عثمان عثمان
أحمد الريسوني

عثمان عثمان: السلام عليكم مشاهدينا الكرام وأهلاً ومرحباً بكم على الهواء مباشرة في هذه الحلقة الجديدة من الشريعة والحياة، يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ}[الحج:41] لمن يتوجه الخطاب الإلهي؟ ولماذا عَلق الإسلاميون تطبيق الشريعة بالدولة؟ ومن يحفظُ الدين الأمة أم الدولة؟ وما دور منظمات المجتمع المدني في عملية الإصلاح والتغيير، وفي إعادة الاعتبار لدور الأمة؟ الخطاب الإلهي بين الأمة والدولة موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة الشيخ الدكتور أحمد الريسوني الخبير في مجمع الفقه الإسلامي الدولي، مرحباً بكم فضيلة الدكتور، مصطلحات عدة: الخطاب القرآني، الخطاب الإلهي، الخطاب الشرعي، ما المقصود بهذه المفاهيم الثلاثة؟

موقع الخطاب الفقهي من الخطاب الإلهي

أحمد الريسوني: بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلّى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين، قبل الجواب أريد أن أوضح إنني الآن لم اعد خبيراً في مجمع الفقه الإسلامي انتهت مهمتي التي كنت أقوم بها في هذا المجمع والموسوعة التي اشتغلنا فيها على وشك الصدور فأنا خبير بمجمع الفقه الإسلامي سابقاً، الآن أعمل..

عثمان عثمان: ثم أن هناك ملاحظة أخرى، أن لديكم بعض المرض قد أثر ربما على السمع، شافاكم الله وعافاكم.

أحمد الريسوني: نعم، الله يبارك فيك، نعم صحيح، الخطاب الإسلامي أو الخطاب الإلهي أو الخطاب الشرعي، كل هذه المصطلحات تدل على معنى واحد وهو ما أنزله الله تعالى من بينّات ومن هدى ومن أحكام ومن تكاليف لعباده، ومعلوم أن الله تعالى انزل كتبه المتعددة وآخرها وجامعها القرآن الكريم، فإذاً خطاب الله مكانه ومصدره وموضعه هو القرآن الكريم أولاً وقبل كل شيء وبعد ذلك تأتي السنة النبوية الصحيحة فهي أيضاً خطاب من الله وهي تكليف من الله وهي خطابٌ إلهي وخطاب شرعي، فهذا هو الخطاب الإلهي وهو نفسه الخطاب الشرعي وهو خطاب الله تعالى، فإذن ما انزله الله على رسله عموماً ولكن الآن ما انزله خاتماً وناسخاً وجامعاً ومهيمناً يتمثل في القرآن الكريم ثم تأتي السنة النبوية مبينة لخطاب الله الأصلي وهو القرآن الكريم.

عثمان عثمان:  {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم:3-4] أين موقع الخطاب الفقهي من الخطاب الإلهي أو الشرعي؟

أحمد الريسوني: الخطاب الفقهي هو بيان، هو اجتهاد بشري في تفهم الخطاب الإلهي، الخطاب الفقهي ليس خطاباً إلهيا ليس جزءاً من الخطاب الإلهي وإنما هو بيان يستمد مشروعيته وإلزاميته بقدر مطابقته المبين وهو الخطاب الأصلي الذي يتمثل في القرآن الكريم ثم السنة المبينة، فإذن الخطاب أو الاجتهاد الفقهي والأحكام الفقهية والاستنباطات الفقهية هذه كلها بيانات وتفسيرات بشرية يعرض لها ما يعرض لكل عمل بشري من احتمالات الصواب والخطأ ولذلك تتعزز صحة هذا البيان الفقهي بقدر مطابقته بقدر الإجماع عليه بقدر كثرة العلماء الكبار الذين قالوا به ما سوى ذلك يبقى اجتهاداً فردياً عرضة للصواب وهو الغالب وهو عرضة أيضا لاحتمالات الخطأ فإذن ليس البيان الفقهي والاجتهاد الفقهي والتراث الفقهي ليس جزءاً من مسمى الخطاب الإلهي.

عثمان عثمان: إذن لا يمكن لأي خطاب فقهي أن يدعي تمثيل الخطاب الإلهي أو الشرعي؟

أحمد الريسوني: لا، أبدا، اجتهادات في البيان، اجتهادات في الفهم، اجتهادات في الفهم اجتهادات في التنزيل والتطبيق يكون لها من القوة ومن الحجية بقدر مطابقتها الواضحة لنص القرآن والسنة ويكون لها أيضا من القوة والحجية بقدر عدد العلماء ودرجة العلماء المجتهدين القائلين بذلك المعنى، ولذلك الخطاب الفقهي أو البيان الفقهي قد يصل إلى الجزم بصحته ومطابقته إذا وقع عليه الإجماع، لأن الإجماع يعني يحظى بنوع من العصمة والصحة واليقين فإذا وصل إلى هذه الدرجة كان دليلاً على أنه هو عينه مقصوده الشرعي ومراده من خطابه فيكون مطابقاً للخطاب الشرعي المنّزل تماماً.

المخاطب في الخطاب الشرعي

عثمان عثمان: هذا الخطاب الشرعي أو الخطاب الإلهي في القرآن الكريم إلى من يتوجه؟ من هم المستهدفون بهذا الخطاب الإلهي في القرآن الكريم؟

أحمد الريسوني: الله تعالى بين فيما لا يكاد يحصى من النصوص انه أنزل هذه الشرائع، أنزل هذا الكتاب أنزل الكتب التي قبله على عباده على الناس ليكون هدىً للناس ليكون شفاءً ورحمة ً للناس، ثم عادةً حينما ينادي القرآن ينادي " يَا أَيُّهَا النَّاسُ" و"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا" وفي بعض الأحيان ينادي الرسول النبي باعتباره واسطةً بين الله تعالى وبين العباد، إذن حتى في هذه الحالة أيضا حتى النداء "يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ" أو "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ" إنما هو بيان لكون هذا الخطاب موجها للناس جميعاً فلذلك توجه إلى شخص الرسول، فمعظم الخطابات الموجهة إلى شخص رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إنما هي موجهة للناس جميعاً فإذن في النهاية القرآن الكريم أو الخطاب الإلهي، التكليف الإلهي يتنزل ويتوجه لمجموع المكلفين  ولذلك الفقهاء والأصوليون يتحدثون عن المكلف عن جنس المكلف، الأحكام الشرعية هي خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين، هكذا يُعرف الأصوليون الحكم الشرعي أو الخطاب الشرعي: خطابٌ يتعلق بأفعال المكلفين فهو خطابٌ لكل من تأهل للتكليف ومعلوم أن شروط التكليف هي البلوغ والعقل فهؤلاء يتوجه إليهم الخطاب بدون واسطة وبدون يعني أي حاجز ولا أي فاصل، فالخطاب القرآني أنزل على رسول الله هذا لا شك فيه نعرفه جميعاً ولكنه ينقل التكليف وينزل التكليف ويضع التكليف على عاتق الناس المكلفين مباشرة عليهم أن يتدبروا كيف يفهموا هذا الخطاب وكيف ينزلوا له بعد ذلك.

عثمان عثمان: الخطاب الشرعي أو الإلهي الموجه إلى النبي عليه الصلاة والسلام، هل هو خطابه لشخصه الكريم عليه الصلاة والسلام باعتباره نبياً ورسولاً أم باعتباره قائدا وإماماً وأميراً للمؤمنين؟

أحمد الريسوني: الرسول صلى الله عليه وسلم كما هو معروف عند العلماء له صفات متعددة، أول هذه الصفات وأعلاها وهي الأصل في صفاته والتكاليف التي خوطب بها هو أنه رسول نبي مبلغ عن الله تعالى يسهر على التطبيق النموذجي لشرع الله فهو نبيٌ رسول، بعد ذلك هناك بعض الأفعال التي قام بها رسول الله صلى الله عليه وسلم بصفته قائداً للجماعة المؤمنة عملياً رغم أنه رسول يوحى إليه ويبلغ الناس فإنه كان هو الأمير هو القائد هو الإمام للجماعة التي اتبعته سواء عندما كانوا جماعةً بدون سلطة وبدون دولة كما هو اصطلاح أو بعدما أصبحوا دولة وأصبحوا جيشاً وأصبحوا يعني مجتمعاً يعني كان هو قائدهم الوحيد، فإذًن هناك أمور هناك تكاليف نفذها الرسول صلى الله عليه وسلم بصفته، الإمام أحيانا كان يتصدى حتى لمهمة القضاء بين الناس فإذن يكون قاضياً، هذه أمور تابعة لرسالته تميز إما بكلامه إما بسياقها، فشؤون الحرب والسلم شؤون تدبير المجتمع، عدد من الأمور كان الصحابة أنفسهم يسألون يا رسول الله، هل هذا أمر من الله أم شيءٌ تحبه فنصنعه لك أم كذا أم كذا أم هو الرأي إلى آخره، فيبين لهم فيفهم من ذلك أنه مارس هذا العمل بصفته قائداً أو بصفته قاضياً وأحيانا بصفته مرشداً لمن يستشيره ولمن يستعين به، لكن صفته الأصلية التي إذا صدر منه شيئاً يحمل عليها حتى يثبت خلاف ذلك هو أنه رسول موحى إليه يبلغ عن ربه.

عثمان عثمان: لكننا الملاحظ فضيلة الدكتور في القرآن الكريم لا نجد خطاباً موجهاً لأولي الأمر لكن ورد مرتين، يعني مرة بالرد إليهم مع الرسول ومرة أخرى بطاعتهم، كذلك أيضاً في السنة النبوية لا نعثر على مثل هذا الخطاب كيف تفسرون ذلك؟

أحمد الريسوني: نعم، صحيح أولو الأمر كما ذكرتم لم يرد ذكرهم بهذا اللفظ بالخصوص إلا في سورة النساء مرتين، مرة حين أمر الله تعالى بطاعتهم ومرة حين أمر الله بالرد إليهم فيما يشكلوا وما يحتاجوا من استنباط للأمور، وواضح أن هذا المعني الثاني يعني }وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ...}[النساء:83] هذا واضح انه يتعلق بالعلماء بالدرجة الأولى معناه أن أولي الأمر الذين هم الأمراء إنما ورد في الحقيقة مرة واحدة ومع ذلك لم يرد خطابا وإنما أمر الله بطاعتهم إن هم وفوا بشروطهم لأن }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ}[النساء: 59] مسبوق بقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ}[النساء:58]، فإذن أدوا الأمانات بعد أن يوأدوا الأمانات وأن يحكموا بالعدل يقول الله أطيعوا أولي الأمر منكم، أما الخطاب، خطاب التكليف "افعلوا ولا تفعلوا" هذا هو خطاب التكليف "افعلوا ولا تفعلوا" وما في معناه فإنه كما تقدم يتوجهوا للجميع لأن ولاة الأمور سواءً كانوا حكاماً أو زعماء أو ما في معنى ذلك إنما يستمدون زعامتهم ومكانتهم من الأمة التي كلفتهم ومن الأمة التي قدمتهم وأفرزتهم، فإذن هم أداة من أدوات عمل الأمة وأداة من أدوات عمل المجتمع والجماعة، فلذلك الخطاب لا يتوجه إليهم وإنما يتوجه إلى الأمة لكن إذا الأمة أسندت إليهم مسؤوليات معينة فحينئذ يستمدون مسؤوليتهم من الأمة لا من غيرها، ولذلك ليس عندنا نحن في الإسلام خليفة ولا إمام ولا حاكم يستمد من الله تعالى يستمد تعيينه أو أوامره أو ترسيمه أو بقاءه أو تمديد حكمه من الله أو حتى اجتهاده إنما يستمد سلطاته من الأمة.

عثمان عثمان: أليس وكيلا عن الله؟

أحمد الريسوني: وكيل عن الأمة لا عن الله، هذا إذا وكلته، أما إذا كان سطا عليها ففعل ما يريد هذا شيء آخر.

عثمان عثمان: أيضاً في القرآن الكريم أوامر بإقامة العدل والقسط الجهاد والقتال تنفيذ الحدود، الحكم بما أنزل الله، تنظيم شؤون الزكاة، الأسرة والمجتمع إلى غير ذلك، كيف يتم تحديد الجهة المخاطبة هنا بمثل هذه الأوامر التي يتم تعليقها بالدولة عادة؟

أحمد الريسوني: هو صحيح هذه الخطابات في الغالب تأتي بـ "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا" أو تأتي بعد ذكر المؤمنين وقد يأتي بعضها حتى بـ يا أيها الناس أو بني آدم }يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ}[الحج:41]، هذا يؤكد ما سبق من أصله في أن الخطاب يتوجه للجميع وبعد ذلك قد تكون هناك نوع من الخصوصية لبعض الفئات مثلا خطاب الزكاة لأهل الزكاة، والخطاب بالحج للقادرين على الحج كما بينت الآية، لكن الذي عليه العلماء هو أن الخطابة عام خطاب الشريعة تكاليف الشريعة عام لجميع الناس في جميع العصور، بعد ذلك بحسب حاجة التنفيذ بحسب شروط ذلك التكليف تتنزل على هذا أو ذاك.

عثمان عثمان: لكن أليس للدولة نوع اختصاص أو مزيد مسؤولية في هذه الأمور وأمثالها؟

أحمد الريسوني: نعم، نحن على سبيل المثال إذا أخذنا قول الله تعالى: } وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا}[النساء: 35]، من هم، ليس هناك تحديد يبقى أن الخطاب عام لمسلمين لكن إذا أردنا تنفيذه لا يمكن لجماعة أن تنفذ هذا الحكم، أن تأتي الجماعة بكاملها، سواء مدينة أو قرية أو امة بكاملها، فإذن هنا تأتي عملية التخصيص من الأمة نفسها، يتولى يعني القضاة، إذن هذا الأمر في النهاية أسند للقضاة بعد أن كان مسنداً إلى الولاة بعد أن كان مسنداً قبل ذلك إلى الأمة وإلى الجماعة دون تحديد فإذن عملية التخصيص في بعض الأحكام وفي بعض الوظائف والمسؤوليات هي عملية تنظيمية هي عملية تدخل في قوله تعالى {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ}[الشورى:38] نتشاور فنسند هذا الأمر إلى الوالي إلى القاضي إلى الوزير إلى المسؤول الفلاني إذن فهذه مسألة تنظيمية على المسلمين تنفيذاً لقوله تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ}[الشورى:38]  تنفيذاً لقاعدة ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب عليهم أن ينظموا هذه الأمور وتتحدد بعد ذلك، أما في أمرها فالمسؤولية على الأمة وعلى الجميع ولذلك قال العلماء فرض الكفاية أو فروض الكفاية هي في الأصل موجهة وما نحن فيها من هذا القبيل هي في الأصل موجهة إلى جميع المكلفين فإذا قام بها البعض وأدوا ما يلزم بما يحصل به الكفاية حينئذ يرتفع التكليف وإلا فالتكليف للجميع.

الفرق بين الأمة والدولة

عثمان عثمان: سوف نتحدث هنا عن الدولة وعن الأمة ما الفرق بين الأمة والدولة؟

أحمد الريسوني: نعم المقصود هنا بالدولة وإن كان اصطلاح الدولة له عدة معاني لكن من بين معانيه أنها السلطة الحاكمة هذا هو أبسط معانيها.

عثمان عثمان: الأمة؟ من هي الأمة؟

أحمد الريسوني: الأمة هي مجموع المسلمين نعم.

عثمان عثمان: الخطاب القرآني أو الخطاب الإلهي، ما موقع كل من الأمة والدولة أيهما الأصل أيهما الأولى؟

أحمد الريسوني: نعم إذا كل ما سبق وكنا نتحدث فيه يبين أن الأصل في التكليف الشرعي الأصل في حمل هذه الأمانة أمانة الاستخلاف عن الله تعالى، الله تعالى استخلف البشر ولم يستخلف خليفة بعينه، المسلمون هم الذين يستخلفون خليفة بعينه، أما الله تعالى استخلف البشر واستخلف الإنسان واستخلف بني أدم وبعد ذلك بدأ ينزل عليهم تكاليفه فإذن تكاليف أو الخطاب هو في الأصل للأمة والأمة هي الأصل في تنفيذه وهي المسؤولة عنه من ينفذ ينفذ ومن لا يستطيع أن ينفذ يأمر من ينفذ ويذكر من ينفذ وينصب من ينفذ ويساعد من ينفذ لكن في الأصل المسؤولية على الجميع والخطاب للأمة والأمة عنها يتفرع هذه التنظيمات الإدارية والتنظيمات السياسية على رأسها خليفة أو إمام أو أمير أو ولي أو أي كان الاسم الذي نعطيه إياه.

عثمان عثمان: يعني هنا أريد أن أعبر إلى عمق المسألة دكتور عندما يكون الخطاب موجه إلى عموم الأمة إلى كل شخص وكل فرد داخل الأمة إلى كل مجموعة أو شريحة من شرائح هذا المجتمع في الأمة وليس إلى الدولة كدولة ما أهمية ذلك؟ يعني هل هناك خوف من أن تنهار الدولة ربما أو أن تكون ظالمة فتقع مسؤولية حمل عبء الإسلام والدعوة على سائر أفراد الأمة وشرائحها؟

أحمد الريسوني: نعم هذا أولاً أهميته أنه يعطي الأمور ترتيب طبيعي، الخطاب ليس هناك شيء بالشريعة إلا والأمة مكلفة به حتى الجهاد الذي يقرر فيه الفقهاء أن لا جهاد إلا مع إمام ومع ذلك من ينصب هذا الإمام؟ وإذا لم يوجد هذا الإمام من المسؤول؟ إذا تعطل الجهاد من المسؤول؟ هل المسؤول ذلك الإمام الغائب الذي لم نجده أو وجدناه أحدا رفض واعتذر، الخطاب موجه للأمة أن تقيم الجهاد بجميع أنواعه أن تقيم النظام القضائي بجميع أنواعه فإذن هذا أولاً يجعلنا نرتب الأمور ترتيباً صحيحاً وهو أن الأمة أولاً وبعد ذلك هذه الأمة تخرج من بينها، الرسول صلى الله عليه وسلم مرة قال للصحابة أظن في غزوة الحنين أخرجوا لي من بينكم 12 نقيباً، الأمة هي التي تخرج نقبائها وزعمائها وولاة أمورها وتسند إليهم إذن هذا هو الترتيب الطبيعي أولاً، ثانياً هذا الترتيب يضمن أن المسؤولية دائماً تبقى مضمونة ومكفولة لأن الدولة نحن نعرف في تاريخ المسلمين وغير المسلمين قد تأتي ظروف الدولة تتلاشى، الآن قد نسمي القطر الفلاني أو الفلاني ليس فيه دولة بمعنى الكلمة، فمن يكون مسؤولاً؟ تبقى الأمة؛ لو قلنا الدولة تقع على مسؤوليتها كذا وكذا وعددنا عشرات من الأحكام الشرعية المهمة فإذا اختفت الدولة اختفت هذه الأحكام، إذا اختفت الدولة تلاشت يعني أحكام الشريعة بينما إذا كانت المسؤولية للأمة وللمجتمع وللجماعة هذه الأمور دائماً تجد من يحفظها حتى في غياب الدولة بل تجد من يبحث عن إعادة قيام الدولة.

عثمان عثمان: في هذا الإطار دكتور جاءني عدة أسئلة ربما ألخص مضمونها، هل يمكن للأمة أو بعض الجماعات أو الأشخاص إقامة الحدود في ظل غياب الدولة انطلاقا من خطاب الله تعالى إلى هذه الأمة أن تحافظ على دين الله وعلى شرع الله، أسمع الإجابة ولكن بعد أن نذهب إلى فاصل قصير فابقوا معنا مشاهدينا الكرام نعود إليكم بإذن الله بعد الفاصل.

[فاصل إعلاني]

عثمان عثمان: أهلا وسهلاً بكم مشاهدينا الكرام من جديد إلى حلقة هذا الأسبوع من برنامج الشريعة والحياة مع ضيفنا فضيلة الدكتور أحمد الريسوني الخبير في مجمع الفقه الإسلامي الدولي سابقاً وهو أستاذ جامعي بطبيعة الحال، موضوعنا لهذا اليوم هو الخطاب الإلهي بين الدولة والأمة، دكتور تحدثنا عن أهمية الأمة وأن الخطاب الشرعي ربما كان متوجهاً لها جاء لعدة أسئلة الأخ محمد هرهش الأخ بلال محمد بديوس وغيرهما، في ظل غياب الدولة هناك من يقوم بإعادة الأمن ربما بتطبيق حد الحرابة، هناك من يقوم بتطبيق الحدود كجماعات وغيرها هل يصح ذلك شرعاً؟

أحمد الريسوني: نعم، أولاً من حيث المبدأ يصح ذلك شرعاً بل يجب شرعاً ما دام الخطاب موجها إلى المسلمين وهذا هو الأصل كما وضحت وكررت لكن الأمور تحتاج إلى تنظيم..

عثمان عثمان: يصير في فوضى بهذه الطريقة.

أحمد الريسوني: لا هو ما أريد أن أقوله المسألة تحتاج إلى تنظيم إذا توافقت جماعة ولو دون أن تسمى دولة في قبيلة في جانب من أحد الأقطار الإسلامية غابت سلطة الدولة هذا وقع بالتاريخ كثيراً ويقع الآن، يعني الآن نستطيع أن نقول الإقليم الفلاني أو البلد الفلاني أو الجزء الفلاني ليس فيه دولة، إذا انعدمت الدولة، أما إذا وجدت الدولة الشرعية القائمة الفعلية فلا أحد يفتأت عليها ولا أحد يزاحمها ولا أحد يصارعها ولا أحد ينحيها ولكن إذا انعدمت وعندنا آلاف أو مئات الآلاف أو ملايين المسلمين فعليهم أن يبادروا إلى تنظيم أنفسهم إذا نظموا أنفسهم على نحو معقول وعلى نحو مضمون ورضوا أن يكون هذا قاضياً ورضوا أن يكون هذا كذا وهذا يتولى الأموال وكذا ولو أن هذا لا يسمى دولة ولا يعترف به كدولة وهذا كله وقع بالتاريخ فلهم ذلك وواجبهم ذلك ويحق لهم ذلك، لكن إذا كان هذا من شأنه أن يؤدي إلى نوع من الفوضى أو الاقتتال فحينئذ هذه الأمور لا بأس أن تجمد حتى تتأتى شروط تنفيذها فإذن المسألة مسألة شروط وتنظيم وتوافق.

عثمان عثمان: اسمح لنا أن نأخذ الدكتور محمد كمال إمام أستاذ الشريعة في جامعة الإسكندرية على ما أعتقد، مرحباً بكم فضيلة الدكتور

محمد كمال إمام: أهلا وسهلاً أخي عثمان.

عثمان عثمان: نتحدث عن الأمة ودور الأمة وفي صلب هذه مؤسسات المجتمع المدني، ما دور هذه المؤسسات في عمليات الإصلاح والتغيير وفي إعادة الاعتبار لدور الأمة؟

محمد كمال إمام: بسم الله الرحمن الرحيم وتحية لأخي وصديقي العلامة أحمد الريسوني، وأحب أن أقول إن هناك نقطة بالبداية وأنا أستمع إلى البرنامج فيما يتعلق بتطبيق الحدود من جانب الأفراد وربما في هذه النقطة نحتاج إلى شيء من الإيضاح أما الدكتور الريسوني لسبب بسيط وهو أننا نحن نتكلم في ظل مجتمعات إسلامية توجد فيها الدولة، والدولة ليست غائبة حتى وإن كانت هناك بعض الصراعات في كافة بلدان العالم الذي نعيش فيه أو العالم الإسلامي ففي ظل وجود الدولة فلابد أن تنتقل هذه المسؤوليات إلى القضاة وإلى من يناط بهم أمر تطبيق الحدود سواء كان قاض جنائي أو قاضي عسكري أو غير ذلك، أما أن يترك الأمر للأفراد فإنه يؤدي إلى كثير من الفتنة من ناحية وليس من دور الأفراد أن يقوموا بتطبيق الحدود.

عثمان عثمان: هنا نؤكد على ضرورة الاختصاص وعلى ضرورة إجماع المجتمع الذي يمكن أن تقام فيه مثل هذه الحدود أو إقامة الشرع؟

محمد كمال إمام: إذا لم توجد الدولة فيوجد التحكيم من جانب الأفراد وقد أشار الأستاذ الدكتور الريسوني إلى توافق الجماعة على اختيار أفراد منهم يقومون بدور الولاة، فهذا للمالية وهذا للقضاء وهذا للإشراف على التجارة وغير ذلك وهذا يسمى تحكيماً من خلال المجتمع نفسه لأنه لا بد أن يدير نفسه لكي لا ظل الأمر فوضى لا يصلح الناس فوضى لا صلاة لهم.

منظمات المجتمع المدني ودورها في الإصلاح والتغيير

عثمان عثمان: نعم موضوع المجتمع المدني ومنظمات المجتمع المدني ما دورها في عمليات الإصلاح والتغيير، ما أهميتها لاستعادة دور الأمة في الحياة؟

محمد كمال إمام: حقيقة المجتمع المدني في المنظومة الإسلامية هو مؤسسات وليست أفراداً أو جمعيات نحن نرى مثلاً كانت تقوم بهذا الدور وتقوم به بفاعلية شديدة مؤسسة الوقف عبر تاريخنا الإسلامي، فكانت تقوم بدور كبير من أدوار المجتمع المدني رعاية الأيتام القيام بالتعليم القيام بالاستضافة القيام بالحرص على حقوق الأفراد والعمل على أن يكونوا جسراً ما بين الحكام وبين الشعب كل هذه يعني فعاليات المجتمع المدني التي تسمى بهذا الاسم في هذا الوقت كانت تقوم به مؤسسات ومن بينها مؤسسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي كان لها تأثيرها الكبير في عالمنا العربي والإسلامي ودورها الكبير من خلال الحسبة أو غيرها سواء الحسبة العملية أو الحسبة النظرية، كل هذه المسائل هي التي تترجم لما يسمى الآن بالمجتمع المدني، فلم تكن المجتمع المدني جماعات تستمد تمويلاً من هنا أو من هناك إنما كانت هناك مؤسسات، هذه المؤسسات تصنع على عين المجتمع الإسلامي وتقوم بدور من خلال الفقيه ومن خلال القاضي ومن خلال العالم ومن خلال الأغنياء ومن خلال القادرين إلى غير ذلك وبالتالي فكرة المؤسسية هي الأهم في المجتمع المدني الإسلامي وليست وجود أي جماعة تستطيع أن تستقطب أموالاً أو تستقطب أفراداً لكي تقوم بهذا الدور ولكنها كانت تعالج كافة الدوائر يعني تقوم المجتمع المدني في تاريخنا الإسلامي يقوم بدور التعليم يقوم بدور الرقابة يقوم بدور الحرص على القيم العامة في المجتمع يقوم بدور تغذية المؤسسات الأخرى بأفكار وأفراد من ناحية تطوعية وحتى من ناحية غير تطوعية أو مهنية فإذن المجتمع المدني كان قائماً في الأصل على مجموعة من القواعد التي تديريها مؤسسات من خلال أفراد ومن خلال علماء ومن خلال فقهاء للحفاظ على مقاصد الشريعة في داخل المجتمع سواء كان ذلك حماية للمال أو حماية للنفس أو حماية للعرض أو حماية للعقل.

عثمان عثمان: دكتور يعني هل تخرجون هنا الجمعيات أو المؤسسات التي نشأت ربما في مصر بعد الثورة أو في تونس أو في أي مكان هناك جمعيات نشأت تهتم بالشأن الاجتماعي تهتم بالفقراء بالمساكين بغير ذلك وإن كان جلها توجه إلى العمل السياسي والمشاحنة والمخاصمة السياسية ما موقع مثل هذه المؤسسات الناشئة حديثاَ، ما موقعها من منظمات المجتمع المدني ودورها في الأمة؟

محمد كمال إمام: لا بد أن نفرق بين الناشطين السياسيين أو جماعات النشاط السياسي وجماعات المجتمع المدني، جماعات النشاط السياسي هذه دورها الأساس أنها تنضم إلى ما نسميه الأغلبية والمعارضة وتقوم بدور سياسي في تعريف ربما بحقوق الإنسان في القيام بدور في محاولة يعني الوقوف أمام السلطة إذا ما كانت السلطة جائرة إلى غير ذلك، أما المجتمع المدني بالمعنى الاجتماعي فهو تلك الجمعيات التي تعمل في كل دوائر المجتمع سواء كانت هذه الدوائر ثقافية أو اجتماعية أو دوائر الرعاية أو دوائر التعليم حتى تؤدي وظائفها لأن الدولة الإسلامية لا تعتمد على ذاتها في تغذية المجتمع وفي تمكينه من أداء دوره إنما المجتمع نفسه الذي كان يغذي الدولة يعني كانت العلاقة علاقة من نوع خاص ما بين الدولة والمجتمع ليست هي العلاقة القائمة الآن.

عثمان عثمان: دكتور كيف ترون مسار الاتجاهات الرئيسية لمنظمات التطوعية العربية خاصة في البلدان التي عرفت تغيرات سياسية راديكالية في العامين الأخيرين بعد الثورات العربية وربما نتحدث هنا بشكل خاص عن مصر وتونس؟

محمد كمال إمام: أنا أعتقد أن بعض هذه الجماعات تقوم بدور مهم جداً في الحرص على حقوق الإنسان وأيضاً القيام بدور اجتماعي كبير في المجال الاقتصادي بوجه خاص، لكن تجاوزت بعض هذه الجماعات حدودها من أمرين بعض الجماعات كما أشرت منذ قليل تحاول أن تعطي لنفسها حقوق تقوم بدور قاضي أو أن تقوم بدور الذي يتولى بأمر الدولة هذا طبعاً خطأ شديد لأنها لا ينبغي أن تنتقل من دورها الاجتماعي الفاعل إلى دور سياسي، الأمر الثاني بعض هذه الجمعيات أيضاً كانت تستقوي وتستمد مواردها ليس من داخل المجتمع وإنما من خارجه وهذا أيضاً يؤثر تأثيراً سلبياً على حركتها بالمجتمع، إذن على الرغم من دور هذه المؤسسات الفاعل والمهم والكبير إلا أنه ينبغي أن يتقيد بقيدين عدم الارتباط بالخارج من ناحية وعدم تجاوز حدوده سواء بدور سياسي أو بدور الحاكم بداخل المجتمعات المدنية.

عثمان عثمان: شكراً، شكراً الدكتور محمد كمال إمام أستاذ الشريعة في كلية الحقوق بجامعة الإسكندرية، فضيلة الدكتور النبي عليه الصلاة والسلام انخرط في حلف الفضول لنصرة المستضعفين ولإقامة العدالة الاجتماعية وقال بعد البعثة: "لو دعيت إلى مثل هذا الحلف في الإسلام لأجبت" كيف يمكن لمنظمات المجتمع المدني أن تأخذ نموذجاً من هذا الحلف من هذا الفعل النبوي قبل الإسلام لتلتقي على كثير من القواسم المشتركة والأفكار المشتركة لتشكل قاطرة للإصلاح والتغيير واستعادة دور الأمة؟

أحمد الريسوني: هذا الحديث وهذه الواقعة التي يشير إليها الحديث هو في الحقيقة حجة للقول بأن المسلمين لا يمكن ولا ينبغي ولا يليق بمن أن يتأخروا عن أي قضية في حق وقضية عدل وقضية مصلحة يمكن أن تعرض له، وهو تأكيد أيضاً لما ذكرته أن قضية الدولة أن تكون على الرأس والعين ومرحباً وهو فتح على فتح، لكن المسلم فرضاً أو جماعة أو جمعية حيثما وجد فرصة لتقديم خدمة للبشرية وخدمة للعدل وخدمة للحق وخدمة لجماعته وبلده مع أي كان يجب أن يتعاون على البر والتقوى ويجب أن يتعاون على إقامة العدل والقسط فإنما بعث الأنبياء وأنزلت الكتب والبينات كما قال الله في سورة الحديد {لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ}[الحديد:25] فمتى وجدوا فرصة سواء كانوا جمعيات مدنية أو منظمات حقوقية أو أحزاباً سياسية أو أفراداً في بلاد المسلمين أو في غير بلاد المسلمين هذا الحدث وهذه الواقعة وهذا الحديث يشير إلى هذا المقصد الجليل الذي يجب أن نصب فيه وندفع في اتجاهه ونسهم فيه ما وجدنا إلى ذلك سبيلاً، فإقامة العدل وإقامة القسط ومحاربة الظلم البغي يجب أن يكون بدون قيد أو شرط سواء يكون محققاً للعدل فإذن منظمات المجتمع المدني التي يتحدث عنها الناس في الحقيقة ليس فقط لا أقول ما لا جديد بالنسبة للإسلام بل الأمة كلها هي مجتمع مدني، الأمة كلها هي منظمات يجب أن تنخرط جميعها في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعمل الصالحات وإحقاق الحقوق سواء كانت دولة ترعى ذلك وتدعمه أم لم تكن وإن كانت دولة تقصر في ذلك أو تقوم ببعض ذلك أو لا تقوم فهذا لا تأثير عليه بالعكس كلما غابت الدولة وضعفت الدولة يجب أن تكون منظمات المجتمع وشخصيات المجتمع وقيادات المجتمع الطبيعية يجب أن تكون متحملة لما هو أكثر ولما هو أكبر، ونحن وأنا أذكر دائماً أقف عند مؤرخين ينبهون على بعض الحالات أو المفارقة التي تدعو للتفكير وهو أنه في كثير من الحالات يكون تفكك الدولة وضعفها وانهيارها متزامناً مع نشاط حيوي اقتصادي وتجاري وتعليمي وإحساني بحيث انهيار الدولة وضعفها كان بتاريخنا لا يعني توقف هذه الخدمات، هذه الخدمات كانت تستمر بل ربما تزدهر كثير من الحالات يسجل المؤرخين هذه المفارقة وهو أنه بجانب تفكك الدولة وتلاشيها ازدهرت المدارس ازدهرت الأعمال الخيرية ازدهرت الخدمات الاجتماعية، فهذا يدل أن المجتمع الإسلامي تلقائياً إذا انتشر فيه الوعي الإسلامي والفقه الإسلامي الحقيقي يتحول تلقائياً إلى خلايا نحل هي ما يعبر عنها اليوم بالمجتمع المدني، فالمجتمع الإسلامي كله مجتمع مدني يشتغل تلقائياً.عثمان عثمان: مسألة البعض ربما ينتقي من يتعاون معه من منظمات المجتمع المدني أو عاملين في الحقل الاجتماعي يريد أن ينتقي أشخاص من جنس الملائكة هل هناك من حدود أو ضوابط أو موانع للتعاون بين مؤسسة وأخرى حتى هذا نجده ربما بين إسلامي وآخر في بعض البلدان العربية والإسلامية؟

أحمد الريسوني: لا هذا قد يشير لا أدري بالضبط قد يشير إلى حساسيات تنظيمية وتعقيدات إيديولوجية أو مذهبية أو ما إلى ذلك، في الحقيقة هذه التعقيدات لا ينبغي أن تكون كلما وجدنا السبيل سالكة محققة للمقصود فيجب أن نتعاون مع الجميع بل يجب أن نتعاون أحياناً مع غير المسلمين مع يهود ونصارى وأيا كان إذا كان الهدف واضحاً ونتيجته والطريق سالكاً فالمسلمون في الغرب المسلمون في أميركا المسلمون حيث هم أقليات يحتاجون احتياجا يومياً إلى أن يتعاونوا مع غيرهم لأن غيرهم هم المجتمع وغيرهم هم أكثرية المجتمع لا يمكن أن تمنع المسلم في قضايا حقوقية واجتماعية وتعليمية في الغرب مثلاً أن تقول له لا تتعاون إلا كذا وكذا فإذن ليس فقط مع المسلمين قاطبة بل حتى مع غير المسلمين يجب والحديث الذي تفضلت بذكره يعني أكبر حجة على هذا، إذا كان الحق واضحاً ومصلحته واضحة نتعاون على البر والتقوى مع أي كان إذا كان هذا مضموناً.

الإسلاميون وتطبيق الشريعة بالدولة

عثمان عثمان: دكتور بالعودة إلى موضوع الدولة وموضوع الأمة، كثير من الإسلاميين علق جميع الأحكام والشعائر على إقامة الدولة بحيث يعتقدون أن لا وجود للإسلام دون دولة، ونجد هذا في كتاب الكثيرين ربما في كتابات عبد القادر عودة، المبارك، القرضاوي وغيرهم من أين جاء هذا الفهم؟

أحمد الريسوني: نعم، صحيح أنا قبل أيام فقط كنت أقرأ لأحد الكتاب الإسلاميين ذوي المكانة وهو يقول لا دين بلا إمامة ولا ولا الخ.. تعيني هذه الكلمة الأولى لا دين استوقفتني لا دين بلا إمامة والحقيقة أن هذه الإمامة كما نعرف اضطربت وارتبكت وتفككت في كثير من العصور ومنها عصرنا، ولكن مع ذلك ديننا استمر، الدين قوي في ذاته الإسلام قوي واستيعابي وله قدرة خارقة على التأقلم والتكيف واستيعاب الظروف المختلفة من فقر وغنى وسلطة وعدم سلطة وفوضى ونظام، كل ذلك الإسلام يستطيع أن يخترق وأن يستوعب وأن ينتعش ويزدهر في كل هذه الظروف فإذن تعليق الأمور كلها على الدولة، هذا فكر في الحقيقة ليس سليما وليس سديدا، الإسلام يستطيع ولذلك الرسول صلى الله كما في الحديث ((لَتُنْقَضَنَّ عُرَى الإِسْلامِ عُرْوَةً عُرْوَةً)) فأولهن نقضا الحكم وآخرهن نقضا الصلاة، فهذا الحديث يشير إلى أن الحكم سينتقض وسيتفكك وسينحرف ومع ذلك ستسمر عرى الإسلام عبر العصور يعني هذا هو الذي يشهد عليه التاريخ، نحن الآن يستطيع أي مؤرخ أن يقول وقعت انحرافات في السلطة وفي النظام السياسي وفي السياسة كلها وتحولت إلى كسراوية أو قيصرية أو ما إلى ذلك ووقع تفكك وانهيار ومع ذلك لا احد يستطع أن يقول أن الإسلام توقف في القرن الأول أو انكمش أو تلاشى- لا- أبدا الإسلام كان في ازدهار مستمر وسياسة انحراف مستمر، فإذن لا ينبغي ربط مصير الإسلام بمصير الدولة ومصير الخلافة ومصير الحكم إلى آخره فإذن الإسلاميون خاصة في هذا العصر ضخموا من هذا الأمر لماذا؟ لأن الحركات الإسلامية كما نعرف إذا ذهبنا نرصد بداياتها نجدها أنها كلها نشأت خاصة الكبرى منها نشأت عقب إلغاء الخلافة فهي نفسها نشأت رد فعل على إسقاط الخلافة وإلغاء الخلافة فإذن كانت فكرة..

عثمان عثمان: نِشأة سياسية.

أحمد الريسوني: نعم.

عثمان عثمان: نشأتها نشأة سياسية وليست دعوية.

أحمد الريسوني: صحيح كان الاعتبار السياسي كان قويا ولذلك بقيت مسكونة بهذه الهواجس، الحركات الإسلامية، الإخوان المسلمون، جماعة التبليغ، الجماعة الإسلامية في شبه القارة الهندية، جماعة النور في تركيا، كل هذه الحركات ظهرت في أواخر العشرينيات وعلى مدى الثلاثينيات أي مباشرة عقب الصدمة التاريخية الصغرى المتمثلة في إلغاء الخلافة وتفكك الأقطار الإسلامية ثم الزحف الاستعماري، فالهاجس السياسي كان حاضرا ولذلك الدولة تضخمت في أذهاننا لأن الناس في ذلك الوقت تصوروا أن  زوال الخلافة العثمانية يعني أن الإسلام أصبح في مهب الريح، إذن الخلافة الدولة الخلافة الدولة الخلافة الدولة تطبيق الشريعة يعني الدولة والدولة تعني..

عثمان عثمان: هل كان ذلك على حساب تهميش الأمة ودورها؟ كما يزعم البعض وينسبها إلى الحركة الإسلامية؟

أحمد الريسوني: نعم.

عثمان عثمان: يعني هناك من ينسب إلى الحركة الإسلامية تهميشها للأمة ودورها لحساب الدولة؟

أحمد الريسوني: نعم من هنا نشأ من هنا نشأ من كون الحركات الإسلامية  الجو والمناخ والتاريخ الذي نشأت فيه هو مناخ تحديات سياسية خطيرة إسقاط الدولة تنحية الشريعة بالمجال السياسي والمجال القضائي تفكيك العالم الإسلامي دخول الاستعمار واجتياحه لمعظم الدول الإسلامية، فإذن الهاجس السياسي كان حاضرا فاشتغل الناس بهاجس الدولة بدرجة كبيرة واغفلوا القوة الحقيقية للإسلام والقوة الحقيقية للأمة الإسلامية وهي المجتمع، الضمانة والخزان والمنجل لقوة الإسلام والمسلمين هي الأمة هي الجماعة هي المجتمع وليس الدولة.

عثمان عثمان: أنقل لك بعض ما كتبه السيد خالد طه، هل صيغة الدولة بشكلها اليوم هي مطلب وغاية ما ألمسه أن الدول القطرية بشكلها القديم قد يتراجع أو يتلاشى دورها ونفوذها وهي فعلا ما يسمى تفقد السيطرة والتحكم في كثير من المجالات لصالح الشركات أو المؤسسات العابرة للقارات، يقول: لماذا يصر الإسلاميون في الوصول للسلطة واللهث خلف دويلات متهالكة؟ هل فعلا أن الشارع الإسلامي يطالب بهذا؟ لماذا لا يتم التوجيه والمطالبة في الحضور والتوجه نحو الدخول في صناعة وامتلاك أدوات التأثير والتغيير الحقيقية والتي لا نراها بشكل الدولة القائمة؟

أحمد الريسوني: نعم، هذا في اعتقادي صحيح فقط حتى لا يُحمل كلامي أو ربما كلام القائل الآن ما لا يحتمله، نحن لا نقول لا بالأعراض عن الدولة ودورها الكبير وتأثيرها الخطير، لا نقول هذا، لكن فعلا أقول الأمة أولا والأمة هي الأصل والقوة الحقيقية للإسلام هي العمل في الأمة هي بناء الأمة هي تقوية الأمة وليس.. لأن حتى التمكين حين نتحدث عن التمكين، التكمين هو للجماعة المسلمة هو للأمة هو للمجتمع، أما التمكين للدولة غالبا يتحول إلى تسلط، التمكين للدولة دون التمكين للمجتمع إنما هو تسلط.

عثمان عثمان: واستبداد، يحتاج إلى ثورات.

أحمد الريسوني: طبعا التسلط أكثر من الاستبداد.

عثمان عثمان: يحتاج إلى ثورات يعني أنا أريد أن أشرك السادة المشاهدين عبر الفيسبوك الذين راسلونا السيد فداء جندي يقول: يلاحظ أن جميع المؤسسات الدينية مثل الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ومنظمة المؤتمر الإسلامي الآن أصبحت منظمة التعاون الإسلامي المجامع الفقهية روابط العلماء كلها لا تتعدى وظيفتها إصدار التوصيات والفتاوى وبيانات التضامن وغير ذلك، فكيف برأيكم يمكن أن يصبح لمثل هذه المؤسسات أدوات تنفيذية أو نفوذ على الحكومات بحيث تصبح قراراتها ملزمة أو على الأقل تأخذ طريقها للتطبيق؟ هذه كلها مؤسسات تشكل يعني الأمة بمجملها..

أحمد الريسوني: لا، لا مؤسسات الأمة ومنظمات الأمة هي اكبر من هذا بآلاف المرات، هذا جزء بسيط لأنه حتى الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين طبعا أولا حديث التأسيس وبقي عدة سنين يبحث حتى عن مقر يستقبله، عن دولة تعترف به..

عثمان عثمان: وجدتم مقرا؟

أحمد الريسوني: وفتح أول ما فتح في الدول الأوروبية ولعله الآن يجد موطئ قدم في السنين الأخيرة ومع ذلك هو آخذ فيما اعلم في تأسيس عدد من المؤسسات العلمية ومؤسسات اجتماعية بل مؤسسات جامعية فإذن بحسب عمره القصير يعني يخطو خطوات..

عثمان عثمان: يعني هو نموذج أو مثال.

أحمد الريسوني: نعم بدون شك، ولكن على جميع الحالات العلماء في جميع الأقطار الإسلامية في كل قطر أحيانا يعدون بالآلاف في مصر يعدون بالآلاف وليس بالعشرات.

عثمان عثمان: يعني الآن هناك قضايا فضيلة الدكتور يعني لم يبقى إلا اقل من دقيقة هناك قضايا تهم المسلمين نسمع في بورما في سوريا في أكثر من مكان في العالم جراحات نازفة هناك مآسي كثيرة في المقابل نسمع من هذه المؤسسات بيانات استنكار وإدانة وشجب وتعاطف وكذا ليس هناك من أدوات تنفيذية تنفذ لمعالجة هذه المشكلات.

أحمد الريسوني: لا إحنا الآن نعالج قضية وهو أنه ضعفت قدرات المجتمعات الإسلامية ضعفت الأمة كأمة ضعفت الحركية والفاعلية داخل هذه الأمة، لكن هذا كله بدأ يعود ربما نراه قاصرا ونراه ضعيفا لكن هناك وعي متزايد هناك الآن عمل مدني، هناك الآن عمل إغاثي يعني ناشئ، وأظن انه يقوم بدور لا يمكن إنكاره لا في فلسطين ولا في أفغانستان ولا في الصومال ولا في سوريا، لكن طبعا إحنا الآن في طور تحرر، التحرر من الاستبداد الذي كان يمنع الأمة وليس فقط لا يساعدها ولا يمكنها بل يمنع الأمة.

عثمان عثمان: أنتم مستبشرون.

أحمد الريسوني: نعم.

عثمان عثمان: أنتم مستبشرون.

أحمد الريسوني: نعم مستبشرون في انتظار..

عثمان عثمان: انتهى الوقت فضيلة الدكتور.

أحمد الريسوني: الربيع العربي حقق الحرية والحرية هي مفتاح كل شيء.

عثمان عثمان: أشكركم الدكتور أحمد الريسوني الخبير في مجمع الفقه الإسلامي الدولي على وجودكم معنا في هذه الحلقة وعلى ما تفضلتم به، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة لكم تحيات معد البرنامج معتز الخطيب والمخرج منصور الطلافيح وفي المتابعة عبير العنيزي، وهذا عثمان عثمان يترككم في آمان الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.