- مفهوم الجهاد وأحكامه
- الجهاد في ظل الثورات العربية

- فتوى إعلان الجهاد

- سبب ارتباط الجهاد بالقتال فقط

عثمان عثمان
حاكم المطيري

عثمان عثمان: مشاهدينا الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلاً ومرحباً بكم على الهواء مباشرة  في هذه الحلقة الجديدة من برنامج الشريعة والحياة، يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] لا يزال مفهوم الجهاد يثير العديد من المشكلات والتساؤلات، خاصة من جهة تطبيقاته في ظل الثورة، فما تطبيقات الجهاد في ظل الثورات وبعدها؟ وهل يحتاج الجهاد إلى إعلام؟ ولماذا ارتبط الجهاد بالقتال فقط؟ الجهاد ومجالاته موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة الدكتور حاكم المطيري أستاذ التفسير والحديث في كلية الشريعة بجامعة الكويت، والذي ينضم إلينا عبر الأقمار الصناعية من إسطنبول في تركيا مرحباً بكم فضيلة الدكتور.

حاكم المطيري: حياكم الله يا مرحباً.

مفهوم الجهاد وأحكامه

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور في ظل الثورات العربية كثر الحديث عن الجهاد، هناك ربما أكثر من رأي خاصة في الموضوع السوري بداية ما مفهوم الجهاد؟

حاكم المطيري: الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين أما بعد، حياك الله أستاذ عثمان وحيا الله المشاهدين والمجاهدين في كل مكان وأخص بالذكر المجاهدين في سوريا أرض الرباط والمحشر وأوصيهم كما قال تعالى: {اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ} [آل عمران: 200] أنتم على ثغر عظيم ونسأل الله عز وجل أن يمدكم بمدده وأن ينزل عليكم نصره، وأن يعجل فرجه إنه سميع عليم.

عثمان عثمان: نعم، مفهوم الجهاد دكتور، ما هو مفهوم الجهاد اليوم؟

حاكم المطيري: الجهاد له مفهومان: المفهوم الأول هو مفهوم شمولي عام وهو يصدق على كل جهد واستفراد للوسع يفرضه المكلف في طاعة الله عز وجل بفعل المأمور وترك المحظور والصبر على المقدور، ومن ذلك قوله تعالى: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} [آل عمران: 102] وقوله تعالى: {وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ} [العنكبوت: 6] إلى آخر الآيات الواردة في مجاهدة العبد نفسه وكما في الحديث:{المجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله} هذا الجهاد هو بمفهومه الشمولي العام فيدخل في العبادات كما في حديث: ((هل على النساء حج يا رسول الله؟ قال: عليهن جهاد لا قتال فيه، الحج والعمرة)) فهذا أداء العبادات على وجهها الأكمل بما في ذلك من جهد على المكلف، هو من الجهاد وكذلك أداء الحقوق الواجبة الاجتماعية وغيرها، كما في حديث: ((هل لك أبوان؟ قال: نعم، قال: فيهما فجاهد)) فهذا جهاد جهاد بمعناه الشمولي العام وكذلك الجهاد في تولي المسؤوليات العامة السياسية كما في الحديث: ((ما من أمير يوليه الله، أو ما من أمير يتولى على المسلمين ثم لم يجهد لهم ولم ينصح، إلا لم يدخل معهم الجنة)) إلى غير ذلك من الأدلة التي تدل على مفهوم الجهاد بمعناه الشمولي..

عثمان عثمان: أين القتال فضيلة الدكتور من مفهوم الجهاد؟

حاكم المطيري: هذا الجهاد بالمفهوم الخاص، وهذا قسم من أقسام الجهاد وهو القتال في سبيل الله ومن أجل إعلاء كلمة الله.

عثمان عثمان: نعم، القتال هو ربما المفهوم السائد على الجهاد هذه الأيام، أو حتى في المصطلحات الفقية.

حاكم المطيري: الجهاد كما ذكرناه بمفهومه الشمولي أما هذا الجهاد وهو الجهاد الخاص الذي وردت فيه النصوص كما جاء في الحديث: ((رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد)) هذا الجهاد الذي حينما تعطل وتوقفت الأمة عن القيام به بعد سقوط الخلافة نزلت من عليائها عندما كانت تسود العالم وتنشر العدل، إلى أن أصبحت كما هي عليه اليوم في حال ذل كما جاء في الحديث الأثر عن أبي بكر قال: ((ما ترك قوم الجهاد قط إلا ذلوا)) هذا الذل عندما تركوا ذروة السنام ورضوا بأن يكونوا تبع في الأمم على هذا النحو الذي هم عليه اليوم ولهذا جاء في الحديث الآخر: ((إذا تركتم الجهاد وأخذتم بأذناب البقر وتبايعتم بالعينة)) والعينة الربا على هذا النحو الذي يشيع اليوم، ((إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ ، وَتَرَكْتُمْ الْجِهَادَ ، سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ)) فهذا الجهاد الذي للأسف عندما تعطل أصبحت الأمة على هذا النحو التي تراه اليوم تتكالب وتتداعى عليها الأمم كما في الحديث: ((تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها فقالوا: أو من قلة نحن يوم إذن يا رسول الله ؟ قال لا بل  أنتم كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل ولينزعن الله المهابة من صدور أعدائكم وليقذفن في قلوبكم الوهن، حب الحياة وكراهية الموت)) هذه نتيجة طبيعية بعد أن سقطت الخلافة وتعطل الجهاد وأقصيت الشريعة أصبح الأمة في هذا الحال من الذل والفرقة والضعف حتى أصبحت المنطقة تتصارع عليها الأمم ولا حول للأمة ولا قوة، وما نشاهده اليوم في سوريا أوضح مثال.

عثمان عثمان: نعم هناك الآن نشهد أعمال عنفية كثيرة حملت مسمى الجهاد تقوم بها أطراف متعددة كل يدعي وصلا بمفهوم الجهاد، هناك من يسمي هذه الأعمال جهاد هناك من يسميها عنفية، هناك من يصفها بالإرهاب، ما الفرق بين الجهاد والعنف؟

حاكم المطيري: الجهاد بمعناه الخاص هو القتال في سبيل الله من أجل إعلاء كلمة الله بالمال وبالنفس وبكل الوسائل التي شرعت، أما العنف أو القتال المحرم هو كل قتال ممنوع شرعاً، كخروج البغاة الذين يقاتلون من أجل الوصول إلى السلطة والقتال على السلطة في ظل الخلافة وفي ظل الإمامة الشرعية، هذا من القتال المحرم والقتال عصبية وحمية كالقتال الذي يقع بين طائفتين من المؤمنين هذا من القتال المحرم ومن قتال الفتنة، هناك صور محرمة شرعاً كما في الحديث: ((المؤمن من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله)) فالقتال غير المشروع هو القتال الذي وردت فيه النصوص وحرمته كما ورد في شأن البغاة والخوارج والقتال عصبية وجاهلية.

عثمان عثمان: دكتور الآن نجد خاصة في الموضوع السوري آراء متعددة في مفهوم الجهاد فيما يجري على الأرض السورية هناك من يقول: بأنه ما يجري على أرض سوريا هو الجهاد ويجب، وهناك من يقول بأن الجهاد يحتاج إلى مجامع فقهية وعلمية لتقرر في هذا الأمر، هل فعلاً هناك التباس في مفهوم الجهاد حتى يقع هذا الاختلاف؟

حاكم المطيري: لا، الجهاد في نوعه الخاص، الأصل أن يكون مع العدو الخارجي لأن الأصل في دار الإسلام أن تكون دار أمن وعدل، ومن ثم عندما فقدت دار الإسلام هذا الوصف في هذا القرن بعد سقوط الخلافة حصل هذا الخلل، ولهذا نجد الحديث عندما بعث النبي أصحابه إلى الحبشة قال: ((فإن فيها رجل لا يظلم عنده أحد)) فعدم الظلم وحتى لو كانت الدار دار شرك وكفر هذا شرط، فما بالك بدار الإسلام! الخلل حصل عندما سقطت الخلافة وأصبحت دار الإسلام دار خوف بعدما أن كانت أمن المؤمنين والأمة وفقد العدل بعد أن كانت الدار يفترض فيها أن تكون بها دار عدل فحصل هذا الاستثناء وهو القتال الداخلي، والقتال الداخلي وردت فيه نصوص كثيرة في بيان وجوب القيام به، الجهاد ينقسم إلى جهاد الخارج، جهاد دفع أو جهاد طلب وكذلك جهاد الداخل كما في الحديث الصحيح:  ((قال يكون أمراء يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن)) فله صور وله حالات وله مراتب، فإذا حصل خلل داخلي يجب على الأمة أن تقوم بما أوجب الله أن تقوم به من جهاد كما جاء في الحديث: ((أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر)) هذا جهاد الكلمة وفي الحديث الآخر: (( قيل يا رسول الله ما أفضل الجهاد؟ قالوا: قال: كلمة حق عند سلطان جائر)) وقال سيد الشهداء حمزة: " ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه ، فقتله".

عثمان عثمان: سنتطرق ربما بشكل مفصل إلى هذا الموضوع من خلال الحديث في سياق الحلقة لكن وجدنا أن واقع الكلمة ربما يتحدث عن الجهاد يقيده بأنه في سبيل الله ما معنى ذلك؟

حاكم المطيري: في سبيل الله أي في طريقه وحسب شرعه وهداه لأن يقابل سبيل الله سبيل الطاغوت كما قال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ} [النساء: 76] فسبيل الله هو دينه وشرعه وعدله وهو سبيل المستضعفين كما في قوله تعالى: {وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ}[النساء: 75] سواء قيل الواو حالية أي حال المستضعفين على هذا النحو من الاستضعاف أو عطف أي وسبيل المستضعفين، فسبيل الله هو سبيل العدل والحق والرحمة، أما سبيل الطاغوت فهو الطغيان والظلم والعدوان.

عثمان عثمان: دكتور أيضاً في القرآن الكريم اقترن الجهاد بالنفس، الجهاد بالمال، ما معنى ذلك أيضاً على ماذا يدل؟

حاكم المطيري: جاء في الحديث: ((جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم )) هذه صور الجهاد، فالمال له من الأهمية حتى أنه قدم في النصوص القرآنية كما في قوله تعالى: {هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ} [الصف: 10-11] فأحياناً لا يكون هناك نقص في الرجال وإنما يكون النقص في المال، كما يجري اليوم في سوريا لو توفر للشعب السوري الدعم المالي لما طالت الثورة سنة ونصف، وهي تعيش هذا الحصار الذي فرضه العالم أجمع، فالشعب السوري اليوم لا يحتاج إلا إلى الدعم المالي، لا ينقصه الرجال لتغيير هذا النظام الإجرامي الذي يسومه سوء العذاب، والمال هنا أوجب على الأمة ومن هنا أدعو الأمة بكل قواها الوقوف مع هذا الشعب السوري في محنته.

عثمان عثمان: إذن هناك جهاد بالنفس وهناك جهاد بالمال هل من وسائل أخرى فضيلة الدكتور؟

حاكم المطيري: الجهاد كما ورد من معانيه قال:(من جاهدهم بيده) واليد هنا القوة والقدرة فاستخدام أي وسيلة تحقق الغرض المقصود من تغيير المنكر والأخذ على يد الظالم كما في الحديث: (لتأخذنّ على يد الظالم ولتأطرنّه على الحق أطراً ولتقصرنّه على الحق قصراً) هذا الأخذ على يد الظالم يحتاج إلى قوة وهذه القوة قد تكون سلمية، القوة السياسية سلمية دون قتال كما يجري من تظاهرات أو احتجاجات كل هذه الصور من صور القوة من جاهدهم بيده، قال الإمام أحمد: {لا يقتضي السلاح} هذا على أحد الأقوال أنه له ليس المقصود باليد السلاح، وإنما القوة التي دون القتال أما إذا لم ينفع الوسائل السلمية والمقاومة السلمية لمنع الظلم والطغيان فحينئذ في حدود ضيقة شرع القتال رفعاً للطغيان والظلم.

عثمان عثمان: نأخذ سؤال السيد عوني الحموي يقول: ما حكم الناشط الإعلامي والمصور الذي يصور الأحداث في الثورة السورية، في ظل التعتيم الإعلامي على الكثير من المناطق السورية وخاصة محافظة حماة، يتحدث هنا ربما عن الجهاد الإعلامي، تسمعني فضيلة الدكتور؟

حاكم المطيري: هذا الجهاد يدخل في جهاد الكلمة كما في الحديث: {جاهدوا بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم} وقال لحسان بن ثابت: {اهْجُهُمْ ، وَرُوحُ الْقُدُسِ مَعَكَ} فيدخل في هذا كله كل ما يمكن تقديمه للمجاهدين من مساعدة وعون سواء بالكلمة أو بالمال أو بالنفس، فوسائل الإعلام تقوم بدور كبير وعظيم، وهي على ثغر من ثغور الجهاد في سبيل الله إذا قام به الإنسان، ونوى واحتسب الأجر فهو بلا شك مجاهد في سبيل الله.

عثمان عثمان: وإذا قتل في سبيل هذه المهمة فهو شهيد؟

حاكم المطيري: بلا شك هو شهيد.

عثمان عثمان: نعم، جاءني سؤال أيضاً من أحد الإخوة في الصومال آدم يسأل: انتشر رجال في الصومال استحلوا دماء المسلمين باسم الجهاد، هل ما يجري في الصومال هو جهاد؟ تسمعني دكتور؟

حاكم المطيري: نعم، ما يجري في الصومال هناك قوات أثيوبية وهناك جهاد من هذه الحيثية وهناك اقتتال داخلي بين الصوماليين هذا بلا شك يدخل في قتال الفتنة، أما قتال العدو الخارجي وقتال الجيش المحتل فهذا يدخل في باب الجهاد في سبيل الله، لكن وقوع القتال بين المسلمين هذا هو المحرم شرعاً.

عثمان عثمان: ذكرتم أن الجهاد الآن في سوريا هو واجب كما فهمت هل هذا الواجب هو فقط على السوريين المقيمين أم على السوريين خارج سوريا أيضاً أم على عامة المسلمين المحيطين بسوريا؟

حاكم المطيري: دار الإسلام واحدة والأحكام واحدة هذه الخريطة التي فرضها سايكس بيكو وفرضها الاحتلال الغربي للمنطقة لا عبرة له شرعاً، كما قال شيخ الإسلام بن تيمية في هذا الخصوص وأجمع عليها أهل العلم، فإذا حصل جهاد ووقع عدوان على فئة من المسلمين ومن المؤمنين وجب عليهم أن يدافعوا عن أنفسهم ويصبح من حقهم وحق من حولهم فرض عين، وعلى الأمة من ورائهم فرض كفاية فيجب على كل من يستطيع أن ينصرهم بنفسه أو ماله أو بالكلمة أو بالرأي أو بما أمكن.

عثمان عثمان: البعض يقول أنهم في الداخل السوري لا يحتاجون إلى رجال إنما يحتاجون إلى دعم مالي وإلى تسليح.

حاكم المطيري: ولهذا قلنا بأن يجب على أهل الأموال وعلى الأمة أن تدعم الشعب السوري بكل الإمكانات المادية المتاحة، وتجاوز هذا الطوق الذي فرضته القوى أجمع على الشعب السوري، وهذا كله يدخل من باب  فرض الكفاية على الأمة بل هو فرض عين على من يستطيع ولا يفعل، حتى يفعل وحتى يرتفع هذا العدوان عن الشعب السوري.

الجهاد في ظل الثورات العربية

عثمان عثمان: الأخ عبد الله السوري يسأل يريد أن يترك أبويه وهما في سن كبيرة وأن يسافر إلى سوريا للعمل مع الثوار سواء في المجال الإعلامي أو القتال.

حاكم المطيري: كل هذا من الجهاد في سبيل الله وهذا من جهاد الداخل ومواجهة الطاغوت لأن الجهاد شرع عند وجود أسبابه سواء كانت داخلية أو خارجية من أجل تحقيق أهداف وحكم شرعية، فمن ذلك وقوع العدوان فإذا وقع العدوان أو الاعتداء على دار الإسلام أو على المؤمنين وجب رد هذا العدوان كما قال تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا} [البقرة: 190] فهذا سبب، والغاية منه والحكمة هو تحقيق الأمن كما في قوله الله تعالى: {وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً} [النور: 55] فهذه حكمة ومقصود للشارع تحقيق الأمن لدار الإسلام وللمؤمنين فيه بدفع العدوان عنهم وكذلك من أسبابه رفع الظلم من أجل تحقيق العدل كما في قوله تعالى: {وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ}[النساء: 75] وفي قوله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ} [ص:37] {وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ} [الشورى: 41] {إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ}[الشورى: 42] هذا الجهاد أيضاً سواء كان الظلم من عدو داخلي أو خارجي يجب رفعه ودفعه لتحقيق العدل والقسط.

فتوى إعلان الجهاد

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور الآن، نعم، الآن في الوضع السوري منذ بداية الأزمة وعندما كثرت المضايقات واشتدت الحرب على أهل حمص خاصة كانت هناك دعوات من أهل سوريا ومن حمص خاصة إلى إعلان الجهاد في سوريا هل الجهاد بحاجة إلى إعلان وبأي معنى؟

حاكم المطيري: الجهاد كما قال الفقه قال ماوردي: الجهاد فرض على الكفاية يتولاه الإمام ما لم يتعين فإذا أصبح فرض عين فلا يحتاج أصلاً إلى إعلان وإنما ذاك الجهاد فرض الكفاية وهو جهاد الطلب طلب العدو في أرضه {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ}[الأنفال:58] على سواء فهذا هو الإعلان..

عثمان عثمان: متى يصبح فرض عين؟

حاكم المطيري: فرض عين كما ذكرنا إذا داهم العدو أرض الإسلام فقد أصبح دفعه فرض عين على كل من استطاع وكذلك عندما من يعتدى على الإنسان يدفع عن نفسه كما في الحديث: { من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أهله أو عرضه فهو شهيد} فهنا لا يحتاج الإنسان إلى فتوة من أحد ليدفع العدوان عن نفسه بل يجب عليه شرعاً أن يدفع هذا العدوان، فما بالك إذا اجتمعت كل هذه الأسباب؟ من حيث وجود الطغيان والطاغوت الذي أمر الله بجهاده كما في قوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ} أي أن تكون الطاعة والحاكمية كلها لله، فمثل هذا الطاغوت يجب مواجهته والقيام عليه والأخذ على يده وتغيير هذه السلطة، أضف إلى ذلك إذا اعتدت السلطة والتي يفترض أن تكون جنة كما في الحديث: {إنما الإمام جنة يقاتل من ورائه} السلطة وقاية وحماية للمجتمع فحينما تصول هذه السلطة لشعبها وتصبح عدوة لهذا الشعب من حقه بل يجب عليه أن يغير هذه السلطة وأن يسقطها، فهي تفقد شرعيتها وتفقد سبب وجودها، فهذا الجهاد أيضاً لا يحتاج إلى إذن أو إلى إعلان من أحد، وإنما المقصود من إعلان الجهاد اليوم في سوريا إعلامياً حتى تتداعى الناس له وإلا فالصحيح هو فرض عين على أهل سوريا جميعاً، يجب عليهم أن يقوموا جميعاً لدفع هذا الطغيان وهذا العدوان ولا يحتاجون إلى فتوى من أحد.

عثمان عثمان: فضيلة الشيخ ذكرتم أن الجهاد عادة يعلنه الخليفة أو يعلنه إمام المسلمين لكن اليوم في ظل الدولة القطرية في ظل وجود أمم متحدة ومواثيق دولية انتظمت فيها الدول العربية والإسلامية من يعلن الجهاد؟

حاكم المطيري: كما ذكرنا فرض العين لا يحتاج إلى إعلان من أحد ولا إلى إذن من أحد ولذلك نص على ذلك أهل العلم كما قال شيخ الإسلام بن تيمية: جهاد الدفع عن الحرمة والدين واجب بالإجماع ولا يشترط له شرط بل يدفع بحسب الإمكان، وهذه أزمة العالم الإسلامي اليوم أنه أصبح تحت نفوذ الدول الاستعمارية وهي التي تشن الحروب عليه متى ما شاءت بينما في الوقت ذاته تحرم عليه حتى جهاد الدفع عن دوله وعن شعوبه الذي هو حق تكفله القوانين جميعاً، نحن نشاهد في فلسطين العدوان الصهيوني وفي العراق الاحتلال الأميركي وفي أفغانستان وفي كشمير وفي بورما، الأمة تتخطف من كل جانب ولا تستطيع حتى أن تدفع عن نفسها، للأسف مهمة الجيوش في الدول الوظيفية التي فرضت منذ سايكس بيكو هي إما الاقتتال بين المسلمين وبين دولهم يسمح لهم بالاقتتال ويمد هذا بالسلاح وهذا بالسلاح وتنتعش تجارة الأسلحة في أوروبا أو تسلط الجيوش على شعوبها لتقتل الحكومات شعوبها، هذا هو دور الجيوش للأسف في ظل هذا الواقع الذي وصلنا إليه اليوم.

عثمان عثمان: الجهاد فضيلة الدكتور بمعنى النفير العام يحتاج إلى إعداد يحتاج إلى عدة إلى سلاح إلى عتاد إلى رجال إلى تنظيم وتخطيط، هل يمكن إعلان الجهاد في ظل غياب كل هذه المنظومة ولو كان في سوريا مثلاً في ظل غياب القوى التي تواجه القوى الأخرى هل يمكن إعلان الجهاد في ظل هذا الوضع؟ أسمع الإجابة إن شاء الله منكم بعد أن نذهب إلى فاصل قصير فابقوا معنا مشاهدينا الكرام نعود إليكم بإذن الله بعد الفاصل.

[فاصل إعلاني]

عثمان عثمان: مشاهدينا الكرام أهلا ومرحبا بكم من جديد إلى حلقة هذا الأسبوع من برنامج الشريعة والحياة، والتي هي بعنوان الجهاد ومجالاته مع فضيلة الدكتور حاكم المطيري، أستاذ الحديث وعلوم التفسير في كلية الشريعة في جامعة الكويت، ينضم إلينا مجددا من اسطنبول، فضيلة الدكتور، في ظل غياب العدة اللازمة والعتاد اللازم، والتخطيط والتنظيم، البعض يعتبر الخوض في الجهاد في ظل غياب كل ذلك نوع من الارتجال والذهاب إلى المجهول.

حاكم المطيري: هذا في حق جهاد الطلب، في ظل الدولة الإسلامية وظل الإمامة الشرعية كما في قوله تعالى {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} [الأنفال:60] من أجل الردع النفسي للعدو، وتحقيق الأمن لدار الإسلام، أما نحن نتحدث اليوم عن الجهاد فرض عين، الأمة داهمها العدو، واحتل أرضها وهذا يصدق فيه حديث (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم، يقاتلون حتى يأتي أمر الله) فنحن اليوم نتحدث عن جهاد فرض العين، وهو حينما يحتل العدو الأرض، فيجب على كل من يستطيع أن يدفع، حتى أنهم نص الفقهاء على أن المرأة لا تستأذن زوجها، ولا يستأذن الولد والده، ولا يحتاج الأمر إلى إذن ولا حتى إلى إمام، كما قال عبد الرحمن بن حسن، ابن الشيخ محمد عبد الوهاب، قال: بأي كتاب، أم بأي حجة أنه لا جهاد إلا مع إمام متبع، ذلك من الفرية في الدين والعدول عن سبيل المؤمنين، والأدلة على إبطال هذا القول أشهر من أن تذكر، واحتج بعموم الآيات وبقصة أبي بصير عندما استقل بقتال قريش وحده حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم (وإلى أمه مسعّر حرب، لو كان معه رجال يثني على ما صنع) مع أنه كان وحده ومعه مجموعة قليلة، استقل بحرب قريش وحده، وقال أيضا عبد الرحمن بن حسن: لا يكون الإمام إماما إلا بالجهاد، لا أنه لا جهاد إلا بإمام، فهذا أصل عظيم أجمع عليه أهل العلم، أن فرض العين لا يحتاج إلى شرط، ولا حتى إلى إعداد العدة، لأنه حالة استثنائية، وحالة ضرورة، يدفع كل إنسان بما يستطيع عن نفسه وعن أهل بلده بحسب القدرة، ثم هناك واجبات أخرى، ألا وهو وجوب الاعتصام بحبل الله بين المجاهدين {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103] وجوب تقديم أهل الكفاءة والخبرة في القتال، هذه واجبات أخرى، ليست شروط لصحة الجهاد، وإنما هي واجبات على المجاهدين أن يقوموا بها أثناء القتال، ولا يتوقف القتال حتى يستعدوا، أو حتى تكون هناك عدة إلا إذا داهم العدو بلدا من البلدان ولم يستطع أهلها جميعا أن يدفعوا عن أنفسهم، فهؤلاء لهم أناة أن ينتظروا حتى يعدوا العدة ويرتبوا ويخططوا وينظموا، لكن إن استطاعت فئة أن تدفعه بما تستطيع، وأن تقوم بنكايته فقد أدت الواجب الذي عليها.

عثمان عثمان: ولكن في سوريا الآن، هل ما يجري هناك من جهاد هو ضد محتل؟ هل هذا تكييف صحيح؟

حاكم المطيري: لا، هذا من الحالة الاستثنائية، هذا من جهاد الداخل، التي وردت فيها النصوص أيضا، فأجمع أهل العلم على أنه إذا السلطة تخلت أو طرأ عليها تغيير وخروج عن حدود قطعيات الإسلام، وجب إجماعا تغييرها والخروج عليها، نص على ذلك القاضي عياض، ونقل الإجماع، وبن بطّال، وقال أنه يجب مجاهدة الإمام إذا طرأ عليه كفر أو تغيير للشرع، فهذا محل إجماع، بخلاف الجائر، وقع فيه الخلاف المشهور بين الأئمة في شأنه، منهم من احتج بالنصوص التي تأمر بتغيير المنكر، أما إذا خرج عن نطاق الشرع فهذا واجب إجماعا بلا خلاف بين أهل الإسلام، لأن الولاية إنما تكون كما في قوله تعالى {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ۖ}  [النساء: 59] فإذا لم يكن من أهل الإيمان ليس له ولاية كما قال القاضي عياض، إذا طرأ عليه كفر أو تغيير للشرع، خرج من الولاية وسقطت طاعته ووجب على المسلمين القيام عليه.

عثمان عثمان: نأخذ فضيلة الدكتور الآن فضيلة الدكتور أحمد الريسوني، الخبير في مجمع الفقه الإسلامي الدولي، والذي ينضم إلينا من جدة، السلام عليكم فضيلة الدكتور.

أحمد الريسوني: وعليكم السلام ورحمة الله، حياك الله وضيفك الكريم.

سبب ارتباط الجهاد بالقتال فقط

عثمان عثمان: حياك الله دكتور، الجهاد القتالي عادة دكتور يكون بين مسلمين وكفار محاربين، أو بين دولة ودولة أخرى، الآن نشهد جهادا أو قتالا أو صراعا داخل الدولة الواحدة، ضد طرف أيضا يدعي الإسلام، كيف ترون الأمر؟

أحمد الريسوني: بسم الله الرحمن الرحيم، أولا حصر القتال والجهاد أنه لا يكون إلا بين المسلمين والكفار، هذا غير صحيح، فهناك عدة آيات وعدة أحاديث أيضا تنص على احتمال مقاتلة من هم منتسبون للإسلام، أو كانوا ينتسبون للإسلام، أو يحكمون باسم الإسلام، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، يعني هؤلاء يدعون الإسلام لكنهم جعلوا السنة بدعة، وجعلوا البدعة سنة، ثم هناك قتال أهل البغي، وهو معروف ومنصوص عليه، وقد وصف القرآن كلتا الطائفتين بالإيمان {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي  تبغي}[الحجرات:9] وهو وصفها بأنها مؤمنة، فإذا قتال المسلمين قتال مشروع، والصحيح قد يكون بين المسلمين وإن كان هذا يعتبر شرا وخللا، وانحرافا، وضرورة إذا اضطر إليه المسلمون فيقعون فيه، وإلا صحيح أن الأصل هو ما ذكرتم ولكن ليس القتال محصورا ولا يجوز إلا مع الكفار ومع دولة كافرة ومقابلة، فإذا القتال في ما بين المسلمين للضرورة إذا كانت هناك باغية وفئة ظالمة، وإذا كان هناك عدوان على الأنفس وهناك صولة على الضعفاء، هذا كله يمكن أن يكون فيه القتال مشروعا لوضع حد للفتنة وللبغي، وللظلم، وللعدوان، وللصيال أو الصولة على المستضعفين، هذا وارد.

عثمان عثمان: القتال ضد المعتدين إذن.

أحمد الريسوني: نعم، ضد المعتدين أفرادا وحكاما ومحكومين، من أوغل في اعتدائه على المسلمين وقتلهم، لا بد، لا يمكن، أن يقف الشرع، لا يسمح، ولا يأذن ولا يقر أن يقف الإنسان مكتوف الأيدي أمام ظالم متجبر، مصر على ظلمه، الإسلام يدعو إلى العفو في ما إذا كان القتل نفسه أو العدوان أو الإذاية غلطا، وفلتة من بعض الناس هذا إذا رجعوا واعتبروا، العفو يكون أفضل، لكن المتمادي في عدوانه ولو كان فردا، والمتمادي في بغيه ولو كان فردا أو مجموعة صغيرة، هذا يجب كسر شوكته، يجب إيقاف ظلمه، يجب مقاومته بكل سبيل ممكن.

عثمان عثمان: الحديث عن الجهاد في ظل الثورة ضد الظلم والطغيان، ويشارك فيه أفراد مختلفة قد يثير الخوف من تحويلها من ثورة سياسية وأخلاقية، إلى ثورة تخص طرفا واحدا دينيا، كيف يمكن حل هذه الإشكالية؟

أحمد الريسوني: هذه مسألة ربما ترجع إلى الاصطلاح لا أقل ولا أكثر، فجميع أصحاب الديانات، وجميع أصحاب المبادئ متفقون على حق الدفاع عن النفس، وعلى وضع حد للظلم والبغي والعدوان سواء كانوا مسلمين أو نصارى أو غير ذلك، فإذن كل من اتفق معنا على دفع الظلم ودفع البغي ووضع حد للتسلط على الأمة والبطش بها، فنحن نقاتل معه وسواء سميناه جهادا، أو قتالا، أو مقاومة، أو نضالا، كل هذه الأسماء ممكن استعمالها وممكن استعمال غيرها مما لا يخطر على البال، والله تعالى يقول{وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِن الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا}[النساء:75] فإذا وجد المستضعفون من الرجال والنساء والولدان نصيرا، ووجدوا وليا، ووجدوا حاميا فلا نبالي بدينه إذا كان يقف مع الحق، والرسول صلى الله عليه وسلم حينما أرسل أصحابه إلى الحبشة قال لهم (اذهبوا فإن هناك ملكا لا يظلم عنده أحد) يعني يحمي الضعفاء ويحمي المستضعفين، فنحن نشكره سواء اعتبرناه مسلما، أو أسلم لاحقا، أو لم يسلم، فهو مشكور ونحن نأوي إليه ونحتمي به، فالمظلوم له كامل العذر في أن يحتمي وأن يتعاون بمن يدفع عنه ظلمه، إن كان معرض للقتل والتنكيل والتعذيب، والخطف، والسجن، هذا لا حجة لأحد أن يمنعه، من أراد أن يمنعه فليأت ليقيم مقامه، وليتحمل ما يتحمله عنه، أيضا له كامل العذر في أن يقاتل مع غيره، ويحتمي بغيره، فكيف إذا كان غيره هو أيضا شريكه في المظلومية، وشريكه في المهنة، شريكه في الوطن، وفي القرية، وفي الطعام والشراب، فنحن ندافع وندفع الظلم مع من كان، وليس ضروريا حينئذ أن نسميه جهادا، لنسميه باسم نشترك فيه جميعا، كاسم المقاومة، واسم النضال، واسم الكفاح، فهذا يسعنا إن شاء الله.

عثمان عثمان: لا مساحة في الاصطلاح، فضيلة الدكتور أحمد الريسوني، الخبير في مجمع الفقه الإسلامي الدولي كنتم معنا من جدة في المملكة العربية السعودية، أعود إليك فضيلة الدكتور حاكم في اسطنبول، الأخ عبد الله الحمصي يسأل: في ظل هذا الإجرام الذي يوجه ضد الشعب السوري، هل لسوري أن يتلكأ عن الجهاد ضد الظالمين، خاصة وأن هناك بعض الفتاوى التي تعتبر أن ما يجري في سوريا هو فتنة؟

حاكم المطيري: ما يجري في سوريا هو طغيان، وظلم، وعدوان على الشعب السوري، ويجب على الجميع أن يقوموا بما أوجب الله عليهم القيام به من الأخذ على يد الظالم ودفع عدوانه، والجهاد بحقهم فرض عين، وعلى الأمة من ورائهم فرض كفاية، فهذا من الجهاد الذي لا يختلف فيه أهل العلم إطلاقا، وأنه يجب على الجميع أن يتصدى لهذا الطغيان وكف هذا العدوان، والقول بأن هناك من يفتي بعدم التعرض له، هو قول باطل يخالف النصوص، كما في قوله تعالى{فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ }[البقرة: 194] ولو فرضنا أن السلطة لم تخرج عن حدود الإسلام، وأنها سلطة كما قلنا فرضا أنها دولة إسلامية، لوجب أيضا الأخذ على يد الظالم كما في قوله تعالى {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖفَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي  تَبْغِي حَتَّىٰ تفَيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّه فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الحجرات:9] فلو افترضنا أن النظام السوري لم يخرج عن حدود الإسلام، وانه ما زال نظاما شرعيا فإنه لا خلاف على أنه بغى على شعبه، واستخدم السلاح في غير موضعه، خرج الشعب السوري بمظاهرات سلمية يريد كرامة وحرية، ويريد العدل، فبغى عليه هذا النظام، وسفك الدم الحرام، فأصبح دفعه واجب على الجميع، وفرض عين على جميع الشعب السوري، وهذه لا تقتصر فقط على سوريا، بل حيثما تكرر مثل هذا الفعل وجب الحكم كما وجب في سوريا، فالسلطة إنما تقام من أجل تحقيق الأمن، وتحقيق العدل، فإذا اعتدت على شعبها لم تعد سلطة، وإنما هذا عدو يجب دفعه بكل وسيلة مشروعة.

عثمان عثمان: دكتور ذكرتم أن هذا الذي يجري في سوريا أو في أي مكان مشابه لسوريا لا يحتاج إلى أي إعلان جهاد إنما هو من باب فرض العين على كل مسلم في هذا الواقع، لكن ألا ترون أن ذلك يفتح الباب واسعا لبعض الجماعات العنفية، أو لبعض الشخصيات، أو لبعض المواقع أن تقرر أن تجاهد في ذاك البلد أو في ذلك البلد تحت شعار أن هناك ظلما أو أن هناك بغيا وعدوانا، ألا يوجد هناك من ضوابط محددة تحدد الحركة في هذا الإطار؟

حاكم المطيري: كما ذكرنا سابقا أن هذه حالة استثنائية تعرضت لها الأمة بسبب هذا الوضع الدولي الجديد، وهو غياب الدولة، وسقوط الخلافة، وسقوط الأمة كدويلات طوائف تحت النفوذ الأجنبي الذي أصبح يتحكم في أمنها وفي شؤونها الداخلية وأدى لعدم الاستقرار في كل المنطقة، المنطقة لم تستقر، هذه آثار ونتائج لهذا المرض الذي يجب على الأمة جميعا أن تقوم به، لكن لو افترضنا أن هناك سلطة شرعية اختارها الشعب عن رضا وبلا إكراه، فهذه السلطة في إصلاحها حالات ودرجات، فهناك التغيير كما في الحديث (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه) هناك (إذا رأت أمتي الظالم ولم تأخذ على يديه أوشك الله أن يعمهم بعقاب) هذه مسؤولية الأمة ومسؤولية المجتمع، ومن حق المجتمع أن لا يفتأت عليه أحد في إصلاح شؤونه على النحو الذي يراه هذا المجتمع حتى لا تقع فوضى واضطراب، فالشريعة جاءت ووضعت ضوابط ولهذا جعلت الخروج على الإمامة الشرعية وعلى السلطة الشرعية في أضيق نطاق حفاظا على المجتمع من الاحتراب الداخلي.

عثمان عثمان: إذن هنا نتحدث إذن عن شكل المعارضة والثورة السلمية تحت قول النبي عليه الصلاة والسلام (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر).

حاكم المطيري: بلا شك، ما تقوم به، ما يطلق عليه المعارضة، وهم المصلحون في كل بلد، إذا أرادوا الإصلاح كما أمر الله عز وجل، فهؤلاء يدخلون في قول النبي صلى الله عليه وسلم، (بدأ الدين غريبا، وسيعود غريبا، فطوبى للغرباء) ورد في بعض الروايات (الذين يصلحون ما أفسد الناس) فإصلاح المجتمع والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصدع بالحق، كما في الحديث قال: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة، في منشطنا ومكرهنا ومأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله وأن نقوم بالحق حيث كنا، لا نخاف في الله لومة لائم، وهذا ما أوصى به الخليفة أبو بكر، قال: ((أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم)) فالطاعة للسلطة مقيدة بإقامة الكتاب، كما في صحيح مسلم قال: ((على المرء السمع والطاعة، أو اسمعوا وأطيعوا ما أقام فيكم كتاب الله، أو ما قادكم بكتاب الله))، فالمقصود إقامة العدل، وإقامة القسط، هذا هو الغاية أصلا من إقامة الدول، ومن إقامة الإمامة في الإسلام، ولهذا نص الفقهاء على أنه يشترط العدالة بالإجماع، اشتراط عدالة السلطة قبل اختيارها، كما في قوله تعالى {قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ۖ قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ۖ قَالَ لَا يَنَالُعَهْدِي الظَّالِمِينَ} [البقرة: 124] قال سفيان بن عيينة لا يكون الظالم إماما ولا قاضيا، وعلى هذا الإجماع وإنما إذا طرأ عليه ما يخرجه عن حد العدالة، هنا اختلف الأئمة والعلماء في كيفية الإصلاح، فيبدأ معه بالنصح وبالكلمة، وبالمعارضة السلمية، والمقاومة السلمية، والأخذ على يده إن استطاعت الأمة كما في حديث (إذا رأت أمتي الظالم ولم تأخذ على يديه ) فإن استطاعت الأمة ذلك فهذا هو الواجب في حقها، وإلا فتضطر إلى القوة في أضيق الحدود حينما لا يكون هناك مجال للإصلاح إلا في استخدام القوة، فالأمة لها ولاية على نفسها في الأصل، الأصل أن الأمة أصيل، والسلطة وكيل عنها، فإذا اختل هذا الميزان، رجعت الولاية للأمة كما في قوله تعالى {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا} [المائدة:55] فالولاية في الأصل للذين آمنوا والمؤمنين، وهم المقصودين في قوله تعالى {وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ} [الشورى:38] فالأمر شورى بين المسلمين جميعا.

عثمان عثمان: نعم، أنقل لك دكتور سؤال الأخ رامي يقول، القرآن الكريم كلما ذكر الجهاد ذكره مقرونا بوعد الله تعالى بنصر المؤمنين وتأييدهم، فكان النصر والغلبة على الأعداء حليف المسلمين زمن النبي عليه الصلاة والسلام، دون أي استثناء، وذلك رغم قلة عددهم وعتادهم، لكن الواقع اليوم نراه متغيرا، لماذا يتأخر النصر فضيلة الدكتور؟

حاكم المطيري: النصر له أسباب وله شروط، فإذا تخلف بعضها تخلف النصر، حتى في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، عندما تخلفت طاعته في يوم أحد تخلف النصر للمخالفة، فمن أسباب النصر {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103]، ومن أسبابه إعداد العدة أيضا، ومن أسبابه التوكل على الله، فإذا حصل خلل في هذا تأخر النصر، فإذا أصبحت الأمة بدل أن تتكل على الله  تتكل على الغرب والشرق، وتحاول أن تتقرب إلى هذا الطرف أو ذاك الطرف، وأن تداهم في دينها يتخلف النصر بلا شك، كذلك إذا تفرق المسلمون وعصوا الله بقول تعالى { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103] وكما في قول النبي صلى الله عليه وسلم (إن الله يرضى لكم ثلاثة، أن تعبدوه، ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) هذا من أسباب تخلف النصر، ولهذا أوصي الأخوة في سوريا على اختلاف فصائلهم المجاهدة أن يعتصموا بحبل الله جميعا ولا يتفرقوا، فإن تخلف النصر بسبب هذا الخلل في صفوفهم وتشرذمهم، ومع ذلك فالله عز وجل وعدهم بالنصر في الدنيا والآخرة، {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [الروم:47] هذا النصر في ثباتهم على الدين، وفي نصرهم يوم القيامة أيضا، فالنصر له معاني أوسع وأشمل من النصر في المعركة هنا أو هناك، فالأمة بلا شك اليوم تشهد تحولات كبرى وهي موعودة بالنصر، وتستقبل عصرا جديدا بإذن الله، تستعيد به خلافتها في الأرض وظهورها من جديد باستعادة وحدتها والقيام بالجهاد في سبيل الله كما أمر الله على الوجه الصحيح، الذي يرتضيه الله ورسوله.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور هناك من يرى بأنه بعد انتصار الثورات بأن العمل لإقامة حكم الله في الأرض هو أيضا نوع من أنواع الجهاد من خلال الجهد الذي يبذل إداريا أو سياسيا أو اقتصاديا، أو اجتماعيا، كيف ترون الأمر؟

حاكم المطيري: بلا شك هذا من أعظم أبواب الجهاد، كما في الحديث (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ..... وإمام عادل) فإقامة العدل في الأرض، هذا هو الغاية من الجهاد أصلا، فالأمة بعد هذه الثورات تتجه إلى جهاد كبير، وهو الإصلاح الداخلي والقيام بتحقيق ما أوجب الله على الأمة القيام به من إقامة العدل والقسط في الأرض، ومن توحيد هذه الأمة التي فرقها العدو، والتكامل فيما بينها حسب ما يمكنها أن تقوم به في هذه المرحلة التاريخية، وتحقيق النهضة، والتنمية الداخلية، كل ذلك من الجهاد في سبيل الله، الجهاد له معاني واسعة، كما في الحديث (الساعي على الأرملة واليتيم كالمجاهد في سبيل الله) فإذا كان القيام على الأرملة واليتيم من الجهاد، وكالمجاهد في سبيل الله، فما بالك في من يقوم على شؤون الأمة كلها والعمل على نهضتها، وتحقيق العدل فيما بينها، وإصلاح شؤونها، هذا من أبواب الجهاد في سبيل الله، ولهذا نص الفقهاء على أن الإمامة هي من أشرف الولايات، ومن أشرف واجبات الدين.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور لدي سؤال هنا من الأخ محمد، يقول بما أن الوضع في فلسطين المحتلة على حسب قول الدكتور حاكم المطيري يدعو إلى أن يكون الجهاد فرض عين، فلماذا لا يزال المسلمين قابعين في أماكنهم لم يحركوا ساكنا، ولم يعلنوا الجهاد لتحرير فلسطين؟ هنا  يسأل عن حكم الجهاد في فلسطين.

حاكم المطيري: لا يحتاج، إذا كان أهل بلد تحت احتلال وعدو، لا يحتاج إلى إعلان وإنما يجب على كل من يستطيع دفعه أن يدفع، وهو فرض عين في فلسطين، وفي كشمير، وفي كل بلد يضطهد، وفي بورما اليوم يحرق المسلمون والعالم يشاهدهم دون أن يحرك ساكنا، هذا لا يحتاج إلى إعلان من أحد وإنما إذا كان هناك أهل حل وعقد وأهل رأي يرجع الناس إليهم، ويعدون العدة من أجل الجهاد فكان بها، وإلا فلا يحتاج إلى إذن من أحد وإنما على كل من استطاع القيام به أن يقوم به.

عثمان عثمان: طبعا عندي الكثير من الأسئلة هنا، الأخ يحيى مهدي يقول نحن نريد مساعدة إخواننا المسلمين، ونريد الجهاد في سوريا ولكن لا حيلة لنا، ونحن بعيدون عنهم، هل نحن في جهاد؟ ولنا أجر الجهاد للنية فقط؟

حاكم المطيري: بلا شك الجهاد يحصل ثوابه حتى بالنية، من نوى، كما بالحديث (من لم يغزو ولم يحدث نفسه بالغزو مات على نفاق) إذا نوى النية ثم حبسه حابس فيكتب له أجر المجاهد، فيبقى الجهاد بالمال، الجهاد بالكلمة، والجهاد بالرأي، والجهاد بالدعوة، يستطيع هذا الأخ من أي مكان أن ينصر المجاهدين في سوريا، وفي فلسطين وفي كل مكان يظلم فيه المسلمون، يستطيع أن يجاهد معهم ولو بالكلمة، فهذه صور من الجهاد إذا استطاع المسلم في أي مكان أن يقوم بها فهذا هو المطلوب.

عثمان عثمان: في ختام هذه الحلقة أشكركم فضيلة الدكتور حاكم المطيري، الأستاذ بجامعة الكويت، كلية الشريعة، أستاذ مادة التفسير وعلوم القرآن، أو الحديث والتفسير، أشكركم، كنتم معنا من اسطنبول، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة، لكم تحيات معد البرنامج معتز الخطيب، والمخرج سلام الأمير، وهذا عثمان عثمان يترككم في أمان الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.