- سياقات حجة الوداع من حيث الزمان والمكان
- أهمية خطبة الوداع والمرجعية فيها

- الوصايا والحقوق في خطبة الوداع

- الحج ومناقشة قضايا الأمة

- حقوق المرأة في خطبة الوداع

- صيانة الأموال والأعراض وحرمة الربا

عثمان عثمان
سلمان بن فهد العودة

عثمان عثمان: مشاهدينا الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلا ومرحبا بكم على الهواء مباشرة في هذه الحلقة من برنامج الشريعة والحياة، في السنة العاشرة للهجرة وبعد أن أكمل الله تعالى الدين وفتحت مكة، ودخل الناس في دين الله أفواجا أدى رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع، وحج معه خلق كثير من المسلمين، فخطب فيهم خطبة جامعة، وجه خلالها وصاياه الأخيرة إلى الناس، وفيها بيان جامع للحقوق والواجبات وقضايا المرجعية وغيرها، فما أهمية استحضار موضوعات خطبة الوداع اليوم، وكيف يمكن للحج أن يؤدي رسالة عالمية، خطبة الوداع وصايا وعبر، موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة الدكتور سلمان بن فهد العودة، الأمين المساعد للإتحاد العالمي لعلماء المسلمين، والذي ينضم إلينا عبر الأقمار الصناعية من مكة المكرمة، مرحبا بكم فضيلة الدكتور وتقبل الله طاعتكم.

سلمان بن فهد العودة: مرحبا بك، ومساك الله بالخير وكل عام وأنتم بخير وتقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال، ويعني حجا مقبول للمسلمين جميعا الذين كتب الله لهم الوقوف بعرفة، إحنا جئناكم اليوم من منى، أتيتكم راجلا على الأقدام كتجربة جديدة وجميلة.

عثمان عثمان: كيف كانت؟

سلمان بن فهد العودة: وكنا في المخيم أيضا يعني مع شيخكم شيخ الشريعة والحياة، وشيخنا الشيخ يوسف القرضاوي كان معنا في المخيم.

سياقات حجة الوداع من حيث الزمان والمكان

عثمان عثمان: حجة الوداع فضيلة الدكتور، كانت أكبر مؤتمر إسلامي جامع في حياة النبي عليه الصلاة والسلام، يعني في هذه الخطبة وجه بيانا جامعا للأمة أيضا، يعني، السياقات التي جاءت فيها حجة الوداع من حيث الزمان والمكان.

سلمان بن فهد العودة: نعم، بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه أجمعين، هي حجة الوداع هي الحجة الوحيدة للرسول عليه الصلاة والسلام بعد البعثة وكانت في آخر عمره ولعل هذا سر من أسرار الله سبحانه وتعالى أن يختم حياة النبي صلى الله عليه وسلم بالحج باعتبار أن حياته كلها كما قال ربنا جل وعز }قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}]الأنعام: [162ففي السنة التاسعة ذهب أبو بكر رضي الله عنه بالناس في الحج وتبعه علي بن أبي طالب؛ من أجل أن يعلن للناس ألا يحج بعد هذا العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان، وفي السنة العاشرة حج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان هناك سياقات حقيقية زمنية ومكانية لهذه القصة الرائعة الجميلة، ممكن نلاحظ أن النبي عليه السلام خرج في الخامس والعشرين من ذي القعدة من المدينة، مثلما تفضلت في مقدمتك، كان معه أكثر من مئة وعشرة آلاف إلى مئة وخمسة وأربعين ألف، حسب اختلاف التقادير، وهذا حشد هائل قلما ربما من النادر أن يجتمع في مثل تلك الأوقات في جزيرة العرب، فيما يتعلق بالزمان طبعا، عندك الأشهر الحرم كان العرب يتلاعبون فيها إذا احتاجوا إلى انتهاك حرمة الشهر أجلوه، وترتب على ذلك أن اختلف التوقيت العربي، حتى يقال أن الحجة التي حجها أبو بكر رضي الله عنه كانت في ذي القعدة، واختار الله لنبيه صلى الله عليه وسلم أن يؤجل الحج إلى السنة العاشرة وهي التي وافق فيها الحج التاريخ الحقيقي والتقويم الحقيقي ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في حجته يقول في الخطبة، أن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض السنة اثنتا عشر شهرا إلى أخر ما قال عليه الصلاة والسلام، هنا قداسة الزمان إذن، وما يتعلق بالمكان طبعا عنك دوائر عدة دوائر دائرة منطقة الحرم أو الواسعة أو منطقة المواقيت بشكل أوسع، ثم داخلها دائرة الحرم ثم دائرة مكة المكرمة هي المدينة التي ذكرها الله تعالى في كتابه باسم بكة أو مكة، ثم دائرة الكعبة ذاتها التي هي يعني مقصد ولذلك الله سبحانه وتعالى قال:} ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ]{الحج:33 [والبيت العتيق هو الكعبة، فهنا حرمة الزمان وحرمة المكان اجتمعت من أجل أن يؤكد النبي صلى الله عليه وسلم على أمرين، الأمر الأول أن هذا الشعائر والمظاهر التعبدية التي جبل الناس عليها سواء المثقفون والفلاسفة والعلماء أو البسطاء والفلاحون والعامة والعاجزون من الناس، كلهم يحبون أن يكون لهم شعائر زمانية ومكانية، فاقتضت حكمة الله أن توجد هذه الشعائر أولا لتعظيم الله ووحدانيته ولذلك كان عمر يقبل الحجر ويخاطب الحجر أيضا فيقول إني أقبلك وأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولكن رأيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقبلك فقبلتك، فهنا إذن توحيد الله سبحانه وتعالى كمظهر من مظاهر الحج "لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك"، وثانيا ما يتعلق بالحفاظ على حقوق الإنسان حقوق الزوجة حقوق الأموال، الأعراض، الدماء، القريب، البعيد، التي أشار إليها النبي  صلى الله عليه وسلم في حجته.

عثمان عثمان: بطبيعة الحال في سياق هذه الحلقة سنتطرق إلى كل هذه الوصايا والحقوق بمشيئة الله، لكن ذكرتم أن النبي عليه الصلاة والسلام حج هذه الحجة كانت الأولى وكانت الأخيرة، هل لذلك من دلالة ومغزى؟     

سلمان بن فهد العودة: أعتقد نعم وبالتأكيد يعني كونها حجة واحدة هو يمكن أولا هذا الهام للمسلمين لأن الله علم سبحانه أن دائرة الإسلام ستتسع وتمتد ولذلك الله تعالى قال في محكم تنزيله } وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ{ ]الحج: [27 وهكذا تجد أن خريطة العالم كله ممثلة في الحج، من كل قارة ومن كل دولة معتبره يوجد جمع من الحجاج يأتون إلى ويأرزون إلى هذا المشعر الحرام، فمن أجل ذلك كون النبي نفسه- صلى الله عليه وسلم- لم يحج إلا حجة واحدة، هذا يدعو كثيرا من المسلمين الذين لا يتسنى لهم تكرار الحج أو التطوع فيه يجدون أن النبي نفسه- عليه الصلاة والسلام- لم يكتب له أن يحج إلا مرة واحدة، ثانيا كما ذكرت أن في ذلك اختيارا للنبي عليه الصلاة والسلام أن يكون ذلك في آخر عمره ومن المعروف أنه في يوم عرفة نزل قول الله تعالى {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا} المائدة: 3 ولم يكن بين نهاية الحج وبين وفاة النبي عليه الصلاة والسلام إلا حوالي واحد وثمانين يوما، وبعدها قبض الرسول عليه الصلاة والسلام، ففي ذلك تيسير على الناس وفي الوقت ذاته كونه- صلى الله عليه وسلم- حج في هذه السنة الأخيرة بعدما اتسعت دائرة الإسلام في الجزيرة وجاء ممثلون من كل القبائل وحضر هذا الجمع الخفير وفيهم الفقهاء والعلماء والشباب والرجال والنساء استوعب هؤلاء كثير من أعماله صلى الله عليه وسلم في الحج وهي حجة واحدة وكان صلى الله عليه وسلم يعمل ويقول للناس (خذوا عني مناسككم فلعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا).

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور النبي صلى الله عليه وسلم حج حجة الوداع منذ ألف وأربعمئة وثلاثة وعشرين عاما هجريا اليوم نحن في عام ألف وأربعمئة ثلاثة وثلاثين للهجرة، كيف كان حج هذا العام، يرسم لنا الصورة زميلنا عامر الكبيسي في هذا التقرير من مكة المكرمة.

[تقرير مسجل]

عامر الكبيسي: إن كل شيء فيها مبهر كل شيء يقول أن الإسلام نظام، مكة مهوى أفئدة الحجيج، تندفع جموعهم يوم يأتون إليها ملبين، ثم تصطف بكلمة واحدة لتكون كرجل واحد ركوعا وسجودا، تشرق شمس يوم عرفة تتصاعد في السماء، تشهد الحجيج كأنها كتاب أبيض يروي قصة الإسلام، كان النبي يرى أمة المسلمين في عرفة تلتف من حوله فيودعهم بخطبة الوداع كلمات النبي كأنها وصايا تقال اليوم، بقي جبل الرحمة يشهد على تلك الأعداد، في هذا الموسم من الحج حرص خطيب مسجد نمرة على اقتباسات من خطبة  الوداع للنبي فتحدث عن حرمة الدماء ووحدة المسلمين والتزامهم بمنهج التوحيد ودعاهم لتنمية أموالهم واقتصادهم بعيدا عن الربا الحرام، استمر النبي يوصي أصحابه ومن يأتي بعدهم هذه المرة النساء في ذلك الخضم ومع كل الحشود يذكر النبي أمته ويوصي عدة مرات بالنساء؛ يكفيك  يا عرفة من الدروس تنطلق الحشود ويبقى يوم عرفة في الذكرى في مزدلفة سيعلنون الاستعداد لرجم الشيطان رجم ما يفرقهم ويفرق وحدتهم، يأخذون حصياتهم  ويذهبون بها إلى منى وفي منى تتولد أشكال جديدة من صور التواصل بين المجتمعات والأعراق والقوميات كلها باسم الإسلام ينامون يذكرون الله يتدارسون، في منى يتعرف أناس من أقصى بلاد الإسلام إلى آخرين في وسطها وأقصاها،  كانت قضية سوريا حاضرة كذلك قضية الروهنغيا ومثلها قضية فلسطين والعراق وكل مكان أريقت فيه دماء للمسلمين، في منى مدرسة للعلم والتعارف ورجم الشيطان، تتقاطع خطوط الحجيج بعضها في إثر بعض فتنتج مفهوم الأمة، أمة المسلمين، وبتداخلها وانتظامها تنجح في كل موسم في أداء ركن الإسلام الخامس، ليتها تنجح في كل مكان كما تنجح في المشاعر المقدسة. عمار الكبيسي، الجزيرة، لبرنامج الشريعة والحياة من مشعرنا الحرام.  

عثمان عثمان: وينضم إلينا عبر الهاتف من مكة المكرمة زميلنا عامر الكبيسي، عامر هل من جديد تضيفه على التقرير؟

عامر الكبيسي: نعم، بسم الله الرحمن الرحيم السلام على الشيخ سلمان العودة، أقول أن هذا الموسم من الحج سجل أكبر رقم في تاريخ السعودية وفق الإحصاءات الرسمية كان العدد اليوم ثلاث ملايين و600 ألف حاج، وفقا للإحصاءات الرسمية وفي حقيقة الأمر أن الحجاج كما جاء في المؤتمر الصحفي عند الزوال أنا كنت في منى وكنت أشاهد كيف كانوا يرموا الجمرات كانت الأعداد مهولة امتدت الشوارع في كل الاتجاهات في يعني بشكل مهيب حتى في نهاية امتداد البصر، أكثر من ثلثي الحجيج وفقا للمصادر العامة قرروا أن يتعجلوا بالذهاب منها ويخرجوا منها فقط يعني قضوا يومين فيها وبعد ذلك يذهبون إلى مكة المكرمة في حقيقة الأمر كان هناك ملايين من الناس في الطريق اضطرت السيارات إلى أن تقف في منتصف الطريق، وكما سمعت الآن أن الشيخ سلمان العودة حفظه الله، هو أيضا  كان يمشي في الشارع حاله حال الآخرين، نحن أيضا في منتصف الطريق وقفت السيارة لا مكان ثم اتجهنا، الآن أرى الحرم، الحرم الشريف أمام عيني وهناك ملايين من الناس يعني تطوف هناك  أربع  طبقات ممتلئة كاملة يطوف فيها الناس، والصحن الشريف ممتلئ على آخره قلما أن تجد له موضع قدم على الإطلاق أيضا هناك أربع طبقات  ممتلئة تماما حتى أن الأبواب الخارجية ربما تغلق بعد قليل ليسمحوا للذين يطوفون الآن لإكمال طوافهم حتى أن صلاة العشاء من الأشياء النادرة التي حصلت اليوم أذن لصلاة العشاء وبعد ذلك أقاموا الصلاة فورا حتى يسمح للناس بسرعة الصلاة وبالطواف وبعد ذلك يخرجون، الموسم كان جيد للغاية هناك تشابك وتتداخل بين المسلمين وتعارف ومحبة..

أهمية خطبة الوداع والمرجعية فيها

عثمان عثمان: نعم، شكرا، شكرا زميلنا عامر الكبيسي كنت معنا من مكة المكرمة، فضيلة الدكتور ربما الأهم في حجة الوداع تلك الخطبة الجامعة المانعة التي كانت خطابا أخيرا للنبي عليه الصلاة والسلام إلى الأمة، في هذه الخطبة ربما تشكلت مرجعية، ما أهمية خطبة الوداع؟ وأين تكمن أهمية المرجعية فيها؟

سلمان بن فهد العودة: أقول للأخ عامر خوفني لأني أنا بعد ما أخلص منك كان في نيتي أن أذهب  للطواف والسعي.

عثمان عثمان: انتظر قليلا سيد سلمان.

سلمان بن فهد العودة: كما قلنا الأمر متاحا إن شاء الله..

عثمان عثمان: إن شاء الله..

سلمان بن فهد العودة: فيما يتعلق بموضوع المرجعية موضوع مهم يعني ، النبي  صلى الله عليه وسلم تكلم عنه في خطبته وقال إنه (تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا كتاب الله وستني) إذن هنا النبي صلى الله عليه وسلم أولا يجب أن نراعي أنه خطب في مئة وأربعين ألف، وكان الصحابة يبلغون عن النبي صلى الله عليه وسلم خطبته وفي بعض الروايات أن الله تعالى مد في صوته وفي أسماع الناس، بحيث كانوا يسمعونه مباشرة ربما كان هذا إرهاصا وإشعارا ودعوة للمسلمين أن يكون خطابهم واسعا أن يكون عالميا ممتدا بعيدا لا يقتصر على مجموعة آوية أو حزبية أو طائفية وإنما يمتد ليكون خطابا إسلاميا واسعا، وليكن خطابا عالميا أيضا، هذا جانب، الجانب الآخر أن الرسول عليه الصلاة والسلام خطب في هذا العدد الكبير، الكثيرون منهم كانوا حدثاء بالإسلام أسلموا في السنة التاسعة عام الوفود أو قبل ذلك بقليل أو بعده بقليل، لكن لا ننسى أبدا أنه صلى الله عليه وسلم أيضا خطب في نخبة  ممتازة ورائعة وعظيمة من المهاجرين والأنصار الذين أسلموا مبكرا وضحوا في سبيل الإسلام وتحملوا العناء والعنت وواجهوا وصابروا وصبروا، وتعلموا  كيف يتعاملون مع الشدائد ومع الرخاء ومع القوة ومع الضعف ومع التمكين ومع الاستضعاف ومع الغربة ومع التأهل ومع كافة الظروف، فرباهم النبي صلى الله عليه وسلم على عينه وتخلصوا من حظوظ النفس ومن مصالح الحياة الدنيا، ولذلك كانت خطبته ليست مجرد كلمات تقال، وإنما كانت تتويجا لجهد طويل خلال ثلاث وعشرين سنة، وكانت هي الوصايا الأخيرة له صلى الله عليه وسلم بينما كانت هي في الواقع أيضا هي الإعلان الأول العالمي لحقوق المسلم ولحقوق الإنسان بشكل عام، إذن أريد أن أقول أن المرجعية التي تحدث عنها النبي صلى الله عليه وسلم لا يجوز أن نتوقع أنها مرجعية فئوية أو طائفية أو أنه جمع الناس من أجل أن يقول لهم أطيعوا فلانا أو آل بيتي مثلا، مع  عظمة مكانة آل البيت والله تعالى قال } قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى] { الشورى: [23 وهو صلى الله عليه وسلم يوصي بأهل بيته خيرا، لكن الدعوة هنا كانت دعوة إلى التجمع على الموضوع على كتاب الله تعالى القران الكريم الذي هو محل إجماع من المسلمين، أولا وعلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم التي كل الوصايا سواء الوصية بالسنة أو الوصية بالشعائر أو حتى الوصية بآل البيت، أيضا نجدها في حديث النبي عليه الصلاة والسلام الذي جمع الناس كل الناس ليس من أجل أن يكرس نظاما سياسيا إقطاعيا أو طائفيا وإنما من أجل أن يكرس نظاما سياسيا عادلا، أهم ما فيه الحرص على العدل وعلى إقامة  الحقوق.

الوصايا والحقوق في خطبة الوداع

عثمان عثمان: طبعا كانت هناك وصايا كثيرة منها يعني حرمة الدماء، الأموال، الأعراض، الربا، والظلم، وحقوق، التأكيد على حقوق النساء حقوق الأزواج المساواة العدل والأخوة بين المسلمين وغير ذلك، لكن يبدو أن هذه القضايا ما زالت حتى الآن موضع انتقاص أو نقاش لماذا رأيكم؟

سلمان بن فهد العودة: هو سبحان الله يعني تلاحظ أن الرسول صلى الله عليه وسلم أولا أبرز هذه القضايا بوضوح كامل، الخطبة تقريبا كلها متمحضة لهذا الشيء، حتى أنك لا تجد في  خطبته عليه الصلاة والسلام حديثا مستفيضا عن أحكام الحج وتفاصيله ولا أحكام العبادات ولا غيرها من أحكام المعاملات، وإنما كانت الخطبة تكريسا للقيم العظيمة والمعاني العادلة، هنا أنا أسال نفسي وإخواني من الدعاة والعلماء والفقهاء والمصلحين والمتحدثين في وسائل الإعلام، أين موقع هذه الخطابات في حديثنا وما نتوجه به إلى الناس، ربما حتى الحجاج أنا كنت مثلا في زيارة للعديد من الحملات ربما أمس وقبل أمس يعني عشرات الحملات تمر عليها، فتجد أن الناس كلما أتيح لهم فرصة السؤال يتجهون تلقائيا إلى أن يسألوا عن تفاصيل الحج، حتى أدق التفاصيل بعض الأسئلة ربما يستغرب الإنسان كيف فكر هذا السائل فيها، تفاصيل الأحكام، بينما يعني تتشوق وتتشوف أن تسمع إنسانا يسأل عن قضايا الحقوق قضايا العدل سواء هنا نتكلم عن حقوق الوالدين، الحقوق الزوجية، حقوق الأولاد على آبائهم التي يغفل عنها الكثير، حقوق المواطنين، حقوق المحكوم، حقوق  الحاكم حقوق الجيران، حقوق المسلم، حقوق غير المسلم، هذه المعاني كذلك قضايا العدل الرسول  صلى الله عليه وسلم أولا جاء للخطبة متمحضا لهذا المعنى وهذا، هذه  النقطة يجب أن نتفطن لها، ثانيا الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم أيضا طرح هذه الحقوق بقضية تؤكد أنه لا يوجد أي مجال للتأويل  حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم ربط قضية الحقوق بحرمة الزمان وحرمة المكان، وقال أي بلد هذا فسكتوا حتى ظنوا أنه سوف يسميه بغير اسمه، قال أليس مكة؟ أي شهر هذا فسكتوا وظنوا أنه سيغير، سيسميه بغير اسمه، أليس ذي الحجة؟ كل ذلك يقولون بلى، ثم يقول:(( إن دمائكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام)) أين المسلم اليوم الذي يخرج من الحج وهو متخلص من العنصرية تجاه لون معين أبيض أو أسود، عرقية جنس، طائفة، قبيلة، غير قبيلة، شعب غير شعب بحيث يتعامل مع الناس كلهم بمنطلق المساواة إلا بالتقوى}إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا{ ]الحجرات: 13

عثمان عثمان: إضافة إلى هذه الحقوق فضيلة الدكتور، إضافة إلى هذه الحقوق، التي تذكرونها وطبعا ستذكر في سياق الحلقة، الأخ أبو بكر كارت يقول إذا كان بالإمكان مناقشة أطروحة عبد الرحمن الكواكبي في كتابه "أم القرى" حيث دعا إلى أن يكون الحج مؤتمرا عالميا لا تجتمع فيه فقط هذه الأجساد بل تجتمع العقول وتتلاقح الأفكار وتتجلى المشاريع الفكرية النبوية التي تأخذ بيد هذه الأمة من دركات الانحطاط لتتدرج به على سلم الحضارة يعني أريد أن أسأل الآن إلى أي مدى كانت قضايا المسلمين الحاضرة الآن، الجروح النازفة، من سوريا إلى بورما إلى فلسطين إلى غيرها، إلى أي مدى كانت هذه القضايا حاضرة في حج هذا العام؟

سلمان بن فهد العودة: فقط أضيف باختصار وبسرعة..

عثمان عثمان: تفضل.

سلمان بن فهد العودة: يعني تأكيد النبي صلى الله عليه وسلم لما يقول ((لا ترجعوا بعدي كفرا يضرب بعضكم رقاب بعض)) من هنا لم تكن القصة مجرد وصايا عابرة أو نظرية إنما فيها تكريس أنه لا مجال للتأويل هذه نقطة، نقطة أخرى كون النبي صلى الله عليه وسلم لما يضع الربا، الربا كله موضوع وأول ربا أضعه ربانا ربا العباس بن عبد المطلب، ثأر الجاهلية، دماء الجاهلية، كلها موضوعة وأول دم أضعه دم بن ربيعة ابن الحارث وكان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل، هنا قضية إلغاء التمييز الطبقي والعنصري، أنه الحج يلبس الناس هذا اللباس الذي يعني لا يجعل أحد يتميز بسلطان ولا بنسب ولا بمكانة ولا بمنزلة ولا بمال، هنا الناس يهتفون هتافا واحدا ويلبسون لباسا واحدا يتجردون من العنصرية ومن الطبقية، الحج  هكذا يجب أن يكون ولو حدث هذا ستأتي نتيجة طبيعية لما يتكلم عنه عبد الرحمن الكواكبي وغيره من المصلحين الذين أرادوا أن يكون الحج فعلا مؤتمرا إسلاميا عالميا، القضايا التي تحدثت عنها يؤسفني أن أقول هي موجود على الصعيد الفردي يعني نحن لما وقفنا بعرفة أنا ومن حولي وما أسمعه من حديث الناس ونداء الناس ربما تستطع أن تقول معظم الحجاج وقفوا بعرفة وأجهشوا بالبكاء بين يدي ربهم بشأن أطفال يقتلون في سوريا، ونساء تشرد في سوريا وشيوخ يقتلون والحياة تهدم، البيئة تدمر في سوريا أو من أجل العدوان الطائفي العنيف على المسلمين في بورما، ومن أجل معاناة المسلمين في فلسطين ربما الناس هنا يخشعون يتأثرون ويخشعون مثلما يخشعون ويتأثرون حين ينادون الله وينشدونه فيما يتعلق بذنوبهم أو أخطائهم أو حاجاتهم التي يتوسلون إلى الله أن يستجيب لها، لكن لم يكن هنا في صراحة الأمر مؤتمرات أو لقاءات واسعة وعامة بحيث يتعرف المسلمون مثلا على إخوانهم، بل بعضهم قال لي بأن الذين يأتون مثلا من بعض البلاد ولا أريد أن أسمي التي تتعرض بها المجموعات الإسلامية للاضطهاد يكونون قد جاءوا بموافقة من تلك الحكومات وبالتالي هم لا يمثلون الأقليات المسلمة المضطهدة بقدر ما يمثلون بعض الحكومات التي قامت بإرسالهم والسماح لهم بالحج.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور وحدة الشعائر في الحج وحدت مشاعر المسلمين هناك، لماذا غابت مناقشة قضايا المسلمين كما ذكرتم منذ قليل أسمع الإجابة إن شاء الله بعد أن نذهب إلى فاصل قصير، فابقوا معنا مشاهدينا الكرام نعود إليكم بإذن الله بعد الفاصل.

[فاصل إعلاني]

الحج ومناقشة قضايا الأمة

عثمان عثمان: نتابع معكم مشاهدينا الكرام من جديد حلقة هذا الأسبوع من برنامج الشريعة والحياة والتي هي بعنوان "خطبة الوداع.. وصايا وعبر" مع فضيلة الداعية الدكتور سلمان بن فهد العودة ينضم إلينا مجددا من مكة المكرمة، فضيلة الدكتور الآن القضايا الإسلامية الملحة بحاجة إلى دراسة إن لم يكن مؤتمر الحج العالمي مكانا مناسبا لمناقشة لمثل هذه القضايا سواء على مستوى العلماء على مستوى القادة أو حتى على مستوى الحجيج، عامة الحجيج، فأين يمكن أن تناقش مثل هذه القضايا؟

سلمان بن فهد العودة: هذا سؤال كبير صحيح نحن كثيرا ما نسمع كلاما بأن الحج لا يجب أن يكون مناسبة للدعاية السياسية، هذا صحيح، إذا كانت الدعاية لدولة أو الدعاية لحزب أو الدعاية لطائفة هذا صحيح، لكن القضايا الإسلامية العامة إذا لم تكن داخلة في صلب هذه المناسبة، الله سبحانه وتعالى يقول: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ}[الحج:28] المنفعة هنا للحجاج كلهم جميعا ليس لأحد دون أحد، وذلك أعتقد أنه من أهم القضايا اليوم أن يكون عند المسلمين نوع من التوافق والتخطيط الجزئي، ربما أنت قبل قليل أخي عثمان تكلمت أو أشرت إلى سوريا، والحقيقة أنه في الشأن السوري أنا عندي فكرة ودي أن أطرحها إذا كان الوقت يسمح بها..

عثمان عثمان: تفضل.

سلمان بن فهد العودة: وهي أننا نجد المعاناة السورية دخلت في البيت الآن ليس في سوريا بل في العالم الإسلامي يعني مأساة عمرها 18 شهرا تقريبا أو تزيد يوميا نحن نجد 120، 220، 300 من الشهداء، إن شاء الله أن يتقبلهم في الشهداء، هذا إن لم يكن هناك وجبات إضافية من المجازر أو من المقابر الجماعية التي تكتشف بين وقت وآخر، هنا فعلا سوريا تتعرض إلى مؤامرة كونية ولكن ليس على حكومة سوريا وإنما على الشعب السوري، وكل أحد له أسبابه الخاصة، القريب أو البعيد، هناك قضية معينة الذين قاموا في سوريا ودافعوا عن أنفسهم وطالبوا بالعدالة بطريقة سلمية أول الأمر ثم اعتدي عليهم، الله سبحانه وتعالى وعدهم بالنصر {ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ}[الحج: 60] {ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ}[الحج: 60] والنصر آت لا محالة اليوم أو غدا، أذكر هنا نقطة الحقيقة حساسة جدا أن بعض الناس من شدة ما يجدون وما يشاهدون أصبحوا يقولون أن مجرد الحديث لا يكفي، وأن مجرد الدعم المالي لا يكفي، وأن مجرد إيصال السلاح حتى لا يكفي، وأن التغطيات الإعلامية لا تكفي، إذن فما الذي تريدونه فتجد أن بعض الشباب أصبحوا يقولون: لا بد أن نذهب ونساوي إخواننا السوريين بأنفسنا وأن تسفك دماؤنا على أرض سوريا مثلما سفكت دماء إخواننا، أنا هنا أناشد وأنادي باسمي وأتمنى أن يكون الدعاة والعلماء الذين تسمع أصواتهم أن يشاطرونني الرأي بهذه القضية موافقة وغير موافقة، أن المصلحة الإسلامية العليا تقتضي أن ننادي أبناءنا من الشباب الذين يذهبون إلى سوريا سواء كانوا ذهبوا كمجموعات ومن ذلك ما يعرف إعلاميا بتنظيم القاعدة أو غيرهم من التنظيمات ونحن وإن كنا نختلف معهم ابتداء في الرؤيا والإستراتيجية منذ البداية التي اتجهوا إليها، إلا أن هذا لم يمنع بأن نناشدهم وأن نناديهم بحق الإسلام والإيمان وبحق الشعب السوري أن ينصتوا إلى هذا النداء وإلى هذا الصوت أو كانت الدوافع لهؤلاء الشباب دوافع فردية وحماس ذاتي ليس مرتبطا بغيره، أما من المصلحة الإسلامية المؤكدة أن لا يدخل أحد من غير السوريين كمقاتل إلى جانبهم داخل سوريا لأسباب أهمها: أولا أن النظام السوري يقول في منظومته الدعائية دائما بأنه لا يقاتل شعبه وإنما يقاتل كما يسميهم إرهابيين قدموا من بلاد أخرى مثلا من مصر من اليمن من الخليج أو من أي بلد آخر، وهو يريد أن يلاحقهم أو يقاتلهم، هذا أولا، فلا نريد أن يجد هذا النظام ذريعة بعدد لو كان قليلا أو محدودا، الأمر الثاني أن وجود هذا العدد القليل من الإخوة لم يغير في مسار المعركة، والناس لا يحتاجون رجالا وإنما يحتاجون دعما ويحتاجون إسنادا إلى ظهورهم ورعاية لأهاليهم وأسرهم من بعدهم ودعما ماديا ومعنويا ومع ذلك وجود هذا العدد القليل والمحدود من الشباب يجعل كثيرا من الحكومات والدول حتى العربية فضلا عن الأوروبية والأميركية تحجم وتتردد في الدعم وتتوقف مثلا عن إيصال كثير من ألوان الدعم الذي يحتاجونه خشية أن يصل إلى أيدي الآخرين الذين قد يصنفونهم بأنهم أعداء، وهكذا نكون أردنا الخير ولكن ربما تسببنا في حجم معونات يمكن أن تصل إلى هؤلاء الإخوة تغير في مجرى المعركة..

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور لكن ربما..

سلمان بن فهد العودة: يعني أنا قلق منها وأتمنى إن يكون هناك تركيز عليها وإيصال هذا الصوت بقدر المستطاع يعني..

عثمان عثمان: ولكن كيف يرد على من يقول بأن الأمة الإسلامية هي وطن واحد وبالتالي هم يقومون بواجب الجهاد في سوريا انطلاقا من خلفيات شرعية وفقهية؟

سلمان بن فهد العودة: وهو يعني قصة أن الأمة وطن واحد لا يعني أننا ألغينا الواقع  المشهود، الشيء النظري أن المسلمين أمة واحدة لا يعني إلغاء الاعتبارات القائمة والموجودة في الإسلام، يراعي ما هو قائم وموجود زد على ذلك أنه حقيقة نحن من منطلق كوننا أمة واحدة ووطن واحد نحن ننادي لأن هذا الكلام الذي أقوله إذا كان صحيحا وهو في تقديري ونظري صحيح أن وجود هذا العدد من الإخوة لم يؤثر في مجرى المعركة وهو سيعطي ذريعة للنظام أن يتحدث عن إرهابيين تسللوا وليس شعبه، سوف يجعل دول العالم حتى الدول العربية نفسها تحجم عن الدعم لأنها تواجه مشكلات من هؤلاء الشباب أحيانا في بلادها، فمن المصلحة أن نتفق على أن القضية السورية دعوها تكون للسوريين كأناس يواجهون النظام الفاسد في بلادهم وأن يكون دورنا دعمهم بالدعاء وبالمال وبكل ما يمكن من الوسائل التي يحتاجونها والتي ربما نوصلها إليهم ونحن بعيدون أفضل من أن نقترب منهم وقد يكون القرب أحيانا سببا في وجود نوع من الاختلاف لأن هناك اختلاف في التربية والثقافة والمشرب والمذهب والرؤية..

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور نريد أن نعود إلى خطبة الوداع وما فيها من وصايا ولكن قبل ذلك أنقل سؤال السيد جمال الطواب: في حجة الوداع أكد النبي عليه الصلاة والسلام على حرمة الأنفس والأعراض والأموال، ألا ينسحب ذلك على بلاد الربيع العربي من فوضى وقتل وتعطيل للإنتاج وإهدار للأموال؟

سلمان بن فهد العودة: والله هذا سؤال خطر في بالي أنه قد يوجه هذا السؤال، وأنا بصراحة أؤثر حينما أتكلم أؤثر حينما أتكلم عن القضايا الجوهرية مثل حرمة الدماء والأنفس والأموال أن نقررها من الناحية الشرعية البحتة بعيدا عن الملابسة ببعض الأمور الواقعية الملتبسة ولكنني أقول أن الأصل الذي نشهده في دول الربيع العربي أن الشعوب قامت تطالب بحقها المشروع وبطريقة سلمية، هذا تجده مثلا في تونس وفي ليبيا وفي اليمن وفي مصر وفي سوريا أيضا، فهي قامت تنادي بحقها المشروع والأصل أن هذه الدول هي محكومة بعقد اجتماعي بين الحاكم وبين المحكوم وهو أمر أيضا قرره النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته، وقرر يعني مساواة الناس والحقوق والواجبات، فلما واجهت الحرب وواجهت العدوان وواجهت القتل، هنا الله سبحانه وتعالى قال: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ* الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ }[الحج: 39-40]  فهؤلاء الناس الذين حملوا السلاح هم لم يحملوه ابتداء إنما حملوه لما وجدوه أن مظاهراتهم السلمية وُجهت بالدبابات والآن تواجه بالطائرات كما نجد في سوريا، الحالة التي لا أجد لها مثلا ونظيرا إلا عندما وقع في البوسنة والهرسك حينما كان الصرب والكروات يقصفون المسلمين في سربنيتشا وغيرها تحت رعاية الأمم المتحدة التي صادرت أسلحة المسلمين بحجة أنها سوف تحميهم ثم تركتهم للوحوش الضارية.

حقوق المرأة في خطبة الوداع

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور يعني قضية محور النساء كان له أيضا حيز واسع في خطبة النبي عليه الصلاة والسلام واليوم بعدما يزيد عن الألف عام يلاحظ بأن هذه الوصايا بشكل عام الوصية بالنساء بشكل خاص ربما لم تترجم عمليا في حياة المسلمين مما دفع بعض الجهات إلى أن ينشئوا ما يسمى بمنظمات الدفاع عن حقوق النساء أو غير ذلك كيف ترون الصورة هنا؟

سلمان بن فهد العودة: سبحان الله أمس كان عندنا ندوة مثلما ذكرت لك ندوة أنا والشيخ يوسف القرضاوي نحن ضيوف على رابطة العالم الإسلامي وبالمناسبة الشيخ يوسف ليلة المزدلفة تلقى اتصالا من الدكتور محمد مرسي وسلاما ودعاء وتطمينا وحديثا مستفيضا فيه لفتة ومبادرة يعني كان الشيخ مرتاحا لها، المقصود كنا في لقاء وحوار وكان من ضمن الحوار موضوع، إحدى الأخوات سألت عن القضية، فكان لما ذكرته أننا اليوم كخطاب إسلامي حينما نتكلم عن قضايا الحقوق سواء حقوق الإنسان أو حقوق الناس أو حقوق المرأة على وجه الخصوص، نخلط صراحة خلطة أرجو أن لا يكون متعمدا ما بين شريعة الله النازلة من السماء وتقريرات النبي صلى الله عليه وسلم المحكمة الصحيحة وما بين موقعنا المعاش الاجتماعي، كل مؤمن ومسلم يؤمن بأن شريعة الله حق { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ}[الأحزاب: 36] لكن يجب أن نقول أن واقع المجتمعات الإسلامية في عدد من القضايا الاجتماعية مثل قضية العنصرية فيما يتعلق بالأنساب مثل قضية المرأة التي تسأل عنها، هذا الواقع يعني فيه نوع من الالتباس فيه تأثيرات إسلامية واضحة وقوية وجلية وإلى جوارها بعض التأثيرات الجاهلية مثل الطعن بالأنساب والفخر بالأحساب فيما يتعلق بالنساء هناك حالات عضل للمرأة وحرمانها من الزواج كثيرة جدا وتدخل من الإخوة ومن الأقارب حتى أحيانا أقول حتى الخادمة في البيت يمكن أن تبدي رأيها في العريس المتقدم والخطيب، هناك أيضا حرمان الناس من الميراث في بعض البيئات العربية، هناك حرمان للنساء من العمل، العمل المشروع الذي يناسب طبيعة المرأة وإمكانياتها المعرفية وشهاداتها التي حصلت عليها، حرمان لها من التملك في بعض الأحيان، حرمان لها حتى ببيئات إسلامية على وجه الخصوص هناك ما يسمى بجرائم الشرف، أكثر من خمسة آلاف امرأة تموت سنويا بالقتل وبصب الأسيد عليها مثلا أو بالدفن {وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ* بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ}[التكوير:8-9] وهذا في المجتمعات العربية حتى المسيحية..

عثمان عثمان: إذن هذا أنت تقول أن هذه عادات وتقاليد لا علاقة للإسلام بها.

سلمان بن فهد العودة: هي طبعا، هذه ثقافة، ثقافة موروثة ولذلك أنا قلت توجد عند المسيحيين وعند المسلمين ربما هي لها طابع قبلي أو طابع عربي حتى المسلمون موجودون حتى في أوروبا في فرنسا في بريطانيا في كندا، هناك حالات وقفت عليها وحالات موثقة أنه قد يكون هناك قتل أو ما أشبه ذلك لمجرد أن هذه البنت خرجت عن المألوف أو أرادت أن تختار زوجا أو ربما قصرت في الحجاب مع انه يجب أن نقول من الناحية الشرعية حتى أن البنت ارتكبت ما يوجب الحد الذي يقيم الحد ليس هو الأب، ولا أي فرد عادي، ولكن هذا الأمر موكول إلى القضايا السلطانية والأحكام السلطانية وليس من حق أحد كائنا من كان أن يفتأ بهذا الموضوع يعني.

عثمان عثمان: أيضا دفع الظلم وإقامة العدل من القضايا الأساسية التي ركز عليها النبي عليه الصلاة والسلام في خطبة الوداع، هل ترون أن العدل متحقق اليوم؟

سلمان بن فهد العودة: كلا يعني النبي صلى الله عليه وسلم كرس هذا المعنى في خطبة الوداع وأكده بكافة الوسائل والشيء العجيب أن النبي صلى الله عليه وسلم في إحدى المرات كان يسأل المسلمين القادمين من الحبشة عن شيء غريب رآه، كان من ذلك أن أم سلمة ذكرت أن امرأة كانت تمشي في الحبشة وتحمل قربة على ظهرها فجاء شاب طائش ودفعها فسقطت وسقطت القربة وانتثر الماء، فقامت هذه المرأة الضعيفة وخاطبت هذا الشاب تقول له: سوف تعلم أيها الغادر إذا كان يوم القيامة ماذا يكون جزاءك، فعقب النبي عليه الصلاة والسلام على هذا المشهد بقوله: ((صدقت؛ صدقت لَا قُدِّسَتْ أُمَّةٌ لَا يَأْخُذُ الضَّعِيفُ فِيهَا حَقَّهُ غَيْرَ مُتَعْتَعٍ)) هنا نحن نتحدث عن القداسة، قداسة الزمان، قداسة المكان، قداسة الكعبة، جاءنا الله كعبة البيت الحرام قياما للناس، الكعبة آمان للبشرية كلها وإذا زالت هذا إيذان وإرهاص بنهاية الحياة، وكذلك أموال الناس جعلها الله تعالى قياما، ففاسد الأموال مثلا وأن يكون المال بين الأغنياء كما قال الله سبحانه وتعالى، هو سبب في الحقد بين الناس ولذلك الله سبحانه وتعالى قال: {وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ* إن يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ}[محمد: 35-36] الضغائن والأحقاد التي تنتشر في المجتمعات الإسلامية سببها التفاوت في الأموال والتفاوت الطبقي وعدم وجود معيار واضح للعدالة المجردة، الناس حينما يشعرون بالعدالة يقبلون أن يكونوا فقراء ويقبلون أن يكونوا في أوضاع عادية ولا يحصلوا على عمل ولا يحصلوا على علاج كاف مثلا لكن حينما يبدأ الناس يشاهدون أن هناك تفاوتا وطبقية هذا يجعلهم لا يتقبلون ربما لا يقتنعون أو يرضون بالوضع الذي هم فيه.

صيانة الأموال والأعراض وحرمة الربا

عثمان عثمان: صيانة الدماء فضيلة الدكتور والأموال والأعراض وحرمة الربا كلها قضايا تدخل في مقاصد الشريعة الإسلامية يعني كيف يمكن توضيح الروابط أو العلاقة بينها كلها؟

سلمان بن فهد العودة: يعني أؤكد على قبل قليل ذكرت لك الحديث بس نسيت إني أعلق عليه ((لَا قُدِّسَتْ أُمَّةٌ لَا يَأْخُذُ الضَّعِيفُ فِيهَا حَقَّهُ غَيْرَ مُتَعْتَعٍ)) هذا يؤكد على عملية أنه يجب أن يكون الطابع القائم أو الشعور القائم في المجتمعات العادلة هو شعور العدالة وشعور الجرأة على القول بالحق دون خوف، إذن نشر الخوف والإحساس بالوجل والرعب وأن يحسب الإنسان ألف حساب قبل أن يقول كلمة تتعلق بعدالة أو بحفظ المال أو بحفظ العرض أو بحفظ الدم أو بغيرها هنا يبدأ يختل الميزان ولذلك يجب أن يكون المطلوب منا جميعاً في الدول الإسلامية حكومات وجماعات وشعوب ووسائل إعلام أن يكون تشجيع الكلمة المسؤولة والكلمة العادلة ليست الكلمة الفوضوية المنطلقة هي كلمة مسؤولة ولكن أيضاً قد تكون خلاف ما نتوقع وخلاف ما نشتهي وخلاف ما نريد وهنا يشعر الناس بالأريحية، قضية الحقوق هي بالواقع من القضايا التي لا يمكن أن يكون فيها استثناء يعني إذا بدأت عملية الاستثناءات انهارت الحقوق، ولذلك أشرت قبل قليل إلى تأكيد النبي صلى الله عليه وسلم على وضع دم ابن ربيعة ابن الحارث وعلى وضع الربا ربا العباس بن عبد المطلب أول ما بدأ، بدأ بنفسه وبأسرته عليه الصلاة والسلام، حتى يبين أن هذا عدالة مطلقة بين الناس كلهم جميعاً.

عثمان عثمان: أيضاً في خطة النبي عليه الصلاة والسلام إشارة واضحة إلى العداوة المستحكمة بين المسلم أو الإنسان وبين الشيطان الرجيم كيف يعني كما يقال فإن الشيطان قد يأس أن يعبد بأرضكم هذه أبداً، ولكنه يطع فيما سوى ذلك فقد رضي به مما تحقرون من أعمالكم فاحذروه على دينكم، هناك مستويات ربما بهذا الموضوع ما هي الأمور التي يمكن أن يحتقرها المسلم ويرضى الشيطان أن يرتكبها هذا العبد المؤمن؟

سلمان بن فهد العودة: هذه سبحان الله المقطع الجميل هذا الذي ذكرته يمكن أن أعلق فيه تعليقين أو ثلاثة، التعليق الأول الإشارة إلى شمولية الحقوق، الرسول عليه الصلاة والسلام في خطبة عرفة وهي واحدة من أربع خطب كما يقول الشافعي أو 3 خطب كما يقول الإمام أحمد خاطب بها النبي صلى الله عليه وسلم الحجيج وبعض هذه النصوص يقول ليس في خطبة عرفة وإنما في خطب قبلها أو بعدها، المهم كلها أيضاً لها ذات الأهمية وذات القيمة، فهنا النبي صلى الله عليه وسلم تكلم عن المسلمين وبطبيعة الحال أصلاً لا يتلبس في الحج إلا مسلم ومن هنا المناشدون يطالبون به {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّه غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ}[آل عمران:97] فقد يقل قائل هل لنا بالحقوق التي تحدث عنها النبي صلى الله عليه وسلم حقوق عامة للمسلمين للبشرية كلها أو خاصة بالمسلمين، أقول النبي صلى الله عليه وسلم خاطب المسلمين فقط لأنهم هم الذين كانوا موجودين ولكن أيضاً عندنا النصوص الشرعية العامة مثل قول الله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ}[الحجرات:13] وقول الله سبحانه وتعالى: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا}[المائدة: 32] أو قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((يا أيها الناس كلكم من أدم وأدم من تراب)) أو قول النبي صلى الله وعليه وسلم: " لما جيء بجنازة فوقف، فقالوا يا رسول الله إنها جنازة يهودي قال عليه الصلاة والسلام: أليست نفساً، فالإسلام هنا كرس مبدأ الحقوق العامة للبشرية كلها ويكفي ذلك قول الله عز وجل: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً}[الإسراء:70] هذه نقطة، النقطة الثانية: مسألة إن الشيطان يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن رضي بذلك مما تحقرون من أعمالكم وفي رواية في صحيح مسلم ولكن التحريش بينهم، إذن هنا إشارة نبوية إلى إغلاق باب التأويل في موضوع الأعراب وغيرها، التحريش في أمور المؤمنين، ربما لو سألت سئل العبد الفقير عن أخطر قضية تهدد المشاريع الإسلامية اليوم في كل مكان لكنت أقول بدون تردد أخطر قضية تهدد المشاريع والنجاح الإسلامي في كل بلد إسلامي أو غير إسلامي هو موضوع الاختلاف، وعدم القدرة على التعامل الإيجابي نحن لا نستطيع  أن نلغي هذا الاختلاف ولكن نستطيع إن نتفق على صيغ إيجابية في التعامل معه أو التدارك أحياناً إذا لم أقتنع بوجهة النظر الأخرى أو المنهج الآخر أن أضع هامش للآخرين ربما يكونوا معذورين على الأقل من وجهة نظري إن لم يكونوا عملهم صحيحاً، فعلى الأقل ربما هم أدركوا أجراً واحداً أجر المجتهد المخطئ وكذلك هم ينظرون إلي نظرة نفسها بحيث بدلا من أن يضيع المجهود الإسلامي في مصادمة بين جماعات إسلامية وشعوب إسلامية وحكومات إسلامية ومشاريع إسلامية يكون هناك على الأقل خطوط متوازية إن لم تساعدني على الأقل اتركني وكذلك الأمر بالنسبة لي أن أدعك وربما نلتقي بنهاية المطاف وبنهاية الطريق على أهداف مشتركة، النقطة الثالثة التي أشار إليها النبي صلى الله عليه وسلم: وهي قضية يعني ما تحقرون من الأعمال والنبي صلى الله عليه وسلم قال أو روي عنه في حديث وإن كان في سنده نظر ((إياكم ومحقرات الذنوب)) ولهذا الحديث شواهد عديدة أن الإنسان عليه أن لا يستهين بالذنب مهما قل لأن الدروب الصغيرة تجتمع على الرجل فتهلكه كما كان يقول عبد الله ابن مبارك رضي الله عنه: خلي الدروب صغيرها وكبيرها ذاك التقى، واصنع كماش فوق أرض الشوك يحذر ما يرى، لا تحفرن صغيرة إن الجبال من الحصى.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور هذه المناسبة في عيد الأضحى أو حتى للحاج و غير الحج صنعت الأضحية أن يذبح المسلم تقرباً لله عز وجل ولكن هناك رمزية لهذه الأضحية ما هي هذه الرمزية يعني، ماذا يمكن أن نستفيد منها في حياتنا اليومية والعملية؟

سلمان بن فهد العودة: هي رمزية في عدد من الأعمال يعني بعض المسلمين يتمسكون باللفظ وينسون المعنى ويتمسكون بالمظهر وينسون المعنى والذي افترض أن يكون هنا توعية للمسلمين، يعني خذ على سبيل المثال رمي الجمار اليوم ونحن نرمي مثلاً: أحد الأخوة يحدثني عن عدد من القصص كان في..

عثمان عثمان: دقيقة واحدة فضيلة الدكتور.

سلمان فهد بن العودة: من إحدى البلاد كانت تضرب الشيطان بالحجر وبالحذاء فواحد جاي يريد أن يعلمها أن القصة هنا رمزية أن ترمي كما يرمي صلى الله عليه وسلم كانت تقول له: يعني ليش هيك تدافع عنه هل هو قريبك؟ فهذه مشكلة أن المسلمين ينسون المعاني المقاصد سواء الرمي حتى الأضحية، الأضحية هي نوع من الجهاد بالمال ولكن فيها معنى التضحية بطاعة الله سبحانه وتعالى وإحياء سنة إبراهيم عليه الصلاة والسلام.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور لم يتبق الكثير من الوقت أعلم أن هناك محاور كثيرة تخطط لها ووصايا ربما تحتاج كل وصية إلى أن ندقق فيها في حلقة خاصة لكن ينتهي الوقت دائما أشكركم فضيلة الدكتور سلمان فهد بن العودة على وجودك معنا كنتم معنا من مكة المكرمة، كما نشكر زميلنا عامر الكبيسي الذي انضم إلينا أيضاً من مكة المكرمة، أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة لكم تحيات معد البرنامج معتز الخطيب والمخرج منصور الطلافيح وسائر فريق العمل، وهذا عثمان عثمان يترككم في أمان الله و كل عام وأنتم بخير.