- الشريعة ومصالح العباد في المعاش
- ضوابط المصلحة في الشريعة

- حكم زيارة المسجد الأقصى

- تغليب المصلحة على النص

- المصالح العامة وإباحة المحظورات


عثمان عثمان
أحمد الريسوني

عثمان عثمان: مشاهدينا الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلاً ومرحباً بكم على الهواء مباشرة في هذه الحلقة الجديدة من برنامج الشريعة والحياة، يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال: 24] إن الشريعة كما قال ابن القيم مبناها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها ورحمة كلها ومصالح كلها وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن أدخل فيها بالتأويل، فما فصل المقال فيما بين الشريعة ومصالح الإنسان من الاتصال؟ وكيف تحفظ الشريعة الأنفس والعقول والأعراض والأموال؟ وأين يتنزل مقصد الحرية من مقاصد الشريعة؟ الشريعة ومصالح الإنسان موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة الدكتور أحمد الريسوني الخبير في مجمع الفقه الإسلامي الدولي، والذي ينظم إلينا عبر الأقمار الصناعية من جدة في المملكة العربية السعودية.

عثمان عثمان: السلام عليكم فضيلة الدكتور.

أحمد الريسوني: وعليكم السلام ورحمة الله، أهلاً وسهلاً.

الشريعة ومصالح العباد في المعاش

عثمان عثمان: المصالح تتعدد وتتنوع ما بين فردية وجماعية، دنيوية وأخروية، إنسانية ووطنية، أي المصالح من هذه التي ترعاها الشريعة الإسلامية؟

أحمد الريسوني: بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على سيدنا ونبينا وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحابته الأكرمين أما بعد، فالمعلوم أن الله تعالى خاطب نبيه صلى الله عليه وسلم وقال {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}[الأنبياء:107] وقال نفسه عليه الصلاة والسلام: [إنما أنا رحمة مهداه] فالرحمة، الرحمة للعباد جميعاً، والرحمة للخلق جميعاً، والشريعة كلها رحمة كما سمعنا الآن من كلام العلامة ابن القيم، فمعنى هذا أن كل ما فيه رحمة للعباد، فقد جاءت به الشريعة، وكل ما جاءت به الشريعة فهو رحمة للعباد، بل للخلائق أجمعين، ومعنى هذا أن جميع أنواع الخلائق، أن جميع أنواع المصالح، تحفظها الشريعة وهي معتبرة في الشريعة، ولا تخرج عنها مصلحة أبداَ، لا لفردٍ ولا لجماعة ولا في عاجل الأمر ولا في أجله ولا للأمة ولا للأجيال القادمة، فكل ذلك له شواهده وله نصوصه وله قواعده، فإذاً الشريعة تحفظ في أتم وجوه الحفظ، كما لا يمكن أن يتأتى في غيرها، فليس هناك نوع من أنواع المصلحة التي قد نذكرها والتي قد لا نذكرها إلا وله مكانته وحفظه في الشريعة.

عثمان عثمان: عندما نتحدث عن الشريعة ربما نتحدث عن أنواع ثلاثة، ضرورية، حاجية، تحسينية، كيف يمكن توضيح هذه المصطلحات؟.

أحمد الريسوني: نعم، هذه تقسيمات معروفه للعلماء، للمصالح لأنه حينما نقول: الشريعة جاءت بحفظ المصالح كلها وما من مصلحة إلا وهي محفوظة ومعتبرة في الشريعة، فهذا لا يعني أن هذه المصالح على درجة واحدة، وفي مقام واحد وفي مستوى واحد، بل هي على درجات، والشريعة تحفظ المصالح بحسب درجاتها، فالمصالح الأكثر أهمية هي أكثر حفظاً في الشريعة، والمتوسطة متوسطة في درجة الحفظ والتي هي دون كذلك، فلذلك قسم العلماء بحسب نظرهم في الشريعة وأحكامها بل بحسب نظرهم في المصالح نفسها، قسموا هذه المصالح إلى هذا التقسيم الثلاثي الشهير وهو أن المصالح منها ما هو ضروري، ومنها ما هو حاجي، ومنها ما هو تحسيني، فالمصالح الضرورية يعرفونها بكونها المصالح التي إذا اختلت  أو نقصت أو غابت أو انخرمت، فإن الحياة نفسها لا تنتظم ولا تستقيم، بل ربما لا تستمر، بما معناه أن المصالح الضرورية هي ما ينجم عن فقدانه الهلاك والاضطراب الشديد في الحياة، والخلل البليغ في حياة الفرد أو الجماعة، فهذه صح ضرورية تتوقف عليها الحياة نفسها، وبقاؤها واستمرارها وامتدادها، ويتوقف عليها انتظام الاجتماع البشري والحياة البشرية الجماعية، هذه كلها تعتبر مصالح ضرورية، سواء في حق الفرد أو في حق الجماعة البشرية أو الجماعة التي هي الأمة والمجتمع الواحد، كذلك هناك مصالح تسمى حاجية، والمصالح الحاجية عند العلماء: هي ما لا تتوقف عليه الحياة، لأن هذا هو الضروري، ولا يتوقف عليه بقاؤها وانتظامها، لكن تتوقف عليه سعتها ويسرها، فلذلك المصالح الحاجية  أو درجة الحاجيات هي التي ترفع الضيق والحرج والعنت عن الناس، فهذه مصالح حاجية، ومعنى ذا أن الشريعة تحفظ كل ما من شأنه وتشرع وتعتمد كل ما من شأنه أن يرفع الضيق والحرج والعنت والمشقة عن الناس.

عثمان عثمان:  مثل دكتور.

أحمد الريسوني: نعم

عثمان عثمان: نريد مثالاً على ذلك.

أحمد الريسوني: نعم، المصالح الحاجية، لأن الأمور مرتبطة أعطي مثال ليوضح المراتب كلها، بعد أن أذكر قليلاً أن المرتبة الثالثة هي مرتبة التحسينيات وهي ما كان فيه جمال وكمالٌ وتمام وبهجة، فهذه مصالح تحسينية، وكل مصلحة في الحقيقة في هذه الحياة إلا ومنها ما هو ضروري ومنها ما هو حاجي ومنها ما هو تحسيني، فالإنسان في طعامه، الطعام الذي يقيم حياته ويحفظ سلامة بدنه وقدرته البدنية على أن يؤدي أشغاله وتفكيره ووظائفه في هذه الحياة كل ما كان كذلك من الطعام والشراب فهو من الضروريات، وما كان نوع من التوسع والتنعم والاحتياط لصحة الإنسان ولحيويته، فهذا يكون من الحاجيات، وما كان من قبيل المذاق والجمال في الأكل فهو من التحسينيات، وهكذا نقول مثلاً: السكن، السكن ما قد يكون ضروري، أي لستر الإنسان من القر والحر والمخاطر والاذائيات المختلفة، يصون نفسه ويوفر لنفسه مكاناً أمناَ فهذا ضروري، لكن أن يتوسع ليستقبل ضيوفه وليضع أغراضه ومكتبته وكل حاجياته، هذا توسع حاجي، لأنه يزيل عنه الضيق، فالإنسان قد يعيش، قد نوفر له الضروري في غرفة أو غرفتين، لكن الحاجي ما كان توسعة له ولضيوفه ولأولاده ولكل أغراضه هذا من الحاجيات.

ضوابط المصلحة في الشريعة

عثمان عثمان: أعتقد ربما هذا المثال وضح الأنواع الثلاثة للمصلحة، لكن دكتور مصطلح المصلحة، منطق المصلحة ربما هناك أخذ ورد به بين العلماء وبين شريحة واسعة من المهتمين بالموضوع، من الذي يحدد المصلحة؟ من الذي يضع معاييرها؟ هل هو العقل؟ هل هو الإنسان؟ هل هو النص؟ أم أن كل ذلك يتحكم في ضبط مفهوم المصلحة؟

أحمد الريسوني: نعم، هذه المسألة لعل أول من تناولها وفصل فيها هو الإمام عز الدين بن عبد السلام، وما دمنا في موضوع المصلحة فهذا هو إمام المصالح، إمام علم المصلحة وفقه المصلحة فقه المصالح والمفاسد هو الإمام عز الدين بن عبد السلام رحمه الله وخاصة في كتابه: " قواعد الأحكام في مصالح الأنام"، أول كتاب متخصص في موضوع المصلحة، فهو ذكر أن هناك مصالح لا تدرك إلا بالشرع وإلا بالوحي، وهناك مصالح تدرك بالعقول وبالتجارب والعادات، فإذاً كل هذه المداخل، كل هذه الموارد يمكن أن نعرف من خلالها المصلحة، أما المصالح التي لا تعرف إلا بالشرع فهي المصالح الأخروية، لولا الشرع لما عرفنا أن هناك مصلحة أخروية ومفسده أخروية، والمصلحة الأخروية هي الجنة هي النظر إلى وجه الله هي متع الجنة هي نعيمها هي مقاماتها ومفاسد الجنة هي سخط الله تعالى وعذابه وعقابه، هذه مصالح لا يمكن معرفتها إلا بالشرع وإلا بالوحي، وكذلك كثير من العبادات وما فيها من مصالح نفسية وتربوية وعقليه وروحية، الإنسان لا يهتدي إليها، أو نادراً ما يهتدي إليها، ونادراً ما يلتفت إليها العقل والحس البشري، فإذاً لا بد فيها من الشرع، ولكن المصالح الدنيوية بتعبيرنا اليوم، السياسية والاقتصادية والتنظيمية والزراعية والعلمية والطبية، هذه المصالح هي التي قال عنها إنها تدرك بالإضافة إلى إشارات الشرع وتوجيهاته، إنها تدرك بالعقول وتدرك بالتجارب والعادات، فإن الشرع لم يغلق أي باب من أبواب معرفة المصالح، نعم.

عثمان عثمان: هناك اتهامات توجه إلى فتاوى سواء أكانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية تحت مظلة الإسلام، تتهم هذه الفتاوى تحت مسمى المصلحة بأنها الشخصية، هنا كيف أميز هنا المصلحة الشخصية المعتبرة وبين المصلحة الشرعية المرفوضة؟

أحمد الريسوني: نعم، طبعاً المصالح باب واسع ومنزلق كبير حتى بغض النظر عن النظر الشرعي والموازين الشرعية فالناس حتى فيما بينهم تقديراتهم للمصالح لا تكاد تستقر على حال، فطبعاً هناك من الناحية المبدئية والنظرية، مصالح الناس، صحتهم ورفاهيتهم وحاجياتهم وتقدمهم إلى آخره، لكن حينما ندخل في التفاصيل والتطبيقات، فهذا المجال فيه منزلقات كثيرة ولذلك كما أن هناك مصالح يتفق الناس عليها، يمكن أن نقول كل اختلافات في الناس في هذه الحياة، اختلافات الدول والشعوب والأنظمة والأفراد والأحزاب والتيارات، إنما هو اختلاف على تقدير المصالح، فلذلك المصالح تحتاج أولاً إلى الميزان الأول الذي هو عصمة للإنسان هو الميزان الشرعي الذي هو المحدد الأول والأعلى والأسلم والأضمن، بعد ذلك كما ذكرت قبل قليل، العقول لكن العقول طبعاً العقول عرضه لمختلف التأثيرات والأمزجة والثقافات المختلفة، التي قد تفتح على الإنسان مزالق عديدة فلذلك العقول يجب أن تتحصن وأن تحتكم كما قال عز الدين بن عبد السلام إلى التجارب، إلى الدراسات العلمية إلى التقدير الجماعي عبر المؤسسات العلمية والمؤسسات السياسية، هذه هي الحصانات التي تمنع أو على الأقل تضيق من هوة الاختلاف في تقدير المصالح، فإذاً المصالح مرجعها أولاً إلى الشرع، مرجعها بعد ذلك إلى عقول  العلماء والحكماء والخبراء ومرجعها بعد ذلك إلى المؤسسات، فما خالف هذا من الأمزجة والأذواق وما إلى ذلك، هذه تعتبر أمور ذاتية وليست مصالح، ليست هي المصالح المعول عليها، فلذلك الشرع فيه كما قال العلماء مصالح معتبره ومصالح ملغاة وهي التي يظنها الناس مصالح وهي مفاسد وهناك مصلح مرسلة وهذه تركت أيضاً لتقدير العقول والمجتهدين من أهل الرأي ومن أولي الأمر كذلك.

حكم زيارة المسجد الأقصى

عثمان عثمان: دكتور الآن تشهد الساحة ربما جدالاً واسعاً حول موضوع زيارة المسجد الأقصى، هناك جمهور العلماء المعاصرين يقولون بتحريم هذه الزيارة لأن ليس فيها مصلحة للقضية الفلسطينية وللمسجد الأقصى هناك من يقول بعكس ذلك أيضاً انطلاقا من المصلحة كيف نوازن هنا؟

أحمد الريسوني: والله للأسف أن لا يقع اجتماع ودراسة جماعية تجمع فيها هذه الآراء حتى يظهر الشاذ بشذوذه ويظهر الرأي الجماعي، طبعاً كما ذكرتم إلى الآن إلى الآن جمهور العلماء من الأمة يرون أنه لا ينبغي ولا يجوز ولا يصح دخول فلسطين بتأشيرة إسرائيلية وبرعاية إسرائيلية وتحت الأعلام الإسرائيلية وتحت الحراب الإسرائيلية وأن هذا، يكفي لمعرفة فساده ومرجوحيته أن نعرف أن إسرائيل ترحب به ولولا أن هذا يخدمها ولولا أنها تتطلع إليه، لما كانت ترحب به وتسعى إليه وتدبره بالليل والنهار، فإسرائيل كما نعرف الكيان الإسرائيلي أهم عقدة عنده وأكبر مصلحة عنده هي ما يسميه بالتطبيع لأن مشكلته الكبرى هي عزله واستحالة اندماجه في البيئة التي غرس فيها، فإذاً أكبر مفسدة بالنسبة إليه هو أنه يعيش في بيئة معادية رافضه تماماً، وأكبر مصلحة له هي أن يذلل هذه العقبة وأن يندمج وأن يصبح مقبولاً وأن يتوافد عليه العلماء والزعماء وعموم العرب والمسلمين، فإذاً هذه الزيارة وأمثالها إذا كانت تخدم  العدو الإسرائيلي في أكبر مصلحة له وتذلل له أكبر عقبة تقف في وجهه، من هنا نعرف الموازين الكبرى والموازين الصغرى، فالموازين الصغرى هي التي تقول مثلما يقول بعض المدافعين عن هذه الفكرة إننا نرفع معنويات إخواننا نعرفهم بقضيتهم أو نتعرف عليهم مباشرة هذه أمور صغيرة جداً، لكن القضية الكبرى هي أن هذه الزيارة وأمثالها سواء أكانت للقدس أو لغير القدس، هناك أناس يذهبون حتى إلى تل أبيب ذهبوا من المغرب ومن تونس ومن عدد من الدول العربية للأسف وحتى رؤساء دول فيما سبق ذهبوا إلى تل أبيب وإلى القدس الغربية وليس إلى بيت المقدس بدعاوى متعددة ولكن الحقيقة أن هذا يخدم القضية الكبرى لإسرائيل ويذلل من طريقها العقبة الكبرى، عقبتها الكبرى هي أن البيئة المحيطة بها معادية لها وترفضها وهذه أكبر عقدة عند إسرائيل، فإذاً مثل هذه الزيارات تخدم العدو الإسرائيلي في أكبر هدف له منذ وجوده إلى الآن.

عثمان عثمان: السيد جمال الطواب من مصر يقول، قال بعض العلماء حيث ما كانت المصلحة فثم شرع الله، بينما قال آخرون حيث ما كان شرع الله فثم المصلحة، أي هاتين العبارتين الأصوب؟

أحمد الريسوني: أولاً كلاهما قول صحيح ويحتاج إلى شيء من التوضيح فحيث ما كان شرع الله فثم المصلحة فهذا ما سمعناه في نص ابن قيم وهذا ما تشير إليه الآية والحديث اللذان افتتحت بهما كلامي وهو أن الشريعة رحمة وأن هذا النبي لم يبعث إلا رحمة وأن جميع الرسل لم يرسلوا إلا رحمة وإلا فإلى أي غرض، هل الله بحاجة إلى من يعبده؟ وهل الله بحاجة إلى هؤلاء الرسل؟ لأ الحاجة الوحيدة والسبب الوحيد والحكمة الوحيدة، هي مصلحة العباد هي رحمتهم هي الحكمة لهم هي سدادهم هي رشادهم، فهذا هو الذي يجعلنا نقول بالإضافة إلى استقرائنا إلى كل أحكام الشريعة نقول: حيثما كان شرع الله فإننا نجد المصلحة ونجد الرحمة ونجد الهداية، لكن أيضاً بالمقابل حيثما ما كانت المصلحة الحقيقية فقد عرفنا أن الشرع يبحث عنها، فقد عرفنا أنه حيث المصلحة القويمة والسديدة فذلك شرع الله، ابن القيم الذي ذكرت نصه  الجليل والعظيم وهو من كتابه: "أعلام الموقعين" له نص آخر في كتابه: "الطرق الحكمية" يقول فيه ما معناه: حيثما كانت الطرق المؤدية إلى العدل وإلى الرحمة  وإلى الحكمة وإلى مصلحة الناس فتم شرع الله وتم أمره ونهيه، وهذا هو معنى هذه العبارة، إذا وجدت مصلحة حقيقية  تخدم الناس وتنفعهم فأعلم أن الله يأمر بها وإذا وجدت شيئاً فيه ضرراً على العباد فأعلم أن هناك نهي الله وهذا معنى شرعه.

عثمان عثمان: السيد أحمد بن تشفين، يسأل هل من تعارض بين المصلحة والنص؟

أحمد الريسوني: لأ أبداً أبداً، طبعاً في عقول الناس وفي إفهامهم وإفهام الناس تتفاوت، فكلما قل فهم الإنسان وكلما كان فهمه متسرعاً أو سطحياً أو فيه هواً، طبعاً قد يجد شيئاً من تعارض، ولكن الذين يعرفون الشريعة حق المعرفة ويتدبرونها ويغوصون فيها ويقلبون وجوه النظر فيها هؤلاء لا يمكن أبداً أن يجدوا تعارضاً حقيقياً بين النص والمصلحة، ولذلك فكل نصوص الشريعة مصالح وكل مصالح العباد هي أيضاً شرع لله تعالى كما تقدم قبل قليل فلا تعارض، لكن كما قلت إذا كان هناك نظر قاصر أو متعجل أو منحرف أو قصير يمكن أن يظهر له، ولكن إذا عرض هذا على أهل العلم بالشرع ومقاصده لا بد أن يرفعوا هذا التعارض وأن يبينوا أن المصلحة هي عين ما أراده النص وأن ما جاء به النص  هو عين المصلحة.

عثمان عثمان: البعض يقول دكتور إن الممارسة الاجتهادية للصحابة الكرام كانت تتخذ المصلحة مبدأً ومنطلقاً، فإذا تعارضت المصلحة مع النص بحالة من الحالات وجدناهم يعتبرون المصلحة ويحكمون بما تقتضيه، كيف تنظرون إلى مثل هذا القول؟

أحمد الريسوني: هو مما لا شك فيه، كما قرر ذلك عدد من العلماء كإمام إمام الحرمين والإمام الغزالي وابن عبد السلام من الفطاحل الكبار قرروا أن الصحابة يقيمون اعتبارا كبيراً للمصالح في اجتهاداتهم واجتهاداتهم شاهدة على ذلك وأمثلتهم شاهدة على ذلك، يعني كيف فعلوا في نصب الخليفة والتشاور في ذلك كان تدبيراً مصلحياً وحكيماً لدرجة أنهم انشغلوا عن جنازة النبي صلى الله عليه وسلم وعن الكارثة العظمى المتمثلة في فقده ومع ذلك انصرفوا إلى المصلحة التي لا بد منها وهي إقامة الخلافة بطريقة شورية وبطريقة جماعية ، وبعد ذلك اجتهدوا لقضايا عديدة قضايا سياسية وعسكرية ومالية، واجتهدوا في تضمين الصناع واجتهدوا في تدبير أمر الاختلاف الذي ظهر في القرآن الكريم بين القراءات فبادروا إلى جمع المصحف وتوحيده بين الأمة وهو ما لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، بادروا إلى كثير من الأحكام الفردية والجماعية، الفردية بالنسبة إلى بعض الخلفاء، وكان سندهم في ذلك هو النظر إلى مصلحة الإسلام ومصلحة المسلمين ومصلحة هذه الأمة الفتية الناشئة، فلذلك قرر العلماء أن الصحابة فعلاً كانت المصلحة، ولكن المصلحة الحقيقية وليس هواً وليس فسقاً وليس انحلالا، كانت المصالح الحقيقية أحد مناراتهم الهادية والمنيرة، فهذا كله صحيح لكن بكل تأكيد كانت النصوص هي المؤسسة حتى لهذه المصالح وحتى النظر المصلحي إنما كان يستند إلى النصوص ولذلك ليس هناك عند الصحابة تعارض بين النصوص والمصالح، وإنما عندهم جمع ودمج بين النصوص والمصالح، فإذا وجدوا أن نصاً ما في ظرف من الظروف قد يؤدي أو قد لا يؤدي المصلحة المقصود به فإنهم يعرفون أن المصلحة المقصودة لا بد أن تحفظ، وأن النص لا بد أن يفهم ويقيد بما تقتضيه المصلحة، فهذا قصارى ما هنالك.

عثمان عثمان: من هنا أسأل فضيلة الدكتور ما حقيقة وتفسير ما يقال عن تقديم عمر رضي الله تعالى عنه للمصلحة على النص في مسائل مثل إلغاء سهم المؤلفة قلوبهم، إيقاف تنفيذ حد السرقة في عام المجاعة، كراهية الزواج من الكتابيات مع إباحة القرآن لذلك أسمع الإجابة إن شاء الله بعد أن نذهب إلى فاصل قصير، فابقوا معنا مشاهدين الكرام نعود إليكم إنشاء الله بعد الفاصل.

[فاصل إعلاني]

تغليب المصلحة على النص

عثمان عثمان: أهلاً وسهلاً بكم مشاهدينا الكرام، من جديد إلى حلقة هذا الأسبوع من الشريعة والحياة، وهي بعنوان الشريعة ومصالح الإنسان مع فضيلة الدكتور أحمد الريسوني الخبير في مجمع الفكر الإسلامي الدولي والذي ينظم إلينا مجددا عبر الأقمار الصناعية من جدة في المملكة العربية السعودية، فضيلة الدكتور هناك مسائل وردت فيها نصوص سيدنا عمر رضي الله عنه ربما قدم فيها المصلحة على النص كما يقول البعض، ما حقيقة ذلك وكيف يمكن تفسيره؟

أحمد الريسوني: أولاً فعلاً سيدنا عمر أمير المؤمنين الخليفة الراشد الصحابي المجتهد وإمام المجتهدين في هذه الأمة، راعى المصالح في هذه الاجتهادات كما راعاها في جميع اجتهاداته وهذا شأن جميع المجتهدين، هذا أولاً، وثانياً: هذه الأمثلة وهي أمثله شهيرة وأمثلة يكثر إيرادها واستشكال ما قد يستشكله البعض فيها ولذلك تحتاج إلى شيء من التوضيح في حد ذاتها ماذا فعل عمر في هذه الأمور؟

عثمان عثمان: تفضل.

أحمد الريسوني: أولاً بالنسبة للمؤلفة قلوبهم معروف أنهم كونهم في مصارف الزكاة أن مما يأخذون الزكاة المؤلفة قلوبهم، والمؤلفة قلوبهم هم ناس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وبمقتضى هذه الآية، آية مصارف الزكاة يعطيهم من الزكاة تقريباً لهم وتأليفاً لهم ودمجاً لهم في الكيان الإسلامي وأحياناً درءاً لشرورهم، لأن المؤلفة قلوبهم قد يكونون مسلمين في بداية إسلامهم وقد يكونون غير مسلمين، فغير المسلمين يدرأ شرهم وقد يكونون منافقين أو حتى مشركين فيعطون لدرء شرهم عن المسلمين، وقد يكونون حديثي عهدهم في الإسلام وضعيفي الإسلام فيتألفهم ريثما يندمجون في الإسلام ويندمجون في المجتمع الإسلامي، فعمر رضي الله عنه ووافقه على ذلك جمع الصحابة، أن أشخاصاً بأعيانهم ممن كانوا يأخذون من زكاة تحت هذا البند وتحت هذه الغاية انتفت علة إعطائهم، فالإسلام أصبح في غنى عنهم، والإسلام أصبح يملأ الجزيرة العربية بحيث لا يسير عربي إلا أن يكون تلقائياً مندمجاً بين المسلمين وبين مجتمع الإسلام، بحيث لم يعد هناك فائدة ولا ضرورة ولا داعٍٍ لإعطائهم فأوقف إعطاؤهم، هل هو إيقاف نهائي ومؤبد؟ هذا محل خلافٍ بين العلماء إلى اليوم عبر العصور، هناك من يرون أن تأليف المؤلفة قلوبهم، إنما يتعلق ببداية الإسلام ريثما يترسخ وريثما يتجاوز مرحلة الخطر، مرحلة الخطر بالنسبة للإسلام لم تعد قائمة نهائياً، فالإسلام قائم ومنتصرٌ وقوي إلى يوم القيامة، فلم تعد الحاجة نهائياً للمؤلفة قلوبهم.

عثمان عثمان: وماذا عن إيقاف حد السرقة في عام المجاعة، باختصار؟

أحمد الريسوني: أما إيقاف حد السرقة في عام المجاعة فهو تطبيق للنصوص وليس مخالفة للنصوص، فأولاً الله تعالى كما هو معروف قال {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ }[البقرة: 173]، فإذاً المضطر لا إثم عليه، فكيف تقطع يده وهو لا إثم عليه، ليس عليه سيئة واحدة، المضطر إذا أخذ ما يأكل وإذا أخذ ما يدفع ضرورته، سواء أكانت أكلاً أو غيره قد يكون مأجوراً لأنه عمل على إنقاذ نفسه، وعمل على إنقاذ بدنه، فإذاً الله تعالى رفع الإثم نهائياً ورفع اللوم والمؤاخذة نهائياً عن المضطر، فكيف نقطع يده؟ وكيف نعاقبه؟ فإذاً عمر عمل بالنص، فقطع يد السارق له شروط وله مقدمات إذا لم تتوفر فمن تطبيق النص ألا تقطع يده وفي الدين قاعدة معروفة بالشريعة وهي قاعدة أصلها حديث نبوي وأحاديث عديدة ( ادرءوا الحدود بالشبهات) نحن لسنا الآن أمام شبهة فقط، بل أمام يقين أن هذا لا يستحق أن يقام عليه الحد، ويكفي أن العلماء يقولون عمر لم يقطع الأيدي في عام الرمادة، وعام الرمادة هو عام قحط وجذب ومجاعة كبيرة استمرت عدة سنوات وإن كان يقال عام الرمادة فهي في الحقيقة سنوات، أقلها تقديراً يقال أنها سنتان وهي الأشد وإلا فقد استمر هذا الجفاف وهذه المجاعة لعدة سنوات حتى أن عمر كما هو معروف حرم على حرم بهذا اللفظ يذكر، حرم على نفسه السمن وحرم على نفسه اللحم، واكتفى بالزيت وبأقل ما يمكن، قال إلى أن يحيا الناس وإلى أن يأكل الناس وإلى أن يشبع الناس، هذه الحالة كيف تقطع الأيدي؟

عثمان عثمان: إذاً سنرجع للحديث في موضوع إيقاف الحدود، ولكن بعد أن نأخذ الدكتور عبد النور بزا، باحث الدراسات الفقهية من المغرب، السلام عليكم فضيلة الدكتور.

عبد النور بزا/ باحث في الدراسات الفقهية: السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

عثمان عثمان: تفضل دكتور.

عبد النور بزا: بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أخي الدكتور أحمد الريسوني حفظه الله، وأخي عثمان عثمان حفظه الله، نعم أخي الكريم، السؤال المطروح.

عثمان عثمان: تفضل نتحدث الآن عن الشريعة ومصالح الإنسان، أنتم لكم كتاب في هذا الموضوع.

عبد النور بزا: نعم أخي الكريم، صدر لي كتاب بعنوان: "مصالح الإنسان.. مقاربة مقاصدية" وهو كتاب من تقديمي أخ الدكتور العالم سيدي أحمد الريسوني وأستاذي الإمام مصطفى بن حمزة حفظه الله تعالى.

عثمان عثمان: نعم، تفضل دكتور.

عبد النور بزا: وخلاصة هذا الكتاب أن المصالح هي جوهر هذا الدين، هي جوهر الشريعة أي أن الخطاب الإلهي كله محملٌ برعاية مصالح الإنسان بكل ما في كلمة مصالح الإنسان من كلمة، سواء أكانت هذه المصالح خاصة أو عامة، فمصالح الإنسان التي قصدها الشارع لا تقتصر على المصالح الخاصة كما يذهب إلى ذلك البعض وإنما مصالح الإنسان كما يعلم كل من له صلة بالشريعة ومن له فقه في مقاصدها، أن كل علماء المقاصد تحدثوا عن المقاصد الخاصة وعن المقاصد العامة وهذا الأمر مبثوث ذكره في كتاب: قواعد الأحكام في إصلاح الأنام للعز بن عبد السلام، قواعد الأحكام في إصلاح الأنام أقول فهذا هو العنوان المحقق للشاطبي وكذلك في الموافقات.

عثمان عثمان: دكتور اسمح لي أن أنقل لك هذا السؤال السيد نوح يقول، كيف نوازن بين مصالح الجماعة ومصالح الفرد انطلاقا من كلامكم؟

عبد النور بزا: مصالح الفرد هي كل ما يتعلق بكل فرد فرد بحد ذاته، أي هو الذي يقوم بجلب مصالحه ويجب عليه أن يعتني بها كما قال الإمام الشاطبي رحمه الله وهو يتحدث عن المقاصد العينية، بحيث تحدث في هذا الأمر على أن كل إنسان يجب عليه أن يعنى كامل العناية بفكر دينه أي ما يتعلق بعقيدته وتعبده وبحفظ أهله وبحفظ نفسه وبحفظ ماله الخاص، هذا فيما يتعلق بالمصالح العينية، وكذلك تحدث الشاطبي عن المصالح الكفائية أو المقاصد الكفائية وهي المتعلقة بكل ما من شأنه أن يدخل في مجال التقدير، تقدير الشأن العام أي على مستوى الولايات العامة أي مستويات الحكم على مستوى القضاء على مستوى الأمن على مستوى الجانب التجاري، الجانب الصناعي، الجانب الفلاحي جانب الطب، جانب التعليم، جانب الهندسة، جانب العمران، أي كل ما يتعلق بالجانب العام لحياة الأمة، وهذا ما قد يغفل في الحديث عن المقاصد ولا بد من الإشارة إليه ولا بد من التأكيد عليه لأنه كما هو متفق عليه بين جميع علماء المقاصد، أن المصالح العامة مقدمة على المصالح الخاصة.

المصالح العامة وإباحة المحظورات

عثمان عثمان: شكراً، عبد النور بزا باحث في الدراسات الفقهية، فضيلة الدكتور يرى البعض الآن أن من المصلحة إباحة الخمر لترويج السياحة، والبعض يرى إباحة الزنا للترويح عن الشباب الذين لم يتزوجوا، البعض يرى أيضاً إيقاف الحدود مراعاة لميثاق الأمم المتحدة وحقوق الإنسان، هل تعتبر هذه المصالح معتبرة شرعاً؟

أحمد الريسوني: أولاً أبادل أخي الأستاذ عبد النور بزا التحية بمثلها وأشكره على تدخله القيّم وهو من المتخصصين في هذا الموضوع، وأشير كذلك إلا أن عنوان كتاب عز الدين بن عبد السلام هو قواعد الأحكام في مصالح الأنام وما ذكره الدكتور عبد النور بزا عن بعض المحققين إنما هو غلط والصواب هو العنوان الشهير من قديم وهو قواعد الأحكام في مصالح الأنام والعنوان الآخر غلط، بالنسبة لما تفضلتم به في هذا السؤال هذا يمكن أن نضعه تحت عنوان تمييع المصالح بمعنى أن المصلحة تصبح هي المزاج وهي ما ينعق به كل واحد ولا يبقى للمصالح أي ميزان علمي لا شرعي ولا عقلي ولا بأي ميزان من الموازين المعتبرة، نعم هناك من ينادون بهذه النداءات ولكن كما ذكرت وكما ذكر عز الدين بن عبد السلام في قواعد الأحكام فإن المصالح إما أن تحدد بالشرع وإما أن تحدد بالعقول وإما أن تحدد بالتجارب والعادات، ومثل هذا الكلام لا يستند إلى أي شيء وإنما يستند إلى الأمزجة، فالعقول كلها من أول الزمان إلى آخره مجمعة على أن الخمر مفسده والعقول كلها والتجار والعادات كلها تؤدي إلى نتيجة واحدة ألا وهي أن الزنا دمار وخراب، ولكن كما ذكرت كثيراً ما يعني  تذهب بعض النفوس الضعيفة مع المزاج ومع الهوى، فالعلم يقول شيئاً والشرع يقول شيئاً والعقل يقول شيئاً ومع ذلك تجد من يذهبون في اتجاهات أخرى، مثلاً الآن عقول العالم كلها من أطباء وخبراء واقتصاديين وتربويين يقولون الخمر بلاء، المخدرات بلاء، التدخين نفسه بلاء، ومن أكبر أسباب الهلاك الصحي بل هلاك الأرواح نفسها، ومع ذلك تجد من يدافعون ويروجون وينتجون ويستفيدون إلى آخره، فمعناه لا بد أن نرجع قضية المصالح إلى المصادر التي ذكرتها نقلاً عن إمام المصالح وفقيه المصالح عز الدين بن عبد السلام، وهو أنه إما الشرع وإما العقل والعلم والدراسات وإما التجارب والعادات، فإذا الإدعاء الخمر لتنشيط السياحة، الخمر هو لتنشيط الموبقات وتنشيط  الأمراض وجلب الأمراض من شتى  أنحاء العالم نأتي بها إلى المدينة الفلانية أو الدولة الفلانية، الخمور والمخدرات والزنا إنما تجمع أمراض العالم وتجمع مرضى العالم وتأتين بهم فهذه ليست من المصالح بشيء، لا هي مصلحة تنموية ولا مصلحة اقتصادية ولا هي مصلحة أخلاقية ولا هي مصلحة بأي وجه من الوجوه.

عثمان عثمان: فضلا عن أنها لا تكون مصلحة شرعية الآن بعض المسائل كمسائل الطلاق، هناك من يرى أن هذه المسألة من أهم المسائل التي تحتاج إلى إعمال المصلحة فيها واجتهادات جديدة تُراعي مصالح الناس، ألا نقف على لفظ الطلاق، أليس من المصلحة أن لا يقع الطلاق إلا بنية الطلاق وبالتالي نحفظ الأسر ونصون المصالح؟ 

أحمد الريسوني: نعم، أولاً: من حيث المبدأ، الطلاق وغيره من المعاملات ذات العلاقات لابد من أن تراعى فيها المصالح والمفاسد، لا بد أن نلتفت إلى ما فيها من مصالح فنحفظها ونجلبها ونتخذ لذلك ما يقتضيه المقام، وكذلك نراعي ما هنالك من مفاسد، فنتخذ كذلك من الاجتهادات والأحكام والتدابير ما يدرأ هذه المفاسد، من قديم اعتمد العلماء واستنبطوا من الشريعة قاعدة سد الذرائع واستنبطوا قاعدة حدوث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من فجور، ومن قديم جداً عمر بن الخطاب وهو إمام المجتهدين إمام الفقهاء المجتهدين في هذه الأمة، أدخل بعض التدابير في مسألة الطلاق ليزجر من يتسرعون في الطلاق، فإذاً التدبير المصلحي لحفظ أحكام الشرع ومقاصده في الزواج والأسرة والطلاق هذا أمر لا مفر منه، لكن قضية النية أو عدم النية طبعاً هذه المسألة تدخل في التفاصيل الفقهية ولكن مع ذلك نحن لا يمكن أن نلغي الألفاظ بدعوى النية لأنه الألفاظ لها قيمة، الناس يتعاملون بألفاظ ويتعاقدون بألفاظ ويتزوجون بألفاظ ويطلقون بألفاظ ويشترون ويبيعون بيوتهم وتجاراتهم بألفاظ، لا يمكن أن يأتي واحد يقول طلقت وأقول له ماذا نويت؟ إذا قالها بصريح العبارة فهذا يلزمه، لكن أين المصلحة؟ المصلحة هي ما يقال اليوم أن يكون الطلاق تحت رعاية قضائية وتحت رعاية تشريعية نحدثها، هذا نعم لرعاية الحقوق وزجر المتهورين، نعم هذا يجب أن يكون ضمان حقوق المطلقة ضمان حقوق الأولاد إجراء الصلح وقد أمر به القرآن قبل أي تفكير في الطلاق{ َالَّلاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ}[النساء:34] {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا}[النساء: 35] هذه كلها تدابير يجب أن يراعاها القضاء ويرعاها المجتمع هذه نعم هي التي تمنع هذا التهور في الطلاق وأن يصبح الطلاق مفسدةَ بل أن يكون في موضعه الذي أراده له الشرع.

عثمان عثمان: أيضاً في مسألة الإصلاح السياسي ربما ساد اتجاهان، الاتجاه الأول مدرسة الصبر والتسليم بالواقع، المدرسة الثانية هي مدرسة المقاومة والمعارضة السياسية، ما الموقف من هذين الاتجاهين في ظل المصالح والتجربة الثورية العربية الآن؟

أحمد الريسوني: أنا طبعاً الآن أستطيع في حدود ما يسمح به الوقت أن أقول رأي، لكن لاشك أن هذه قضية معقدة وفيها جوانب عديدة متشابكة فهذا مما يصلح فيه ويحتاج فيه إلى أن نرى العلماء ذوي الخبرة بالواقع ذوي الخبرة بالسياسة الذين يعرفون المآلات، فإذاً العلماء الذين لا خبرة لهم بالواقع ولا لهم خبرة بالسياسة وبالقوانين وبأنظمة الحكم وبالتداعيات المحلية والعالمية والقريبة والبعيدة هؤلاء لا عبرة بآرائهم، إن كان يرى هو يناسبه الصبر ويناسب جبنه وضعفه وقلة حيلته فهذا شأنه، لكن العلماء الذين يخوضون في هذه الأمور هم العلماء الخبراء بواقعهم فإذاً هم الذين يعتمد على قولهم وهم الذين يعتمد على نظرهم وتقديرهم، فتقدر المصالح من هؤلاء وتقدر المصالح من ذوي الخبرة، بمعنى أنه هنا على الفقيه أن يعتمد أقوال السياسيين من محللين وخبراء إستراتيجيين واقتصاديين وفقهاء دستوريين، فالفقيه  إذا لم يكن له أو كان له تقصير في هذه المجالات عليه أن يبتعد أو عليه أن يسأل أهل الخبرة فإذا القضية متشابكة لكن كما أشرت قبل قليل أن كثيراً مما يدعون إلى الصبر والسكون إنما يعبرون عن حالتهم وعن استعدادهم ومدى قدرتهم النفسية، والأمة لا ينبغي أن تبقى أسيرة  من كان نظره قاصراً أو كانت نفسه عاجزة أو خائفة أو جبانة أو ألف الأمان على راتبه وعلى بيته ووظيفته، هؤلاء ليسوا هم من يقدروا مصالح الأمة، فإذاً يقدرها العلماء وذو الخبرة بالمصالح والمفاسد بالنظر إلى المآلات، لأننا ننظر إلى المصالح عاجلاً وأجلاً وهذا من خصائص النظر الإسلامي والنظر الشرعي أنه يفتح عيوننا وبصائرنا وأبصارنا على المصالح البعيدة وعلى المصالح العميقة التي قد لا يلتفت إليها قصار النظر، فإذاًَ بهذا النظر ينظر في مثل هذه المسألة.

عثمان عثمان: عندما نتحدث عن المصالح ونتحدث عن المقاصد لا يفوتنا بطبيعة الحال أن نتحدث عن الحرية، أين يتنزل مقصد الحرية من مقاصد الشريعة؟

أحمد الريسوني: نعم، هنا لا بد أن أشيد بعالمين كبيرين من علماء الفقه وعلماء المقاصد في هذا العصر اعتبروا أن الحرية هي من أوائل وعظائم مقاصد هذا الشرع وهما: العلامة محمد طاهر ابن عاشور والعلامة علي الفاسي رحمة الله عليهما، فهذان عالمان معاصران وقد عاش كل منهما تجربة الاستعباد التي تعرضت له الشعوب الإسلامية من الاستعمار الأوروبي والسيطرة الأوروبية ومصادرة الحريات حرية الشعوب وليس فقط حرية الأفراد فقد عرفوا ما معنى الحرية؟ وخاضوا معارك لأجلها، فلذلك لكل منهما وهما من كبار فقهاء المجتهدين ومن كبار المتخصصين في مقاصد الشريعة، كل منهما نص على أن الحرية هي في مقدمة مقاصد الشرع، والحرية هنا تعني بأن الأمة والأفراد كذلك قادرون على أن يختاروا لأنفسهم وعلى أن يقولوا للظالم: يا ظالم وعلى أن يقولوا للمتعدين: لا وقف عند حدك هذه هي الحرية، وليست حرية الفساد أو حرية الميوعة أو حرية الانحلال، هذه ليست حرية هذا شكل آخر من أشكال العبودية للشهوات والعبودية للأنانية، فإذاً الحرية في مقاصد الشرع هي التي جاء بها الإسلام فحرر الناس من الأوهام وحرر الناس من الأغلال وحرر الناس من الفرعونية، فجعلهم أحراراً لا يعبدون إلا الله ولا يخافون إلا الله ولا يطيعون إلا الله فالطاعة المطلقة لله ولا نطيع أحداً سوى الله إلا إذا أذن الله ووفق شرع الله هذه هي الحرية التي لا يكون دين صحيح بدونها ولا تكون عبادة صحيحة بدونها ولا تقام شريعة حقيقة مستقيمة بدونها، لأن العبيد سواء أكانوا جماعة أو مجتمعاً أو أفراداً لا يمكن أن يقيموا الشريعة ولا يمكن أن يقيموا العدل ولا يمكن أن يقيموا المصالح فلذلك كان التحرر الحقيقي تحرر النفس وتحرر العقل والتحرر من الخوف والتحرر من الجبروت، هذا التحرر لا بد منه في إقامة الشريعة ولذلك فهو في مقدمة مقاصدها وهو من أمهات مقاصدها.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور هنالك الكثير من الأسئلة والمحاور التي تطرح في هذا الموضوع الشريعة ومصالح الإنسان لكن داهمنا الوقت، أشكركم فضيلة الدكتور أحمد الريسوني الخبير في مجمع الفقه الإسلامي الدولي، كنتم معنا من جدة في المملكة العربية السعودية، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة لكم تحيات معد البرنامج معتز الخطيب والمخرج خالد الخميري وسائر فريق العمل، وهذا عثمان عثمان يترككم في أمان الله ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.