عثمان عثمان
سلمان العودة

عثمان عثمان: مشاهدينا الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلاً ومرحباً بكم على الهواء مباشرة في هذه الحلقة الجديدة من برنامج الشريعة والحياة، يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} [البقرة:286] فما المعاني التي يجسدها شهر رمضان؟ وكيف اقترن الشهر الكريم بأعمال مجاهدة النفس والعدو؟ وما الانتصارات التي تحققت فيه؟ وكيف نسخر الشهر اليوم لمجاهدة الظلم والطغاة؟ رمضان ومعاني المجاهدة موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة الشيخ الداعية الدكتور سلمان بن فهد العودة والذي ينضم إلينا عبر الأقمار الصناعية من جدة في المملكة العربية السعودية، مرحباً بك فضيلة الدكتور. 

الحكم الشرعي في صوم أهالي سوريا

سلمان بن فهد العودة: وبالإخوة والأخوات المستمعين في كل مكان أهنيكم جميعاً بالشهر الكريم. 

عثمان عثمان: دكتور رمضان يأتي هذه الأيام على الأمة وجراحها مثخنة، نتحدث عن بورما تطهير عرقي، في سوريا قتل وقصف ونزوح ولاجئون على الدول المجاورة، بداية ماذا يمكن القول في ظل هذا الوضع؟ 

سلمان بن فهد العودة: بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه أجمعين. كما قال ربنا سبحانه: {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [آل عمران: 140] فهذه سنة الله في عباده والمتصفح للتاريخ يجد أن مثل هذه الأحداث لم يخلو منها زمان عبر عصور التاريخ كلها، فحتى الحرب نفسها وإن كانت شيئاً مكروهاً في الفطرة البشرية ومكروهاً حتى في الشريعة الإسلامية، قال الله سبحانه وتعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ} [البقرة:216] إلا أنها جزء من القضاء والقدر الذي به يدفع الله سبحانه وتعالى شر الأشرار وكيد الفجار، وتقوم به حضارات وأمم ويزول به طغاة ومستبدون وربما نحن في هذا العصر وفي هذه السنوات الأخيرة قد نعتبر أنفسنا إلى حد ما أدركنا ورأينا أحداثاً لم يدركها كثيرون غيرنا، فخلال عشر سنوات رأينا سقوط العديد من رؤوس الطغاة وثم فيما يسمى بالربيع العربي من تونس إلى مصر إلى ليبيا إلى اليمن إلى سوريا، وجدنا أن هناك تحولات كبيرة وضخمة والغريب أن هذه التحولات مرتبطة بمعاني إيمانية، مرتبطة بشهر رمضان الذي هو شهر التغيير والتاريخ ومرتبطة بيوم الجمعة أيضاً الذي هو يوم التحول يوم بناء الكون ويوم خلق آدم ويوم به تقوم الساعة مما يوحي أن هناك تأثيراً كبيراً جداً للقيم الأخلاقية والإيمانية والدينية في نفوس الناس، ولذلك علينا أن نتعامل مع مثل هذه الأحداث بقدر من الإيجابية والتفاؤل والأمل والرضا وفي الوقت ذاته العمل والفاعلية وليس فقط مجرد التفرج أو القعود أو الاكتفاء بالدعاء وحده وإنما أن نستخدم كل الإمكانيات المقدور عليها.. 

عثمان عثمان: في موضوع الفاعلية هناك إذن أنات تتصاعد من سوريا، تتصاعد من بورما ربما لا تجد لها صدىً كبيراً في آذان المسلمين ما الواجب على المسلمين تجاه ما يجري في سوريا وبورما خاصةً؟

سلمان بن فهد العودة: هو أولاً فيما يتعلق بسوريا فالجرح نازف وأيضاً الجرح قريب، المسلمون في دول الجوار في الأردن وفي لبنان وفي تركيا وفي العراق وفي دول الخليج يتابعون لحظة بلحظة الناس ثكلى وجراح الأطفال، ونزيف الدماء وبكاء النساء، وفي الوقت ذاته يتابعون قدراً من البطولات العجيبة، فكل الناس الذين يتحدثون إلينا يتكلمون عن رجال قد استرخصوا الغالي والنفيس وهانت عليهم نفوسهم في ذات الله سبحانه وتعالى، وتجد الواحد منهم يضع أهله في لبنان أو في أي مكان ثم يعود إلى بلده وفي نيته أن لا يرجع حتى يعاجل عدوه وحتى يحكم الله بينه وبين خصمه وبين عدوه، هؤلاء الأبطال الأشاوس الذين يطهرون أرض الشام أرض المحشر وأرض المنشر من البغي والطغيان والاستبداد ونظام الحزب الواحد والنظام الجاسوسي الذي حول الناس إلى مجموعة يتجسس بعضهم على بعض وفقد الناس ثقتهم ببعض وتحول إلى البلد من الفساد والرشوة والمحسوبية، في عصر الدول تتفاخر به بالشفافية بالإصلاح المالي وبمحاسبة الناس وإيضاح وإعلان الذمم والمشاركة السياسية في أنماط الحكم، وتصبح بلاد الإسلام وبلاد الشام على وجه الخصوص استثناءً في هذا، فإن أولئك الرجال قاموا بعمل مشروع ويطالبون بحقوق الله تعالى أذن لهم فيها ويطالبون بحرياتهم، لذلك الواجب على الجميع أن يقفوا معهم بالكلمة الطيبة، بالإعلام بالدعم المالي بالدعم اللوجيستي بالإغاثة بوسائل كثيرة جداً، واليوم لم يعد لأحد عذر لأن الوسائل قربت البعيد وجعلت كل شيء ممكناً وكل شيء مقدرو عليه..

عثمان عثمان: حتى الآن ربما يشكك في مثل هؤلاء الأشخاص الذين كما وصفتموهم ضحوا بالغالي والنفيس، هل تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود لعامة المسلمين وللعلماء خاصة تجاه هؤلاء الأشخاص وتجاه عملهم بأنه جهاد في سبيل الله؟ 

سلمان بن فهد العودة: نعم أنا أتذكر جيداً إنه في أمثلة سابقة في تونس ثم في مصر ثم في ليبيا وثم في اليمن في كل حالة من الحالات وربما في أي حالة أخرى سيوجد فئة من الناس سمهم المندسين أو الشبيحة أو المرتزقة أو البلاطجة أو المنتفعين المستفيدين، وأحياناً يكون ذلك بدافع مادي أو يكون بدافع طائفي أو يكون بدافع غياب الوعي؛ أن يظل هؤلاء الناس يدافعون ويقاتلون إلى جوار الأوضاع القائمة ويدفع لهم مقابل ذلك أو يزج بهم، وبعضهم يكون بين خيارين أحلاهما مر ولكن هذا لا يؤثر ولا يغير على الصورة الحقيقية التي يعرفها جمهور الناس أن هذه الأنظمة فقدت شرعيتها، لا تعتمد على شرعية دينية ولا على شرعية شعبية ولا على شعبية نظامية أو قانونية فليس لها أي غطاء شرعي، وبعدما تخلت عنها شعوبها اتضح هذا الأمر وكما عبرت تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود. 

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور فيه مسألة فقهية الآن طارئة الأخ خليل صمدي يسأل: بعض أهل سوريا صاموا الجمعة حسب الدول المجاورة، والبعض صام يوم السبت حسب قرار القاضي الشرعي، ما الحكم الشرعي في صوم الناس هنا أي في سوريا؟ 

سلمان بن فهد العودة: هذا لا شك أنه أمر في حالة اضطراب، بسبب عدم اتضاح الأمور لأنه في مثل هذا الشهر الكريم لا زالت الأمور غير واضحة، وهذا تماماً ما حدث في ليبيا في العام الماضي، وكان هذا الشهر هو شهر الحسم حيث في السابع عشر تقريباً من رمضان دخل الثوار إلى طرابلس وكانت بداية العد التنازلي لزحزحة وزوال ذلك النظام الفاسد، وهذا ما نتأمله ونرجوه في سوريا أن يكون هذا الشهر الكريم شهر الجهاد شهر معركة بدر وشهر الفتح فتح مكة وشهر عين جالوت وشهر المعارك الفاصلة في تاريخ الإسلام، وأيضاً الشهر الذي كان فيه الإعداد والاستعداد من النبي صلى الله عليه وسلم لمعركة الخندق والأحزاب، والتي تؤكد على أهمية وحدة وجمع كلمة المسلمين ولذلك أعتقد أنه لم يعد هناك شرعية لمؤسسات النظام في سوريا، وأن على المسلمين في سوريا أن يستعينوا بالأخذ من دول الجوار أن يتبعوا الدول المجاورة لهم فيما يتعلق بالصوم أو بالفطر.. 

عثمان عثمان: ذكرتم أن رمضان هو شهر الجهاد هناك معارك فاصلة كانت في الحياة الإسلامية سواء في حياة النبي عليه الصلاة والسلام أو في حياة التابعين من بعده تحدثنا عن معركة بدر عن فتح مكة، كيف يمكن استثمار هذه المعاني الجهادية  فيما يجري الآن في سوريا؟ 

سلمان بن فهد العودة: نعم، أولاً: لا شك إنه رمضان معانيه الصيام والإمساك إلا أنه شهر الجهاد وشهر البركة وشهر الفتح من الله سبحانه وتعالى، وفيه ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر فتتجمع في هذا الشهر أقدار سنوات أحياناً، ولذلك سمى الله سبحانه وتعالى ليلة القدر وقال: {إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين} [الدخان:3] {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} [الدخان:4]  ولذلك في الشهر هذا تحولات غير عادية ومنها تلك التحولات العسكرية إن صح التعبير، بالمعارك التي جرت في تاريخ الإسلام وفي واقع المسلمين أيضاً، ولذلك علينا أن نتفاءل أن يكون هذا الشهر وهو فعلاً بدأ كذلك أنه شهر بداية الحسم في موضوع سوريا، الذي ربما طال أكثر من ستة عشر شهراً قرابة سنة ونصف، أن يكون ذلك بداية للحسم هذا معنى مهم، المعنى الثاني أن يكون هناك سعي للتوحيد لأن أكثر ما نخاف ويخافه المخلصون على الشعب السوري أن يكون هناك نوع من الخلاف على قسمة الغنائم، ولذلك ينبغي أن نناشد وننادي كل الإخوة السوريين سواء كانوا في كتائب أو في جيش حر أو كانوا مدنيين أو عسكريين أو في الداخل أو في الخارج أن يقدموا وحدة الصف على أي أمر آخر حتى مع وجود أسباب تدعو إلى الاختلاف، أن يؤجلوا خلافاتهم إلى وقت تستقر فيه الأوضاع داخل سوريا ويحتكم الناس إلى معايير واضحة إلى محاكم إلى صناديق اقتراع إلى حكماء وعقلاء إلى حوار موضوعي رشيد بعيداً عن التنازع في هذه المرحلة الذي حذر الله منه المسلمين وقال: {‏وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ‏}‏‏ [الأنفال:46] أريد أن أؤكد أيضاً أن النصر هنا وأن المجاهدة ليس حكراً فقط على النصر بمفهومه العسكري وإنما بمفهومه العام الشامل، الإسلام دين جاء لبناء الحياة وجاء للتأسيس وللإنضاج وللإنجاز وللعمل والإبداع والابتكار، والحلم الذي يراودني ويراود الكثير من المتابعين للشأن العربي أن تتحول تلك البلاد التي حدث فيها تغيير سياسي إلى أن تكون أوعية ناضجة لاستقبال العلماء وتشجيع الحركة العلمية وصناعة البيئات الناضجة المفيدة للبناء السياسي والاجتماعي، وشعور الناس بالانتماء وتفعيل الطاقات العلمية والمعرفية المعطلة. 

رمضان شهر الإعداد والاستشهاد والجهاد 

عثمان عثمان: الأخ جمال الطواب من مصر يقول: نعلم أن رمضان من الرمضاء وهي شدة الحرارة والجهد فهل لهذا علاقة بالجهد والاجتهاد الداخلي جهاد النفس والهوى وخارجي جهاد  الشيطان والأعداء والطغيان والنفاق؟ ما دور شهر رمضان في الإعداد لهذا الجهاد؟ 

سلمان بن فهد العودة: هو لا شك رمضان يعني أبرز ميزة لرمضان هي الصوم، والصوم فيه المعاناة بمعنى الإنسان يدع كما قال النبي صلى الله عليه وسلم وكما قال الله تعالى في الحديث القدسي: {يدع شهوته وطعامه وشرابه من أجلي} ومن هنا يصبح رمضان حقيقة شخصية متميزة مختلفة عن بقية الشهور، يؤكد لنا أن قيمة الحياة ليست في الأشياء التي نجدها، ليست فقط في الأكل أو الشرب أو اللباس أو السكن أو السيارة أو القصر الفخم أو ما أشبه ذلك من الماديات التي تتحول إلى مواد أو أشياء استهلاكية، وإنما قيمة الحياة هي أحياناً تتحقق في الحرمان، ولذلك أؤكد حتى عملية النصر سبحان الله من الأشياء المجربة والمؤكدة، أن الناس الذين ينتظرون الانتصار كما في سوريا أو في بورما أو في ميانمار أو غيرها من البلاد الإسلامية، أنهم يكونون في حالة نفسية رائعة وراضية وجميلة أفضل منهم بعد ما يتحقق لهم النصر، ولذلك كان الصحابة رضي الله عنهم الذين ماتوا في المرحلة الأولى مرحلة مكة والعهد المدني الأول ومرحلة الجهاد والهجرة، حمزة بن عبد المطلب، مصعب بن عمير السابقون الأولون الذين ماتوا في معركة بدر وأحد وغيرها، أما هؤلاء تجد في نفوس الناس لهم من المودة والمحبة والتأثير الشيء العظيم، حتى أن عبد الرحمن بن عوف لما ذكر قصة مصعب ابن عمير- رضي الله عنه- بكى وترك طعامه وقال إنه مات ولم نجد ما نكفنه به، إلا رداء صغير أو بردى إن غطينا به رأسه ظهرت رجلاه وإن غطينا به رجلاه ظهرت رأسه فأمرني النبي صلى الله عليه وسلم أن نغطي به رأسه وأن نجعل على رجليه من الإذخر، فأولئك الشهداء الذين ماتوا في سبيل الله وأولئك المضحون وأولئك السابقون أدركوا جمالية الحياة بالتضحية وبالصبر وبالفداء وبقدر من الحرمان، فلا يجب أن نتصور أبداً أن جمال الحياة ومتعتها هو في تحصيل الأمور المادية أو الحصول عليها بل هذا في كثير من الأحيان يحرم الإنسان من متعتها، فإن وجود الشيء أو وجدان الشيء ربما يحرم الإنسان من الكثير من الأشواق والتطلعات.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور الآن في سوريا حرب حقيقية دائرة بين جيش النظام والجيش الحر، سؤال فقهي جاءني وطرحه الكثير من المشاهدين: ما حكم الإفطار في رمضان لأفراد وعناصر الجيش الحر؟ أسمع الإجابة إن شاء الله بعد أن نذهب لفاصل قصير، فابقوا معنا مشاهدينا الكرام نعود إليكم بإذن الله بعد الفاصل.

[فاصل إعلاني]

عثمان عثمان: مشاهدينا الكرام أهلاً ومرحباً بكم من جديد إلى حلقة هذا الأسبوع من برنامج الشريعة والحياة والتي هي بعنوان رمضان ومعاني المجاهدة مع فضيلة الشيخ الدكتور سلمان بن فهد العودة الذي ينضم إلينا مجدداً من جدة من المملكة العربية السعودية، فضيلة الدكتور ما حكم إفطار أفراد وعناصر الجيش الحر الذين يقاتلون الجيش النظامي في سوريا هذه الأيام؟ 

سلمان بن فهد العودة: هو أولاً بالنسبة للصوم معروف أنه واجب على كل مسلم بالغ عاقل إلا لعذر مثل أن يكون مريضاً أو على سفر كما قال ربنا سبحانه: { فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة:184] ولذلك نقول إذا كان المجاهدون مسافرين هذا أولاً مثل إنسان منتقل من بلده إلى بلد آخر والمسافة قصر فهذا له الفطر بلا شك ولا خلاف، أما إذا كان المسافر مقيماً في بلده وليس عليه مشقة فعليه أن يصوم باعتبار أصل الصوم، فإن احتاج إلى الفطر وكان الفطر أقوى له واحتاج إليه في النهار في نهار رمضان لأنه يقوم بأعمال متعددة أو في الشمس أو ما أشبه ذلك، فإن له الفطر كما هو مذهب أو إحدى الروايتين في مذهب الإمام أحمد وهو قول أكثر أهل العلم ورجحه جماعة من العلماء كابن تيمية وابن القيم وغيرهم لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح لأصحابه: (إِنَّكُمْ مُصَبِّحُو عَدُوِّكُمْ وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ) وكان ذلك في فتح مكة، ولذلك الرسول صلى الله عليه وسلم جعل كأن ملاقاة العدو علة مستقلة للفطر لأنها تجعل للإنسان قوة في مواجهة العدو، فإذا احتاج المجاهدون إلى الفطر ليتقووا به على معارك يديرونها في نهار رمضان فلهم ذلك. 

عثمان عثمان: نعم، أنقل هنا أيضاً سؤال للسيد حسين شلبي من مصر يقول: الرسول والصحابة إذا آتاهم رمضان يقولون: {مرحباً بالمطهر} اليوم شبابنا يستعد لرمضان بجدول المسلسلات والفوازير كأن رمضان جاء ليفسد الأخلاق، كيف يمكننا وضع آلية عملية لتقويم هذا السلوك الخاطئ؟ 

سلمان بن فهد العودة: لا شك أن مسألة ارتباط المسلسلات برمضان أصبحت قصة واضحة جداً، وربما طول العام معظم القنوات الفضائية تستعد لموسم رمضان، وربما كانت السنة كلها في كفة ورمضان في كفة، زيادة على ذلك الناس ربما انصرفوا عن التلفاز إلى حد كبير إلى وسائل الإعلام الجديد كـtwitter  و face book والـ YouTube وغيرها ولكن في رمضان يبدو أن التلفزيون يستعيد شيئاً من زمام المبادرة من خلال المسلسلات أو الفوازير أو البرامج التي يكون هناك حالة من الاهتمام بها، ولا شك أنه من المؤسف أن يكون الكثير من هذه المسلسلات لا تخدم المبادئ والأهداف والقيم، بل حتى أحياناً المتعة والترفيه فيها لا يكون ترفيهاً بريئاً فنحن نؤمن بأن الترفيه جزء من مهمة الإعلام وجزء من رسالة الإعلام ولا حرج في وجود ترفيه بريء، والترفيه يمكن أن يكون رسالة لإيصال الكثير من المعرفة والمعلومات والأخلاق والتربية والبناء ومخاطبة الفطرة البشرية، لكن المشكلة هنا حينما يتحول الترفيه إلى مفهوم سلبي أو مفهوم منحرف واستعراض أحياناً للأجساد الجميلة أو الوجوه الجميلة أو الإغراء أو غير ذلك، أو يكون هنالك مسلسلات ربما غير هادفة وبعيدة عن أن يكون لها رسالة واضحة، ربما تكون هذه المسلسلات قد تأتي بحجة أو بشكل أنها تخدم بعض القضايا الاجتماعية، أو ربما للترفيه ولكن هي ليست تؤدي هذا الهدف بشكل واضح وبشكل صحيح. 

عثمان عثمان: رمضان فضيلة الدكتور فيه الكثير من المعاني الإيمانية التي تربي النفس وأيضاً تقوم السلوك ما أبرز هذه المعاني التي يضفيها علينا شهر رمضان المبارك؟ 

سلمان بن فهد العودة: هو أعظم معنى هو معنى الإيمان الله سبحانه وتعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة: 183] رمضان هنا يعزز معنى الإيمان من جهة أن الإنسان ممسك بينه وبين الله سبحانه وتعالى كما قال الله عز وجل: {كل عمل لآدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به} فهنا الصوم مفهوم إيماني لأن الإنسان هنا يستشعر رقابة الله تعالى عليه بحضوره وفي غيابه وعند الناس وفي الملأ وفي الخلا، فهذا معنى عظيم يعززه ويقويه الصيام خاصة إذا تكرر الصيام سنة بعد سنة بعد أخرى وأصبح أمراً معتاداً عند الإنسان، كذلك المعنى الثاني: وهو في آخر السورة الكريمة قوله سبحانه: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}[البقرة: 183] فالصوم يربي على التقوى لأن الإنسان هنا يسأل نفسه إذا كان ممنوعاً من الطعام والشراب والمباحات في نهار رمضان، فكيف له أن يتجرأ على المحرمات؟ مثل الغيبة أو النميمة أو الكذب أو الزور أو الغش، وهنا أود أن أقول في شأن المحرمات أن بعض المسلمين عندهم نوع من الازدواجية أو نقص المعلومة؛ فهم قد يتصورون أن الغيبة محرمة مثلاً أو النميمة أو سرقة مال الجار أو الزنا ولكن يغيب عليه أيضاً أن سرقة المال العام هي من أعظم المحرمات، العدوان على مال الأمة أو سرقة حقوق الناس وحرمان الشعوب من حقوقها السياسية والاجتماعية والإعلامية حتى وغيرها، يجب أن ندرك أيضاً أن هذه حقوق وأن من مقتضى التقوى أن يحرص الناس على أداء هذه الحقوق على أكمل وجه، وأن يؤدي للناس حقوقهم ويدركوا أن المحافظة على العمل، التبكير في الدوام، التعامل الجيد مع المراجعين، الاجتهاد في العمل، الحفاظ على حقوق الأهل، أيضاً بعض الناس ربما يعتذر الصوم فيكن قاسياً حتى أن بعض الأسر يقولون أو يعرفون ما يسمونه "بالأب المرمضن"، الأب المرمضن يعني الذي دخل عليه رمضان لذلك أصبح يلتمس لنفسه عذراً أن يغلط وأن يشتم وأن يغضب وأن يسخط على أطفاله مثلاً أو على زوجته أو على سائقه أو خادمه أو خادمته هذا ليس عذراً، رمضان هو مدرسة للتربية على التهذيب وعلى الأخلاق والنبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه: (من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه).. 

عثمان عثمان: معاني كثيرة أخلاقية وسلوكية نابعة من صيام شهر رمضان، هناك إشكالية فضيلة الدكتور أيضاً البعض ينام النهار ويسهر الليل وربما ينام عن بعض الصلوات وبعض الفرائض وإذا ما ووجه بهذا الأمر يقول أن النوم عبادة، كيف يمكن حل هذه الإشكالية؟ 

سلمان بن فهد العودة: هو أولاً: حديث نوم الصائم عبادة لا يصح، ولكن نحن نقول أنه كما قال معاذ بن جبل: أنني أحتسب في نومتي كما أحتسب في قومتي، والنوم عبادة إذا كان يعين على خير أو يكف عن شر، أما إذا كان النوم هنا سبباً  في ترك الصلوات وإتباع الشهوات وأن الإنسان ينام في النهار ويسهر في الليل على ما حرم الله، فهنا تجد انتكاس في المفهوم وفي الآية الله سبحانه وتعالى يقول: {وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا * وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا} [النبأ: 9-11] هذا ينبغي أن يكون في رمضان وفي غيره، وأن يكون عند الناس فاعلية وإيجابية في التعليم أو في الوظيفة أو في العمل أو في الخدمة أو في المصانع مع مراعاة الصائمين لأنه فعلاً صعب أن الإنسان يصوم خاصة في البلاد الحارة كبلادنا وغيرها، كأن الإنسان ربما يصوم مثلاً أكثر من 16 ساعة و17 ساعة وأن يكون أحياناً تحت شمس الظهيرة، ربما يكون في مصنع أو في غيره وحر شديد، هذا يجب أن يراعى ولكن أيضاً  ليس من المعقول أبداً أن نتصرف في رمضان بهذه العقلية الساذجة. 

أولويات العبادة وأهمية مدارسة القرآن 

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور لو أردنا أن نتحدث عن أولويات العبادة في شهر رمضان المبارك؟ 

سلمان بن فهد العودة: طبعاً الأولوية هو لحفظ الصيام لأنه هو أهم ما يميز شهر رمضان، حفظ الإنسان صومه من المفطرات حفظ الصوم من الغيبة من النميمة من البذاءة من الفحش، من كل المعاني التي يعرف الإنسان أن الله تعالى شرع الصوم لمطاردتها ولا لا معنى أبداً أن يكون الإنسان صائماً عن الطعام والشراب ومع ذلك فهو يلغ كثيراً في القيل والقال والشتم والسب والكلام البذيء، أو مثلاً في العدوان على أعراض الناس أو في التجسس والتصنت على الآخرين أو الهاكرز (hackers) الذين يعتدون على المواقع والإيميلات ويسرقون خصوصيات الناس، أو يمارسون كثير من الأشياء التي تتنافى مع خصوصية الصوم، الشيء الثاني: موضوع القرآن لأنه كما قال الله سبحانه وتعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} [البقرة:185] وقال سبحانه: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ } [القدر:1] إلى قوله: { لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ } [القدر:3] فقراءة القرآن في رمضان والنبي صلى الله علي وسلم كان يختم القرآن في كل رمضان مرة، وفي السنة التي قبض فيه ختمه مرتين، الأمر الثالث: القيام، قيام الليل وما تيسر منه وأن يقوم مع الإمام في صلاة التراويح أو صلاة القيام، المحافظة على الوتر، السعي إلى بلوغ ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر وغير ذلك من الطاعات والأعمال الصالحة. 

عثمان عثمان: ذكرتم أن من أهم العبادات في شهر رمضان المبارك هو تلاوة القرآن الكريم أو مدارسة القرآن الكريم فقد كان جبريل عليه السلام يدارس النبي عليه الصلاة والسلام القرآن، ما أهمية مدارسة القرآن في رمضان؟ 

سلمان بن فهد العودة: رمضان هو شهر القرآن، وابتدئ نزوله في هذا الشهر الفضيل الكريم، وأيضاً نزل القرآن بفضله والثناء عليه كما ذكر الله عز وجل في سورة البقرة وغيرها، فلذلك لرمضان خصوصية والنفوس تكون متقبلة ومشرئبة إلى حضور القلب وإلى التدبر، وهنا أنا أريد أن أؤكد أن كثيراً من العادات السيئة في طريقة قراءة القرآن ربما حرمتنا من بركة هذا الشهر وبركة هذا الكتاب، أن الناس يتنافسون على القراءة وعلى السرعة، وأذكر لما كنا أطفالاً صغاراً لأن البيئة تشجعنا على سرعة الحفظ، وأينا يختم أولاً كان بعض الشباب يلجئون إلى القفز أو ما يسمونه بالنط، فيقرأ سورة ويترك أخرى أو يقرأ صفحة ويترك أخرى حتى يسبق زملاءه، والبعض الآخر ربما يلجأ إلى عملية الهز والهذرمة فيقرأ القرآن قراءة سريعة وحتى الأخطاء الموجودة عنده في التلاوة لا يقوم بتصحيحها لأنه مستعجل يريد أن يصل إلى نهاية السورة أو إلى نهاية الجزء، لماذا لا يكون الإنسان متأنياً متأملاً متدبراً ولنقل أن يقرأ هذا الوجه ويتدبره وإذا احتاج إلى إعادته وإذا احتاج لأن يراجع بعض كتب التفسير حتى يؤثر القرآن فينا في مفاهيمنا وعقولنا ونفوسنا وقلوبنا وأخلاقنا وسلوكنا.

عثمان عثمان: البعض فضيلة الدكتور يقول إنه رمضان من نفحات الله عز وجل، الحسنات فيه تتضاعف إلى سبعين إلى 700 ضعف وبالتالي هو يريد أن يستغل هذا الوقت ليكثر من ختمات القرآن الكريم ليزداد أجره وثوابه، يعني أليس ختم القرآن الكريم يمكن أن يكون هدفاً بحد ذاته في رمضان؟ 

سلمان بن فهد العودة: هو ليس هدفاً بحد ذاته، لأن أصل قراءة القرآن إنما شرعت من أجل التدبر { كِتَابٌ أَنْـزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ}[ص:29] وعلى الإنسان أن يسأل نفسه لماذا جعل الله تعالى هذا الثواب العظيم لقراءة القرآن؟ إلا لأن القرآن الكريم هو رسالة الله، وفيه المعاني عظيمة وفيه التأثير على عقل الإنسان وعلى قلب الإنسان وشعوره وسلوكه وصياغته من جديد، فهو رسالة السماء، رسالة الله سبحانه وتعالى، ولذلك كان الأجر في تلاوته فإذا كان الإنسان يقرأ القرآن ولا يعمل به فكما قيل: (رب قارئ للقرآن والقرآن يلعنه، ورب قائم ليس له من قيامه إلا التعب والسهر) أنا هنا أقول القراءة خير وبركة، ما دام يقرؤها بنية لله سبحانه وتعالى لكن فرق بين إنسان يقرأ وهمه الوصول إلى نهاية السورة أو الجزء أو المصحف وبين آخر يقرأ وهو يحاول أن يعرض نفسه وموروثه وعاداته وتقاليده على القرآن الكريم. 

عثمان عثمان: هل يمكن الحديث هنا عن عدد معين يستحب للمسلم الصائم أن يختم فيه القرآن الكريم  في شهر رمضان المبارك؟ 

سلمان بن فهد العودة: يعني كما قلت النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرؤه في الشهر مرة وفي العام الذي قبض فيه كان جبريل يعرضه عليه مرة، وفي العام الذي توفي النبي صلى الله عليه وسلم عرضه عليه مرتين ورأى النبي صلى الله عليه وسلم أنه دلالة على اقتراب أجله، ويعني السنة أن يختم الإنسان في كل سبع في كل أسبوع كما في حديث أوس ابن أوس وغيره فيقرأ القرآن في سبعة أيام ومعنى ذلك أنه يختم القرآن في رمضان أربع مرات، وإن شق عليه ذلك يختم القرآن في رمضان مرة واحدة بشيء من التدبر، ولكل وجهة هو موليها المهم أن لا يترك الإنسان القرآن، أن يكون له ورد يومي من قراءة القرآن الكريم. 

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور كيف هنا نوفق أو نحقق المعادلة بين الختم ختم القرآن الكريم والتدبر؟ 

سلمان بن فهد العودة: هو هذا ممكن يعني أن يرتب الإنسان أن يكون له في رمضان على حسب ما يعرف من وقته وما يخصصه للمصحف وللقرآن الكريم أنه سيقرأ في اليوم ثلاثة أو أربع أو خمس ساعات مثلاً تقل أو تكثر على حسب الأعمال التي عنده، الإنسان عنده عمل هو مكلف به وعنده عمل المنزل ولديه ارتباطات هذا أمر معروف، فالحياة لا تتوقف في رمضان ولكنها تصطبغ بهذه الصبغة الإيمانية الروحانية، فلذلك الإنسان عليه أن يراعي هذا إذا كان يخصص أربع ساعات مثلاً في اليوم أو ثلاث لقراءة القرآن الكريم أن يقرأ فيها بالقدر الذي يحقق فيه على الأقل أن يختم القرآن في رمضان مرة وربما مرتين، وفي الوقت ذاته يكون عنده تدبر والكثير من معاني القرآن الكريم لا تحتاج إلى مراجعة كتب تفسير ولا إلى سؤال لأن العربي يفهمها بطبيعته وبسجيته لأنها من الوضوح بمكان مثل قضايا قصص الأنبياء مثل قضايا الآخرة والغيب، مثل أسماء الله تعالى وصفاته بخلاف بعض الأحكام التي تحتاج إلى فهم وإلى سؤال. 

عثمان عثمان: لدي بعض الأسئلة على بريد البرنامج: الأخ آدم زكي من الصومال يقول: نحن هنا في الصومال نشهد كل يوم قتالاً، القاتل يقول: الله أكبر والمقتول يقول: الله أكبر، كل طرف يكفر الطرف الآخر ما نصيحتكم للمتحاربين في الصومال؟ 

سلمان بن فهد العودة: يعني هذا السؤال يعطيني فرصة أنني أعود إلى أمر طرحته أنت في بداية الحلقة، وربما مجال للكلام هو موضوع المسلمين في بورما حقيقة هناك معاناة صعبة جداً، هناك حالة تطهير عرقي باعتراف منظمة العفو الدولية وعدد من المؤسسات الدولية المسؤولة عن حقوق الإنسان، حتى الحكومة والرئيس نفسه في بورما التي أصبحت تسمى ميانمار يقولون: أنه لا مقر للمسلمين في هذه البلاد، وأن عليهم أن يرحلوا أو يكونوا في ملاجئ أو في مخيمات، إذن العملية إن صح التعبير هي عملية هولوكوست أو تطهير عرقي وقتل وحرق للمسلمين وعدوان بشكل سافر سواء من العصابات المدججة بالسلاح أو من طرف الجهات الأمنية أو الأجهزة الأمنية، وهنا السؤال أين دور المسلمين وأين دور الحكومات الإسلامية في منظمة الأمم المتحدة وفي جامعة الدول العربية وفي منظمة المؤتمر الإسلامي أو منظمة التعاون الإسلامي ورابطة العالم الإسلامي؟ لا يكفي أن يصدروا بيانات وأن يصدروا إدانات وشجب واستنكار هذا شيء جميل، وهو أقل الواجب ولكن يجب أن يكون هناك حراك سياسي وممارسة ضغوط جادة، وأيضاً أذكر أنه عدد من الدول الإسلامية تحتضن عدد كبير من الإخوة البورميين كما في السعودية في مكة وغيرها، وهذا يحملنا مسؤولية عاجلة في حماية هؤلاء الإخوة. 

عثمان عثمان: ربما عرجتم في سياق حديثكم عن ضرورة الوحدة وحدة الصف والكلمة في سوريا بعد أن يزول النظام، الموضوع ذاته السؤال يتكرر في الصومال ما نصيحتكم التي توجهونها للمسلمين هناك؟ 

سلمان بن فهد العودة: والله يا أخي اسمح لي أقول الحقيقة بئس القوم أولئك الناس الذين ظلوا لسنوات طويلة يتقاتلون دون أن يدركوا أن القتال لا يمكن أن يخدم قضيتهم، يعني فكرة أن نجاحك يقوم على إهدار الآخرين هذه فكرة خطيرة وسيئة وفاشلة من أجل أن تملك أرفع عمارة في البلد لا يعني أن تهدم عمائر الآخرين، ابنِ بجهدك وقدرتك، أين الشعوب الصومالية الموجودة في أوروبا وفي أميركا وفي جنوب أفريقيا وفي البلاد العربية وفي غيرها الكفاءات والتجار والخبراء والعلماء وغيرهم؟ كلهم أصبحوا خارج البلد، وأصبح هناك مجموعات باسم الإسلام تتقاتل، الله سبحانه وتعالى يقول في قرآنه: {إن الله لا يأمر بالفحشاء} [الأعراف: 28] أنا أقول في هذا الشهر الكريم والتو خرجت من المسجد الحرام، هذا الذي يفعلونه هو أشد من الفحشاء لأنه قتل وسفك للدم المسلم، وتدمير لهذا البلد العظيم الذي هو بلد إسلامي 100% ومع ذلك نرى أنه تحول إلى مجازر، وإلى حالة من الفوضى والاحتقان وسنوات طويلة لا بناء لا تعليم لا صلاة لا أمن لا أمان ودول الجوار ربما أصبحت تتأذى من ذلك وكل مجموعة تدعم جهة أخرى، هذا أمر في غاية الخطورة وتقول: متى يصحو هؤلاء الناس؟ متى يعقلون ويدركون أهمية أن يجلسوا على طاولة الحوار وأن يتفاوضوا فيما بينهم وأن يتنازلوا وأن يتقوا الله تعالى؟ 

شهر الدعاء والإغاثة للمسلمين في سوريا وميانمار  

عثمان عثمان: طبعاً عندما نتحدث عن المعاني الإيمانية في رمضان وأولويات العبادة نتحدث عن أن رمضان هو شهر البذل والسخاء، شهر المواساة، كيف يمكن ترجمة هذه المعاني فيما خص السوريين وفيما خص المسلمين في ميانمار؟ 

سلمان بن فهد العودة: هذا صحيح رمضان هو أيضاً شهر البذل وشهر الجود والنبي صلى الله عليه وسلم كان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، كان صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة، ولذلك أقول الدعم لإخواننا المسلمين في سوريا، وهنا في كل بلد هناك حسابات وهناك إمكانيات وهناك حملات الآن عبر وسائل الإعلام لجمع التبرعات للمسلمين سواء للجوانب الإغاثية أو الإنسانية أو الخدمية أو حتى لدعم المجهود العسكري عبر الجيش الحر وقنواته وكتائبه الموجودة في الداخل، فهذا مما يتطلبه موضوع الحسم وإنهاء هذه الحالة من الإشكال ونزيف الدماء داخل سوريا، وكذلك الحال فيما يتعلق بدعم المسلمين في ميانمار ومساعدتهم والوقوف إلى جانبهم، كذلك اللاجئون المسلمون اللاجئون هم يشكلون أغلبية في العالم كله دعني أقول لك فيما يتعلق بالصومال أيضاً هناك الآن عدد من الأثرياء المسلمين بدؤوا بما يسمى بالقرى النظيفة إقامة قرى حتى ولو كانت قرى من القش، تؤوي عشرين ألف ثلاثين ألف ويتم حفر بئر لهم وإقامة مسجد ومكان لتحفيظ القرآن الكريم، وهم الصوماليون يحبون القرآن الكريم ويتعطشون ويحنون إلى حلقاته ودروسه فمثل هذه الأعمال والإغاثة وإطعام الناس هو من أسباب الوحدة كما قال الله سبحانه وتعالى: {لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ **إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ ** فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ ** الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} [قريش:1-4] فجامع بين الإيلاف والإلف وبين الإطعام من الجوع والأمن من الخوف. 

عثمان عثمان: إذن في رمضان إغاثة الملهوفين إغاثة المنكوبين في سوريا وفي ميانمار من صميم العمل الإيماني الذي يترجم في عمل المسلم في شهر الصيام أيضاً ما موقع الدعاء في شهر رمضان وهو شهر الدعاء، الدعاء هو العبادة ما موقع الدعاء للمسلمين في هذا الشهر الكريم؟ 

سلمان بن فهد العودة: أيضاً دعني أذكر بأن الزكاة يعني كثير من المسلمين ربما يحتار أين يضع زكاته وقد يعطيها لأناس بمقتضى العادة، بينما تخيل إنه 2.5% من ممتلكات المسلمين وهي تقدر بالتريليونات أين تذهب هذه الأموال الضخمة؟ والأحق بها هي تلك المناطق الساخنة التي بأمس الحاجة إما بسبب أزمة سياسية أو بسبب أزمة فقر أو جوع وكذلك الحال في اليمن، فبلاد اليمن السعيدة اليمن الخضراء تعاني الآن من مجاعة وهي بأمس الحاجة إلى الدعم والمساندة فأنا من هذا المنبر أدعو تجار المسلمين وأثرياء المسلمين والجمعيات الإسلامية خاصة في دول الخليج إلى أن تجعل هذا العام عاماً استثنائياً فيما يتعلق بزكاتها، وتبعث بها إلى سوريا تبعث بها إلى الصومال تبعث بها إلى بورما تبعث بها إلى اليمن تبعث بها إلى المناطق التي فيها فقر أو فيها مجاعة.. 

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور بين مكان وآخر أو بين حالة وأخرى. 

سلمان بن فهد العودة: نعم، أنا أعتقد أنه هنا فيه أفضلية  لمثل تلك الدول التي أشرت إليها لها أهمية ولها أفضلية وهي أحق وأولى من غيرها لأنه لا شك أن مصارف الزكاة معروفة، ولكن هؤلاء الناس الفقراء والمساكين والمجاهدين في سبيل الله من أحق الناس وأحوجهم في هذا الظرف الخاص إلى أن تصرف لهم الزكاة، ولا بأس أيضاً في تعجيل الزكاة؛ تعجيل الزكاة العام القادم إلى هذا العام بحكم المجاعة وهذا الظرف الطارئ. 

عثمان عثمان: يبدو أن هناك الكثير من الأسئلة ترد إلينا عبر صفحة البرنامج على الفيسبوك أو عبر بريد البرنامج ولذلك نود منكم فضيلة الدكتور أن نختصر قدر المستطاع حتى نفي المشاهدين حقهم في هذه المسألة، نعود إلى السؤال الذي طرحناه أهمية الدعاء في شهر رمضان للمنكوبين في سوريا وفي سائر أقطار العالم الإسلامي. 

سلمان بن فهد العودة: هو لاحظ أولاً أن الدعاء هو تضرع إلى الله سبحانه وتعالى الذي بيده كل شيء وهو على كل شيء قدير، فهذا معنى عظيم أننا نبتهل ونتضرع إلى الله فيما نعجز نحن عنه، ثانياً الدعاء يحفزنا إلى أن نعمل نحن لأن من غير المعقول أن يجلس الإنسان متفرجاً لا يقوم بواجبه ويكتفي بمجرد كلمة يلقيها إذا أثيرت هذه القضية يقول: الله ينصرهم مثلاً أو الله يساعدهم، هذا كلام لا يكفي هذا الكلام العاجز البطال، زد على ذلك أن الدعاء يعطي حافز داخلي للشخص ذاته حينما يصدق في دعائه أنه يجند طاقات هذا الإنسان للوقوف مع إخوانه، فذلك الإنسان الذي دعا بصدق هو أبعد الناس عن الاتكالية لأنه سوف يقوم بمجهوده الإعلامي بالكلمة الطيبة بالمشاركة بالمال إن استطاع، بالمشاركة بكل ما يقدر عليه، فالدعاء حقيقة هو أيضاً نوع من المؤازرة والوقوف مع الإخوة لأن الناس الذين يعانون إذا رؤوا إخوانهم يدعون لهم ويتضرعون ويبتهلون أدركوا أنهم على الأقل يشاطرونهم بالمشاعر والأحاسيس والقلوب الصافية. 

أحكام فقهية متنوعة 

عثمان عثمان: علي الناصر يسأل ما دور العلماء المسلمين في قضية مسلمي بورما أين هم؟ وكيف لا يوجد أي توجه أو حراك إعلامي وسياسي قوي ضد حكومة بورما حتى الآن؟ 

سلمان بن فهد العودة: والله هذا سؤال الأخ علي مشروع صراحة وأنا أدعو إخواني في إتحاد علماء المسلمين وعلى رأسهم أخونا الدكتور علي قرداغي الأمين العام للإتحاد وهو سباق إلى المبادرة، أن يكون هناك تكثيف للمجهود وللبيانات المهمة التي توعي المسلمين وأيضاً للتواصل مع كافة الأطراف والقوى والجهات المشاركة وبالذات منظمة المؤتمر الإسلامي وأمينها العام المعروف بحرصه على مصالح المسلمين الأستاذ أوغلو، أن يكون هناك جهد منظم وقوي للضغط على حكومة ميانمار وحماية المسلمين هناك. 

عثمان عثمان: الآن عدة أسئلة تتناول موضوع الصيام في دول الإسكندنافية التي يزيد فيها عدد ساعات الصيام عن عشرين ساعة ماذا يفعل المسلمون هناك؟ على أي أساس يصومون؟ علماً أن الصيام من طلوع الفجر إلى غروب الشمس هناك فتاوى عدة أطلقت منهم من قال يصوموا على صيام مكة المكرمة على أقرب بلد إسلامي لهم كيف يتعاملون مع هذه المسألة؟  

سلمان بن فهد العودة: يعني هذه المسألة وهي صيام المسلمين في البلاد التي يطول فيها النهار قد يكون عشرين ساعة أو أكثر أحياناً بحثها مجلس الإفتاء الأوروبي في جلسته المنعقدة في العام الماضي، واستعرض جميع البحوث المعدة في المسألة هذه وذهب المجلس إلى أنه لا يشرع للمسلمين هناك  أن يصوم جزءاً من النهار وأن يفطروا جزءاً آخر لا باعتبار النظر إلى مكة ولا بالنظر إلى أقرب بلد إليهم، وإن كان هذا قول وجد من يقول به من أهل العلم، ولكنه قول قل من يقول به وليست أدلته واضحة وإنما الاتجاه العام لدى معظم المجامع الفقهية ولدى معظم العلماء في العالم الإسلامي وفي العالم الغربي أيضاً من علماء المسلمين أن الإنسان القادر على الصيام عليه أن يصوم ويحتسب، وهو الآن يصوم في وقت معين وربما رمضان يأتي في وقت آخر يكون في وقت البرد، والذي يعجز عن الصيام إما لمرض أو لأنه يعمل عملاً طويلاً فيشق عليه الصوم مشقة شديدة ولا يستطيع أن يعمل مع الصوم أو ما أشبه ذلك فإن له أن يفطر لهذا العارض وهو المشقة الشديدة أو المرض ويقضي كما قال الله تعالى: {فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة:184] أما أن يصوم مثلاً من النهار 12 ساعة بالنظر لتوقيت مكة أو بالنظر إلى أن النهار والليل متعادلان أو بالنظر إلى أقرب بلد إسلامي فهذا رأي وإن قال به بعض أهل العلم إلا أنه قول مرجوح. 

عثمان عثمان: ما قلتموه فضيلة الدكتور ربما ينطبق أيضاً على البلدان التي يظهر فيها نهار واضح وليل واضح ولكن هناك بعض البلدان ربما يختلط فيها الليل والنهار يعني لا يتبين الليل بشكل واضح.

سلمان بن فهد العودة: أما تلك البلاد التي لا يكون فيها ليل ونهار متلاحقين فهذه البلاد لا شك أنها استثناء لأنه لا ينطبق عليها أصلاً الحكم الشرعي في قوله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة:187] فهذه المناطق ليس فيها فجر وليس فيها ليل ولذلك هذه المناطق لا بأس أن يحذو أهلها حذو توقيت أقرب بلد إسلامي إليهم.

عثمان عثمان: هناك أيضاً العديد من الأسئلة جاءت حول مسلسل يبث الآن على بعض الفضائيات اسمه مسلسل عمر والحديث فيه عن تجسيد شخصيات الصحابة عامة والخلفاء الراشدين خاصة، طبعاً من عدة سنوات كان هناك مؤتمر عقد في الدوحة لمعالجة هذه المسألة باختصار فضيلة الدكتور؟ 

سلمان بن فهد العودة: صحيح وكثرت الأسئلة عندي في موقع twitter وفي وسائل كثيرة باعتبار أنه سماحة الشيخ يوسف القرضاوي والعبد الفقير والدكتور أكرم ضياء العمري والشيخ علي الصلابي والشيخ عبد الوهاب الطريري والشيخ سعد مطر العتيبي نحن لجنة مشرفة على النص التاريخي، مشرفة على ضبط النص وقراءته ومراجعته وتصحيحه أما ما وراء ذلك مما يتعلق بإنتاج المسلسل ومجرياته فهذه قصة ليس للجنة بها علاقة، أما مسألة تمثيل الصحابة فهي مسألة خلافية، ومن العلماء من حرمها والذين حرموها لهم أدلتهم ولهم اعتباراتهم، وربما أرادوا أن لا يفتحوا باباً ربما يساء من خلاله إلى أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام، وهناك من أباحها من العلماء السابقين والعلماء المعاصرين، وهم عدد لا بأس به حتى أن الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله سبق عرض عليه في السبعين عرض عليه مسلسل، عرضت عليه تمثيلية عرضت أمامه في عنيزة فيما أعلم وكان فيه تمثيل الصحابة وبلال بن رباح وهو يعذب وشيء من هذا القبيل، وهو كان حاضراً والخلاف موجود في العلماء في هذه المسألة، ولذلك يقول ينبغي أن لا يكون في هذه المسألة نوع من الحدة أو الاحتقان أو سوء الظن أو ما أشبه ذلك من الألفاظ البعيدة عن جو العلمي، يدار فيها المسألة لبحث وأخذ ولا بأس أن يكون هناك راد ومردود عليه, ولكن مع حسن الظن واستحضار النية أن هؤلاء أرادوا الخير فأخطئوا بينما أنت أردت الخير فأصبت والحمد لله.. 

عثمان عثمان: إذن كانت هناك لجنة مشرفة على النص لكن الأخ مالك يقول: إذا كان التمثيل من مسائل الاجتهاد التي يصوغ فيها الاختلاف، لكن مما لا يختلف فيه اثنان مما حواه هذا المسلسل من تصوير زوجات بعض الصحابة- رضوان الله عليهن- وهن متبرجات في كامل زينتهن، يعني ضبط هذه المسائل في ظهور الصحابة إن كان البعض قال بجواز تجسيد الصحابة في التمثيل هل يمكن ضبط هذه المسائل؟ 

سلمان بن فهد العودة: نعم، يمكن ضبطها الأخ طبعاً وكثيرون يتكلمون عن شيء لم يروه بعد يعني، فهم يعتمدون على أشياء ربما قيلت حتى قبل دخول رمضان وقبل أن يشاهدوا شيء من المسلسل فهناك كلام مبناه إن شاء الله على حسن النية وعلى الغيرة لكن يجب أن يكون كلاماً صحيحاً أو دقيقاً، فعلى الإخوة أن يقولوا وأنا أقول أن أخلاقيات الاختلاف أن اختلافك مع الآخرين لا يبرر مثلاً ترويج الكلام من دون تثبت أو نشر الشائعات التي لا أصل لها من منطلق محاولة الغلبة أو كسب المعركة، كثير من الكلام الذي يقال سوف يتبخر على صخرة الواقع لأنه ليس كلاماً صحيحاً. 

عثمان عثمان: شكراً، أشكركم فضيلة الشيخ الدكتور سلمان بن فهد العودة، كنتم معنا من المملكة العربية السعودية من جدة على حضوركم معنا في هذه الحلقة، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة، لكم تحيات معد البرنامج معتز الخطيب والمخرج راشد الجديع، وهذا عثمان عثمان يترككم في أمان الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.