يوسف خطاب
محمد عمارة

يوسف خطاب: سلام الله عليكم ورحمته وبركاته أهلا بكم في حلقة جديدة من الشريعة والحياة نتناول فيها الشأن العام يقول الله تعالى:{قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}[الأنعام:162] فما مفهوم الشأن العام وما هي مجالاته، وكيف يتجلى اهتمام الفقهاء به؟ وما مدى وعي المشايخ والدعاة بمسائل الشأن العام؟ فقه الشأن العام هو موضوع حلقة اليوم من الشريعة والحياة مع المفكر الإسلامي الدكتور محمد عمارة أهلا بكم دكتور. 

محمد عمارة: أهلا بكم ومرحبا. 

مفهوم الشأن العام ومجالاته 

يوسف خطاب: دكتور نبدأ  أولا بتعريف معنى الشأن العام.. 

محمد عمارة: بسم الله الرحمن الرحيم وصلاة وسلاما على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحابته أجمعين، الشأن العام هي التدابير التي تهم جمهور الأمة، الإسلام دين الجماعة، الإمام ابن القيم يتحدث عن التدابير التي يكون الناس معها أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، إذن الشأن العام هي ما يسميه الفقهاء فروض الكفاية ما نسميه أيضا الفروض الاجتماعية وهذا الشأن العام أو الفروض الكفاية أو الفروض الاجتماعية والفرائض والواجبات الاجتماعية هي أشد توكيدا من الفرائض الفردية، لأن التخلف عن القيام بأمور الشأن العام الإثم عند ذلك يقع على الأمة جمعاء، بينما التخلف عن الفرائض الفردية والعينية الإثم يقع على الفرد وحده، إذن الشأن العام هو الذي يحقق مصلحة الأمة والمقاصد من الشريعة نستطيع أن نقول أنه فقه الحياة.. 

يوسف خطاب: نعم. 

محمد عمارة: والتدابير التي تجعل الحياة حياة إسلامية سليمة، هذا معنى الشأن العام. 

يوسف خطاب: طيب يا دكتور الثورات العربية أظهرت ضعف الوعي الديني بمسائل الشأن العام وأيضا فقدان البوصلة بين الناس يعني إلى ما تعزون ذلك؟ 

محمد عمارة: يعني أولا هذا حكم يحتاج إلى ضبط لأن التعميم والإطلاق عادة يقودنا إلى خطأ، لا نستطيع أن نقول أن هذه الثورات كشفت عن ضعف في الوعي بالشأن العام، بل أن نقول بأن حركات إسلامية كثيرة، تيارات إسلامية كثيرة، تيارات إصلاحية وفكرية كثيرة، كان الشأن العام حاضرا فيها بل إن هذه الثورات هي ثمرة من ثمرات اهتمام كثير من قطاعات العمل الإسلامي والعمل الشعبي بالشأن العام، يعني أنت لا تستطيع أن تنكر أن هناك حركات وأحزاب وجماعات إسلامية وأيضا تيارات بين علماء المسلمين كان الشأن العام حاضرا لديهم، كان في هناك برامج وكان الناس يخوضون الانتخابات بناءاً على هذه البرامج، إحنا كان لدينا فكر للنهضة منذ القرن التاسع عشر وحتى الآن، إحنا نخرج في مكتبة الإسكندرية مشروع فكري اسمه فكر النهضة نخرج منه حوالي مئة وخمسين مجلد بدراسات جديدة عن فكر النهضة، إذن علماء الإسلام لم يكونوا غائبين عن الشأن العام وعن الفكر العام، من الذي يستطيع أن يقول أن الإمام محمد عبده والحركة الإصلاحية الإسلامية لم تكن تهتم بالشأن العام إحنا كان لدينا علماء يعني.. 

يوسف خطاب: طيب دكتور عذرا على المقاطعة.. 

محمد عمارة: الشأن العام. 

يوسف خطاب: قد يقول قائل لو كان الأمر كما تحدثت وتفضلت أنت به في الأيام السنوات الأخيرة تحديدا منذ رحيل الإنجليز عن مصر لما آل حال مصر إلى ما آلت إليه خصوصا في الثلاثين سنة الأخيرة؟ 

محمد عمارة: لا نحن نستطيع أن نقول إن حضور الشأن العام كان موجودا لكن التحديات، التحديات التي تواجه هذه الحركات هذه الأحزاب هذه الجماعات هؤلاء العلماء، أولا كان لدينا تحدي من فقهاء السلطة الذين يريدون فقط فقه دورات المياه الذين يبتعدون عن الفقه العام وعن الشأن العام، كان لدينا الغزو الفكري الذي يخرج علماء هم عبارة عن موظفين، إحنا كان محمد عبده عندما كان مفتيا كان يدخل على الخديوي عباس الثاني فالخديوي عباس يقول إنه يدخل علي كفرعون، كان الأفغاني يداعب الإمام محمد عبده  فيقول له قل لي: ابن أي ملك من الملوك أنت؟ لكن فرض علينا المفتي الموظف فرض علينا الذين يتحكمون في مؤسسات العلم الديني كموظفين.. 

يوسف خطاب: طيب سنأتي.. 

محمد عمارة: الغزو الفكري.. 

يوسف خطاب: نعم سنأتي على ذكر علاقة رجال الدين بالسلطة وكيفية استخدام السلطة لبعض منهم لكن أنتقل لمسائل الشأن العام من الإسلام وما هي مكانتها؟ البعض يقصر الدين على مسائل الأفراد وعلى الشعائر وعلى العبادات فقط يعني، هل يعتبر الحديث في فقه الشأن العام يعتبر تسييسا للدين؟ 

محمد عمارة: يعني أولا أنا أحيل السادة المشاهدين على موقف حجة الإسلام أبو حامد الغزالي، أبو حامد الغزالي يقول إن صلاح الدين مؤسس على صلاح الدنيا وليس العكس لأن الدين عبارة عن إيه؟ معرفة وعبادة فمن لا يؤمن على مسكنه ومأكله ومشربه وأمنه هذا ليس لديه إمكانية ولا وقت لكي تكون لديه معارف ولكي يكون لديه عبادات، يا سيدي صلاة الجائع وصلاة الخائف لا تصح لأنها ليس فيها حضور، إذن صلاح الدين صلاح أمور العبادة، المعرفة والعبادة مؤسسة على صلاح الدين، على صلاح الدنيا، على صلاح الدنيا إذن أنا أقول هناك ارتباط عضوي ووثيق بين صلاح الدنيا والشأن العام وبين العبادات وبين الفقه.. العبادات الفردية إلى آخرها، فأنا أقول إنه ليس هناك انفصام بين فقه الشأن العام وصلاح أمور حياة الدنيا لأنه من مقاصد الشريعة الحفاظ على العقل الحفاظ على الإنسان لكي يكون هناك حفاظ على الدين بدون توفر هذا الصلاح لأمور المعاش والأمور الدنيوية لا يمكن أن تتحقق مقاصد الشريعة، إذن أنا أقول موضوع تسييس الدين هذا تعبير خطأ لماذا؟ لأنه الإسلام أصول وفروع، السياسة من الفروع إذن لا يمكن أن نقطع الصلة بين السياسة وبين الدين، نحن نقول هناك سياسة شرعية ولذلك الحديث عن إنه تسييس الدين وتسييس الدين هذا خطأ، هذا كلام يريد أن يحول الإسلام إلى نصرانية تدع مال قيصر ومال الله لله، علماء الأمة على مر التاريخ كانوا يهتمون بالإسلام أصولا وفروعا، حتى المذاهب الفقهية هي من الفروع كما أن المذاهب والتيارات السياسية من الفروع، إذن أنا أقول العلاقة بين الدين والسياسة علاقة عضوية، والميزة في الإسلام أنه يعتبر السياسة من الفروع، فالخلاف فيها مشروع ولا يؤدي إلى كفر وإيمان وإنما يؤدي إلى نفع وضرر وإلى خطأ وإلى صواب، إذن العلاقة بين الدين وبين السياسة علاقة محددة ولو فهمنا هذه القضية الجوهرية هي أن للإسلام أصولا اللي هي أصول الإيمان، أصول الإسلام أركان الإسلام أصول الإحسان كل هذا الذي يتعارف الناس عليه اللي هو منطقة الوحدة بين الأمة ثم الفروع اللي هي في الفقهيات وفي السياسات وفي نظم الحكم، هذه أيضا جزء من الإسلام لكنها جزء من الفروع، لذلك العلاقة بين السياسة والدين علاقة مؤكدة ومفروغ منها في الفكر الإسلامي والحديث عن خطأ تسييس الدين هذا كلام يحول الإسلام إلى نصرانية تدعو ما لقيصر لقيصر وما لله لله، أنت قلت في المقدمة {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}[الأنعام:162] إذن السياسة والفروع والفقهيات هي جزء من الإسلام. 

يوسف خطاب: طيب دكتور إذن أنتم هل تعتبرون أن من لا يرى هذا الرأي من صفوة المثقفين والمفكرين سواء في مصر أو في دول عربية أخرى هم يعلمون بها ولا يريدون الاعتراف على اعتبار أن الأولوية عندهم هي مبدأ كما تفضلتم أنتم الفصل بين الدين والدولة وما ليقصر لقيصر وما لله لله أم أن علماء الدين والمفكرين يتحملون جزءاً من المسؤولية؟ 

محمد عمارة:  فعلا يتحملون جزءاً من المسؤولية، نحن إذا طرحنا الإسلام كأصول فيها العقائد والعبادات وفروع لكلا السياسات والفقهيات هنا نفتح الباب لإزاحة العلمانية ليه؟ لأن بعض العلمانيين حسني النية يخشون من أن تكون السياسة من العقائد كما كان قديما في الكنيسة الكاثوليكية في أوروبا أو كما هي نظرية الإمام عند الشيعة فيخشون من أن الخلاف في السياسة يؤدي إلى كفر وإيمان، إذا نحن طرحنا القضية أن هناك أصولا هي منطقة الكفر والإيمان وهناك منطقة فروع للفقهيات والمذاهب الفقهية والتعددية فيها سنة من سنن الله كما أن التعددية في السياسة الإسلامية هي سنة من سنن الله وقانون لا تبديل له ولا تحويل، إذا رأينا هذا وقدمنا هذا وقلنا أن العلاقة بين الدين والدولة، الدين والسياسة ليست الدمج الكامل حتى تكون السياسة والدولة معصومة ومقدسة وثابتة، الدين ثابت معصوم مقدس لو إحنا جعلنا السياسة والدولة دينا خالصا لذا هنثبت ونقدس ونعصم السياسة ويبقى لا خلاف فيها، يبقى أصبحنا زي أوروبا في العصور الوسطى، وإذا نحن فصلنا بين الدين والسياسة يبقى إحنا علمانية تدع ما لقيصر لقيصر وما لله لله، الحل هو النموذج الذي كتبناه هو التمييز بين الدين والدولة، التمييز بين الدين والسياسة، تكون هناك علاقة لكن ليست علاقة الدمج والوحدة وليست علاقة الانفصال، هذا كلام كتبنا فيه وكتب فيه السمهوري باشا وهو فقيه الشريعة الإسلامية والقانون الإسلامي والقانون المدني إذن أنا أقول إذا قدمنا هذه الصيغة..

يوسف خطاب: نعم. 

محمد عمارة: للعلاقة بين الدين والسياسة نفتح الباب حتى أمام العلمانيين ليدركوا أن الإسلام منهاج شامل للدين والدنيا، للدين والدولة، للدولة والآخرة، للفرد والمجموع والآخر إلى آخره دون أن يكون هناك كفر وإيمان في المسائل السياسية ومسائل الدولة ونظام الحكم 

يوسف خطاب: يعني إذا أنتم ترون أن هناك فروقا بين فقه الأفراد وفقه مسائل الشأن العام من حيث المؤهلات والتكوين وأيضا من حيث المنهج؟ 

محمد عمارة: نعم، نعم لأن فقه الأفراد، الأفراد هم الذين يكونون الأمة، يعني الأفراد هم الذين يكونون الأمة، وبالتالي إخراج الفرد من الأمة هذا لون من الخطأ وأيضا جعل الفرد منعزلا عن الأمة أو استبدال أحدهما بالآخر هذا لون من الخطأ إنما الإسلام دين الجماعة والجماعة تتكون من الأفراد يعني ربنا سبحانه وتعالى جعل الناس شعوبا وقبائل ليتعارفوا والأمة هي مجموع الأفراد، ولذلك صلاح الفرد يؤدي إلى صلاح الجماعة وصلاح الجماعة يسهم في صلاح الفرد، هذه علاقات جدلية بين الفرد وبين الأمة وبالتالي ليس هناك انفصال لأني أنا عايز أقول لا يستطيع الفرد أن يعيش حياة هانئة في جماعة غير هانئة والجماعة لا يمكن أن تكون هانئة إذا كان هناك أفراد يعني يعيشون فقرا وضنكا في هذه العلاقة العضوية والجدلية بين الفرد وبين المجموعة هذه حقيقة اجتماعية لا يجادل فيها علماء الاجتماع ولا يجادل فيها الفقه الإسلامي. 

يوسف خطاب: طيب دكتور يعني أنتم تطرقتم إلى نقطة الفرق بين فقه الأفراد وفقه مسائل الشأن العام كما تحدثنا من حيث المؤهلات والتكوين والمنهج لكن لو توضحون بصورة أكثر تفصيلا حتى تكون الفكرة أكثر وضوحا بالنسبة للمشاهد.. 

محمد عمارة: يعني يا سيدي الفكر الغربي يقوم على نظريات الصراع ونظريات الصراع تكون أحيانا صراعا طبقيا تكون صراعا بين القوميات تكون بين الأمم تكون صراعا بين الحضارات، الإسلام يرفض نظرية الصراع ويضع بدلا منها نظرية التدافع{وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ}[الحج: 40] إلى آخره، إذن التدافع حراك اجتماعي حراك اجتماعي يعالج مناطق الخلل والظلم بين الأفراد والجماعات وبين الطبقات وبين الشعب وبين الدولة بالحراك الاجتماعي الذي يعيد التوازن إلى العلاقة بين الفرقاء المختلفين، ولذلك التنوع والتعدد في إطار الأمة سنة وقانون من قوانين الله سبحانه وتعالى، التعدد في المذاهب الفكرية في المذاهب السياسية، يعني إحنا عندنا منطقة وحدة وأرض مشتركة اللي هي أصول الإيمان أصول الإسلام أركان الإسلام الإيمان بالأمور الغيبية إلى آخره، أما في الفروع في السياسات في الفقهيات فالتنوع والتعدد هذه سنة من سنن الله سبحانه وتعالى، لذلك فقه الأفراد أو العبادات الفردية هذه العبادات يعني أنا اضرب لك مثلا إحنا عندنا الصلاة دا تكليف فردي وعيني لكن عندما تقام الصلاة في الجماعة يكون الثواب فيها أكثر، إحنا عندنا الصيام عبادة سرية بين العبد وخالقه لكنها توحد الأمة في أثناء شهر رمضان وفي أثناء الصيام، إحنا عندنا الحج فريضة فردية لكن يؤدى في جماعة في مهرجان في مواكب، يأتيها الناس من كل فج عميق، إذن أنا أقول حتى العبادات الفردية وفقه العبادات الفردية لا يمكن أن يكون صحيحا إلا إذا أدى إلى فوائد ومقاصد اجتماعية، يعني الصلاة فقه فردي عبادة فردية إذا لم تنهى عن الفحشاء والمنكر لا تعتبر صلاة، الصيام فقه فردي وعبادة فردية لكن إذا لم تؤدي إلى التقوى  لا يمكن أن تكون، يعني أنا أريد أن أقول الارتباط الفقهي والعبادات الفردية والتكاليف الفردية والعينية بالفروض الكفائية والفروض الاجتماعية هذه خصيصة من خصائص الفكر الإسلامي تجمع ما بين الفرد والمجموع تجمع ما بين التكاليف الفردية والمقاصد الاجتماعية لهذه المقاصد،  الزكاة أنت تخرج الزكاة سرا بينك وبين الله سبحانه وتعالى لكنها فريضة اجتماعية ترفع الفقر وترفع العوز وترفع الفاقة عن المجموع يعني إذن الإنفاق في سبيل الله.. 

يوسف خطاب: نعم. 

محمد عمارة: له مقاصد اجتماعية. 

 علاقة علماء الدين بالسلطة 

يوسف خطاب: طيب دكتور حينما يتعلق أمر الفتوى بالشأن العام هناك اعتبارات خاصة يجب أن تؤخذ في الاعتبار يعني كاستشارة خبراء في الشأن السياسي الحرص مثلا على أن لا توظف الفتاوى لمصلحة الحاكم ضد الشعب والأمثلة واضحة في كثير من الدول العربية والتاريخ يذكر هذا أو نحو ذلك، توضحون لنا هذه النقطة. 

محمد عمارة: يعني أنا أقول الفتوى رأي وفقه الفتوى هو لون من العلوم الاجتماعية إذا لم يكن هناك ارتباط بين الفتوى وبين العلوم الاجتماعية لا يمكن أن يكون هناك مفتي بالمعنى الحقيقي، أنا سأضرب لك مثلا: الإمام محمد عبده وهو يفسر القرآن يقف أمام قول الله سبحانه و تعالى:{كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً}[البقرة:213] يقول: لا يمكن أن يفسر هذه الآية من لا يعرف التاريخ، تاريخ البشرية وتطور المجتمعات الإنسانية وتطور الأمم والقبائل والشعوب والحضارات، إذن أنت عشان تفسر القرآن لا بد أن يكون لديك خلفيات ثقافية وفكرية في فقه الحياة في فقه التاريخ، ربنا سبحانه وتعالى يقول: أنظروا كيف بدأ الخلق، الإسلام هو الدين الوحيد الذي لا يبدأ من رسالة محمد صلى الله عليه وسلم إنما يبدأ من آدم دين الله واحد والشرائع متعددة في إطار دين الله الواحد يبقى إذن لا بد من فقه الحياة فقه العلوم الاجتماعية، إحنا عندنا حاجة اسمها إسلامية المعرفة يعني إيه إسلامية المعرفة؟ يعني العلاقة بين الإسلام وبين المعارف المختلفة والمتعددة، حتى العلوم الطبيعية اللي هي حقائقها وقوانينها ثابتة فتوظيف هذه الحقائق أي فلسفة التطبيقات للعلوم الاجتماعية، يعني علم الوراثة دا حقائقه ثابتة لكن تشوه به خلق الله أم تحسن به خلق الله، كل هذه الأمور لها علاقة بالبيئة، البيئة نفسها شوف الإسلام ينظر للطبيعة وكان الإمام محمد عبده يؤثر أن يسميها الخليقة مش يسميها الطبيعة لأنها مخلوقة لله، هناك في أوروبا يقول لك قهر الطبيعة السيطرة على الطبيعة، هذا اللي أدى بينا إلى البلاء الموجود في البيئة لكن الإسلام يتعامل مع الطبيعة باعتبارها مخلوقا لله سبحانه وتعالى تسبح الله حتى ولو لم نفقه تسبيحه وتسبيحها ولذلك في مؤاخاة في ارتفاق بين هذا الإنسان وبين البيئة وبين الطبيعة، إذن أنا أقول الفتوى كعلم وكفقه لا يمكن أن تكون حقيقية إلا إذا كان صاحب هذه الفتوى وعالم هذه الفتوى على علاقة بالعلوم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والبيئية وكل هذه الأمور لأن زي ما بقول لا يمكن عزل الفتوى عن الشأن العام وأنا أقول هذه الأشياء لم يحدث لها تخلف وضرر في الفقه الإسلامي في الفكر الإسلامي في الحياة الإسلامية إلا عندما أصبنا بالمفتي الموظف الذي يفتي على مقاس الاستبداد، الاستبداد يريد أن يعزل الدين عن الحياة ومن هنا يأتي المفتي الموظف الذي يفتي على مقاس النظم الاستبدادية أما إذا رجعنا إلى أن الإسلام دين الجماعة وأن العلوم الإسلامية هي علوم متكاملة، يعني قل لي إذا لم يكن لدينا فقه لفقه الأموال فقه الأموال عندنا مباحث كتب فيها أبو يوسف وكتب فيها أبو عبيد القاسمي بن سلام ثروة، الفكر الاقتصادي في أحاديث الأموال إذا لم يكن عندنا فقه للحسبة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كل هذه الأمور لا يمكن أن تكون معزولة ولا بد للمفتي أن يكون على علاقة بكل هذه العلوم كي تكون الفتوى بالفعل فتوى حقيقية تراعي ظروف الزمان والمكان وتراعي المستجدات وتراعي التطور الذي يصيب حياة الناس في بلادنا. 

يوسف خطاب: الدكتور محمد عمارة من القاهرة سنكمل أسئلة أخرى عن موضوع الفتوى وأهميتها في إطار فقه الشأن العام لكن بعد فاصل قصير ابقوا معنا.

[فاصل إعلاني] 

يوسف خطاب: من جديد أهلاً بكم مشاهدينا الكرام مرة أخرى، وأعود لضيفي في القاهرة المفكر الإسلامي الدكتور محمد عمارة، دكتور قبل الفاصل كنا قد تحدثنا عن أهمية الفتوى، وأنها يجب أن ترتبط بالعلوم الاجتماعية أو علوم الخليقة كما اقتبست أنت عن الإمام محمد عبده، يعني هذه النقطة تحديداً تظهر أن صناعة الفتوى في الدول العربية والإسلامية تعاني من مشاكل كثيرة، لأن كثيراً من العلماء والدعاة نسبة لا بأس بها يعاني من الافتقار للإطلاع على العلوم الحياتية، العلوم الاجتماعية، وبعضهم في الأصل يقول الاهتمام فقط للعلوم الشرعية وليس لغيرها؟ تسمعني دكتور، طيب دكتور.. 

محمد عمارة: السؤال؟ 

ضرورة الاهتمام بالعلوم الشرعية والاجتماعية 

يوسف خطاب: نعم، كنت أقول فيما يتعلق بالعلوم الاجتماعية وأهمية إطلاع العلماء والمشايخ حين التصدر والتصدي للفتوى، وأهمية أن يتم الاهتمام بالعلوم الشرعية وبالتوازي معها العلوم الاجتماعية، كي تكون حياة الإنسان متكاملة.  

محمد عمارة: يعني أنا أريد أن أقول إن ألعيبه في مناهج التعليم، يعني أنت لو رأيت ما يفرض على طلاب العلم الديني من مناهج في الكليات الشرعية، ستجد أن هناك فقراً في العلم الصحيح والعلم الحقيقي، لأن أصبح هناك مجرد مذكرات لأسباب اقتصادية ولجمع الأموال ولم يعد هناك، يعني أنا أقول وأنا قلت هذا الكلام كثيراً، لماذا لا يدرس محمد عبده ويدرس شلتوت ويدرس رشيد رضا ومصطفى عبد الرازق والشيخ المراغي، لماذا لا يدرس هذا العلم الذي أنتجته هذه السلسلة الذهبية من العلماء في الكليات الشرعية، وإنما تدرس مذكرات أو إلى أخره، بل أنا أقول لك أنا درست في الأزهر إلى الثانوية الأزهرية، لاحظت أن الكثير من الكتب التي كانت تدرس لنا هي التي ألفت في العصر المملوكي والعصر العثماني، أي في عصر التراجع الحضاري، ليست كتب عصر الازدهار في الحضارة الإسلامية وليست كتب عصر الإحياء والتجديد والاجتهاد في العصر الحديث، إذن أنا أقول ما يقدم في الكليات الشرعية ويؤدي إلى تخريج المفتي وغير المفتي من علماء الشريعة، فيه نقص كبير بل فيه نوع من الغش الكثير في هذا الذي يقدم لهؤلاء الناس، لذلك إصلاح المناهج، إصلاح مناهج التعليم في العلوم الشرعية هذه مسألة أساسية لا بد أن يهتم بها كي يكون هناك إصلاح للفتوى وغيرها من العلوم الشرعية. 

يوسف خطاب: طيب دكتور، ينضم إلينا عبر الهاتف الدكتور التيجاني عبد القادر أستاذ الفكر السياسي في جامعة زايد، أهلاً بكم يا دكتور، هناك من يرى أن أساتذة العلوم السياسية في العالم العربي يعملون فقط على ترسيخ نظريات سياسية غربية بعيداً عن الواقع الاجتماعي الذي يعيشه العرب والمسلمون، لأنهم فقط يعتمدون على نظريات من أصول غربية، فقط يأخذون العلوم الاجتماعية الغربية كما هي دون أن يحاولوا تطويرها بمنظور إسلامي؟ 

التيجاني عبد القادر: ما سامع كويس آلو، آلو.. 

يوسف خطاب: دكتور تسمعني 

التيجاني عبد القادر: أنا أسمعك. 

يوسف خطاب: طيب، السؤال مرة أخرى، هناك من يتهم أساتذة العلوم السياسية في الدول العربية والإسلامية بأنهم قصروا في أن يحاولوا تطوير العلوم الاجتماعية ذات الأصول الغربية ويحاولوا تطويرها من منظور إسلامي، فقط يأخذونها كما هي، تدرس للطلاب كما هي دون محاولة ربطها بالواقع؟ 

التيجاني عبد القادر: نعم، هذا صحيح إلى حدٍ كبير طبعاً، والسبب يعود إلى أن أساتذة العلوم السياسية والعلوم الاجتماعية الأخرى كلها، لم يكونوا يعني تكويناً علمياً إسلامياً كاملاً، بل هم ذهبوا إلى العلوم الغربية مفرغين تماماً من المكون الإسلامي، ولذلك فاقد الشيء لا يمكن أن يعطيه، وهذا يعني كما تفضل الأستاذ يعني خلل كبير يعود إلى مناهجنا في الجامعات، سواء أكانت المناهج التي تدرس بها العلوم الاجتماعية والسياسية أو مناهج العلوم الشرعية، لأن هناك في فصل، لكن بين يعني هذه العلوم وتلك العلوم، ويعني ما نتوق إليه جميعاً هو أن يتم توحيد المعرفة الإنسانية، فلا ينقطع طالب العلوم الشرعية ويتفرغ تماماً للعلوم الشرعية وحدها، ولكن ينبغي أن يمهد له بمعرفة يعني بعض العلوم الاجتماعية الأساسية حتى يتعرف على قضايا المجتمع، حتى يكون مشغولاً ومؤمنا بها، وحينما يذهب إلى المصادر الشرعية يذهب وهو محمل بمشكلات المجتمع وبقضايا المجتمع، والعكس أيضاً الذي ينقطع للعلوم الاجتماعية ينبغي أن يذهب إليها وهو مؤهل ومحمل بمنهجيات العلوم الإسلامية  فيحدث التكامل بصورة طبيعية وتلقائية وتحدث عملية الإصلاح التي نتحدث عنها ونرومها جميعا، لكن هذا غير موجود الآن، وهذه واحدة من أكبر المشاكل الحقيقية يعني التي تواجهنا في الجامعات وفي المعاهد العليا. 

يوسف خطاب: طيب، في هذه الحالة هناك تقصير من قبل المؤسسات الدينية في الدول العربية والإسلامية بتأهيل طلابها فيما يتعلق بالشأن العام عموماً؟

التيجاني عبد القادر: نعم أنا أعتقد، أنا أعتقد أن هذا يعود إلى مفهوم كان سائدا لفترات طويلة هو مفهوم أن طالب العلوم الشرعية مهمته أن يحافظ على تراث الأمة، وينقله إلى الأجيال القادمة، وكذلك مؤسسات العلم، وهذا في حد ذاته جيد، ولكن في بعض الظروف الاستثنائية والطارئة مثل الظروف الراهنة، يعني لا يمكن أن.. 

يوسف خطاب: عن تصوير الواقع الذي نعيش فيه صحيح.. 

التيجاني عبد القادر: أنا لا أسمعك جيداً.. 

يوسف خطاب: حفاظنا، الحرص على الحفاظ على التراث يا دكتور من قبل المهتمين بالشأن الديني ساهم في انعزال من تخرجوا وعملوا في الشأن العام أن يكون هناك انفصال وعدم تطوير لهذا التراث، توقفنا فقط عند التراث والبحث فيه. 

التيجاني عبد القادر: هذه هي، هذا هو جانب من جوانب المشكلة التي أحاول أن أشخصها، أقول لك أن انقطاع التراث والمحافظة عليه ليس سيئا ولكنه ليس كافياً، إنما ينبغي أن يكون مع المحافظة على التراث، المحافظة على الأمة ذاتها وعلى كيانها ووجودها، نحن في هذا الظرف نواجه  مشكلة وجود الأمة نفسها وأركانها والفروض الأساسية اللي علينا هي فروض إقامة الأمة نفسها، فينبغي أن نتمسك بالتراث ولكن نتمسك أيضاً بإقامة الأمة نفسها والمحافظة عليها، فهذا هو الذي ينبغي أن يكون، ولكن يعني أنا أعتبر أن هنالك نقصا وقصورا في هذا الجانب، بالإضافة إلى أشياء أخرى كثيرة يعني هي أننا نعاني من انقطاعات ونعاني من نقص شديد في مناهجنا والتي يتكون على أساسها القادة العلميون والمفكرون لا شك في ذلك. 

يوسف خطاب: شكراً جزيلاً لك الدكتور التيجاني عبد القادر أستاذ الفكر السياسي في جامعة زايد، شكراً جزيلاً لك على هذه المداخلة، أعود مرة أخرى إلى ضيفي في القاهرة المفكر الإسلامي الدكتور محمد عمارة، دكتور لك تعليق على هذه المداخلة أو أي تفصيلة وردت فيها؟ 

محمد عمارة: نعم، نعم يعني أنا أقول الاهتمام بالتراث فريضة، ضرورة ليس هناك أمة تحترم نفسها تفرط في تراثها، لكن فارق بين أن نهاجر إلى التراث ونعيش فيه وبين أن ندرس التراث لنستلهم هذا التراث، يعني الهجرة إلى التراث هو نوع من الجمود على تيار الماضي، لكن استلهام التراث هو الذي يعيننا على البحث عن إجابات لعلامات استفهام في الواقع الذي نعيش فيه، أن أقول هناك فقه للأحكام وهناك فقه للواقع، عندما تقرأ العبقري الإمام ابن تيم تجد أنه يقول أولاً فقه الواقع، ثم نبحث للواقع عن الحكمة في فقه الأحكام، أما الذين يعيشون في القضايا النظرية والتجريدية هؤلاء معزولون عن فقه الواقع، هؤلاء يصابون بالجمود وهؤلاء يهاجرون من الحاضر إلى الماضي ومن الواقع إلى التراث، هذه واحدة، الأمر الثاني الخلل الذي حدث هو علمنة السياسة، علمنة السياسة أي الفصل بين الإسلام والدين وبين السياسة، أنا أقول الناس في أوروبا يتحدثون عن المصلحة بالمعنى البراغماتي، في الإسلام نسمي المصلحة، المصلحة الشرعية المعتبرة، نربط المصلحة بإطار منظومة القيم والأخلاق، الناس في أوروبا يتحدثون عن السياسة بشكل مطلق، لكن عندنا فن في ديننا وتراثنا اسمه السياسة الشرعية، وأنا أقول إحنا بدأنا في مصر منذ سنوات، يعني إعادة العلاقة واللحمة بين الإسلام وبين الشريعة، عندنا تراث في السياسة الشرعية، كتب فيه ابن القيم كتب فيه ابن تيمية، كتب فيه الشيخ خلاف كتب فيه الشيخ عبد الرحمن تاج، ونحن في مجلة الأزهر نصدر كتباً هدية مع كل عدد من الأعداد ننشر فيها هذا التراث، الدكتور حامد ربيع عليه رحمة الله كون مدرسة في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية فيها الآن عدد من الناس، الدكتورة ناديا مصطفى، الدكتور سيف الدين عبد الفتاح غيره وغيره إبراهيم البيومي غانم، هؤلاء خريجي المدرسة التي أسسها الدكتور حامد ربيع والتي أعادت اللحمة بين الإسلام وبين السياسة الشرعية، أصبحت السياسة سياسة شرعية، أصبحت المصلحة مصلحة شرعية معتبرة، أما الخطأ الذي أدى إلى هذا الخلل فهو علمنة السياسة يعني المصلحة البراغماتية لا علاقة لها بمنظومة القيم والأخلاق، جعلت السياسة سياسة علمانية لا علاقة لها بالشريعة، أنا أقول إحنا في حاجة إلى إصلاح المناهج لنخرج السياسي الشرعي، نخرج الراجل الذي يدرس الواقع في ضوء الأحكام والذي يعقد القران بين فقه الأحكام وبين فقه الواقع لا يقف عند فقه الأحكام معزولاً عن الواقع ولا يقف عند فقه الواقع معزولاً عن الأحكام، ده منهج إسلامي وهو ده إلي إحنا بنسميه أحياناً إسلامية المعرفة، يعني العلاقة بين الإسلام وبين المعارف العلمية في مختلف ميادين الحياة يصبح الإسلام ليس فقهاً لدورات المياه، وإنما فقه للحياة لكل ميادين الحياة. 

وظيفة العلماء التاريخية 

يوسف خطاب: طيب يا دكتور هذا يلقي يعني يزيد من التبعات الملقاة على عاتق وعاهل العلماء اليوم، والبعض يرى أن ما تبقى من دور العلماء ليس كثيراً، لأن الكلام في الشأن العام من وجهة نظر البعض هو مدخل لممارسة النصح والتقويم والتغيير وجزء من وظيفة العلماء التاريخية، لكن لا يمارس كما ينبغي نتيجة نقاط القصور التي تحدثنا فيها وأسلفنا. 

محمد عمارة: يعني القصور ليس فقط من جانب العلماء، لكن الكارثة من الاستبداد، من الاستبداد الذي يبعد العلماء عن الشأن العام، الكارثة من مناهج التعليم التي تخرج موظفين تابعين للسلطة والسلطان، ولذلك نحن إذا عدنا إلى فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلي هي أم الفرائض الإسلامية، اللي هي الفريضة الجامعة لكل ألوان العمل العام في المجتمع، وهي فريضة على أحاد الأمة و فريضة على النخبة والصفوة، ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف، أي جماعات منظمة مؤهلة، إحنا إذا عدنا إلى تراثنا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مواجهة الاستبداد، في مواجهة الحكام الظلمة، في مقاطعة العلماء لأمراء الجور والظلم والفساد والإفساد، أنا أقول لك إحنا عندنا كتاب الإحياء، إحياء علوم الدين لحجة الإسلام أبي حامد الغزالي، بعض الناس سواء كانوا علمانيين أو حتى إسلاميين، ينظرون إليه أنه مجرد كلام وعظي وكلام في الرقائق وإلى آخره، سننشر باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من كتاب الإحياء ملحق لمجلة الأزهر، لأنه كتاب في مقاومة الاستبداد في فقه المقاومة للاستبداد، أنت عندما تقرأ أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم التي يطلب فيها من العلماء أن لا يذهبوا إلى الأمراء، ويعتبرهم أنهم شر العلماء، وأن أفضل الأمراء هم الذين يذهبون إلى العلماء، أنت عندما تقرأ إن لا يصح للعالم أن يدخل قصر أو بيت الحاكم الظالم لأن هذه أرض مغتصبة، بنيت بمواد مغتصبة، ده حتى المسجد لا يصح أن يبنى على أرض مغتصبة، وإذا بني على أرض مغتصبة فلا تجوز فيه الصلاة، بل يقول أبو حامد الغزالي حتى الشارع، الشارع العام إذا كانت أرضه مغتصبة فلا يصح للناس أن تدخله، نحن أمام فقه عظيم في مقاومة الاستبداد. 

يوسف خطاب: يعني ما تفضلتم به من آراء عن ضرورة مقاومة الاستبداد حتى ولو من رأس الدولة الحاكم، من ناحية حفاظ العالم على هيبته وعدم دخوله إلى قصر الحاكم إلا في ظروف وهيئة معينة، وأن يكون مستمسكا فعلاً بحبل الله ، وأن يكون ممثلاً للرسول صلى الله عليه وسلم، برأيك هل غابت هذه النقاط عن علماء السلطة والسلطان في الوقت الحاضر، الذين حرموا أن يثور الناس للمطالبة بأبسط  حقوقهم، لقمة العيش؟ 

محمد عمارة: نعم، نعم غابت، أنا أقول العلماء يتحملون الوزر الكبير، لأنه إذا فسد العلماء فسد الأمراء وإذا فسد الأمراء فسدت الحياة وأنا أقول الحرص على المال الحرص على الجاه، الحرص على السلطان هذا يجعل الناس يقصرون ويرتكبون منكرات فيما يتعلق بمقاومة الاستبداد، أنا أقول لو نحن قرأنا كتاب: طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد لعبد الرحمن الكوافي إحنا نشرناه ملحقا لمجلة الأزهر، الناس في الثورة، ثورات الربيع العربي قالوا لنا أول مرة نعرف سر البلاء الذي نعيش فيه عندما قرؤوا طبائع الاستبداد لعبد الرحمن الكوافي، هذه ثقافة غابت عن علماء الدين وغابت عن المثقفين بشكل عام. 

يوسف خطاب: دكتور معذرة على المقاطعة، قد يقول قائل إن ما ورد في كتاب الكواكبي مردود عليه، لأن هناك من أفتى بتحريم التظاهر، هناك من وقف ضد الثورات العربية واستندوا إلى اعتبارات دينية أن التظاهر فتنة، استندوا إلى مبدأ سد الذرائع، مبدأ طاعة ولي الأمر بصورة مطلقة، فضلاً عن المستندات السياسية الأخرى التي تسوقها الأنظمة من ناحية الحديث عن التآمر والدعوة للتحاور مع النظام القائم واتهام المتظاهرين بأنهم حثالة ويقومون بأعمال تخريبية إلى غير ذلك؟ 

محمد عمارة: يا سيدي أنا كتبت كتاباً عن الإسلام وحقوق الإنسان ضرورات لا حقوق، نشر في عالم المعرفة سنة 85، وكتبت أول كتاب عن ثورة 25 يناير اسمه ثورة 25 يناير وكسر حاجز الخوف، أنا في كتاب الإسلام وحقوق الإنسان عقدت فصلاً للرد على من أسميتهم شبهات علماء السوء، هؤلاء يتنكرون للحقائق الإسلامية، القرآن لم يرد فيه مصطلح ولي الأمر وإنما ورد فيه مصطلح أولي الأمر أي القيادة الجماعية، ثم من هو ولي الأمر الذي تريدون طاعته وهو لم يأت بالشورى، والشورى فريضة إسلامية، ابن القرطبي ينقل عن مفسرين للقرآن في قضية الشورى يقول: الشورى من قواعد الشريعة، قواعد الشريعة وعزائم الأحكام يعني ليست رخصة، ومن لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب وهذا مما لا خلاف فيه، هؤلاء المطايا الذين يريدون تأييد ولي الأمر الذي جاء بالدبابة، جاء بالانقلاب، جاء بالتغلب، إحنا عندنا فن في السياسة الإسلامية رفض سلطة المتغلب، القيام ضد سلطة المتغلب، إذن أنا أقول أن هؤلاء لم  يفقهوا الإسلام، إنما هؤلاء صنعت عقولهم بمناهج الاستبداد وأصبحوا من أهل الجمود والتقليد، لم يقرؤوا  تيارات الفكر الإسلامية، الإسلام ثورة غير وجه الدنيا غير اتجاه التاريخ، غير معنى الحضارة، أعاد صياغة الإنسان، يعني الصحابة يقولون أنهم بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، شوف الرسول على المنشط والمكره وأن نقول الحق في كل وقت وفي كل آن، يعني حتى في حضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت الشورى واجبة وملزمة، الرسول يقول لأبي بكر وعمر لو اجتمعتما في مشورة ما خالفتكما هو المعصوم ورئيس الدولة لكنه ينزل عن الشورى، الرسول صلى الله عليه وسلم وهو رئيس الدولة لا يعين أميرا للجيش إلا بشورى الأمة، يقول (لو كنت مؤمراً أحداً دون مشورة المؤمنين لأمرت ابن أم عبد) عبد الله بن مسعود، لا يستطيع أن يعين أميراً  إلا بالمشورة، أما هؤلاء العلماء الذين أصبحوا مطايا لنظم الاستبداد ولنظم القهر والديكتاتورية لا علاقة لهم بهذا الفكر الثوري الذي جاء به الإسلام، يا سيدي القرآن يعلمنا أن الإسلام والرسول صلى الله عليه وسلم جاء ليضع عن الناس إصرهم والأغلال التي كانت عليهم، جاء ليحطم القيود وليس لنكون أسرى لهؤلاء الحكام الظلمة التابعين الذين استأجروا وأجروا أرض الإسلام للأجانب وثروات الإسلام للأجانب ، إذن لا بد أن نعود إلى حقيقة الإسلام لكي ندرك أين الخطأ وأين الصواب.  

يوسف خطاب: طيب إذن قبل الختام دكتور وباختصار شديد، أنتم هل لمستم من خلال متابعتكم للأمور على أرض الواقع، لمستم تغييراً في تعاطي العلماء والمشايخ، وهل هناك تغيير في مصر عن فترة ما قبل الثورة يعني هل أصبح العلماء والمشايخ تحرروا من قيود السلطان، قيود نظام حسني مبارك، أم أنهم مازالوا أسرى لبعض تلك القيود؟ 

محمد عمارة: هناك حقيقة لا بد من الاعتراف بها، الجماهير سبقت النخبة، وأنا أقول إن عندنا قطاعات كبيرة من النخبة، ليس كل النخبة، قطاعات كبيرة أصبحت النخبة نكبة، والجماهير البسيطة التي هي على الفطرة ستجدها أكثر تقدما ً من هذه النخبة،  أنا أقول لك الحواضر والمدن التي تعيش في ظل الفضائيات المملوكة لرجال أعمال كانوا يتاجرون مع إسرائيل في الحديد والإسمنت الذي كان يبنى به الجدار العازل، هؤلاء رجال الأعمال وفضائياتهم تمسخ وتنسخ وتعمل غسيل مخ للذين يقفون أمامها، بينما الناس في الريف بعيدين عن هذا غسيل المخ، أكثر قرباً من الفطرة ولذلك تجدهم في الانتخابات والاستفتاءات تجدهم أكثر قرباً من القرار الصائب، أنا أقول الجماهير سبقت العلماء ونحن ندعو العلماء، ندعو النخب سواء نخب دينية أو غير دينية إلى أن يلحقوا بهذه الجماهير وأن نعود لنكتشف حقيقة ديننا ليكون هو الآليات والأدوات التي تدعو إلى التقدم والتحضر وإلى إخراج الأمة من هذا المأزق الحضاري الذي فرض عليها والذي تعيش فيه. 

يوسف خطاب: في ختام هذا اللقاء شكراً لك دكتور محمد عمارة المفكر الإسلامي، كنت معنا من القاهرة، وأنتم مشاهدينا الكرام أشكر لكم حسن المتابعة، وهذه تحية فريق العمل منتج هذه الحلقة معتز الخطيب والمخرج منصور الطلافيح ولكم أطيب التحية مني يوسف خطاب، دمتم في آمان الله والسلام عليكم.