- مفهوم الفقه الإسلامي السياسي وآلية الحكم
- الإسلاميون والحكم

- طبيعة الفتاوى السياسية والفتاوى الشرعية

- المجتمعات وفوبيا الدولة الإسلامية

- العلاقة التعاقدية بين الحاكم والشعب

- مواصفات رئيس الدولة في الشريعة الإسلامية

عثمان عثمان
عبد المجيد النجار

عثمان عثمان: مشاهدينا الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلاً ومرحباً بكم على الهواء مباشرة  في هذه الحلقة الجديدة من برنامج الشريعة والحياة التي تأتيكم من العاصمة التونسية، بعد الثورة العربية تحول العديد من الإسلاميين من موقع الاحتجاج إلى موقع الحكم والممارسة العملية، الأمر الذي ربما سيفتح المجال لكثير من التغيرات في التصورات والأفكار مع ممارسة الحكم، ولعلنا سنشهد متغيرات في الفقه السياسي التراثي ستحدثها تلك التجربة الفريدة الجديدة المبنية على تفاصيل وعمل يومي في جهاز الدولة الحديث، ومن دون ذلك أيضاً يبقى الفقه الإسلامي التراثي بحاجة إلى مراجعة وتقويم وتجديد نظراً وعملاً لأن وقائع السلطة تغيرت كثيراً عما كانت عليه من قبل، فما مصير التصورات الخاصة بالإمامة والسلطة والسيادة، وهل يمكن القول إن تغييرات في بنية الفقه الإسلامي ستتم مع دخول الإسلاميين إلى جهاز الدولة؟ الفقه السياسي الإسلامي موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة الدكتور عبد المجيد النجار عضو المكتب التنفيذي للإتحاد العالمي لعلماء المسلمين وعضو المجلس الوطني التأسيسي في تونس، مرحباً بكم فضيلة الدكتور.

عبد المجيد النجار: أهلاً وسهلاً مرحباً.

مفهوم الفقه الإسلامي السياسي وآلية الحكم

عثمان عثمان: الفقه الإسلامي السياسي أو السياسة الشرعية ما المقصود فيها؟

عبد المجيد النجار: بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على الرسول الكريم وعلى آله وأصحابه أجمعين، مرحباً بك أستاذ عثمان وبجميع المطارح وبكل مكان، نحن نعلم أن أحكام الدين تتناول كل شؤون الحياة ولله حكم في كل شأن من شؤون الأمة، سواء كان هذا الحكم عاماً أو كان تفصيليا فهذه الأحكام التي تتعلق بالعبادات على سبيل المثال: صلاة وصيام وحجاً تسمى دراستها والتفريع فيها بعلم هو علم الفقه، هو علم العبادات هو فرع من فروع الفقه يسمى بفقه العبادات، والأحكام التي تتعلق بالاقتصاد من بيع وشراء وكل ما يتعلق بالجوانب الاقتصادية تناوله علم الفقه في فرع خاص هو فقه الاقتصاد، والأحكام التي تتعلق بشؤون الحكم وعلاقة الحاكم بالمحكوم وكيف ينتخب الحاكم وما هي واجباته؟ وما هي واجبات الأمة وواجبات الشعب؟ كل هذا يدخل في فرع من فروع الفقه هو فقه السياسة الشرعية، ففقه السياسة الشرعية هو ذلك الفقه الذي يتناول بالبحث شرحاً وتحليلاً وتطويراً يتناول شؤون الحكم وسياسة الأمة من طرف الحاكم والعلاقة بين الطرفين، وما إلى ذلك في مثل هذه المسائل.

عثمان عثمان: إذا كان بالقرآن الكريم والسنة النبوية لا يتضمنان مفهوماً محددا، محدد المعالم والأبعاد للحكم، هل يمكن الإلزام إلزام الناس بصيغة معينة من الحكم ويعتبر من يكون خارجها خارج عن الإسلام؟

عبد المجيد النجار: لعل الأحكام الدينية والشرعية المتعلقة بشؤون الحكم هي من أكثر الأحكام الشرعية كلية وعمومية ومن أقلها تفاصيل، إذ نكاد لا نجد في هذا الباب إلا ركائز وكليات معدودة قد تكون خمسة أو ستة أو سبعة هي التي تتناول شؤون الحكم وتعطي أسساً عامة وقواعد كلية هي التي ينبني عليها كل ما يتعلق بالحكم، ويترك بعد ذلك من التفاصيل للاجتهاد، ذلك لأن شؤون الحكم وطرائق الحكم والعلاقة بين الحاكم والمحكوم والطرق والمسالك التي يختار بها الحاكم وما إلى ذلك من هذه القضايا على صلة شديدة بالواقع الذي يعيشه الناس وبتطور هذا الواقع عبر الزمن ولذلك فقد شاءت حكمة الله تعالى أن تبقى هذه التفاصيل وهذه التجزيئات في هذا الشأن متروكة لاجتهاد العلماء وكذلك كان الأمر، حيث نحت هذا الفقه الشرعي أو فقه السياسة الشرعية بالاجتهاد وفروعه كانت كلها أو معظمها اجتهادية، ولكنها متأسسة على تلك القواعد الكلية العامة.

عثمان عثمان: ذكرتم أن هناك قلة في الكتابة في هذا الموضوع والحديث عنه لماذا؟

عبد المجيد النجار: هناك قلة من قبل المؤلفين والدارسين والباحثين، صحيح نكاد عندما نتكلم عن المؤلفات في فقه السياسة الشرعية لا نجد إلا بضع عشرات في كل التراث الإسلامي، في مقابل مئات الآلاف ربما من المؤلفات في العبادات في مقابل العدد الكبير والكبير جداً في المعاملات، مع أن السبب في ذلك يعود إلى حساسية هذا الموضوع المتعلق بشؤون الحكم والمتعلق بالحاكم وما يجب عليه، وكيف يكون تعيينه أو انتخابه وكيف يكون عزله، فهذه الأمور كلها ذات حساسية من أول الزمن إلى هذا العصر، فكان المؤلفون مقتصدين في التأليف في هذا الباب وأظن أن هذا هو أحدث بالإسلام في هذا الشأن.

عثمان عثمان: خوفا أن ندفع ضريبة التأليف في هذا الموضوع.

عبد المجيد النجار: نعم، حيث أن ما يدفع الضريبة وتهيباً من أن يثيروا غلب أهل السلطان، وهذا في القديم وفي الحديث في الحقيقة ليس في القديم فقط.

عثمان عثمان: الإمام الجويلي يقول: معظم مسائل الإمامة عرية عن مسلك القطع، خلية عن مدارك اليقين، هل يعني أن مسألة الدولة كلها مبنية على رعاية المصالح ربما تحدثت في هذا الأمر وهناك توسع قليلاً يقدرها أهل كل زمان وأهل كل عصر؟

عبد المجيد النجار: هذا ما كنا نقوله منذ حين من أن القطيعات في الفقه السياسي الإسلامي هي قطعيات معدودة، نكاد لا نجد إلا بضع أصول بكلية عامة مثل أصل الشورى مثلاً قاعدة كبرى في الشأن السياسي وفي الفقه السياسي الإسلامي مثل إن السلطة للأمة بمعنى أن ما تريده الأمة من تعيين حاكم معين وما تريده من منهج ومن برنامج ومن مشروع هي التي تختاره وهي التي تسنده إلى من ينفذه هذا معنى السلطة، ومن مثل العدالة والمساواة من جميع أفراد الأمة وفئات الأمة، ومن مثل الكفاية الاجتماعية حيث تكون الدولة مطلوب منها أن تكفل جميع أفراد المجتمع وأن تهيئ لهم ما يحتاجون من ضرورات الحياة، هذه بعض أمثلة القطعيات التي أشار إليها الإمام الجويلي ما عدا ذلك من تفريعات في الطرق والأساليب وفي الواجبات وما إلى ذلك هذه أغلبها  بمعنى أن للاجتهاد فيه مجال واسع هذا ما يقصده.

عثمان عثمان: كتابات النظام الإسلامي السياسي تعتمد على تحليل السلوك الشخصي للصحابة عامة، وللخلفاء الراشدين خاصة في حين يتم تجاهل القواعد والمبادئ التي رسمت سلوكهم ووجهت قراراتهم كيف ترون الأمر؟

عبد المجيد النجار: صحيح هو أن الكتب مدونة الفقه السياسي اهتمت بسيرة هؤلاء الخلفاء الصحابة وذلك باعتبار أنهم نموذج في هذا الشأن، وأنهم تناولوا أو مارسوا مسألة الحكم في مسالكهم المتعددة في صورة هي أقرب ما تكون من المثال، ولذلك توسع المؤلفون في شرح هذه السيرة، لكن لا يعني هذا أن المؤلفين في هذا الجانب من الفقه والفقه السياسي لا يعني أنهم لم يتوسعوا في وضع المبادئ وفي وضع الطرق والمسائل والأساليب فإن هذه الأمور كلها وقع تناولها في هذه الكتب، كتب ما يسمى بالسياسة الشرعية.

الإسلاميون والحكم

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور الإسلاميون اليوم أصبحوا في السلطة يمارسون الحكم عملياً وربما في العصر الحديث ليس هناك من تجربة إسلامية كانت رائدة في ممارسة السلطة كدولة إسلامية، هل ستؤثر ممارسة الإسلاميين العملية سواء كانت في تونس أو في غير تونس على مجمل الفقه السياسي المأثور؟

عبد المجيد النجار: ولذلك فإن أولئك الذين أصبحوا في الحكم ممن يتبنون المشروع الإسلامي أصبح أمامهم تحدي كبير جداً، لأنهم كانوا طيلة سنوات وسنوات يتكلمون في موضوع الحكم وفي شؤون الحكم كلاماً نظرياً هو أقرب ما يكون إلى المبادئ وأقرب ما يكون إلى المثل.

عثمان عثمان: تنظير.

عبد المجيد النجار: نعم تنظير، فإذا بهم يجدون أنفسهم في سدة الحكم يمارسون هذا الشأن شأن الحكم بصفة يومية ويقفون على مسالكه وعلى فروعه وعلى تحدياته الكثيرة اليومية، ولهذا فإنه كما قلت فإنهم يجدون أمامهم تحدي كبير يستلزم منهم وهذا هو الأمر المهم أن يعيدوا النظر في قضية الفقه السياسي أو فقه السياسة الشرعية ليطوروا هذا الفقه وليخرجوا به عن مبادئه الكلية العامة إلى التفاصيل والجزئيات التي تقتضيها إكراهات الواقع وتقتضيها التحديات اليومية التي يواجهونها مما لم يكن موجوداً لم تتناوله أو كثير منه لم تتناوله كتب السياسة الشرعية، فمصدرهم ومرجعهم هو تلك الأصول العامة وأما تلك الكتب كتب السياسة الشرعية فإنها لا محالة هي أيضاً المرجع ولكنني أعتقد أنها سوف لن تفيدهم إفادة كبيرة..

عثمان عثمان: ستكون هناك علاقة إذن بين السياسة وتجديد الفقه الإسلامي.

عبد المجيد النجار: أكيد الآن التحدي الكبير هو تجديد هذا الفقه الإسلامي السياسي، كيف يديره هؤلاء الحاكمون الجدد دفة الحكم؟ كيف يتعاملون مع الأحزاب؟ كيف يتعاملون مع المجتمع المدني؟ كيف يتعاملون مع القوى الدولية؟ كيف يديرون الخلاف فيما بينهم وفيما بينهم وبين الآخرين؟ كل هذه القضايا تحتاج إلى نظر جديد يستند إلى تلك الأصول الكلية العامة ولكنه يحتاج إلى الكثير الكثير من الاجتهاد من أجل التطوير ومن أجل التجديد حتى تصير هذه العبادة، يعني الحكم عبادة عندنا دينياً ومن مفهوم الإسلام، نحن هؤلاء الحاكمين كانوا يعبدون الله في المساجد ويعبدونه في الأسرة ويعبدونه في مثل هذه المواقف، ولكنهم الآن يعبدون الله في مجال جديد في موقع جديد..

عثمان عثمان: في الشأن العام.

عبد المجيد النجار: هو موقع الحكم هو موقع إدارة الشأن العام وإدارة الشعب، وهذه العبادة تحتاج منهم إلى اجتهاد حتى يكون السرد العام لممارساتهم متوافقاً مع مقاصد الدين ومع مطالب الشريعة، ولا يحيد لا يمين ولا شمال.

عثمان عثمان: الفقيه في الحضارة الإسلامية كان له دوراً بارزاً، هذا الدور البارز تهمش مع الأنظمة الاستبدادية السابقة، هل يمكن الآن مع حضور الإسلاميين بقوة بالحكم في أكثر من بلد عربي وإسلامي أن يستعيد هذا الفقيه دوره؟

عبد المجيد النجار: الوطين هو هذا، لأننا عندما نتحدث عن الفقيه، فمن هو هذا الفقيه؟ الفقيه هو يوازي أو يساوي القانوني، القانوني الذي يشرع قانون البلاد الاجتماعية والتي لها علاقة بالسياسة والتي لها علاقة بشؤون المجتمع بأكمله، الفقيه المطلوب منه اليوم أنه ينظر في هذا الوضع الجديد وأنه يبحث عن هذه الحلول التي تنفع هذا المسار السياسي الذي أصبح الإسلاميون على سدة الحكم فيه، المطلوب من الفقيه أن ينظر في هذا، وأن يدرس تلك المشاكل المعترضة وأن يجد لها الحل الإسلامي من صيدلية الإسلام، فدوره أصبح الدور الحقيقي المطلوب منه أصبح في الحقيقة دوراً كبيراً جداً ومهماً جداً، وهذا من شأنه أن يلقي بالمسؤولية على الفقهاء ليخرجوا من الدائرة أو من تلك الدائرة الضيقة التي تهتم بالعبادات وربما اهتمت بجانب من المعاملات يضم إلى هذا وإلى ذاك جانب آخر وهو جانب الفقه السياسي أو فقه السياسة الشرعية.

عثمان عثمان: هل ترون أن ساحتنا الإسلامية على هذا المستوى مستوى المنظرين والمجددين للفقه الإسلامي، أن هذه الساحة فيها ما يكفي للقيام بهذا الدور والعلماء العاملين؟

عبد المجيد النجار: فيها ولكن لا قد يكون هناك للأسباب التي كنا نذكرها منذ حين والمتمثلة في تهيب الكثير من الناس والكثير من العلماء والفقهاء بأن يلجوا هذا المجال في ظل أنظمة من الحكم استبدادية كما نعلم، فقل بذلك الاهتمام بالفقه السياسي ولم نجد فيه انتاجاً وفيراً، لكن مع هذا توجد عينات في الفقه السياسي وفي تجديد الفقه السياسي عينات مهمة ويوجد من الأعلام ومن المفكرين أيضاً بعض الأشخاص الذين لهم مشاركة قيمة جداً من هذا وذاك يمكن الانطلاق نحو التوسيع وهنا أقول أنه ينبغي على الدراسات الإسلامية والدراسات الشرعية في الكليات الإسلامية وفي مجالات البحوث الإسلامية ينبغي أن يأخذ هذا الفرع الجديد أو هذا الفرع الذي أصبح مطلوباً اليوم فرع فقه السياسة الشرعية ينبغي أن يجد هذا الفرع مكانه اللائق به في هذه الدراسات وفي هذه المؤسسات، لأن الحاجة أصبحت ضرورية إليه حتى يقع تطوير هذا العلم وتنميته.

طبيعة الفتاوى السياسية والفتاوى الشرعية

عثمان عثمان: هناك فتاوى تصدر كثيراً، الآن البعض ينظر إلى هذه الفتاوى خاصة في موضوع الشأن العام إلى أنها فتاوى سياسية وليست عملاً فقهياً هل يمكن تقسيم الفتاوى إلى فتاوى سياسية وفتاوى شرعية فقهية؟

عبد المجيد النجار: لا، هذا تقسيم غير موضوعي، هو تقسيم بالحقيقة له أسبابه أسباب تضرب في الفكر العلماني الذي يفرق بين الدين والدولة وبين الحياة المدنية والحياة الدينية وهذا كله لا أصل له، عندنا في الإسلام، كل الحياة عندنا في إيماننا قابلة للتوجيه بالحكم الشرعي، ومن بين هذه المجالات الحياتية مجال الحكم، فمجال الحكم بجميع فروعه هو مجال للفقه، هو مجال الأحكام الشرعية وبالتالي هو مجال للنظر الفقهي، فالفقيه هو فقيه ينظر في السياسة وينتج الأحكام الشرعية في السياسة فلا يمكن التفريق.

عثمان عثمان: يعني ألا ترون هناك من اقتحم هذا المجال وهو لا يملك آليات الإفتاء في مجال السياسة أو في أي مجال آخر في مجالات الحياة؟

عبد المجيد النجار: نعم هذا موجود، كما أنه يوجد من اقتحم مجالات أخرى اقتصادية واجتماعية وربما حتى تعددية، اقتحمها من أجل الإفتاء وهو لا يملك الزاد الكامل، فهناك أيضاً من اقتحم هذا المجال السياسي وأصبح يفتي فيه فتاوى في الحقيقة لا سند لها في الشرع، وإنما قد تكون وجدت في كتب القرن الثالث وكتب القرن الرابع للهجرة وكتب السياسة الشرعية لظروف ذلك الزمان ولم يعد لها مجال في عالم اليوم كالفتاوى التي تمنع الانتخابات، والفتاوى التي تمنع الأحزاب، والفتاوى التي تمنع التظاهر الشعبي، التظاهر الشعبي السلمي هذه كلها فتاوى تدل على أن أصحابها يغيبون عن الواقع وعن تطورات الواقع، فهؤلاء لا يعيشون الزمن ولا يعيشون العصر ولا يعيشون الأحداث تقريبا.

عثمان عثمان: الإسلاميون اليوم في الحكم وهناك بطبيعة الحال نتحدث عن دولة عن محيط إقليم ومحيط دولي عن علاقات دولية، ما التصورات التي يجب أن تقوم عليها علاقة الدولة الإسلامية مع المحيط بشكل عام؟

عبد المجيد النجار: إذا تحدثنا عن الدولة فبودي أن لا نربط العلاقة بين الدولة والدين لأن هذا الذي كنت تذكره فرع من هذا، الدولة وكثير ما تثار هذه الثنائية بحثاً عن علاقة بينها، ونحن عندنا في الإسلام عقيدتنا ومبادئنا لا تجعلوا الدولة دولة دينية بمعنى التكنوقراطية بمعنى أنها والحاكم فيها يستمد رؤاه مباشرة من الله أو من الوحي، هذا الوحي انقطع وانتهى، ولكن هذه الدولة تكنوقراطية ولكنها الدولة هي دولة مدنية على معنى أنها دولة الإرادة فيها هي للشعب ما يريده الشعب من برنامج، ما يريده البرنامج من مشروع في الحياة الاقتصادية والاجتماعية وغيرها هو الذي ينبغي أن يسود وأن يطبق، والذي يطبقه هو ما يريده الشعب من الأشخاص ينتخبوا الأشخاص وينتخبوا رئيس الدولة، وينتخبوا الممثلين له والنواب بمحض إرادته، فيطبق هؤلاء الذين اختارهم بإرادته يطبقون هذا المشروع الذين اختاروه بإرادته هذا معنى المدنية، وبالتالي فإن الدولة هي ليست دينية بمعنى التكنوقراطي، ولكنها إذا اختار الشعب برنامجاً هو قائم على أحكام الدين إما للحاكم وإما للدولة يجب عليهم أن تطبق هذا البرنامج الديني، لأنه صادر من محض إرادة الشعب ولا تسمى بذلك دولة دينية.

المجتمعات وفوبيا الدولة الإسلامية

عثمان عثمان: لماذا هناك تخوف من الإسلاميين دائماً بذكر الدولة الإسلامية، لماذا يقال دولة إسلامية نذهب دائماً إلى مصطلح الدولة المدنية؟

عبد المجيد النجار: دولة إسلامية ولكنها ليست دولة دينية، لأن كلمة دولة دينية لها مفهوم خاص هي دولة إسلامية وهي دولة مدنية على المعنى الذي كنت أذكره منذ حين لا يضير هذا ولا ذاك، وإنما حينما يقول الآخرون دولة مدنية وعندنا مثلاً الآن نقاش هنا في المجلس الوطني التأسيسي الذي يكتب الدستور يوجد الكثير من هذه المصطلحات: دولة دينية، دولة مدنية، دولة إسلامية ونحن في هذا الخضم نشرح هذه الأمور، ونريد أن نلتقي مع المخالفين أو مع المكونات الحزبية والمكونات المدنية في المجتمع نريد أن نلتقي على مصطلحات إذا كنا نتفق على مدلولاتها.

عثمان عثمان: نعود إلى الأسس والتصورات التي تقوم عليها علاقة الدولة الإسلامية مع المحيط الدولي بشكل عام، هناك مؤسسات دولية هناك دولة أخرى كما يراها الإسلاميون.

عبد المجيد النجار: هذا فرع من فروع فقه السياسة الشرعية، لأن الدولة كما أنها تسوس الشؤون العامة للشعب أو للأمة، فإنها تسوس العلاقات مع الآخرين خارج هذه الدولة، وبالتالي فإن هذا يندرج ضمن هذا الفرع من الفقه وهو فقه السياسة الشرعية، وفي تراثنا الإسلامي كتب مهمة ومهمة جداً في هذا الشأن على الأخص ما كتبه الإمام محمد بن حسن الشيباني في العلاقات الدولية يعتبر مرجع في قمة الأهمية، فهذه العلاقات الدولية اليوم مطلوب أيضاً من الذين يتصدرون الحكم من الإسلاميين أن يديروا هذه العلاقات برؤية الإسلاميين على معنى أن هذه العلاقات ينبغي أن تكون علاقات تعارف كما في القرآن الكريم، والتعارف هو معناه التعاون وعلاقات تنبني أساساً على السلم تنبني أساساً على المصالح المشتركة، وتنبني أساساً على التشاركية الإنسانية من أجل أن يتعاون الجميع وأن تتعاون هذه الدولة الإسلامية أن تتعاون مع بقية البشرية في معالجة التحديات الكبرى التي تواجه الإنسانية بأجمعها، ولا تفرق بين دولة إسلامية ودولة غير إسلامية مثل: مشاكل البيئة، مثل التفسخ الأسري، مثل التفكك الاجتماعي إلى غير ذلك، هذا هو أيضاً يحتاج إلى تجديد وإلى تطوير في هذا الفقه السياسي الشرعي.

عثمان عثمان: مع وصول الإسلاميين الحكم أو انخراط الإسلاميين بمجملهم ومختلف تياراتهم في اللعبة الديمقراطية للدول العربية ما مستقبل فكرة الدولة الإسلامية إزاء ذلك؟

عبد المجيد النجار: نحن لا نجد تناقضاً بين الدولة الإسلامية وبين الديمقراطية، الديمقراطية هي آلة من الآلات السياسية التي انتبه إليها الغرب وأنتجها الغرب وأصبحت كسباً إنسانياً عاماً، وأما في الإسلام عندنا من المبادئ التي كنت أذكرها منذ حين مبدأ الشورى الذي هو مبدأ عظيم جداً ويرتقي في ديننا إلى أنه واجب، بل لعله فرع من فروع الإيمان لأن النجاة فيها أمر مشدد أو أمر معظم {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} [آل عمران : 159] {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ}.[الشورى : 38] إلى غير ذلك. فهذه الشورى هي مبدأ عام يقتضي أن أمور جماعة يتشاورون فيها، وأن الجماعة  تساس بمشروع أو بقواعد وبأحكام هي نتيجة تشاور الناس، ولا يجوز لأحد او لفئة أو لجماعة أن يخترع من عند نفسه مشروع ويقول: أنا سأطبقه على هذه الجماعة، الديمقراطية تستجلب كآلية أثبتت نجاعتها تستعملها هذه الشورى، فالشورى أهم من الديمقراطية في ظني وفي رأيي، وبالتالي فإن الدولة الإسلامية لا تتناقض مع الديمقراطية بل تكون دولة إسلامية ديمقراطية شورية، تتعامل مع الآخرين تعاملاً أيضاً فيه المصلحة المشتركة كما كنا نذكر منذ حين.

عثمان عثمان: الفكر الإسلامي الآن تجاوز كل مواريث فقه الطاعة والخضوع إلى علاقة تعاقدية بين الحاكم والرعية بين الحاكم والمحكوم الذي لم يعد مجرد رعية، ما الواجب على الفقهاء اليوم إجراء هذا الأمر وفي هذا الخصوص؟ أسمع منكم الإجابة إن شاء الله بعد أن نذهب إلى فاصل قصير فابقوا معنا مشاهدينا الكرام نعود إليكم بإذن الله بعد الفاصل.

[فاصل إعلاني]

العلاقة التعاقدية بين الحاكم والشعب

عثمان عثمان: أهلاً وسهلاً بكم مشاهدينا الكرام من جديد إلى حلقة هذا الأسبوع من برنامج الشريعة والحياة والتي هي بعنوان الفقه السياسي الإسلامي مع الدكتور عبد المجيد النجار عضو المكتب التنفيذي للاتحاد العالمي للعلماء المسلمين وعضو المجلس الوطني التأسيسي في تونس، دكتور ما الواجب على الفقهاء اليوم في ظل تجاوز فقه الطاعة والخضوع إلى علاقة تعاقدية بين الرئيس والمواطنين؟

عبد المجيد النجار: لا شك بأن المبدأ واضح وجلي في أن الحاكم أو رئيس الدولة يمثل الوكيل عن الأمة، هو وكيل أو هناك من يسميه أجير لأن الأمة وكلته أن يسوسها وأن يدير شؤونها مما أوكلته هي من قواعد ومن آراء ومن مشاريع، هذا هو الأصل الإسلامي. فعلى الفقه الجديد أو التجديد في الفقه السياسي الإسلامي ما ينطلق من هذا المبدأ، أن ينطلق من أن العلاقة بين الطرفين بين رئيس الدولة وبين الشعب إنما هي رعاية تعاقدية، هي علاقة تعاقدية، وهذا التعاقد عندما كان موضوعه موضوع محدد وآراء محددة اختارتها الأمة وما هو من غير ذلك من ما للأسف قد نعثر عليه في بعض كتب السياسة الشرعية يعتبر مخالفاً لهذا الأصل. ولهذا فينبغي أن نطور الفقه السياسي في هذا الاتجاه، اتجاه التعاقد منذ الأصل وأن لا نعتبر أن الحاكم يتصرف كما يشاء في رعيته أو في شعبه كما نجده عند بعض الفقهاء السياسيين الشرعيين، وأصبح مع الأسف بعد ذلك واقعاً جرى به التاريخ القديم والحديث، لكن لا يعني هذا أن الأمة هي لا تطيع رئيس الدولة، بند من بنود هذا التعاقد هو أنها تطيع، أن الشعب يأتمر بأوامر الرئيس فيما هو مخول له لذلك البرنامج الذي وكلته عليه، فإذا خرجت على ذلك التفويض وأصبح يأمر بأشياء استبدادية من عنده هو أو من عند غيره وغير الشعب، أصبحت هناك طاعة غير ذات موضوع، ومن هنا جاءت قضية التولية والعزل إذا حاد رئيس الدولة عن مقتضيات العقد الذي بينه وبين الشعب فإن الشعب له أن يعزله وأن يخرجه عن مكانه، وهذا على كل حال موجود في كتب السياسة الشرعية ولكنه ينبغي أن يأخذ منحى جديد اليوم في الفقه السياسي الشرعي منحى تطويري وتجديدي.

عثمان عثمان: ولكن في التاريخ كان الذي يحل هذا العقد مع هذا الحاكم هم أهل الحل والعقد، الآن هل ترون أن يتوسع هذا المشروع ليشمل شريحة أكبر؟

عبد المجيد النجار: لا، هو أهل الحل لم يكن بالضبط أهل الحل والعقد وهم الذين يحلون، هذه أهل الحل والعقد آلية استخدمت في كثير من الأحيان قديماً تبريراً للاستبداد، التولية ونصب الإمام كما يقولون في المصطلحات القديمة تكون من فئة قليلة تسمى بأهل الحل والعقد، وقد تصل هذه الفئة إلى الشخص الواحد إذا كانت له شوكة وقوة كما جاء في كتاب الغياثي لإمام الحرمين ولكن الأصل هو ليس هذا، الأصل هو أن الأمة بجميع أفرادها معنية بهذا الشأن، وهي التي لها أن تنتخب رئيس الدولة ومن حق كل فرد أن يمارس هذا الانتخاب، ولها أن تعزل هذا الذي مقتضى العقد، ولكن كل ذلك عبر قواعد وعبر تنظيم وليس عبر الفوضى، وأريد أن أشير هنا إلى أن هذا المبدأ طبق في عهد الخلافة الراشدة فأبو بكر- رضي الله عنه- إنما رشحه بعض الصحابة على رأسهم عمر بن الخطاب في السقيفة، ذاك ليست تنصيباً الذي وقع في السقيفة ذلك ليس تنصيباً كما يتدعي بعض المتناولين لهذا الموضوع اليوم وممن يحرفون حتى التاريخ الإسلامي والمبادئ الإسلامية، وكأنما هو ترشيح فقط التنصيب إنما تم من الغد عندما اجتمع أهل المدينة قاطبة في المجلس الجامع وبايعوا الخليفة أبو بكر، ومعنى كلمة بايعوا يعني انتخبوا وكذلك الأمر في مبايعة بن الخطاب وكل الخلفاء الراشدين، هذا هو الأصل في الفقه السياسي، ولكن اليوم هذا المبدأ استفدح ولكن يطور..

عثمان عثمان: آليات ووسائل.

عبد المجيد النجار: آليات، تعتمد الوسائل والآليات الجديدة بما تقتضيه الأحوال الجديدة في هذا العصر.

عثمان عثمان: اعتبر المواردي أن السياسة هي صناعة الملك، هذا طبعاً طرأ عليه تغيير اليوم ينبني عليه إعادة التفهيم الفقهي لمفهوم المعارضة التي لم تعد مجرد النصح، نرى اليوم المعارضة تتمثل في التظاهر وفي العصيان المدني وما إلى ذلك، كيف ترون الأمر؟

عبد المجيد النجار: المعارضة هي أصلاً أيضا موجودة في الشرع موجود في الأصول الشرعية، المعارضة هو الرأي المخالف، ونحن نعرف كيف كانت المعارضة لعمر بن الخطاب وكيف كان الناس يقولون له: لو رأيناك اعوججت لقومناك بسيوفنا، هذه كلها وقائع موجودة، وكيف كان يتنازلوا في كثير من الأحيان هو وأبو بكر والخلفاء الراشدين كيف كانوا يتنازلون عن آرائهم بل حتى النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، كثيراً ما كان يشاور أصحابه فيعترضون عليه في بعض ما يشاورهم فيه تلك بذور وجذور للمعارضة مع أنه مؤيد بالوحي يستشيرهم فيعارضونه فيأخذ برأيهم أحياناً، ومن هنا نقول إن الحكم اليوم ينبغي أن يتطور أيضاً في هذا الشأن وأن يقنن مسألة المعارضة بما تقتضيه الأحوال الجديدة، لأن هذه المعارضة لها أصل في الدين فطبيعي أن تكون المعارضة لها شروط: شروط النزاهة والإخلاص ومصلحة الوطن، ولا تكون المعارضة من أجل أغراض حزبية ضيقة أو مصالح شخصية أو املاءات خارجية وهذا كله موجود، معارضة هي كانت وطنية نزيهة هذه آلية من الآليات السياسية الجديدة، وينبغي على الفقه السياسي في طوره الجديد الآن أن يشرع لهذه المعارضة وأن يستخرج ويستنبط لها أحكاماً شرعية من الأصول التي ذكرناها أصول الكلية العامة لفقه الشريعة.

عثمان عثمان: ذكر فقهاء السلطة أو السياسة الشرعية أن أحد طرق الاعتراف بالسلطة هو التغلب والقهر هل يعني ذلك أن هؤلاء الفقهاء اعترفوا بهذا الأمر وشرعوه؟

عبد المجيد النجار: الحقيقة هذه المسألة ينبغي يكون فيها تدقيق وتحقيق، صحيح! إثارة الغلبة نجدها منتشرة في كتب السياسة الشرعية عند القدامى والكتب الشهيرة في السياسة الشرعية، ولكن في الحقيقة إن شرعية هذه الغلبة وتنصيب الإمام بالغلبة والقهر لم يكن ابتداء، لم يشرع بصفة ابتدائية بمعنى أن الذي له الشوكة وله القوة وله الحق في أن ينتزع الحكم من الحاكم لنفسه، هذا لم أجده أنا عند أحد.

عثمان عثمان: ابن خلدون يقول: الملك هو التغلب، والحكم بالقهر.

عبد المجيد النجار: هذا في مجال الذم وليس في مجال المدح والإقرار، وإنما الذي وجد هو معالجة الأوضاع الواقعية حينما يكون التغلب هو وسيلة التي وقعت فعلاً وانتصب الإمام بسببها، حينما يأتي رئيس دولة وينتصب بالتغلب والقهر فكيف نعالج ذلك؟ هنا جاءت التفاصيل والقاعدة الشهيرة هو أنه يعالج هذا الوضع بأخف الأضرار إذا كانت المقاومة والخروج أقل ضرراً من ضرر هذا المتغلب الذي يذهب إليها أكثر ضرراً وشراً فيقرروا التغلب، أو يقرروا انتصاب الإمام بالتغلب والقهر بعدما وقع وليس تشريعاً أولياً ابتدائياً هذه نقطة فيها الدقة يجب الانتباه إليها.

مواصفات رئيس الدولة في الشريعة الإسلامية

عثمان عثمان: لو أردنا أن نعطي صورة حقيقية للإمام أو الرئيس في الشريعة الإسلامية، ما هي الصورة التي تعطى له الآن؟

عبد المجيد النجار: في طبيعة الحال في التراث الإسلامي أحيطت الإمامة أو رئيس الدولة بشروط كثيرة أحياناً تصبح شروطاً غير واقعيةً وغير ممكنة التحقق، من التقوى شبه كمال يعني من الاجتهاد من التقوى من القوة من الأمانة إلى آخره، شروط كثيرة وكثيرة جداً، وهذه الشروط التي نقرؤها في الكتب إنما اشترطت كضمانات لئن يكون الحاكم أو رئيس الدولة يسوس الناس بالعدل ويسوسهم بالمساواة ويسوسهم بالحق، فترك رئيس الدولة لصفاته الذاتية ولهذه الشروط، هذا اليوم وحتى منذ زمن أصبح ينبغي تعديله وينبغي تطويره، تطويره بماذا؟ ينبغي أن لا يوكل رئيس الدولة مهما كان حتى لو تحقق فيه الشروط ينبغي أن لا يوكل إلى هذه الشروط شروط التقوى والعلم والاجتهاد والقوى، عندما ينبغي أن توجد ضمانات أخرى تضمن عدم انحرافه في الحكم لأن الحكم هذا المنزلق فيه سهل وكما قال ابن خلدون: من طبيعة الملك الانفراد بالمجد، حينئذ يقع الزيغ والانحراف نحو الاستبداد، ينبغي في تجديد الفقه الإسلامي في السياسة الشرعية أن يجدد هذا الفقه في هذا الاتجاه ضمانات، ضمانات مؤسسية ينبغي لأن الفقه يحدث من المؤسسات التي تراعى الحاكم ورئيس الدولة وترافقه وتراقبه وترشده بحيث لا يزيغ ولا يذهب في طريق الاستبداد، وهو الاستفادة من الكسب الحضاري الإنساني العام، نحن إذا كنا نغترف من الأصول الإسلامية في شأن السياسة الشرعية فإننا ينبغي أن نعترف من التجربة ومن الكسب الإنساني العام في شؤون الحكم والإدارة، فقد توصلت الإنسانية في هذا الشأن إلى تطورات مهمة جداً بالأخص فيما يتعلق بالآليات وفيما يتعلق بالإجراءات كل هذه ينبغي النظر فيها والأخذ منها لنمزج بينها وبين تلك الأصول الكلية العامة في شأن السياسة الشرعية لننتج فقهاً جديداً في السياسة الشرعية وهنا يمكن لهذا التجديد أن لا يبق على حدنا نحن كمسلمين وإنما يمكن أن نفيد به الآخرين وأن نضيف بإضافات حضارية في مجال الحكم، على سبيل المثال يمكن أن نضيف إلى هذا المجال أخلاقية السياسة التي مع الأسف اليوم أصبحت غير موجودة، السياسة اليوم في الغالب هي سياسة تمارس شؤون الحكم بلا أخلاقية تقريباً، نحن يمكن أن نضيف هذا البعد الأخلاقي وهذا البعد الإنساني وهو مؤصل في تراثنا وغير ذلك من هذه القضايا.

عثمان عثمان: في النصوص القديمة دكتور تصور العلاقة بين الحاكم والمحكوم بصفة الأبوية، الآن الوضع اختلف أصبحت العلاقة تقوم على المساءلة بناء على النظم الديمقراطية ما الذي ينبني على هذا التغير الجوهري؟

عبد المجيد النجار: في الحقيقة هناك خطأ ينبغي تصويبه يتعلق بالتجربة السياسية بتراثنا الإسلامي وبدولتنا السياسية، الحاكم أو الإمام أو الخليفة كانت علاقته بالأمة ليست علاقة الأبوة كما كنت تذكر وكما نجدها أيضاً في نص الكتب، وإنما كان المجتمع له شخصيته القوية وله مؤسساته القوية التي نسميها اليوم بمؤسسات المجتمع المدني وهذه الحقيقة مسألة ينبغي أن ننظر فيها لنستفيد منها، المجتمع الإسلامي كان يقوم بشؤون نفسه ولا ينتظر أن الحاكم يقوم له بشؤونه، حضارة المجتمع الإسلامي من خلال مؤسسة الأوقاف التي كانت تدير الشأن الاقتصادي، من خلال المؤسسة التعليمية التي كانت بيد الأمة ولم تكن بيد الحاكم إلا في مجال التنظيم مجال خفيف، الصحة كانت في أغلبها أيضاً في يد الأمة، المجتمع الإسلامي كان مجتمعاً قوياً جداً وهو الذي بنى الحضارة ولهذا إن الحاكم ومن الحكومة أو الحكام كثيراً ما كانوا في فتن وفي حروب وفي قلاقل سواء داخلية أو خارجية، ولكن الحضارة الإسلامية كانت صاعدة والمجتمع كان يصنع الحضارة، الأمين والمأمون كانا يتحاربان وشهد بينهما حرب ضروس كما نعرف في التاريخ ولكن في نفس الوقت كانت الحضارة الإسلامية في أوج عطائها لأن الأمة هي التي كانت تنتج الحضارة، هذا الملمح قوي جداً ينبغي أن نستفيد منه اليوم، ينبغي أن المجتمع المدني المجتمع الذي مع الأسف الحاكم الطغاة المستبدون قزموه وأهانوه وأفرغوه من شوكته ومن قوته ينبغي اليوم وبتطوير الفقه السياسي أيضاً الشرعي ينبغي اليوم أن نعيد له قوته وشخصيته وفاعليته عبر المؤسسات وعبر المنظمات عبر الأوقاف عبر المدارس عبر التعليم التنظيم بطبيعة الحال ليس فوضى حتى يقوم ويصبح له الكلمة، ويصبح هو الذي يبني، هو الذي يبني الحضارة ولا ينتظر من الحكام المستبدين أن يبنوا له هذه الحضارة، الحكام المستبدون زعموا أنهم سيوفرون كل شيء للشعوب كل شيء، هنا في تونس كل صغيرة وكبيرة كانت عند الحكام عند رئيس الدولة.

عثمان عثمان: لم تكن هناك مبادرات مجتمعية.

عبد المجيد النجار: أبداً! حتى الجمعيات التي تكون نحن الحزب الحاكم لا توجد ولم توجد في تونس جمعية لم تكن تحت الحزب الحاكم أو لم يكن الحزب الحاكم راضياً عنها. فالمجتمع كلها من قوته ومن مكانته اليوم لما تغير الوضع ما دما نتحدث عن تطوير فقه السياسة الشرعية ينبغي أن يكون فقه السياسة الشرعية مضطلعاً في هذا الأمر ومجدداً فيه بإبراز الأحكام التي تعطي المجتمع قيمته وقوته وتستنهض المجتمع ليقوم بدوره الحضاري.

عثمان عثمان: في الختام أشكركم فضيلة الدكتور عبد المجيد النجار عضو المكتب التنفيذي للإتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وعضو المجلس الوطني التأسيسي في تونس، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة أنقل لكم تحيات معد البرنامج معتز الخطيب والمخرج منصور الطلافيح وسائر فريق العمل، وهذا عثمان عثمان يترككم في أمان الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.