون الطاغيين في البلاد العربية والبلاد الإسلامية أن يتمسكوا بالدين، بس الدين الصحيح مش دين العواجيز والحواديت والعفاريت والخرافات لا، الدين الصحيح الذي يؤخذ من القرآن ومن السنة، دين الصحابة رضوان الله عليهم الذين رفضوا الظلم ورفضوا الطغاة، دين التابعين بإحسان خير القرون، قرني ثم الذين ينوبهم ثم الذين يتبعونها فهذا هو الدين الذي نريده، وليس دين أهل الخرافة والأباطيل.

عثمان عثمان: رضوان الناصري يقول أو يسأل يقول البعض أن الإمام أحمد رضي الله عنه رفض أن يثور على الخليفة المأمون رغم طغيانه وأمر أصحابه بعدم الخروج على الحاكم وبدلاً من ذلك الخروج أن يصبر حتى يفرج الله.

يوسف القرضاوي: طبعاً الإنسان يعني لا يخرج عن الحاكم إلا إذا كان عنده قوة كافية يستطيع بها أن يخرج على الحاكم ويفرض نفسه عليه ويخرجه.

عثمان عثمان: قوة الشعب ثورة الشعب كله تعتبر..

يوسف القرضاوي: فإذا كان عنده قدرة يجمع من الشعب طبعاً هذا يحتاج إلى في أول الأمر أن تجمع هذه القوى سراً في أول الأمر وبعد ذلك بعدما تتجمع قوة كبيرة في بلاد مختلفة وعندهم التعليمات ماذا يستطيعون أن يفعلوا إلى أن يأتي وقت، كما فعل العباسيون نفسهم والمأمون والخلفاء الذين قبله عبد الله السفاح وأبو جعفر المنصور ومن جاء بعدهم، هؤلاء كيف جاؤوا؟ كونوا يعني جماعة واستمرت هذه الجماعة حتى قامت، فهذا أمر يحتاج إلى عمل كبير ليس كل الناس مؤهلة، الإمام أحمد كان إماماً في العلم وإماماً في الحديث وإماماً في الفقه وإماما في الدين وربما لم يكن مؤهلا لهذا الأمر فهو يعني رفض ظلم هؤلاء وأبى أن يخرج عليهم بالسلاح أو كذا وظل صابراً حتى نصره الله، يعني ظل في عهد المأمون وعهد المعتصم وعهد الواثق إلى أن جاء عهد المتوكل فنصره الله بهذا المتوكل، وانتصر أهل السنة على المعتزلة، المعتزلة كانوا يدعون أنهم أهل العقل وأهل الحرية ولكن للأسف حينما تمكنوا أضاعوا الحرية وأرادوا أن يجبروا الناس أنهم يأخذوا برأيهم بالسلاح وهذا غير معقول، إذا لم تقنعني كيف أقتنع برأيك، بالسلاح لازم تقول القرآن مخلوق، وتلك كانت فتنة عظيمة صبر فيها الإمام أحمد حتى أخرجه الله، ولما سأله الرجل في السجن العسكري، السجان قال له: الأحاديث التي وردت في أهل الظلم صحيحة؟ قال له آه، قال له: هل أنا منهم؟ قال له: لأ أنت مش منهم، الذي منهم من يخيط لك ثوبك من يطهو لك طعامك من يعينك، أما أنت فأنت من الظلمة أنفسهم أنت مش من أعوان الظلمة أنت من الظلمة فهكذا كان الإمام أحمد رضي الله عنه.

عثمان عثمان: مولانا القرآن الكريم ألح في أكثر من آية على عاقبة وخيمة للطغاة في الدنيا وفي الآخرة فأما عاد فأهلكوا بالطاغية، {إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا * لِلطَّاغِينَ مَآبًا}[النبأ:21-22] إلى آخر الآية وهي كثيرة كثيرة جدا..

يوسف القرضاوي: جهنم للطغاة{إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا* لِلطَّاغِينَ مَآبًا}[النبأ:21-22] يعني القرآن..

عاقبة الطغاة في الدنيا والآخرة

عثمان عثمان: هناك آيات كثيرة وتحدثنا عن عاقبة الطغاة والظالمين في الدنيا وفي الآخرة رغم كل هذا الوعيد والتحذير وكل هذا التاريخ الذي تحدث عن مصير الطغاة نجد بعض الطغاة حتى الآن لا يعتبرون ولا يتعظون لماذا؟

يوسف القرضاوي: لأن هؤلاء الناس يعني قد انسدت آذانهم وأغلقت عقولهم وقلوبهم وضمائرهم فلم يعودوا يحسون شيئاً ولكن الله سبحانه وتعالى وعقوبة الله تعالى لهم بالمرصاد، الله تعالى لا يغفل عن هؤلاء ولا ينسى هؤلاء أبداً، الله سبحانه وتعالى يقول: }أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ* الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ*وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ*وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ*الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ* فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ* فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ} [الفجر:6-13] ربنا يدخر لهم سوط عذاب يأتيهم في وقت معين من حيث لا يحتسبون، هم كانوا يعني أقوام نوح وربنا قال فيهم إنهم كانوا أظلم وأطغى، قوم نوح، وكانوا يظنون أنه لا يأتيهم العذاب وحتى ابن نوح عندما قال له تعال معي قال له: لأ سآوي إلى جبل يعصمني من الماء، فهذا كيف ظنوا هؤلاء ولكن الله أخذهم أخذ عزيز مقتدر }وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ{ [هود: 102].

عثمان عثمان: أشكركم فضيلة شيخنا العلامة الدكتور يوسف القرضاوي على هذه الإفاضة الطيبة، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة، لكم تحيات معد البرنامج معتز الخطيب والمخرج منصور الطلافيح وفي المتابعة عبير العنيزي وسائر فريق العمل، وهذا عثمان عثمان يترككم في أمان الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.