- الفرق بين التدبر والتفسير لكتاب الله
- حكم القراءة السريعة للقرآن الكريم

- طرق ووسائل لتدبر كتاب الله

- الشفاء البدني بالقرآن وأثر الرقية

- مؤهلات خاصة لتدبر القرآن الكريم وفهمه

- كيفية استعادة الأمة منهج الجيل القرآني الفريد


عثمان عثمان
ناصر العمر

عثمان عثمان: مشاهدينا الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أهلاً ومرحباً بكم في هذه الحلقة الجديدة من برنامج الشريعة والحياة، يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز{كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ}[ص:29] أنزل الله سبحانه وتعالى كتابه ليكون هادياً وضمّن له البقاء والخلود لأجل صون استمرارية مرجعيته الهدية تلك، لكن حُجباً حالت أحياناً بيننا وبين القرآن الكريم طغت كثير من الطقوس والشعائريات على علاقتنا به فحالت دون تدبره أو تحقيق مقاصده وغاياته، فما مفهوم التدبر؟ وما وسائله؟ وكيف نتعامل مع القرآن كأنه أنزل إلينا؟ القرآن الكريم بين القراءة والتدبر والعمل موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة الدكتور ناصر العمر رئيس الهيئة العالمية لتدبر القرآن الكريم مرحباً بكم سيدي.

ناصر العمر: ومرحباً بكم والإخوة المشاهدين.

الفرق بين التدبر والتفسير لكتاب الله

عثمان عثمان: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} [ص:29] يعني بدايةً ما المراد بالتدبر؟

ناصر العمر: بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آل وأصحابه أجمعين {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا}[الكهف:1] التدبر ورد بالقرآن بعدة مواضع وفي عدة مواضع من آيات الله جل وعلا، والتدبر هو التأمل والتفكر والنظر في مآلات الآيات ودلالتها ولآثارها، هو في الحقيقة استخدام للعقل والفكر أثناء القراءة يعني ليتواطأ اللسان مع القلب والعقل مع التفكير وبهذا نصل إلى الغايات التي من أجلها نزل القرآن.

عثمان عثمان: هل من هناك فرق ما بين التدبر والتفسير لكتاب الله؟

ناصر العمر: نعم التفسير هو خاصٌ بالعلماء، معرفة أحكام الآيات والناسخ والمنسوخ والمجمل والمفصل والمبين وغير ذلك من أحكام القرآن التي اختص بها العلماء وبينوها، أما التفكر فهو ارتباط مباشر بين تلاوة الآية ودلالتها وآثارها دون دخول لتفاصيل الأحكام وغايتها، لأن الله جل وعلا سماه قرآن بلسان عربي مبين أي نصل إلى هذا البيان من خلال القراءة بمن يدرك لغة العرب.

عثمان عثمان: أيضاً فضيلة الدكتور نلاحظ خاصةً في أيام رمضان وفي الأيام المباركات يعني مواسم العبادة، كثير من الناس يحرص على أن يقرأ كثيراً من كتاب الله عز وجل أن يختم القرآن مرة واثنتين وثلاثة يحرص على القراءة هل القراءة هي التدبر أم أن هناك أيضاً فرق بينهما؟

ناصر العمر: هذا موضوع له جانبان، أما استغلال مواسم المناسبات كرمضان والأيام الفاضلة في قراءة القرآن فكان السلف يفعلون ذلك حتى أن بعضهم كان يختم القرآن في كل يوم استثماراً لهذه الفرصة الثمينة في التلاوة وكسب الأجر، لكن هذا لا يعد التدبر لأن الغاية في الحقيقة من إنزال القرآن كما قرأتم قبل قليل هو تدبر القرآن {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ}[ص:29] ولذلك كما في حديث أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قام ليلة كاملة بآية واحدة {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}[المائدة:118].

عثمان عثمان: يكرر هذه الآية.

ناصر العمر: يكرر هذه الآية في كل ركعة حتى انتهى قيام الليل مما يدل على أنه يتبين له من المعاني والآثار وإلا لاسترسل كما حدث في أيضا مرة أخرى قام بسورة البقرة ثم النساء ثم آل عمران لولا أنه تجدد له من المعاني كما في عدد من الأحاديث ولكن هذا من أشهرها وكذلك أحاديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه وغيره من الأحاديث عندما يقرأ على النبي صلى الله عليه وسلم القرآن فيقول حسبك حسبك فإذا عيناه تذرفان، فإذن التلاوة له جانب ولذلك بعض السلف كانت له قراءتان قراءة للتلاوة وللحصول على الأجر ولختم القرآن وتلاوة للتدبر لأن تلاوة التدبر تحتاج إلى توقف تحتاج تأمل تحتاج إلى نظر تحتاج إلى إعادة وهكذا فلهذا يختلف عن تلاوة مجرد التلاوة التي لأجل الأجر أما أن يقرأ الإنسان من أجل التلاوة فقط عاتب الله أهل الكتاب فقال عنهم عز وجل {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ}[البقرة:78] قال العلماء ألا التلاوة فعاتبهم الله جل وعلا أنه قال يتلون كتابهم أي يقرؤون القرآن ومنهم {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ}[البقرة:78] قال أي لا يعلمون الكتاب إلا..

عثمان عثمان: إلا أماني.

ناصر العمر: إلا أماني أي تلاوة فقط أي دون تدبر دون عمل دون نظر دون تفكير هذا يدخل في الذنب.

حكم القراءة السريعة للقرآن الكريم

عثمان عثمان: لكن أليس الحرص على كسب المزيد من الأجر والثواب وتكثير الحسنات هو مبرر أيضاً للقراءة السريعة في كتاب الله عز وجل أم..

ناصر العمر: قلت لك أن لا تعارض ممكن أن الإنسان يكون له قراءتان قراءة وخاصة الحفاظ حتى لا ينسوا أو استغلال لمواسم الطاعات كما ذكرتم في رمضان أو في الأيام الفاضلة أو في الأماكن الفاضلة يعظم بها الأجر على كل حال، فهنا يكثر من القراءة ويسرع بها في القراءة حتى روي أن الشافعي كان يختمه في كل يوم مرتين في رمضان وغيره روي أن عثمان رضي الله عنه يقرأ القرآن في ليلة هذا كله استثمار لمواسم الطاعات، لكن أيضاً عندهم لديهم جانب آخر هو التدبر والتفكر هذا الذي قلته أن بعض السلف كان يأخذ بقراءتيه قراءة للتلاوة للأجر وقراءة للتدبر والتفكر.

عثمان عثمان: لكن هنا سؤال فضيلة الدكتور يعني كيف يمكن للقرآن أن يختم في ليلة واحدة مرة أو اثنتين؟

ناصر العمر: ممكن هذا جداً لأنه ثبت حتى عملياً من المعاصرين أن جزء الحفاظ المتقنين من الحفاظ يقرؤون الجزء الواحد بين عشر دقائق إلى خمسة عشر دقيقة.

عثمان عثمان: هذا يكون على حساب أحكام التجويد.

ناصر العمر: نعم هنا لا يلزم هو أحكام تجويد ليست واجبة إلا إذا صلى بالناس أنا لا أتكلم هؤلاء لا يصلون بالناس هؤلاء يقرؤون لأنفسهم فقط هؤلاء يقرؤون لأنفسهم فممكن ولذلك أذكر أن بعض كبار العلماء ختم القرآن في خمس ساعات جلس جلسة واحدة فختم القرآن في خمس ساعات وأعرف أنا كنا مع بعض الزملاء في فترة مضت كانوا يختمونه كل يوم فعلاً يختمونه يومياً وقراءة كانوا في الليل يؤموننا في الصلاة قراءة مجودة مرتبة لكن في غير وقت الصلاة يقرؤون لأنفسهم يختمون يومياً فختموا في رمضان ثلاثين ختمة، كلاهما يفعلون ذلك دون تردد.

عثمان عثمان: شيخنا ذكرتم أن نبينا عليه السلام كان ما يصلي الليل كاملاً بآية واحدة من كتاب الله عز وجل يعني هل هذه خاصة بالنبي عليه الصلاة والسلام أم أنها عامة لكل الأمة؟

ناصر العمر: هو هذا ليس دائماً هذا مما رواه من حديث أبي ذر يعني ليلة من الليالي صلى النبي بآية لكن مما يدل قلت لك مرة أخرى صلى بسورة البقرة ثم النساء ثم آل عمران وهذا مما يستدل به العلماء أن يجوز أن تقدم سورة على سورة في القرآن وبعضهم قال لا هذا قبل جمع المصحف نعم وإجماع الصحابة على ما هو بين أيدينا، فالشاهد هو أنه كانت له أكثر من قراءة النبي صلى الله عليه وسلم فيقرأ هنا وهنا نعم يبقى لا يدل على الخصوصية عندما يدل دليلاً على خصوصية النبي صلى الله عليه وسلم هنا نقول خاص أما ما لم يدل على ذلك فإنه له وللمؤمنين وهو قدوتنا {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}[الأحزاب:21] فلا الذي يدعي الخصوصية عليه بالدليل.

طرق ووسائل لتدبر كتاب الله

عثمان عثمان: نعم مولانا نتحدث الآن عن القراءة عن التدبر عن العمل ما الذي يربط بين هذه الخصائص الثلاثة؟

ناصر العمر: هي مترابطة هو أصلاً لا يمكن تدبر بدون قراءة ولا عمل بدون تدبر القراءة هي التلاوة كما بينا فيما مضى {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ}[العنكبوت:45] فاتلوا ما أوحي إليك هذه تلاوة، التدبر هو ما تحدثنا عنه قبل قليل هو التفكر والتأمل والنظر في المآلات والاعتبار والتبصر والخوف والرجاء كلها قضايا تصاحب إيمانية تصاحب التدبر أي الفهم المراد والنص من هذه الآية التي يشترك بها الناس منها عموما، العمل هو يأتي بعد ذلك لأنه كيف تستطيع أن تعمل عملاً دون أن تفهم المراد لا يمكن حتى في طبع البشر عندما يأمر أحد رئيس مرؤوس بأمره إن لم يكن فهم أمره لا يستطيع أن ينفذه تنفيذا صحيحاً ولذلك قال الله جل وعلا {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ}[ص:29] ماذا قال بعده؟ {وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ}[ص:29] التذكر يكون بعد التدبر التذكر هو العمل إذن فهي مرتبة ترتيباً منطقياً تلاوة يتلوها بعد ذلك تدبر طبعاً مصاحب لها بس ترتيب وهكذا ثم طبيعي أن يكون العمل بعد ذلك لكن لا يمكن أن يكون العمل بلا تدبر ولا يمكن أن يكون تدبر دون قراءة، لكن كل واحد لها، فقد يتلو الإنسان دون تدبر وقد يتدبر الإنسان دون عمل، وهذه هي المشكلة والجسام النكد التي وقعت بالأمة مع كل أسف.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور يعني نلاحظ من خلال النصوص الشرعية في كتاب الله عز وجل وفي سنة النبي عليه الصلاة والسلام أن هناك تأكيداً شرعياً على أهمية التدبر أين تكمن هذه الأهمية؟

ناصر العمر: تكمن الأهمية أولاً دعنا نستعرض بعض الآيات لماذا أنزل القرآن {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ}[ص:29] لاحظ ماذا قال الله عن المنافقين قال{أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا}[محمد:24] أين هنا الملفت؟ لم يقل أفلا يقرؤون القرآن لأن ثبت أن بعض المنافقين يقرؤون القرآن كما قال النبي صلى الله عليه وسلم (مثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة رائحتها طيبة وطعمها مر) إذن أثبت لهم قراءة وهم يقرؤون القرآن والله جل وعلا لم يستثن أحد من المنافقين هنا لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال(ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن ) لكن ليس هناك استثناء بالنسبة لهم موضوع التدبر لأنهم لا يتدبرون {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا}[محمد:24] أي كأن القلب مقفل تماماً وكذلك {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا}[النساء:82] يقول عن الكفار {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ}[المؤمنون:68] كل هذا يؤكد أهمية التدبر ولذلك أثنى الله جل وعلا على آداب أهل الكتاب {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ}[البقرة:121].

عثمان عثمان: عن أي كتاب نتحدث هنا؟

ناصر العمر: نعم هذا أهل الكتاب يقرؤون التوراة والإنجيل سابقاً {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ}[البقرة:121] قال العلماء أي يتدبرونه ويعملون به فهنا عندنا نلاحظ تلاوة حق تلاوته تلاوة ما هو حق التلاوة؟ حق التلاوة هو التدبر والعمل هو التدبر والعمل إذن عندنا تلاوة كما ذكرتم قبل قليل ولدينا عمل وتدبر ولدينا عمل، أهميته أنه بدون تدبر القرآن لا نصل إلى المقصود، يكون هذا القرآن كما هو واقع في كثير المسلمين مجرد كتاب للبركة مع أنه بلا شك كتاب مبارك، لا نشك في ذلك هو كتاب مقدس لا يمسه إلا المطهرون لكن مع كل أسف في واقع الأمة اقتصروا على هذا الجانب بل أنه وصل مع كل أسف إلى أنه مجرد أن يقرأ عند الأموات أو في مناسبات افتتاح الحفلات أو غيرها ونسوا لماذا أنزل هذا القرآن فتكمن أهمية التدبر أنه ينقلنا بعد التلاوة إلى التدبر والتفكير إلى العمل تحيا به الأمة ومن أجل أن القرآن حياة كما بين الله جل وعلا.

عثمان عثمان: ذكرتم الآية القرآنية {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا}[محمد:24] يعني ما الذي يحول دون تدبر القرآن الكريم كيف نزيل هذه العوائق دون تدبر كتاب الله؟

ناصر العمر: الله جل وعلا {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ}[الأعراف:146] هناك صوارف تصر عن الظلم الكذب فقدان الإيمان قبل ذلك كما فعل المنافقون لما فقدوا الإيمان أصبحوا لا يتدبرون القرآن لماذا؟ لأن القلب أسود، القلب أسود والقلب كافر بالنسبة لهم حال بينهم وبين أن يتدبروا القرآن فعاتبهم الله جل وعلا فالصوارف كثيرةٌ جداً هناك صوارف أصيلة وصوارف عارضة من الصوارف الأصيلة كما قلت الظلم الكبر التجبر على الناس أي فقدان الإيمان، هذه صوارف أصيلة يصعب أن يتدبر الإنسان معها لعدم وجود أما عارضة كأن ينشغل الإنسان بقضية معينة كأمر طارئ يحدث  له قد يحول بينه وبين تدبر القرآن لأن تدبر القرآن هو إعمال الفكر والتأمل والنظر في آية القرآن.

عثمان عثمان: يعني كما تعلمون في كتاب الله عز وجل {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا}[الفرقان:30] هناك من يكتفي بالقراءة دون تدبر ودون العمل، هل يعتبر من يكتفي بالقراءة فقط ممن هجر القرآن الكريم؟

ناصر العمر: نعم ولا شك في ذلك هذا الإمام العظيم إمام ابن القيم رحمه الله وأنصح بقراءة كتبه والرجوع إليها وهو تلميذ شيخ الإسلام رحمه الله قال كلاماً عزيزاً الآن لو سئلنا أنا أقول الآن قبل كلام ابن القيم لو سئلت بعض الناس من عموم المسلمين لقلت ماذا تفهم من هذه الآية من سورة الفرقان {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا}[الفرقان:30] هذا يشتكي النبي صلى الله عليه وسلم لربه يشكو أمته لأنهم فعلوا فعلا  لا ينبغي سيقول لك أنهم لا يقرؤون القرآن هذا أصاب وأخطأ، أصاب صحيح أن الذي لا يقرأ القرآن قد هجر القرآن قطعاً لكن أخطا أي حيث قصر المعنى الهجري على ماذا.

عثمان عثمان: على القراءة دون تدبر وفعل.

ناصر العمر: وهذا الواقع مع كل الأسف عند كثير من المسلمين دعنا نتأمل قال ابن القيم هجر القرآن على خمسة أدرب: الذي لا يقرأ القرآن قطعاً قد هجره قطعاً، ما هو الدرب الثاني قال: الذي لا يحكم القرآن وأنا أفسر أقول على مستوى دولة أو على مستوى فرد أو في  الإنسان في المعاملات قد هجر القرآن لأن لا معنى أن الإنسان يقرأ القرآن ولا ينفذه، قال الثالث الذي لا يعمل بالقرآن قد هجر القرآن قد يسأل السائل: ما الفرق بين الذي لا يحكم القرآن؟ التحكيم كما تعلم يختلف عن العمل، العمل يكون في الصلاة وفي الزكاة وفي كثير أما التحكيم فهو في الحقوق والواجبات فرق بينهما وبينهما عموم وخصوص على كل حال، طيب النوع الرابع عدم الاستشفاء بالقرآن و أأذن لي يا أخي الكريم أن أوضح هذه النقطة العجيبة بعض الناس قد يسألك مرة أخرى: ما هو المقصود بالاستشفاء بالقرآن؟ قال أنك إذا مرضت تذهب إلى قارئ أو أنت تقرأ على نفسك رقية شرعية وأنا أقول مرة أخرى هذا أصاب أو اخطأ أو قصر، صحيح أن الرقية الشرعية إذا انضبطت بضوابطها الشرعية أنها وما أدراك أنها رقية وهي الفاتحة كما قال صلى الله عليه وسلم، لما رقى الصحابة المريض كما تعلمون نعم فقراءة القرآن على المريض قراءة صادقة ومخلصة، الرسول صلى الله عليه وسلم رقاه جبريل كما تعلم بالقرآن وأيضا إذن تلاوة القرآن والرقية به تعتبر الرقية من الاستشفاء بالقرآن لكن ابن القيم بين  لنا معنى آخر أنها أوسع من ذلك يعني الأمة الآن بأمراضها الكبرى كيف نعالجها؟ كيف تشفى؟ بالقرآن، بتدبر القرآن يقول، هكذا يقول ابن القيم بتدبر القرآن الذي لا يستشفي بالقرآن يكون قد هجر القرآن، طيب أنا وأنت في بيوتنا نستطيع أن نحل مشاكلنا وأمراضنا الخاصة والعامة بالقرآن.

الشفاء البدني بالقرآن وأثر الرقية

عثمان عثمان: هنا نتحدث عن الشفاء البدني عن شفاء الأمراض الاجتماعية، أمراض على مستوى الحكم على مستوى الأفراد على مستوى المؤسسات؟

ناصر العمر: نعم ولذلك أعطي مثلا، الآن يأتيني بعض الناس ويسألوني ويسأل بعض الإخوة المتخصصين في التدبر ويقول مثلا أنا عندي قضية وتأخرت إما مرض أو قضية مادية أقوله اقرأ سورة الطلاق وتدبرها، أول ما تقول سورة الطلاق تعرف الطلاق لماذا؟

عثمان عثمان: يهتز..

ناصر العمر: نعم، لماذا تؤمل هذه الآيات يقول الله سبحانه وتعالى: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا}[الطلاق:2-3] بعدها سيجعل الله بعد عسر يسرا سبحان الله أقول اقرأها وتدبرها واعمل بها وسترى النتيجة، لا تتصور يا أخي الكريم كيف النتائج التي تحققت لأفراد وأسر من خلال تطبيق هذه السورة فقط، هذا استشفاء بالقرآن ليست رقية أنا آتي وأرقي عليك بسورة الطلاق لا، أيضا سورة النور أعطي مثال، تتصل امرأة بأحد الإخوة المتخصصين بالتدبر وقالت له أنا اقرأ القرآن ثم أهجره واذهب للاغاني شوف كيف وأذهب للموسيقى وأسمع الموسيقى ثم أرجع إلى القرآن وتقول إن ذهبت للموسيقى يضعف قراءتي للقرآن هل في هناك حل؟ قال: نعم، تدبري سورة النور، فقامت وتدبرت سورة النور سبحان الله هذه السورة عجيبة جدا اسمها النور {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ}[النور:35] معناه إن نوره ملأ السماوات والأرض فإذا وجد ظلمة في القلب فهناك حائل حال هذا النور، انظر إلى نور الأستوديو هذا نور قوي جدا ألست تلاحظ في زوايا الأستوديو أماكن مظلمة لماذا؟ لأن هناك حائل حال بينه وبين هذا النور القوي جدا فكذلك الله نور السماوات والأرض كاملها، فمتى فقد هذا النور في مكان أو في قلب إنسان من نور الله جل وعلا فإن هناك حائل حال دونه، إذن هذه المعاصي تحول فبدأت الفتاة تطبق هذه السورة وتتدبر هذه السورة فاتصلت على الشيخ وقالت له: يا شيخ، أنا أتعجب الناس كيف يهجرون القرآن؟ كيف يذهبون إلى ما حرم الله لماذا؟ لان قلبها امتلأ نور والنور يطرد الظلمة، النور بطبيعته يطرد الظلمة الآن شوف الصفاء الواضح بدقة عندنا هنا بقوة النور، فكلما قوي النور قوي البصر وقويت الرؤية وكلما ضعف النور في مكان ضعفت الرؤية إذن هذا استشفاء بالقرآن، النقطة الخامسة: قال الذي لا يتدبر القرآن قد هجر القرآن، يقرأ القرآن لكن لا يتدبر القرآن هذا قد هجر القرآن إذن لا بد من الخمسة أن نتفقد أنفسنا حتى نكون طبقنا وأن لا ندخل في ظلم  الذين يشتكي منهم النبي صلى الله عليه، وقال الرسول: ((يا رب أن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا)).

عثمان عثمان: موضوع الاستشفاء فضيلة الدكتور نلاحظ أن البعض ربما يعيش حياة رغيدة لديه من أسباب الحياة السعيدة والرغيدة الكثير الكثير لكن رغم ذلك يعيش ضيقا في الصدر ضنكا في الحياة هل لذلك علاقة ببعده عن القرآن الكريم أو قربه منه؟

ناصر العمر: نعم وهو القرآن وضح ذلك بسورة الأنعام {فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء}[الأنعام:125] أما في سورة طه قال: {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي}[طه:123-124] ما قال انه ما عنده أكل ما عنده قصر ما عنده بيت ما عنده مال {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا}[طه:124] هو أمامه الأكل لكن حياته ضنك، هذا في الدنيا وَنَحْشُرُهُ ، واو العطف تقتضي المغايرة، أي بالدنيا له معيشة ضنكا مهما كان من قصور ومهما كان من أموال ومهما كان أمامه الآن والرفاهية وربما بعض الناس يغبط كما غبط القوم أو قارون كما تعلم وماذا كانت النتيجة؟ وسبب ذلك أنه اعرض عن ذكر الله وما هو ذكر الله؟ يفسرها أول آية في طه ما هي طه؟ {طه* مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى}[طه:1-2] ليس مجرد الإنزال لاحظ التدبر مرة أخرى قال: {قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ}[البقرة:97] ما قال على سمعك، مع انه أول ما سمعه الرسول صلى الله عليه وسلم القرآن من عينيه؟ من أذنيه  قال: {نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ} وكذلك من سورة الشعراء نزله على قلبك كما بين الله جل وعلا، إذن إذا لم يكن القرآن بالقلب تتحول الحياة إلى معيشة ضنكا مهما رآه الناس مترفا أو غنيا وأحواله وأنا أعرف حالات  كثيرة جدا تعيش البؤس والله يا أخي الكريم  حتى ما أصبحت المهدئات تنفع معهم ولا حبوب النوم تجلب لهم النوم تدري ماذا بالأخير ماذا يجلبون؛ يبحثون عن من؟ عن قارئ يقرأ عليهم يرقيهم لعله يهدأ بسكينة، اسمع هذه القصة الحقيقية استضفت في سنوات مضت لما كنت مسؤولا عن مؤسسات تعليمية فجاء وألقى محاضرة وكان مديرا لمستشفى من اكبر مستشفات الصحة النفسية في العالم العربي، فقال كلاما عجيبا يا شيخ، هذا الرجل أعرفه رجل صالح، قال: في مستشفانا كلٌ جاءنا من كل الفرق؛ أغنياء فقراء كبار صغار وزراء وغيرهم، إلا نوع واحد ما جاءنا، من هو هذا النوع؟ قال: أهل القرآن لم يأتِ منهم احد في المستشفى أبدا، ثم قال: ولا تتعجبوا فنحن في مستشفانا إذا عجلنا أن نعالج المرضى بعلاجاتنا النفسية الموجودة ذهبنا بهم إلى لأهل القرآن فشفوا بإذن الله على أيديهم.

عثمان عثمان: {أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}[طه:28].

ناصر العمر: {أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}[طه:28] يأتي الشفاء إذن هذا هو الحقيقة القرآن وتدبر القرآن وفهم القرآن والعمل بالقرآن.

عثمان عثمان: مولانا ذكرتم في السياق الحديث أن القرآن ربما الآن أصبح فقط للتبرك غالبا ما يتلى في المناسبات الحزينة خاصة على الأموات، مما جعل البعض في بعض المجتمعات عندما يسمع القرآن الكريم يسأل: من مات؟ فتحول القرآن يعني من عامل لإسعاد النفوس وإسعاد الناس إلى ربما لدى البعض يذكره بالحزن يعني كيف نجعل القرآن وسيلة لإسعادنا وكيف نقنع الآخرين بأن قراءة القرآن تدبر القرآن العمل بالقرآن الكريم هو لمصلحتهم وفائدتهم؟

ناصر العمر: هناك قاعدة كونية في البشر الناس يسيرون تبعا لقناعاتهم فمتى ما وجدت القناعة ورسخت تبع الإنسان، الذي الآن يكدح صباح مساء في وظيفته أليس لديه قناعة بأنه بحاجة إلى هذا الدخل وهذا العمل؟ التاجر الذي يبيع ويشتري لديه قناعة في هذا العمل، مؤلف الكتاب الذي يؤلف كتابا لأن لديه قناعة بأن هذا الكتاب سيكون ثمرة للأمة أو للمجتمع أو غير ذلك، إذن كل إنسان يتبع قناعته دعونا نبدأ إذن في ماذا؟ في الرأس القناعات فمتى ما استطعنا أن نقنع هؤلاء الناس أن حياتهم وأن سعادتهم هو في ماذا؟ بالقرآن وبتدبر القرآن، هنا ثق يقينا أنهم لا يحتاجون بعد ذلك إلى أن يقال لهم اقرؤوا أو تدبروا القرآن ،هذه قضية بديهية في الحياة كلها مثال كلنا ننشد السعادة كلنا ننشد السعادة ولذلك يبحثون عنها هناك من يوفق للسعادة وهناك من لا يوفق، إذن علينا أن نبدأ بالخطوة الأولى بأن نقنع الناس بأنك سعادتك وهناؤك ورغد عيشك هو بالقرآن من خلال تدبره والعمل به، يقينا يا أخي الكريم وهذا أقوله لك من خلال أمثلة لا يتسع الوقت لطرحها انه متى ما اقتنع بهذه الفكرة ستتحول حياته شيئا آخر.

عثمان عثمان: لا بأس أن نطرح لو أنه مثالا واحد فضيلة الدكتور.

ناصر العمر: أنا أعطي مثالا واحدا، لا يخلو بيت من البيوت من المشكلات تعرف أبدا على مستوى البيت على مستوى الأسرة على مستوى الدولة على مستوى الأمة أين علاجها؟ بالقرآن هذه المصائب التي تقع شخصّها القرآن خلال التدبر في مواضيع منها موضوعين سأذكرها لك؛ الصحابة لما وقعت عليهم هزيمة أحد  استغربوا فهناك القرآن يقول لهم {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ}[آل عمران:165] وفي سورة الشورى على مستوى الفرد وغيره {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ}[الشورى:30] أحد طلاب العلم أعطيك حقيقة يقينية وكثير بس هذا نموذج نحن اتفقنا، نحن اتفقنا القصة نموذج ولا أحب أن أذكر أسماء، يقول بهذا المعنى يقول إذا جئت إلى بيتي، ووجدت أن هناك مشكلة كبيرة في البيت وقال لي أهلي في مشكلة، أسألهم سؤالا واحدا: هل هذه المشكلة تعتبرونها مصيبة أو مشكلة عارضة، قالوا: والله مصيبة، ما سببها؟ قالوا: سببها إما من الأولاد أو من الأقارب أو من الجيران أو من أي سبب أقول لها، أقول لزوجتي: أنا وأنتِ السبب، ما إلنا ذنب، ماذا فعلنا؟! قال الله جل وعلى يقول: {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ}[الشورى:30] ما هي النتيجة للعملية لهذا؟ يقول نتوجه أنا وزوجتي وأولادي مع من الحوار معه إلى الله ونصدق بالصدق ثم نبدأ نعالج المشكلة يقول أحيانا والله تنحل قبل أن نبدأ بمعالجة الأسباب الأخرى، إذا علم الله صدقنا وإخلاصنا وإنابتنا وتوبتنا فرفع هذه المصيبة، يقول مرارا تتكرر أصبح منهجا في بيتي يقول على مستوى الأمة ولكن قال الله جل وعلى: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 165] لاحظ الآية هذه معنى جميل جدا في التدبر {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} ليش؟ بعض الناس يقع في مصيبة أو حادث يقول قضاء وقدر، صحيح انه قضاء وقدر لكن الله سبحانه وتعالى قدم أنك أنت السبب مع أنه قضاء كوني لا شك ما في شيء يخرج عن قدر الله جل وعلى لكن أنت السبب ففقه الصحابة هذا المعنى ولذلك لم تتكرر مثل هذه الحادثة.

عثمان عثمان: نعم مولانا هل كل مسلم مطالب بتدبر القرآن الكريم أم إن لهذا التدبر مؤهلات خاصة يعني ماذا بشأن الذي لا يعلم بشأن الذي لا يستطيع أن يتدبر من الناحية العلمية أو اللغوية ماذا يفعل؟ أسمع الإجابة إن شاء الله بعد أن أذهب إلى فاصل قصير، فابقوا معنا مشاهدينا الكرام نعود إليكم بإذن الله بعد الفاصل.

ناصر العمر: جزاك الله خيرا.

[فاصل إعلاني]

عثمان عثمان: أهلا وسهلا بكم من جديد مشاهدينا الكرام نتابع معكم في هذه الحلقة مع فضيلة شيخنا الدكتور ناصر العمر حلقة من الشريعة والحياة وهي بعنوان القرآن بين القراءة والتدبر والعمل، مولانا..

ناصر العمر: تفضل.

مؤهلات خاصة لتدبر القرآن الكريم وفهمه

عثمان عثمان: هل هناك مؤهلات خاصة لتدبر القرآن الكريم وفهمه أم أنه مطالب به كل مسلم؟

ناصر العمر: هذا حقيقة موضوع مهم جدا وسؤال جدير بالعناية لماذا؟ لأن هناك من قال إن التدبر خاص بالعلماء، كيف نقول للعامة تدبروا القرآن فقد يخطئون في فهمه، وهو الخطأ نشأ هنا من وجه أنهم خلطوا بين التدبر والتفسير فالعلماء قالوا عن التفسير أن من قال بالقرآن برأيه فقد أخطأ وان أصاب، فإن أخطأ وإن أصاب هذا بماذا؟ بالتفسير، الأحكام ومراد الله جل وعلى لكن التدبر هو التفكير وهو تفكير حر مبدأه لا يتجاوز الإنسان فإذا أراد أن يتجاوز هذا له روابط سأشير إليها بعد قليل قد تقول لي أين الدليل على هذا؟ سأحيلك إلى كلام الإمام العلامة محمد الأمير الشنقيطي صاحب أروع البيان قال كلاما في سورة محمد عند قوله تعالى: {أَفَـلَا يَتَـدَبَّرُونَ الْقُـرْآنَ أَمْ عَـلَى قُـلُوبٍ أَقْـفَالُهَا} [محمد : 24] كلام منطقي وتعرف أن الشيخ متخصص في المنطق وأعجبني وأختصر جدا هنا ومن أراد التوسع فليرجع إلى أروع البيان في سورة محمد، يقول بعد أن ذكر قول إن من يقول إن التدبر يكون للعلماء قال هذا غير صحيح بل لكل مسلم لاحظ ليس كذا على الإطلاق ينطق العربية  لأنه لا يستطيع أن يفهم القرآن وهو فهم التدبر فهم والتأمل الذي لا ينطق العربية ولا يفهم العربية لا يستطيع أن يتدبر قد يطلق الآن تلاوة يحفظها وهو مأجور على ذلك على كل حال هذا قدره وهذه استطاعته وهذه إمكاناته لكن قال الذي يستطيع أن يقرأ العربية ويفهم العربية بلسان عربي مبين يجب عليه التدبر، قال ما الدليل؟ سأل سؤال منطقيا قال أنتم تقولون إن التدبر خاص بالعلماء طبعا منطقيا قال نعم، قال طيب ألم يلعن الله جل وعلى يعاتب المنافقين لماذا لا يتدبرون القرآن، قلنا بلى عاتبهم في هذه الآية قال ألم يعاتب الله الكفار؟ لماذا لا يتدبرون القرآن؟ أفلم يتدبرون القول، قال: بلى، قال: طيب،السؤال الثاني هل يمكن أن يعاتب الله المنافقين أو الكفار على شيء لا يقدرون عليه؟ لا يمكن لأن الله لا يكلف إلا بما يطاق.

عثمان عثمان: نعم.

ناصر العمر: الشريعة لا تأتي إلا بما يطاق إذن وصلنا لنتيجة النقطة الثانية أن الله أمر وعاتب الكفار والمنافقين وأمرهم بتدبر القرآن وعاتبهم على عدم التدبر، ثانيا أنه لا يمكن أن يأمرهم أو يعاتبهم على شيء لا يقدرون عليه ثم سأل السؤال الثالث.

عثمان عثمان: القدرة مناط التكليف.

ناصر العمر: مناط التكليف، ثم جاء السؤال الثالث هل عوام المسلمين أقل منزلة وفهما من المنافقين والكفار؟ مستحيل لا شك أن المسلم أقوى فهما وإدراكا ومعنا من المنافق والكافر ما دام يعرف باللغة العربية إذن هم مطالبون من باب أولى لقياس الأولى إذا كان المنافق يعاتب لماذا لا يتدبر والكافر يعاتب لماذا لا يتدبر هل أحد يقول عن المنافق انه عالم؟ هل أحد يقول عن الكافر انه عالم في الشريعة؟ لا أحد يقول هذا ومع هذا عاتبهم الله جل وعلى ولا يعاتبهم إلا بشيء يقدرون عليه إذن عموم المسلمين يطالبون في التدبر ولكن تختلف مستويات التدبر، ولكن لو أن الإنسان أراد أن يتدبر ثم يلقي فيه درسا نقول لا، بعد أن تتدبر وتسجل ما لديك ممكن أن تعرضه على أحد العلماء على طلاب العلم يختلف الحال لأنه سيتحول من فهم خاص إلى تراث وعلم يدون هذا له ضوابطه والله أعلم.

عثمان عثمان: التدبر يبدو أن له أهمية كبرى في حياة المسلم وهو يقرأ كتاب الله عز وجل وهو الطريق الموصل للعمل الصواب الصحيح لكن هل هناك من وسائل فضيلة الدكتور تعين المسلم على أن يتدبر كتاب الله؟

ناصر العمر: نعم، أول نقطة وقاعدة يجب أن ننطلق منها القناعة بأهمية التدبر، يا أخي الكريم أنا ناقشت حتى مع طلاب العلم قالت ربما يتصور أن ليس لهذا، للتدبر هذه الأهمية وسببه هو المناهج التعليمية التي تعلمناها وواقع الأمة الذي أشرنا إليه أنهم اعتبروا القرآن، نعم يقول للعمل هو يقول للعمل وللفهم لكن جانب التدبر لا يعطيه فإذن القناعة أن تقنعه أن يقتنع الإنسان أن التدبر واجب ومهم عليه وأيضا أنه سر سعادته في هذه الحياة، من خلال التدبر سيحقق السعادة والهناء والعيش الرغيد سيبتعد عن الشقاء والتعب،اثنان هو قوة الإيمان لأنه بمقدار ما، الإيمان هو نور قلب، بمقدار ما في هذا القلب من نور سيكون تدبره، الآن الذي يقرأ ما هو القوة بماذا؟ بقوة البصر هو بمقدار قوة بصره أستطيع أن أقرأ ربما لو نزعت هذه النظارات هكذا ضعفت قراءتي وأقرأ بتكلف مثلا فإذن قوة الإيمان لأن الإيمان نور فنستطيع من خلال قوة الإيمان صرف عند التدبر بالله انصراف القلب عن الشواغل لأن القلب ما جعل الله لرجل قلبين في جوفه إنسان مشغول ومهموم يقرأ القرآن يهز هزا حتى أوضح لك أعرف قراء حفاظ القرآن حفاظ بل إن من قوة حفظهم يتلون القرآن وهم نائمون يعني ما يعلمون طيب ما الشاهد هنا أنه يقول بعضهم والله إنني أقرأ أتلو القرآن ثم أمر بسورة وسورتين ثم لأنتهي وأقول هل أنا قرأت هذه الصورة أو لا تصور سورة كاملة أية اشمعنا العقل ما هو ليس معه لكن تعوده على القراءة أي طفل الآن يمكن أن يقرأ الفاتحة بدون أن يفكر، ها هنا الخلل إذن لابد أن يكون القلب متفرغ من الشواغل ويختار هنا على الأوقات المناسبة (أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء: 78] من أفضل الأوقات قالوا ما يعقب راحة وما يعقب نوم أيضا البعد عن المحرمات {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} [الأعراف : 146] ولذلك ألا تلاحظ الآن بأن كثير من الطغاة وغيرهم الآيات صريحة في قرع رؤوسهم لا ينتبهون يهددهم، تهددهم صباح مساء لا يعتبرون، أنا وقفت مثلا مع ما جرى لبعض الحكام العرب في دولة من الدول أقسم بأنه لن يخرج من بلده والعالم تغلي في بلده وقال أنا لست كبلد آخر فما هي أيام إلا  يهرب  وينتقل إلى آخر قلت لو كان تدبر قوله تعالى {أَوَلَمْ تَكُونُوَاْ أَقْسَمْتُمْ مّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مّن زَوَالٍ} [{وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ [إبراهيم : 45-46] مكرك يا أيها الحاكم الظالم فلا ينفع هنا كل هذا إذن، الذي يظلم في بيته يظلم زوجته يظلم أولاده، الزوجة التي تقصر في حق زوجها هي قد تحجب عنها نور القرآن لماذا؟ لأن الظلم يتحول إلى ظلمة في القلب وفي مقدار الظلمة في القلب سيحول بينه وبين التدبر كما أشرنا قبل قليل إذن أن يكون الإنسان أيضا مطعمه حلال يقول النبي صلى الله عليه وسلم (ربى أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب يا رب) ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأيا يستجاب له؟ فكذلك هنا التدبر إذا كان يعمله في ظلم مع أولاده مع أهله مع أقاربه الحاكم غيره التاجر يغش المسلمين هنا يحرم التدبر فلابد أن يكون طعمه حلال هنا بهذا يعطى ويوثق وأخيرا الصدق مع الله أدعو الله وأنتم موقنون بالإجابة أن يكون صادقا مع الله يفتح الله له فتوحات ولكن لاحظ في كتب التفسير الفروق بين بعض العلماء وبعض العلماء فتح الله على بعض العلماء فتوحات عظيمة جدا ولا يزال القرآن بالمناسبة منبع للتأمل والهداية والتفكير والتدبر.

عثمان عثمان: ثمرة هذا التدبر كيف تنعكس في حياة هذا المتدبر؟

ناصر العمر: تنعكس على مستوى الفرد وعلى مستوى المجتمع وعلى مستوى الدولة وعلى مستوى الأمة، تنعكس كل على حسبه، تنعكس بالنسبة للفرد هو الهدوء والطمأنينة، {طه* مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى}[طه:1-2] لكن بشرط نزله على قلبك، لاحظ طه، الآيات مع بعضها البعض، ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى، أي إنزال؟ على القلب، طيب تأتي بقوة الإيمان، {وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا} [الأنفال: 2] ولهذا مقياس، قال العلماء أن مقاييس التدبر أنك تعرف زيادة الإيمان، إذا كنت تجد إن إيمانك يزيد فأنك تتدبر، ألا تلاحظ وأنت تصلي التراويح مثلاً أو خلف إمام من الأئمة، وبجوارك شخصان واحد على اليمين وواحد على اليسار، واحد يبكي وواحد لا يبكي، وبما بعد الصلاة سألت أحدهم الذي لم يبكِ ماذا قال الإمام؟ قال لك ما أدري، الآخر لماذا بكى؟

عثمان عثمان: كان حاضراً.

ناصر العمر: نعم، خروا سجداً بين يدي الله سبحانه وتعالى، سجداً وبكيّا من تلاوة القرآن، فهو يزيد الإيمان، أيضاً يكون سبب يا أخي الكريم للرزق كما قلت قبل، سبب لحل المشكلات، وأقولها يقيناً أتمنى من أخوتي الكرام الذين يسمعون هذه الكلمة، أنا لا أنظّر أخي الكريم هنا، أنا أتكلم عن واقع وعن حقائق وعن تجربة لي مع الناس ودلالات الناس في هذا الأمر، وهذه الآيات سبب للشفاء، كلها تتحقق من خلال التدبر، تصوّر امرأة، طبعاً نحن لا نقول هذا مطرد، بعض الناس كما العلاجات تنفع ناس دون أناس، حتى انتبه لما سأذكره الآن، امرأة لا تحمل بحثت عن علاج ما وجدت علاج، فيوم من الأيام تستمع أو تقرأ آيات تدبرها في قوم نوح، } فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا{ [نوح: 11- 12].

عثمان عثمان: بأموال وبنين.

ناصر العمر: بأموال وبنين، هذا هو، فبدأت تستغفر فما مرت أشهر إلا وقد حبلت، لأن صلى الله عليه وسلم يقول يمددكم بأموال وبنين، أناس والله أعرف ما كان عندهم أموال، فبدئوا بالاستغفار، اخذوا من هذا آيات الاستغفار، فأعطاهم الله سبحانه وتعالى هذا الأمر، فهو يحقق الآمال، خذ مثال من الأمثلة العملية، الإمام القرطبي، لأنه يحقق الأمن على مستوى الدولة وعلى مستوى الأمة، قيل وهو في الطريق كما ذكر في سورة الشعراء كما قال، قيل له أن أمامك عدوٌ يتربص بك فهذا الرجل رجع، لا، معه سلاح، لا، معه أعظم سلاح، ما هو السلاح؟ الإيمان والقرآن، فلما قرب منهم بدأ يقرأ قوله تعالى:}وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ} [يس: 9] يكررها بإيمان وصدق وإخلاص، فهربوا وهم يقولون مجنون مجنون، ما عمل شيء...

عثمان عثمان: ولكن هنا سؤال فضيلة الدكتور، هذا اليقين الكبير الذي تمتع به من ذكرتهم سابقاً، هل يكفي يعني، ألا يجب أن نأخذ بالأسباب، أسباب الحياة، أسباب الدفاع، أسباب المواجهة، أم أن نكتفي فقط باليقين؟

ناصر العمر: لا بل يجب أن نأخذ بالأسباب، الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ((أعقلها وتوكل)) شفت كيف؟ لما ذكر فقال ((أعملوا فكل ميسر لما خلق له)) وكل يعمل على شاكلته، الله سبحانه وتعالى لما استسقى موسى-عليه السلام- الله سبحانه وتعالى قادر أن يخرج 12 عين، لكن لا بد يفعل سبب ولو يسير؛ شفت} وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ} [البقرة: 60] لاحظ.. فانفجرت، في سورة البقرة فانفجرت وفي سورة الأعراف فانبجست، تأمل معي هذا المثال، ولما أدركه فرعون وقومه، {قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ}[الشعراء:62] تأتي الفاء الفورية، لاحظ {فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ {[الشعراء: 63] ما هو الشاهد هنا؟ هذا العصا واحد مع موسى، هذا العصا واحد، يضرب الحجر بأمر الله فينفجر 12 عيناً، ويضرب البحر الماء فيتحول إلى..

عثمان عثمان: طريق.

ناصر العمر: إلى حجر، {فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ} [الشعراء: 63] فأصبح كل فلقٍ..

عثمان عثمان: كالطود العظيم.

ناصر العمر: ما هو الطود العظيم، الجبل العظيم، سبحان الله، وهو العصا وهي حركة واحدة، هنا حركة، لما أيضاً مريم عليها السلام واشتكت من وضعها ماذا قال لها، {فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا}[مريم:24] نعم.

عثمان عثمان: {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ} }[مريم:25]

ناصر العمر: بجذع النخلة، تعال لاحظ أخي الكريم، أنا فلاح، لو اجتمع عشرة على نخلة طويلة يهزونها من جذعها لتسقط رطبا ما سقطت، لأن كنا نأخذ حبة واحدة، واحدة، وواحدة مرتعشة عليها السلام في حالة الخوف، وتهز النخلة من جذعها، وهزي إليك من وين؟ ليس من فوقها بجذع النخلة، تتساقط تنهمر رطباً جنياً، لأنه لابد من فعل السبب مهما كان، النبي صلى الله عليه وسلم، لما رمى على المشركين، الله قادر على أن يهزمهم كما هزمهم في الأحزاب، لكن لابد من فعل من سبب، الموضوع في الحقيقة فعل الأسباب من موضوع التدبر العظيم جداً في القرآن، ركز القرآن على أهمية فعل السبب وهو لا يناقض الإيمان، بل إن التوكل من فعل السبب، بل أن التدبر من فعل السبب، فلا بد للأمة.. {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ}[الأنفال:60] مع أن الله سبحانه وتعالى قال: {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ}[الحج:40] {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى}[الأنفال:17] ومع ذلك قال اعدوا لهم ما استطعتم من قوة، الشاهد انه علاج الأمة لمشكلاتها للمجتمع يحقق الأمن، نعم.

عثمان عثمان: مولانا، سؤال يُطرح، يعني كانت حياة الرعيل الأول من صحابة النبي عليه الصلاة والسلام، تمتاز بالكثير من المزايا على مستوى السلوك المستقيم القويم، على مستوى العزة والنصر التي اكتسبوها وكان بينهم يتنزل كتاب الله بينهم النبي عليه الصلاة والسلام، اليوم نعيش عصراً، ربما فيه الكثير من الهوان، ربما فيه الكثير من المشاكل الاجتماعية النفسية والحياتية والاقتصادية، ما الفرق يعني هل غياب النبي عليه الصلاة والسلام عن حياتنا هو السبب في ذلك، أم أن البعد عن تدبر كتاب الله هو السبب الحقيقي؟

ناصر العمر: هذا الموضوع مهم جداً يا استأذنا الكبير، لا شك أن وجود النبي صلى الله عليه وسلم عامل مؤثر بين الصحابة، لكن لم يربط الله جل وعلا هذا الدين بحياة النبي صلى الله عليه وسلم، إنما ربطه بمنهج النبي صلى الله عليه وسلم، فماذا قال }وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ{ [آل عمران: 144] وليقتفي هذا المعنى أبو بكر رضي الله عنه، قام لما توفي الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد كانت فاجعة عظيمة جداً كما تعلمون، فقام وقال: ((من كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، ومن كان يعبد محمداً، فإن محمداً قد مات)) فإذن لاحظ التدبر الجميل جداً، يقول الله سبحانه وتعالى: }أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ{[الإنعام: 90] لاحظ ما قال فاقتدي به، قال بهداهم اقتده، ربطها بمنهج، لأنه ربط المنهج نفسه، قال: واتبع، ما قال من أناب إلي، {وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ{[لقمان: 15] إبراهيم عليه السلام في كل القرآن وأوحينا إليك أن اتبع، لاحظ ما قال إبراهيم اتبع ملة إبراهيم، هو صحيح إتباع إبراهيم عليه السلام أو النبي أو الأنبياء بشكل عام هو إتباع لمنهجهم، لكن ربط لقضية بمنهج، فمنهج النبي صلى الله عليه وسلم موجود، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها، صلى الله عليه وسلم، لا يزيغ عنها بعده إلا هالك، طيب ما هو السر الآخر؟ السر أنهم كانوا إذا نزل القرآن عملوا به، إذا قال فهل أنتم منتهون؟ قالوا مباشرة، انتهينا انتهينا يا رب في موضوع الخمر كما تعلمون، فهم كانوا كما قال عنهم سيد رحمه الله، قال: " جيل قرآني فريد"، ولذلك لماذا المشركون لم يأخذوا بالقرآن، لو كان مجرد تنظير كما يفعل الكثيرون، قالوا لا إله إلا الله، هكذا، وسلموا من حرب النبي صلى الله عليه وسلم لكن عرفوا أن كلمة لا إله إلا الله لها ثمن، تعني التخلص من هذه الأصنام، والأصنام ليس مجرد الأصنام التي تعبد عند الكعبة، أصنام الطواغيت، الولاء لغير الله جل وعلا،  عدم تحكيم شرع الله، لا بد أن تكون البينونة لله فوقفوا هذا الموقف الذي عارضه النبي صلى الله عليه وسلم، الصحابة الذين دخلوا في الإسلام، كان الواحد يخلع ما لديه من عبادة سابقة ويدخل كاملاً في الإسلام، {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ}  [الأحزاب: 36] هكذا كانوا وبهذا عاشوا حياتهم، أما اليوم فمع كل أسف كما قلت لك يقرؤون القرآن لكن لا يطبقونه كثير منهم يأخذونه للبركة، يقول تعالى تحاكم إلى كلام الله جل وعلا يرفض ولا يلفظ نصاً، انظر إلى بلاد المسلمين الآن هل الموجود فيها من المحاكم الشرعية إلا النذر اليسير في بعض البلاد لا هي محاكم قانونية وضعية من حثالة البشر، ولهذا عاقبهم الله جل وعلا جزاءً وفاقا.

كيفية استعادة الأمة منهج الجيل القرآني الفريد

عثمان عثمان: ولكن تبقى هناك دائماً طائفة من الأمة قائمة على أمر الله عز وجل، يبقى القرآن صالح لكل زمان ومكان، كيف تستعيد الأمة ذلك المنهج، منهج الجيل القرآني الفريد كما ذكرتم منذ قليل، كيف يمكن أن يتحول كل مسلم إلى قرآن يمشي على الأرض؟

ناصر العمر: في كلمة للإمام مالك- رحمه الله- يقول:" لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما فلح به أولها"، بماذا فلح أولها؟ بالقرآن، لكن سأعقب تعقيباً ليس مباشر في موضوعنا، في موضوع الإسلام أنه صالح لكل زمان ومكان، في كلمة لشيخنا الشيخ ابن أثير جميلة جداً رحمه الله، يقول الإسلام صالح لكل زمان ومكان، لكنه ليس خاضعاً لكل زمان ومكان، وإنما هو صانع لكل زمان ومكان، الإسلام، طبعاً وأنا اقصد القرآن والسنة...

عثمان عثمان: كلام جميل.

ناصر العمر: فهو يصنع الحياة القرآن، لكن ليس خاضعاً كما يريد كثيرون من الناس وكثير من الحكام، وكثير من الدول، يخضعون الإسلام لأهدافهم ولمآربهم دون أن يستسلموا }فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا{[النساء: 65] إذا توصلوا إلى هذه الحقيقة ثق أن يكون النصر، ولذلك تأخر النصر في كثير من بلد المسلمين حتى في فلسطين من أسباب ذلك، بعد الناس عن الإسلام، وانظر في غزة وغيرها لما رجع الناس للإسلام كيف الآن الانتصارات التي تحققت أمام هذا العدو الغاشم الذي يتصور نفسه لا يقهر، وعشنا أعمارنا على أنه العدو الذي لا يمكن أن يغلبه أحد لما جاءت الفئة المؤمنة الصادقة تغيرت الحياة.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور، في دقيقة واحدة، والوقت دائماً يضيق في هذه الحلقة، ما دور العلماء وحملة القرآن الكريم في أن يكونوا قدوة صالحة لإنشاء ذلك الجيل القرآني؟

ناصر العمر: أولاً أخلاقهم {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ}[القلم:4] ليست القدوة باللسان، أهم شي بالأفعال، فإذا تحققت القدوة بالأفعال وإنك بأخلاق المسلم، من اكبر الأشياء أن يروا مخالفة وفصاماً نكداً في واقع الأمة، واجبهم أن يبلغوا رسالة الله جل وعلا، ما موقفنا أخي الكريم إذا إخوانا في العالم كله، {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}[الأنبياءك107].

عثمان عثمان: للعالمين.

ناصر العمر: طب ماذا سنقول لله إذا سئلنا عمن أوروبا وفي غيرها وأميركا ولم يهتدوا بسبب تقصيرنا، أن ننقل لهم الإسلام، لكن نقلاً حقيقياً، بتآلف قلوبنا، بصدقنا بإخلاصنا، أي بأن يكون الإنسان قرآناً يمشي على الأرض، يخاف أن يخالف هذا القرآن حتى لا ينسب للإسلام، كما هو واقع مع كل أسف، بهذا نحقق النصر وهذا واجب العلماء ومسؤوليتهم عظيمة جداً، وبهذا تكون الرفعة لهم كما نص الله جل وعلا عليها في القرآن.

عثمان عثمان: في ختام هذه الحلقة لا يسعني إلا أن نشكركم فضيلة الدكتور ناصر سليمان العمر، رئيس الهيئة العالمية لتدبر القرآن الكريم على هذه الإفاضة الطيبة، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة، لكم تحيات معد البرنامج معتز الخطيب، وفي الإنتاج عبير العنيزي، والمخرج منصور الطلافيح وسائر فريق العمل، وهذا عثمان عثمان يترككم في أمان الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ناصر العمر: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.