- إحلال العدل في ظل الثورات العربية
- العدل ومجالاته في القرآن الكريم

- العلاقة بين العدل والشريعة

- خراب الأوطان وعلاقته بظلم الأنظمة الاستبدادية

عثمان عثمان
عبد الله بن بيه

عثمان عثمان: مشاهدينا الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلا ومرحبا بكم على الهواء مباشرة في هذه الحلقة الجديدة من برنامج الشريعة والحياة يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربي} هل أنعشت الثورات العربية قيمة العدالة؟ وكيف السبيل إلى العدل في الحكم والقضاء والقصاص؟ وكيف أدى ظلم الأنظمة إلى خراب الأوطان؟ العدل وعمارة الأوطان موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة الشيخ عبد الله بن بيه وزير العدل في موريتانيا سابقا، ونائب رئيس الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين ينضم إلينا من جدة في  المملكة العربية السعودية، السلام عليكم فضيلة الشيخ.

عبد الله بن بيه: وعليكم السلام ورحمة الله، حياكم الله يا أخي عثمان.

إحلال العدل في ظل الثورات العربية

عثمان عثمان: بعد الثورات العربية فضيلة الشيخ شهدنا محاكمات لرموز النظام السابق في مصر، في تونس، البعض نجا في هذه المحاكمات، هناك ملاحظات على بعض الأحكام هل انتعشت قيمة العدالة أم اختلت بعدم انتظامها في ظل الثورات العربية؟

عبد الله بن بيه: الحمد الله رب العالمين، اللهم صلي وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما، دعني أولا أهنئكم جميعا بهذا الشهر المبارك وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل صيامنا وقيامنا وعمرتنا في هذا الشهر، وأن يجعله شهر خير وبركة على الإسلام والمسلمين والإنسانية في كل مكان، الموضوع الذي تتحدث عنه هو موضوع له أبعاد متعددة ومظاهر متنوعة وتجليات مختلفة، فبالتالي فقد يكون من العسير أو من السابق لأوانه أن نحكم على هذه الثورات، لأن الثورة كما تعلمون هي عبارة عن انفعال، وحالة الانفعال هي حالة سيّالةٌ لم تقف بعد لم ترسو في مرسى معين، ما زالت تتفاعل على الساحة، وبالتالي فلا يمكن الحكم عليها في الوقت الحاضر، إنها شوق إلى التغيير وسعي إلى التحرير، إلى تحرير الطاقات وبالتأكيد فإنها ايضا ملهمة بقيم العدل، فلا يمكن أن نقول أن الثورات قللت من قيمة العدل ولا أن نقول أن الثورات حققت العدل، لكن نقول إنصافا للثورات بأن خطوة أولى في هذه البلاد التي خرجت من هذه الثورات قد تحققت، هذه الخطوة الأولى هي خطوة في طريق العدل وهي للامتناع من التزوير في الانتخابات للوصول إلى التغيير المنشود، أنا أعتبر أن هذه النقاط مركزية وبالتالي لا أريد أن أبخس الناس أشيائهم وأن لا أقول..

عثمان عثمان: فضيلة الشيخ على مدى عقود سابقة ربما يرى البعض أن العدل كان مفقودا  في ظل الأنظمة الاستبدادية، والآن هناك ربما ملاحظات على بعض الأداء في موضوع العدل حتى يظن البعض أن العدل غير متحقق في هذه الدنيا وأنه لا يمكن الثقة بأن يتحقق؟

عبد الله بن بيه: بالتأكيد أن العدل هو كلي مشكك كما يقول المناطقي بمعنى لا يستوي في أحواله ومحاله فلا يمكن أن نتصور أن العدل سيتحقق بجرة قلم أو بحركة سحرية فإن العدل سيتحقق أو ينبغي أن يتحقق منه ما يمكن أن يتحقق شيئا فشيء، العدل المطلق لن يكون إلا يوم القيامة، العدالة في الإسلام هي عبارة عن مقصد أعلى وعن منظومة شاملة لكثير من المقاصد والقواعد والمقاعد والجزئيات وبالتالي فإن العدل قد يبدو في قطاع أو في مجال بينما يكون ضامرا في مجال آخر، إن العدالة في الإسلام وفي غير الإسلام هي عبارة عن ثلاث درجات: عدالة التعيين، وعدالة التبيين، وعدالة التمكين، العدالة الأولى وهي عدالة التعيين أي تعيين الحقوق، فالثورات عليها أن تعُين الحقوق أن تقدم الدساتير والأنظمة والقوانين التي تحدد للناس الحقوق، الشريعة الإسلامية لما نزلت قدمت للناس حقوقهم، فكل شخص يعرف أن حقه بما يتعلق بهذا الفعل وما يتعلق بهذا الطرح وما يتعلق بالعلاقة بينه وبين غيره هو كذا.

عثمان عثمان: تبيان الحقوق والواجبات.

عبد الله بن بيه: الحقوق والواجبات المسمى بعدالة التعيين، الدرجة الثانية هي عدالة التبيين لا يكفي أن نعين الحقوق بالقوانين أو بالأنظمة أو بالجزئيات دونما أن نبينها للناس، لتبين للناس ما نُزل إليه، البيان ضرورة على الصحابة والعلماء والمسؤولين أن يقدموا للناس حقائق العدل، هذا هو البيان، ولذلك تنشأ هذه القوانين بما يسمى بالجرائد الرسمية حتى يطلع الناس على حقوقهم، المرحلة الثالثة وهي التمكين من يمكن الناس من حقوقهم هو وجود مؤسسات قضائية قادرة على قول الحق، هذه المؤسسات عليها أن تحاط بكثير من الضمانات أن يكون بإمكانها أن تقول الحق كل الحق للناس بناء على حقائق صحيحة ومدققة.

عثمان عثمان: لماذا يختل ميزان العدل أحيانا إذن ولا يمكن الحديث عن عدل مطلق إلا يوم القيامة؟

عبد الله بن بيه: طبعا العدل الإنساني هو نسبي لكن المثال موجود، فعلينا أن نسعى إلى هذا المثال، فكلما اقتربنا من هذا المثال في بُكرة من الزمان كنا أقرب للوصول إلى درجة عالية من العدل، قد تتكلم عن العدل من جهة ضمان الحقوق، ومن جهة حقن الدماء ومن جهة صيانة الأموال ومن جهة احترام الحرمات هذا كله عدل لكن هناك عدل في التوزيع وعدل في الفرص التي تقدم للناس لأن جوانب العدل هي متعددة ولهذا بالفلسفة الغربية وبالأنظمة الغربية لا يزال الخلاف قائما حول زمرة من المفاهيم التي يغطيها هذا المفهوم، وهو مفهوم العدل كما قلته مفهوم واسع له أبعاد عديدة وتجليات مختلفة وكذلك تمظهرات متفاوتة.

عثمان عثمان: فضيلة الشيخ الآن في سوريا منذ أيام قليلة حصلت عمليات قتل بحق شبيحة النظام السوري كما جاء الوصف، البعض اعتبر هذا القتل هو نوع من القصاص العادل والمعاملة بالمثل، البعض اعتبره أنه ليس من أخلاق الثورة وأنه نوع من المثلى المنهي عنها، كيف ترون الأمر؟

عبد الله بن بيه: اسمح لي أن أقول لك بالنسبة لسوريا أن أتذكر قصة هي أشبه بالنكتة وإن كان المقام ليس مقام تنكيت ولكنة  مقام حقائق، يذكر أبو حيان التوحيدي أن أعرابيا  سئل هل يقبل التضحية من أجل الأمة لصالح الأمة، قال: لا أنا أريد أن يضحى بالأمة كلها لصالحي، فموقف هذا الإعرابي أنه يريد أن تصلب الأمة كلها لصالحه، قد يصدق على النظام السوري، العدل أن توجد حالة لا يصلب بها أحد وأن يستجيب النظام في بداية ومطالب هذه الثورات التي كما قلت هي شوق إلى التحرير وسعي إلى التغيير أن يستجيب حتى لا توجد ضحية، ولكن الآن النظام يبدو أنه اختار أن تصلب الأمة وبالتالي فكل هذه الأفعال من الصعب أن نحكم عليها بصفة عامة لا مُثلى في الإسلام بصفة عامة {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ} [النحل:126] فالعقوبة لا تكون بها مثلى لكننا نتفهم أحوال هؤلاء الذين مُثل بهم والذين نُكل بهم واللذين وصلوا إلى درجة من الغضب ومن الاحتقان تجعل تصرفاتهم أحيانا تخرج عن نطاق بعض المعقولية، وإن كانوا إنما يدافعون عن انفسهم وعن حرماتهم وعن بيوتهم فلا يمكن أن تلوم شخصا في هذه الحالة بل علينا أن نتعامل مع الطائفة الباغية الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق بما تستحق.

عثمان عثمان: فضيلة الشيخ في موضوع نتحدث عمن يقيم العدل في حياة الناس في ظل الثورة السورية الآن وقبلها في الثورة الليبية كان هناك إجراءات معينة وإقامة لأحكام معينة من قبل البعض في ظل هذه لنقل الفوضى أو هذا الاختلاط في قيادة العمل القضائي من الذي يقرر في موضوع إقامة العدل؟

عبد الله بن بيه: المسألة هنا ليست قضية قضائية، الناس الآن بحاجة إلى الحد الأدنى الذي هو صيانة النفوس، إمام الحرمين يشير إلى الدماء المحقونة والأموال المصونة والحرمات المحترمة لكن هنا نحن الآن في المرحلة الأولى كيف نصون الدماء؟ كيف نحقن الدماء التي تجري في هذا البلد؟ ينطبق على هذا الآية الكريمة أعوذ بالله من الشيطان الرجيم {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}[الحجرات:9] هل يمكن لمؤتمر القمة الذي دعا إليه خادم الحرمين بالسابع والعشرين في مكان مقدس وفي ليلة مباركة أن يطبق هذه الآية أن يقدم حلا لهؤلاء الذين ينتظرون من المسلمين أن ينقذوهم من هذا القتل ومن هذا التدمير ومن هذا الخراب المشكلة هي أكبر من مشكلة قضائية من الذي يستطيع أن يحكم في وضع كهذا لا يقضي القاضي وهو غضبان كيف يقضي وهو مهدد بالقتل فالمسألة هي مسؤولية العالم الإسلامي الذي عليه أن يتدخل لإيقاف حمام الدم الذي يجري في هذا البلد.

العدل ومجالاته في القرآن الكريم

عثمان عثمان: فضيلة الشيخ القرآن الكريم تحدث بإسهاب عن العدل أمر بالعدل نهى عن الظلم ما هي مجالات العدل في القرآن الكريم؟

عبد الله بن بيه: أخي العدل هو مقصد قدري ومقصد تشريعي فمن حيث القدر الله سبحانه وتعالى خلق الكون بالعدل فهو سبحانه وتعالى خلق السموات والأرض بالحق، والحق هو العدل، وهو سبحانه وتعالى قائم بالقسط أي قائم على شؤون العدالة على شؤون العدل وعلى في خلقه وفي أمره، فهو مقصد كوني وقدري ولكنه مقصد تشريعي {إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ}[النحل:90] {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ}[الأنعام:152] فهو مطلوب في الأقوال والأفعال وهو يغطي جملة من المقاصد الشرعية، فكل المقاصد والمجالات في أبواب الفقه ترجع كلها إلى العدل لأن العدل قيمة تنظر إليها كل القيم فهو الوسط الذي لا إفراط فيه ولا تفريط والذي ينسب كل القيم ليردها إلى الحد الأوسط، ولأجل ذلك مجالات تطبيق العدل أحيانا تتعلق بمن يطبق العدل فالله سبحانه وتعالى يأمر القاضي والحاكم {وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ}[النساء:58] والله سبحانه وتعالى يأمر الشهود أن يشهدوا بالعدل والله سبحانه وتعالى يأمر المتكلم أيا كان {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ}}[الأنعام:152] فهو مجانب للزور وللتزوير ومجانب للكذب هو مجانب حتى للمبالغة الله سبحانه وتعالى يعلمنا وهو سبحانه وتعالى العدل وهي من صفات التخلق التي على الإنسان أن يتخلق بها وقالوا أوصاف الله سبحانه وتعالى وأسمائه منه أسماء التعلق وأسماء التخلق، فالله سبحانه وتعالى هو العدل إذن العدل باختصار شديد لأن العدل لا يمكن أن يعرف لأنه معروف جدا فلا يمكن أن يعرف وهو غامض جدا فلا يعرف أيضا، وهذا شأن للمبادئ الكبرى التي تنتمي إلى الفصيلة الكبرى الفلسفة وإلى الأخلاق وإلى القانون لكن بصفة عامة يمكن أن نقول إن العدل مطلوب في كل المجالات في التطبيق بين الناس في بيان الحقوق للناس في التوزيع أيضا بإتاحة الفرص التوزيع ليس معناه أن تأخذ مال شخص لتدفعه لآخر لكن أن تتيح الفرص إلى الجميع فرصا متساوية أن تزيل البطالة أن تحاول أن تساعد الناس حتى يكونوا في حالة اعتدال إذن العدل مطلوب في شتى المجالات وفي مختلف الميادين فهو منبث في شرايين التشريع الإسلامي هذا هو العدل.

عثمان عثمان: نعم فضيلة الشيخ عندما نتحدث عن العدل يقفز إلى الواجهة قول ابن تيمية رحمه الله ((إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة ولا يقيم الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة)) ما علاقة الشريعة بالعدل أو العدل بالشريعة أسمع الإجابة إن شاء الله بعد أن نذهب إلى فاصل قصير، فابقوا معنا مشاهدينا الكرام نعود إليكم بإذن الله بعد الفاصل.

[فاصل إعلاني]

العلاقة بين العدل والشريعة

عثمان عثمان: أهلا وسهلا بكم مشاهدينا الكرام إلى حلقة هذا الأسبوع من برنامج الشريعة والحياة والتي هي بعنوان "العدل وعمارة الأوطان" مع فضيلة الشيخ عبد الله بن بيه وزير العدل الموريتاني سابقا ونائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ينضم إلينا مجددا من جدة فضيلة الشيخ قول ابن تيمية مشهور إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة ولا يقيم الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة ما العلاقة بين العدل والشريعة وهل يمكن تحقيق العدل خارج إطار الشريعة؟

عبد الله بن بيه: لعل مقولة شيخ الإسلام بن تيمية إن الله ينصر الدولة الكافرة وإن كانت عادلة فهو يتحدث عن النصر لأن أسباب النصر بالنسبة للمسلمين تعتمد على عدالتهم في الأرض فإذا لم يعدلوا في الأرض استووا مع غيرهم في جانب من جوانب الخروج والإخلال للسنن الكونية وهي سنة العدل فهذا الذي يريده الشيخ تقي الدين بن تيمية، العدل في الحقيقة الشريعة عدل كلها ورحمة كلها وحكمة كلها فما خرج عن العدل الفوري وعن الحكمة إلى العبث وعن الرحمة إلى ضدها فليس من الشريعة وإن أسند إليها كما يقول ابن القيم تلميذ بن تيمية، فكلام شيخ تقي الدين بن تيمية هو فيه تنفير من الظلم لكن ليس معنى ذلك دائما أن الكفر خير من الإيمان، الإيمان خير من الكفر لكن العدل خير من الظلم أيضا فالكافر إذا طبق العدل فإنه طبق جزءا من شريعة الإسلام ألم تنظر إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم ((اذهبوا إلى ملك لا يظلم عنده أحد)) وكان النجاشي في ذلك الوقت لم يكن مسلما وكذلك في حلف الفضول في دار بن جدعان ((لو دعيت إليه لإسلام لأجبت)) وهذا الحلف كان لنصرة المظلومين في مكة والذين تحالفوا كانوا مشركين، إذن لا يوجد تقابل، في كل خصلة حميدة يزكيها الإسلام سواء صدرت عن مسلم أو صدرت عن غير مسلم.

عثمان عثمان: لكن عندما نتحدث عن العدل في ظل الدولة الكافرة عن أي عدل نتحدث هنا؟

عبد الله بن بيه: العدل كما قلت هو في مجالات شتى، العدل هو الامتناع من ظلم الناس العدل هو إيجاد أمن عام كما يقول الشاعر الكميت:

تَلْقَى الأَمانَ علَى حِياضِ مُحَمَّدٍ

ثَوْلاَءُ مُخْرِفَةٌ وذِئْبٌ أَطْلَسُ

لاَ ذِي تَخَافُ ولاَ لِهذَا جُرْأَةٌ

تُهْدَى الرَّعِيَّةُ مَا اسْتَقَامَ الرَّيِّسُ

إذا عدلوا بيتهم بمعنى أنهم لم يظلم أحدا إذا بينوا الحقوق التي تجب المواطنين فهم قد أقاموا جزءا من العدل إن العدل الكامل لا يمكن إلا ان يكون في الشريعة الموحاة في الوحي لكن مع ذلك الإسلام يزكي كل خصلة من خصال العدل مهما قام بها ليس بالنظر إلى القائم بها ولكن بالنظر إلى أن هذه الخصلة هي حميدة وبالتالي فإن الإسلام يزكيها.

عثمان عثمان: إذن العدل ليس محصورا في النص بل ربما يكون أيضا خارج النص؟

عبد الله بن بيه: هو أنت تعرف أن الشريعة هي كتاب وسنة وما يستنبط منها أي النصوص والمستنبطات، هناك الجزئيات وهناك الكليات، الشمول والكمال في الشريعة إنما يكون من خلال هذا الفهم، الشريعة ليست جزئيات جامدة وإنما هي كليات تستوعب الزمان والمكان والإنسان في كل زمان وفي كل مكان وبالتالي فالعدل أساسها وبالتالي فإذا وجدت جزئية تشذ عن ميزان العدل فاعلم أنها ليست من الشريعة طبعا طبقا لتقويم ووزن علماء الشريعة الذين عليهم ان يزنوا بالقسطاس المستقيم ليعرفوا هل هي مصلحة حقيقية أو عدل حقيقي، هناك بعض القضايا التي يحسب بعض الناس أنها عدل وهي في الحقيقة ليست عدلا، لا يعني أن أذواق الناس وان أمزجتهم في كل عصر تحكم على العدل، هناك عدل أعلى تزكيه العقول وتقبله النقول وهناك ما يظن الناس أنه عدل او أنه مصلحة والإسلام لا يقبله لأنه يؤدي إلى مفاسد.

عثمان عثمان: اسمح لنا فضيلة الشيخ.

عبد الله بن بيه: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ}[المائدة:90]  ليس مصلحة وبالتالي فإن استعماله ليس عدلا.

عثمان عثمان: نأخذ الدكتور أبو يعرب المرزوقي أستاذ الفلسفة في الجامعة التونسية ينضم إلينا من تونس مرحبا بك دكتور.

أبو يعرب المرزوقي: أهلا وسهلا.

خراب الأوطان وعلاقته بظلم الأنظمة الاستبدادية

عثمان عثمان: دكتور ابن خلدون عقد فصلا خاصا في مقدمته يتحدث فيه فيقول الظلم مؤذن بخراب العمران، ما علاقة خراب الأوطان بظلم الأنظمة الاستبدادية القائمة؟

أبو يعرب المرزوقي: أولا شكرا على هذه الدعوة وتحياتي للعالم الجليل بن بيه وتهاني لكل المسلمين بهذا الشهر الفضيل، في الحقيقة ينبغي أن ننطلق من تعريف العدل باعتباره ضد الظلم وضد الجور، والعدل فلسفيا يمكن أن يكون متعلقا بالتوزيع أو متعلقا بالتعويض، والتوزيع إما يخص البعد الاقتصادي والاجتماعي وعلاقات المساواة في التعامل بين الناس بالحسنات أو يخص المنازل والقيم التي تحكم علاقات البشر بحيث إن فقدان العدل بمعنى المساواة في الحقوق والواجبات خلال التعامل والتعاون والتبادل هو الذي سببه الاستبداد والفساد، والثورات العربية لما كانت متعلقة بالاستبداد والفساد فهي في الحقيقة بالإضافة إلى مطلبها حول الحرية والكرامة تريد تحقيق العدل بالمعنيين بالمعنى التوزيعي أي تمكين المواطنين من الحصول على حقوقهم والقيام بواجباتهم طبعا وأول الواجبات هو الدفاع عن الحقوق لأن الدفاع عن الحقوق من الإيمان ثم في التعويض عندما يقع ظلم أو عدوان وهذا يقتضي أن توجد مؤسسات مستقلة وظيفتها إرجاع الحقوق لأصحابها فتكون العدالة التي يتحدث عنها ابن خلدون.

عثمان عثمان: نعم تسمعني دكتور؟

أبو يعرب المرزوقي: باعتبارها شرط النمو وضد فساد العمران وضد فساد الاجتماع هي العدالة التي تمكن المواطنين من الحصول على حقوقهم والدفاع عنها بحرية وكرامة.

عثمان عثمان: دكتور هل العدل يعني بشكل من الأشكال هو المساواة؟

أبو يعرب المرزوقي: نعم.

عثمان عثمان: هل العدل يعني أنه المساواة؟

أبو يعرب المرزوقي: لأ العدل يقتضي المساواة التي تتعلق بالمساواة النسبية أي أن لكل أحد حقه إزاء الجهد الذي يبذله والدور الذي يؤديه وهذا هو المساواة، المساواة ليست مساواة كمية وإنما هي مساواة كيفية الحصول على الحقوق طبعا الحقوق متناسبة مع الجهود، ولذلك قلت عدالة توزيعية وهي متناسبة مع الجهود والأدوار التي يؤديها الإنسان في المجتمع، والحقوق التعويضية هي تعويض الضرر الذي يحصل وهذا يقدره الحكم أو القاضي بالاعتماد على القوانين، ولكن القوانين يمكن أن تكون ظالمة ومن ثم فإن العدل لا يكتفي بالعدل القانوني وهي وظيفة القاضي وإنما يتجاوز ذلك إلى مثال أعلى وهو العدل الذي يجعل القانون قابل للإصلاح ليتجه نحو المثال الأعلى في تحقيق الحقوق والدفاع عن حقوق الناس والمواطنين والمواطنات في المجتمع، هذا العدل أساسه هو الموضوعية في الحكم عندما نقدر الأدوار والخدمات التي يؤديها الإنسان لكي يجازي عليها أو يعاقب عليها.

عثمان عثمان: كيف يمكن للأنظمة المستبدة الظالمة أن تفسد الأوطان وتخرب البلاد؟

أبو يعرب المرزوقي: لأنها تفسد العقل بالذات لأنها تفسد الحصول على الحقوق وابن خلدون يعتبر إفساد الحصول على الحقوق هو استعمال القوة بافتقاد الملكية إما بواسطة الجيش أو بواسطة السخرة أو التسخير أو بواسطة الأداءات والضرائب التي هي في الحقيقة تعدي على حقوق المواطنين ولذلك ينصح ابن خلدون بأن تكون العملة التي هي معيار التعاوض بالخدمات أن تكون مستقلة عن الحاكم صاحب السلطة التنفيذية، وهي إذن ليست تابعة للسلطان في النظام الإسلامي بل هي تابعة للخليفة وهي السلطة الرمزية والمعنوية والخلقية إن شئنا هي تابعة لقيم الشريعة وميثاق الشريعة وليست تابعة لإرادة القوة عند السلاطين .

عثمان عثمان: شكرا الدكتور أبو يعرب المرزوقي كنت معنا من تونس فضيلة الشيخ أعود إليك في جدة تحدثتم أن العدل هو قيمة عليا تشمل مختلف جوانب الحياة هل هناك تصور إسلامي للعدالة الاجتماعية أو أقله هل هناك تصور إسلامي عند الإسلاميين الآن للعدالة الاجتماعية؟

عبد الله بن بيه: أولا دعني أرحب بأخي العالم والفيلسوف الكبير أبو يعرب حفظه الله تعالى واسأل الله لنا وله التوفيق في مستقبل الأيام واتفق معه في أهمية العدل في عمارة الأوطان وإمام الحرمين يشير إلى هذا بأن الظلم يؤدي إلى انقطاع الطرق وهذا يؤدي إلى غلاء الأسعار إلى انقطاع التجارات والزراعات وغلاء الأسعار يؤدي إلى خراب الديار، وبالتالي فهو يشير إلى بعض هذه المعاني في كتبه والعدل أيضا يحيل إلى المساواة كمفهوم يحيل إليه من إحالته للمساواة وإلى الحرية وإلى السلم الاجتماعي وإلى آتيك أيضا الأخلاق فهو يشير إلى جملة من المفاهيم لكن هناك تشابك بين هذه المفاهيم وتداخل يحتاج إلى شيء من البيان بالنسبة للموضوع الذي سألت عنه ما هو قبل قليل يا أخي عثمان

عثمان عثمان: نعم أتحدث عن موضوع العدالة الاجتماعية، هل هناك تصور إسلامي لهذا الأمر؟

عبد الله بن بيه: نعم، العدالة الاجتماعية الإسلام توقف أما تكلم عن العدالة الاجتماعية لكي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم وبالتالي هذه الآية أصل في أن التداول تداول الأموال يجب أن يكون بين أيدي جميع الناس وحرم الاحتكار وحث على الادخار، الادخار ليس الاحتكار الادخار عامل من عوامل النماء وليس عاملا من عوامل الانكماش، بينما الاحتكار الذي هو ضربٌ من الفساد لأن هذا هو معنى في الأصل للاحتكار وضرب من جعل من خلق غلاء مصطنع حتى يربح الكبار كما هو بالنظام الرأسمالي، فالإسلام له نظرة واسعة حول عدالة التوزيع والعدل الاجتماعي، لكن مع ذلك أنا أعترف بأن تقنين هذه النظرة وإيضاحها ووضعها بإطارها المعاصر وفي الواقع الذي نعيش فيه هو أمر لا يزال يحتاج إلى جهود من جهود العلماء الذين عليهم أن يخلقوا المفاهيم الجديدة أو أن يراجعوا المفاهيم القديمة حتى تكون معاصرة، لأن المفهوم في حقيقته يتركب من النصوص الجزئية الحاكمة ومن مقاصد الشريعة، ومن الواقع ومن المشكلات الواقعية، نحن الآن في ظل نظامين أو في هذا العصر كان النظام الشيوعي الذي حاول أن يحقق العدل فقضى على إنسانيته وكان النظام الرأسمالي الذي حاول أن يحقق العدل فحققه عن طريق ما يسمى باليد الخفية عند آدم سميث وبالتالي سرح العمال ووقع في الأسواق ما نراه اليوم، فلا بد من موقف وإن كان هذا الموقف يعبر عنه كنز في فكرته في التوزيع وفي الأسواق، علينا أن نحاول ان نجد الوسطية التي هي وسطيه هذا الدين والتي تعطي للجهد حقه، لكنها في نفس الوقت تنظر أيضا إلى الطبقات الضعيفة لتلحقها بالطبقات القوية، فأصل العدالة الاجتماعية بالإسلام محفوظ ومصون والمقاصد الكلية تضمن ذلك، والإسلام فرض للفقراء حقا في المال وإن في المال حق غير الزكاة وفرض للضعاف أيضا وحث على العمل وعلى الكسب كل تلك المقاصد وكل تلك المعاني من خلالها يمكن أن نصوغ منظومة إسلامية تستجيب لحاجات الناس ولمطالبهم في العدل الاجتماعي.

عثمان عثمان: هل ترون أن نظام الزكاة والصدقات كفيل وكاف لتحقيق العدالة الاجتماعية؟

عبد الله بن بيه: أرى أن العدالة الاجتماعية تخضع لواقع معين، الزكاة والضرائب والخرائج وما إلى ذلك هي أدوات، هذه الأدوات قد تضيق وقد تتسع لكن الجهات التي مكلفة بتحقيق المناط عليها أن تنظر في الواقع، في التاريخ الإسلامي فرضت أحيانا ضرائب على المسلمين نحن عندنا وأعطيك مثال بسرعة يوسف بن تاشفين أمير المسلمين في المغرب شيخ الدولة المرابطية فرض ضرائب من أجل مساعدة الجيوش في الأندلس فمدينة تسمى المرية رفضت ذلك وقام علمائها وقالوا له ليس من حقك أن تفعل ذلك إلا إذا قمت على المنبر وحلفت بأن بيت المال صفر ليس فيه شيء فلم يفعل ذلك وبالتالي ترك أهل المرية، إذن الحاكم هو الذي الحاكم العدل أو البرلمان هو الذي يحقق المناط ليقول هل نحن بحاجة إلى ضرائب؟ هل نحن بحاجة إلى استثمارات أخرى بإمكانها أن تعوض هذه الضرائب؟ هذا أمر موكول إلى الجهات الساهرة على مصالح الأمة والتي عليها أن تحقق الرفاه العام.

عثمان عثمان: نعم نعم نأخذ الدكتور رضوان السيد أستاذ الدراسات الإسلامية في الجامعة اللبنانية ينضم إلينا من عُمان مرحبا بك دكتور بداية ما الفرق بين مفهوم العدالة في الإسلام وبيم المفاهيم الحديثة للعدل؟

رضوان السيد: بالنسبة للإسلام يتميز بأن مفهومه للعدل شامل بينما في المذاهب الحديثة هي فلسفة أو قيمة، في الأصل الإسلام تعني العدل يعني {وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ}[النساء:58] {ولاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ}[المائدة:8] يتبين منها انها الاستقامة في النظرة والإصابة في الرأي والاستناد إلى الفطرة والتجربة في أن يستقيم التصرف بناءا على استقامة الفكر ويتفرع إلى العدالة في شؤون الأسرة، والعدالة في التعامل مع الآخرين، والعدالة القضائية وهي أشهرها، فالعدالة مفهوم شامل يستند في الأصل إلى قيمة لأنها وقيمة ذات معنى أخلاقي في مثل قوله تعالى {ولاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ}[المائدة:8] لكن ما أقصده أنه نتيجة هذه الاستقامة المستندة إلى الفطرة وإلى الورع وإلى التجربة الإيمانية هذه الأمور الثلاثة تنتج عنها في مختلف وشتى مجالات الحياة مسائل تتعلق كلها في هذا المفهوم الكبير والشامل المسمى بالعدل، وبصفتي الشخصية لكن..

عثمان عثمان: دكتور كيف تقرؤون.

رضوان السيد: لكن هذا مختلف في الإسلام عنه في الغرب، أكثر النظريات تطورا في الغرب الآن بشأن العدالة هي نظرية جون رولز وهي الفيلسوف الأميركي الذي كتب theory Of Justice 1972 مات هو عام 2002 وهي حتى الآن الأكثر نقاشا هذه النظرية والأكثر جدالا ضمن الفلسفة الغربية وضمن القيم والأخلاق الغربية وهي تقول بأن العدالة هي عمليا الوصول إلى توازن نتيجة المؤسسات المختلفة في الدولة الليبرالية الغربية التي أنتجت بسبب تطورها وتوازنها استطاعت أن تنتج عبر المئة عام الأخيرة أعرافا ومقاييس صارت لها أبعاد أخلاقية وأبعاد قيمية هي في الأصل تستند إلى المؤسسات، هذه المؤسسات أنتجت أعرافا فصار هناك الآن نوع من التوازن والتجاوب بين المؤسسات من جهة والأعراف من جهة اخرى أنتجت جميعها نظرية.

عثمان عثمان: دكتور اسمح لي هنا.

رضوان السيد: النظرية التي تقول القيمة التي تقول وأختم بها القيمة التي تقول إن العدالة تعني إيصال الإنصاف إلى أكبر عدد ممكن من الناس من فريق المؤسسات التي يسلم لها الناس عرفا وعملا بأنها هي التي تحدد ما يعرف ما صار يعرف بالقيم.

عثمان عثمان: باختصار شديد دكتور كيف تقرؤون ربط ابن خلدون بين خراب الأوطان وظلم الحكام واستبدادهم؟

رضوان السيد: الظلم مؤذن بخراب العمران والعمران كما يحدده ابن خلدون ويحدده بعض مفسري القرآن مثل فخر الدين الرازي في تفسيره للقرآن ومثل الغزالي في إحياء علوم الدين، هناك مفاهيم متقاربة إنه العمران هو الزراعة والتجارة والبناء وهم يقولون إن الظلم وابن خلدون أصرحهم في ذلك إن الظلم في مسألة الزراعة الخراج أو الضرائب عليها وفي التجارة أن يدخل السلطان على التجارة بالاحتكار أو زيادة العشور، وبالنسبة للبناء أن لا يجري تنظيم البناء بحيث بسبب الرشوة أو بسبب الفساد يستطيع المرء أن يبني كما يشاء او يتدخل في تخريب ما يشاء يعني تجاوز الحد في الزراعة والتجارة وإدخال الاحتكار من جانب السلطة لبعض السلع، كل ذلك يعتبر من الظلم الذي يؤذن بخراب العمران.

عثمان عثمان: شكرا.

رضوان السيد: وابن خلدون يورد قوله عليه الصلاة والسلام ((إذا اتجر الراعي ذهبت أموال الرعية)).

عثمان عثمان: شكرا الدكتور رضوان السيد أستاذ الدراسات الإسلامية في الجامعة اللبنانية كنت معنا من عُمان، فضيلة الشيخ أعود إليك لنقرأ قول الله تعالى عز وجل {ولاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}[المائدة:8] كيف يظهر أو كيف يتبلور العدل مع الآخر مع الخصم مع المخالف مع المعارض مع الكافر وغير المسلم؟

عبد الله بن بيه: هذا بعد آخر من أبعاد العدل، لأن العدل يبدأ من الفرض، العدل هي صفة تكون للفرض حتى يعتبر عدلا يتولى الحكم أو يعتبر عدل ليشهد أو يعتبر عدل ليكون قاضيا فهي صفة تبدأ من الفرض، عليه أن يكون صالحا ليصلح ثم بعد ذلك العدل الذي يتعداه هناك العدل الخاص والعدل المتعدي، العدل المتعدي هو الذي يقوم به القاضي ويقوم به الشاري ويقوم به الحاكم وهو الذي يلامس العلاقات مع الآخرين، الله سبحانه وتعالى يجعل الأمة محصورة يجعل الأمة محاطة بسياج من العدل أي أنها لا تخرج عن هذا العدل حتى ولو أدى ذلك إلى أن تكون علاقتها بالغير هذا الغير الذي يخالفها والذي بينها وبينه شنآن أي بغض لا يجرمنكم لا يحملنكم هذا البغض على عدم العدل، فالعدل مطلوب مع المخالف ومطلوب مع المحارب ومطلوب بكل الأحوال ولهذا يقول القاضي أبو بكر العربي في قوله تعالى أن تبروهم وتقسطوا إليهم {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ}[الممتحنة:8] أي تعطوهم قسطا من أموالكم يقول لأن القسط وهو العدل مطلوب مع المحارب فعليك أن تكون عادلا معه، فهذا البعد الذي في الإسلام لا يوجد في الفلسفات الحديثة التي تقوم على جملة من المبادئ النفسية التي هي مبادئ كما قلت في مجال الاقتصاد تدور بين نظرية آدم سميث وكنز وأصبح الغرب يتعاطى بين هاتين النظريتين احدهما تقول بالتدخل والأخرى تقول بالتوقف عن التدخل افعل ما شئت واتجر ما شئت، باختصار شديد العدل هو وضع الأمور في نصابها وإيصال الحقوق إلى أربابها، فإذا فهمنا هذا علينا أن نبين ما هي الأمور كما قال الفيلسوف ((أعطي مال قيصر لقيصر ومال الله لله)) قال: البقية أن نعرف ما لقيصر، فهذا هو المهم أن تكون الحقوق واضحة وشمول النظرة الإسلامية تبدأ من الفرض الذي عليه أن يكون عدلا أن تصف بأوصاف تمنعه من ارتكاب الرذيلة حتى ان يكون قادرا على إصلاح الآخرين ثم تنطلق بعد ذلك إلى العلاقات مع المجتمع والعلاقات مع الآخرين مع العائلة {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً}[النساء:3] مع الأولاد إني لا أشهد على ظلم، مع المتحاكمين مع كل الناس ومع المخالفين المحاربين الذين عليك ان تكون دائما في حالة عدل وأن لا تكون في حالة انفلات، قضية سمرقند معروفة والمسلمون رجعوا من أسوار هذه المدينة لما قدم أهلها كتابا يدل على وجود معاهدة سابقة وكذلك قضية معاوية لما كان يهوي إلى الشام وهم في هدنته ناداه صحابي ابن عبسة وقال: يا معاوية وفاء لا قدر الله أكبر، وأخبره أن النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا يشد رحل إذا كنت في هدنة حتى تنبذ إليهم على سواء فرجع)) هذا مثال عدل، عدل مثال عدل علي بن أبي طالب يتحاكم مع يهودي امام قاضي لما قال له القاضي يا أبا حسن قال كنيتني ولم تكني خصمي.

عثمان عثمان: هناك أمثلة فضيلة الشيخ كثيرة في موضوع تحقيق العدالة في التاريخ الإسلامي ولكن في يعني دقيقة ونصف تقريبا من أهم شروط تحقيق العدالة هو ان يكون القضاء مستقلا عن السلطات الثلاث أو أن تكون هناك فصل بين السلطات الثلاث القضائية والتشريعية والتنفيذية، كيف يمكن للقاضي أن يحقق العدل في ظل تداخل هذه السلطات الثلاث في ظل الأنظمة الاستبدادية والقهرية في ما يقل عن دقيقة ونصف؟

عبد الله بن بيه: الشروط ثلاثة قانون واضح وهذا ما أسميه بتعيين الحقوق، قانون عادل واضح والشرط الثاني هو ما أسميه بالشرط التبيين أي ان هذا القانون يصبح ثقافة للمجتمع ليعرف العدالة، والشرط الثالث وجود قضاء وهذا شرط التمكين يمكن الناس من حقوقها، قضاء مستقل قضاء متداخل مبدأ مونستيه والقضاء المستقل هو ان السلطات توقف السلطة وهذا ما قاله عمر لمعاوية ليس لك سلطان على عبادة بن صامت وكان عبادة بن صامت كان قاضيا في فلسطين فالقضاء المستقل أو القضاء المتداخل كما رنييه تابه وهو فرنسي رجل دستور بعد مونستيه فهذا هو الذي يحقق العدل والله ولي التوفيق.

عثمان عثمان: شكرا فضيلة الشيخ عبد الله بن بيه نائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ووزير العدل الموريتاني السابق، كنت معنا من جدة، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة لكم تحيات معد البرنامج معتز الخطيب وسائر فريق العمل وهذا عثمان عثمان يترككم في أمان الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.