عثمان عثمان
يوسف القرضاوي

عثمان عثمان: مشاهدينا الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلا ومرحبا بكم على الهواء مباشرة في هذه الحلقة الجديدة من برنامج الشريعة والحياة، يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز {أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الأَرْضِ}[النمل: 62] هل يصفو الجوهر إلا بين المحنة والمنحة؟ وكيف نفهم عن الله فيهما؟ وكيف يولد النصر من قلب الابتلاء؟ بين المحنة والمنحة في حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة شيخنا العلامة الدكتور يوسف القرضاوي، مرحبا بكم يا سيدي.

يوسف القرضاوي: مرحبا بك يا أخ عثمان.

مفهوم المحنة والمنحة

عثمان عثمان: المحن والمنح كانت عناوين مواضيع لمؤلفات عدد من العلماء منذ القدم، بداية ما مفهوم المحنة والمنحة؟

يوسف القرضاوي: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين، وأزكى صلوات الله وتسليماته على من أرسله الله رحمة للعالمين وحجة على الناس أجمعين سيدنا وإمامنا وأسوتنا وحبيبنا ومعلمنا محمد وعلى اله وصحبه ومن اهتدى بهديه واتبع سنته إلى يوم الدين أما بعد، فلا شك إن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان لرسالة عظيمة في هذه الدنيا أن يقوم بعبادة الله تعالى ومعرفة الله عز وجل وخلافته في الأرض وهيئ له من الأسباب أعطاه من العقل وأعطاه من الإرادة وأعطاه من القدرة وأنزل عليه من الكتب وبعث له من الرسل ما يهيئه للقيام بهذه المهمة، ولكنه في هذه الحياة جعله ما بين المحنة والمنحة، المنحة ما يمنحه الله للإنسان يعني من صنوف الحياة والنعم والخيرات هكذا يعني، والمحنة ما يهيئ له من ظروف البلاء والشدائد والمصائب في نفسه في بدنه في حياته في أهله فيمن يحب، هكذا الإنسان الله تعالى يقول {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ}[البلد:4] يعني يكابد المشقات منذ طفولته وإلى وفي شبابه و كهولته وشيخوخته، الإنسان، والحياة نفسها التي خلقها الله ليعيش الإنسان فيها الحياة نفسها أيضا فيها المشقات والمرارات والآلام لا تخلو من هذا، فالإنسان بين الألم والألم وبين المحنة والمنحة وبين السراء والضراء وأحيانا القرآن يقول النعماء والبأساء هذه هي سنة الله في الحياة، لا يستطيع الإنسان  أن يعيش يعني في محنة دائمة ولا في منحة دائمة هو بين المنحة، بعض الناس تطول عندهم المنح وقد تكون هذه استدراج من الله عز وجل، بعض الناس ربنا سبحانه وتعالى يستدرجهم يحدثون معاصي فيحدث الله لهم نعما فيغترون وينسون أن هذا من مكر الله تعالى بهم {سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ}[القلم: 44-45] الإمهال الناس تقولك يمهل ولا يُهمل، ربنا يمهل إيه يملي للناس ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر، ساعات القرءان يعني يقول أن في ناس ربنا يأخذهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون {فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ}[الأنعام:43] ولكنهم لم يتضرعوا حتى مع البأس يعني في ناس يعرف ربنا في الرخاء يعرفه في الشدة في ناس لا يعرف ربنا لا في الرخاء ولا في الشدة والعياذ بالله، تنزل به الشدائد فما تلين له يعني قلبا، {حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}[الأنعام:44-45] إنما الأصل في حياة الإنسان أنها ما بين خير وشر ونعمة وشدة ونعماء وبأساء وسراء وضراء هذه هي سنة الله في حياة الإنسان.

عثمان عثمان: لكن يلاحظ من نصوص الكتاب والسنة أن الابتلاء أو المصيبة أو المحنة قد تكون فضلا من الله تعالى لمن أحب من عباده أو قد تكون عقاب على ذنب أو قد تكون تكفيرا لذنب يعني كيف  نميز بين هذه الأنواع الثلاثة؟

يوسف القرضاوي: هي المحن التي تنزل بالإنسان بعضها  فعلا يكون عقابا على شيء كما ذكر الله تعالى المؤمنين فيما نزل بهم من غزوة أحد، ربنا من عليهم في غزوة بدر فانتصروا {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}[آل عمران:123] كانوا قلة في العدد وكانوا ضعافا في العدد وضعافا في الاستعداد، 313 واحد والكفار حوالي ألف دول كان معاهم فرسين والكفار معاهم مئة فرس، دول كان معاهم كل يوم يذبحون عشر جمال والتانيين لا يكادون يجدون القوت فقط، يعني ومع هذا نصرهم الله سبحانه وتعالى، فربنا في غزوة أحد المسلمون في غزوة أحد اسروا سبعين وقتلوا سبعين من صناديد قريش رغم القلة والضعف في هذه، في غزوة بدر خالفوا ما أمرهم به النبي صل الله عليه وسلم أن يتحصنوا بالجبل ولا يتركوه مهما حدث، ولكنهم انتصروا في الجولة الأولى فتركوا الجبل وأخلوا ظهرهم فاستطاع قائد الفرسان مع المشركين وهو كان خالد بن الوليد قبل أن يمن الله عليه بالإسلام، فجاء وأعمل فيهم السيف من الخلف فحدث ما حدث وشاع أن رسول الله  قتل و قتل منهم سبعون من أمثال حمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير وعبد الله بن جحش وأنس بن النضر وغير هؤلاء من الذين قال الله فيهم {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ}[الأحزاب: 23] فالقرآن يقول لهم: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ}[آل عمران:165] أصبتم مثليها قتل منكم سبعين وأنتم أصبتم مثليها قتلتم سبعين وأسرتم سبعين في بدر وتسألوا منين جلكم هذا من عند أنفسكم انتم اللي خالفتم الأمر وغرتكم الغنائم ونزلتم من أجل الدنيا وتركتم أماكنكم فحدث لكم ما حدث لكم، فأحيانا تكون يعني تأديبا من الله تبارك وتعالى وأحيانا تكون من غير شيء، بعض الناس الذين حدث الله عنهم في سورة البروج {قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ (4) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (5) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (6) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (7) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (8)}[البروج:4-8] ما كان عندهم لا جريمة ولا تهمة ولا أي شيء إلا أنهم امنوا بالله فخدوا لهم الأخاديد وشقوا لهم الشقوق وأشعلوا النار ورموهم يعني في النار، فهكذا يعمل الله سبحانه وتعالى مع عباده وأحيانا تكون المحن لتربية المؤمنين وصقل معادنهم فربنا سبحانه وتعالى يبتليهم بهذه المحن الشديدة وإن لم يعملوا شيئا هم اضطهدوا هم مضطهدون، ما فعلوا شيئا إلا أن نادوا بالإسلام بشريعة الإسلام بإحكام الإسلام بالنزوع إلى الإسلام، فصب عليهم العذاب صبا، وهذا ليصقل الله تعالى معادنهم بهذه المحن التي تنزل بالناس فتهيئ لهم فرص عديدة، يميز الله بها الخبيث من الطيب كما قال القرآن الكريم {مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ}[آل عمران:179] كيف يميز الخبيث من الطيب؟ بهذه المحن اللي تنزل هي اللي بتعرف المعادن الصلبة والمعادن السليمة من المعادن المغشوشة والمعادن النفيسة من المعادن الرديئة، المعدن النفيس يكون كما جاء في بعض الأحاديث كما تدخل الحديدة النار فيذهب خبثها ويبقى طيبها، الحديد يدخل النار فيزول الصدأ إلي فيه والرداءة اللي فيه ويظهر الحديد صافيا على أحسن ما يكون وهكذا المحن تصقل المؤمنين، ربنا سبحانه وتعالى يقول {وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ}[الأحزاب:22] في غزوة الأحزاب التي ابتلي فيها هُنَالِكَ {ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالا شَدِيدًا}[الأحزاب:11] {وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا}[الأحزاب:10] جاء المشركون عشرة ألاف وبعدين اليهود غدروا بالمسلمين وانضموا إلى المغيرين على المدينة، فكانت مصيبة كبيرة وبلوى هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا في هذا الوقت {وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا}[الأحزاب:22] عند الشدائد يزداد الإيمان ويزداد التسليم بقضاء الله تعالى وقدره الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ}[آل عمران:173-174].

حكمة الله سبحانه وتعالى في الابتلاء

عثمان عثمان: في هذا الإطار أنقل لكم السؤال من احد السادة المشاهدين يقول: لماذا الابتلاءات؟ لماذا المحن؟ لماذا يترك الله  دماء المستضعفين في سوريا تسفك وأشلائهم تمزق؟ لماذا يقتل الشيوخ والنساء والأطفال؟

يوسف القرضاوي: لماذا بقول لك أهو، للتمييز والتصفية لنميز المنافق لنميز المؤمن عن المنافق، اللي بيقول أنا مؤمن وأنا كذا طيب هنجربك هنشوف هتثبت عند الشدة ولا من أول الأمر تفر تترك وتقول، لا لكي تكون مؤمنا حقا لازم تصبر على الشدائد، لأن الناس بتعرف عند الشدة ومن الناس من يعبد الله على حرف كما يقول القرءان {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ}[الحج:11] واقف على الطرف كده فإن أصابه خير اطمأن به {فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ}[الحج:11] هذا ما ينفعش هذا، والقرءان يقول: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ}[العنكبوت:10] الفتنة التي تصيبه من الناس ضربوه عذبوه وسجنوه كذا يجعل كأنه دخل جهنم كأنه عذاب الله عز وجل ويصرخ ولكن ربنا يبتليه بهذا ليعلم الله من هو مؤمن ومن ينقلب على عاقبيه، فمن أهم ما نستفيده من المحن التصفية والتمييز بين المؤمنين والمنافقين لذلك القرءان الكريم يقول: {مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ}[آل عمران:179]  لازم يمتاز هذا من ذاك، ولازم المؤمنين يتربوا في المحنة، الإنسان ما يترباش في العافية على طول لابد له من شدائد عندما تنزل به الشدائد يعرف أن الله ربه يرجع إلى الله ويقول: يا رب، ما يستكفيش به انه كان قوي القوة ما تستمرش على طول القوي يضعف والصحيح يمرض والشاب يشيخ، ما فيش شيء في الدنيا يستمر على طول، فلا بد للإنسان أن يرجع إلى الله، فالمحن هي التي ترده إلى الله يعود، إحنا كنا إحنا جربنا في هذا، دخلنا المحن ونحنا شباب طلاب في الثانوي في أيام الملكية وأيام الثورة، الإخوان المسلمين دول كانوا يعني هم اللي ينزل بهم البلاء كلما جاء البلاء يتشطروا عليهم، أيام الملكية وأيام الثورة، حتى في أيام الملكية دخلنا إلى السجون ولكن صبر الإخوان على السجون وصبر الإخوان على البلاء وصبروا على التجويع وصبروا على الشدائد وصبروا على التعذيب، وحتى نحن يعني قلنا في ذلك الوقت كنت أنا مشغول في الشعر في ذلك الوقت قلت الشعر في ذلك الوقت:

قالوا إلى الطور قلنا شعبة  فتحت ليجمعونا بها في الله إخوانا..

 قالوا إلى السجن قلنا شعبة فتحت ليجمعونا بها في الله إخوانا..

 قالوا إلى الطور قلنا الطور مؤتمر فيه ما يخشاه أعدانا..

 هو المصلى نربي فيه أنفسنا وهو المصيف نقوي فيه أبدانا..

 معسكر صاغنا جندا لمعركة ومعهد زادنا بالحق عرفانا..

من حرموا الجمع منا فوق أربعة ضموا الألوف بغاب الطور أسدانا..

راموه منفى وتضييقا فكان لنا  بنعمة الحب والإيمان بستانا..

هذا هو الطور شاءوا أن نكون به وشاء ربك أن نزداد إيمانا..

كنا نقول على معتقل الطور هو المخيم الدائم للإخوان المسلمين بسنة 1949، السفر والمصاريف والنفقات والتكاليف على حساب الحكومة المصرية، جمعونا بآلاف لتربى فيه نسمع كنت أنا  اسمع عن الشيخ الغزالي دوت وأتمنى أن أراه شفته هناك وكان إمامنا يؤمنا في الصلاة ويدعو الله سبحانه وتعالى في كل صلاة يقنت ويقول: "اللهم افكك بقوة أسرنا وأجبر برحمتك كسرنا وتولى بعنايتك أمرنا، اللهم عليك بالظالمين" يدعو، فكانت هذه المحن تصفية وتربية للمؤمنين وصقلا لمعادنهم هذا ما كان في عهد الملكية، في عهد الثورة جاء اشد الثورة التي أيدها الإخوان المسلمون ورحبوا بها وكانوا جنودها وحرسوا لها الفنادق والسفارات وبيوت الغرباء، وكانوا لها العون لم يكن لها عون في البلد إلا الإخوان اختلفوا مع الإخوان فعندما دخلوا البلد دخلوا بهم السجون وكان اشد من أيام الملكية يعني تعذيبات هائلة ومحن ضخمة، ولكن أيضا صبر الإخوان على هذه المحنة، وأنا قلت فيها قصيدة طويلة أكثر من 300 بيت سموها "الإخوان النونية" وفيها قلت يعني:

 ضع في يدي القيد ألهب أضلعي بالسوط..

 ضع عنقي على السكين..

لن تستطيع حصار فكري ساعة أو نزع إيماني ونور يقيني..

 فالنور في قلبي وقلبي في يدي ربي..

وربي ناصري ومعيني..

 سأعيش معتصما بحبل عقيدتي وأموت مبتسما ليحيا ديني..

فكانت هذه المحن منح لنا صبرنا حتى فرج الله عنا وجعل مع العسر يسرا كما قال: {فإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (6)}[الشرح: 5-6] هذا في عهد الثورة وذاك في عهد الملكية وتكرر هذا في عهد الثورة أكثر من مرة.

عثمان عثمان: إذن هناك بعد كل محنة منحة.

يوسف القرضاوي: نعم.

الابتلاء قبل التمكين

عثمان عثمان: أيضا في سيرة الأنبياء خاصة أولي العزم من الرسل كان هناك امتحانات ابتلاءات كان بعده تمكين، حتى الآن ربما نلاحظ بعد كل ما ذكرتموه فضيلة الدكتور من ابتلاءات من عذابات نلاحظ اليوم عودة للإسلاميين إلى أن يتمكنوا في الأرض، هل الابتلاءات والمحن نهايتها إلى التمكين، تمكين المؤمنين في ارض الله؟

يوسف القرضاوي: كما سئل الإمام الشافعي الأولى للمؤمن أن يبتلى أو يمكن؟ فقال الإمام الشافعي وهل يمكن إلا بعد أن يبتلى! لا يمكن أن يأتي تمكين إلا بعد ابتلاء، قال أن يوسف عليه السلام ابتلاه الله ثم مكن له، سيدنا يوسف ابتلي مع إخوته وهو صغير يعني ألقوه في الجب، ثم لما أصبح شابا ابتلي بامرأة العزيز بالإغراء {وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ}[يوسف:23] ثم ابتلي بالتهديد (لئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين قال {وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ (32) قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ}[يوسف:32-33] ثم ابتلي بالسجن  وألقي بالسجن بضع سنين، ثم ابتلي بمحنة التمكين والمال وجاء إخوته عرفهم وهم له منكرون إلى آخره، فبعد هذه المحن كلها مكن الله له في الأرض كما قال {وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ}[يوسف:21] {كَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ}[يوسف:56] {وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (54) قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55)} فجعله على خزائن الأرض يتمكن فيها هو وزير التخطيط ووزير الزراعة ووزير المالية ووزير التمويل، كل أمور البلد أو البلاد حتى مش بس مصر، مصر وما حولها كان كله بيدي يوسف عليه السلام، فلم يمكن إلا بعد أن ابتلاه الله عز وجل، لما نجح في الابتلاء مكنه الله، ما يتمكن الشعب إلا بعد أن يبتلى ويعرف الشدائد ويعرف كيف يكون الناس في هذه الشدائد ربنا سبحانه وتعالى يمكن له في الأرض ويجعل له قيمة وأهمية كبرى.

عثمان عثمان: مولانا كل ما ذكرتموه من المحن والمنح من الابتلاءات والعطايا كيف يمكن أن ننزله اليوم على واقع المسلمين سواء في سوريا أو في بورما أو في أي مكان يضطهد فيه المسلمين اسمع الإجابة أن شاء الله بعد أن نذهب إلى فاصل قصير فابقوا معنا مشاهدينا الكرام نعود إليكم بإذن الله بعد الفاصل.

[فاصل إعلاني]

عثمان عثمان: أهلا وسهلا بكم مشاهدينا الكرام من جديد إلى حلقة هذا الأسبوع من برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة شيخنا العلامة الدكتور يوسف القرضاوي والتي نتحدث فيها عن المحنة والمنحة، مولانا بين المنحة والمحنة التي يعيشها المسلمون اليوم هناك محن كثيرة في سوريا قتل وسفك دماء واعتداء وما إلى هنالك، في بورما في أكثر من بقعة من بقاع الأرض، كيف يمكن تنزيل كل ما ذكرتموه على واقع المسلمين المضطهدين اليوم؟

يوسف القرضاوي: هو لا بد للمؤمن أن يمر بالمحنة حتى يحصل على المنحة، والله تعالى يقول { وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} [الأنبياء: 35] يبتلي الإنسان بالشر كما يبتليه بالخير، {وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الأعراف: 168] والمسلمون كما ذكرنا طوال العهد المكي 13 عاما وهم يقاسون البلاء {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ} [العنكبوت: 2] وفي العهد المدني أيضا ابتلوا كما قال الله تعالى {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214] وبعدين بعد ذلك أصبحوا هم الذين يغزون أهل مكة بعد أن كانوا يُغزون، غُزوا ثلاث مرات ابتداء من غزوة بدر وغزوة أحد وغزوة الخندق وبعدين المسلمين أصبحوا هم الذين يغزون وأصبحوا هم الذين فتحوا مكة وفتحوا بعد ذلك جزيرة العرب كلها وأصبحوا هم ملوك الأرض، نحن الإخوان المسلمين الذين ذكرت ما أصابهم من محن، أصابتهم المحن في عهد الملك فاروق، وأصابتهم المحن في عهد جمال عبد الناصر ثم جاء السادات فصالحهم في أول الأمر ثم رجع في آخر الأمر واعتقلهم وأصاب منهم ما أصاب، وفي عهد حسني مبارك أصابهم ما أصابهم طوال ثلاثين سنة والآن يفرّج الله عنهم، بعد زوال حسني مبارك وما كان في عهده من ظلم، ربنا عافى بعض المسلمين منه ونزل الشر الكثير على الكثيرين، ربنا سبحانه وتعالى الآن أعفى الجميع من هذا وأصبحت الضراء سراء والحمد لله، الآن سوريا يعني ربنا سبحانه وتعالى يصفيهم ويميزهم، ليتميز الصف ويعرف من المؤمن ومن غير المؤمن، من الصابر ومن الجزع، من الذي عرف كيف يذوق البلاء وكيف يتضرع البلاء وكيف يستفيد من البلاء وكيف يقابل إن شاء الله المنحة القادمة إن شاء الله، نحن نعتقد أن هذه المحن في سوريا ستنقلب إلى منح، نحن نؤمن بان الله سبحانه وتعالى طبيعة هذا {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} [الشرح: 5-6] الشاعر كان يقول:

اشتدي أزمة تنفرجي..

قد آذن ليلك بالبلج..

ويقول:

ولرب نازلة يضيق بها الفتى ذرعا..

وعند الله منها المخرج..

ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فرجت..

وكنت أظنها لا تفرج..

لا بد من الفرج بعد الشدة وانتظار الفرج بعد الشدة نوع من العبادة، فالله سبحانه وتعالى يبتلي سوريا وكلما زاد الابتلاء زاد الإيمان بأن الفرج قادم، نحن واثقون، بأن فرج الله آت وأن النصر قريب، الصحابة كانوا يقولوا متى نصر الله، يعني مستبطئين متى بقا يا رب النصر؟ نحن نقول متى النصر؟ النصر قريب، {أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214] أقرب ما يكون إن شاء الله وهو على قدر ما صبر الناس على البلاء على قدر ما تكون قوة النصر، الله سبحانه وتعالى لا ينزل بلاءه لأنه يكره الناس، بالعكس وإلا ما كان أنزل بلاءه على الأنبياء، الرسول عليه الصلاة والسلام يقول في حديثه: ((أشد الناس بلاءا الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على قدر دينه، فإن كان دينه صلبا اشتد بلاؤه، وإن كان دينه رقّة كان البلاء على قدر دينه، فما يزال البلاء ينزل بالناس حتى يمشي المبتلى على الأرض وما عليه خطيئة)) كُفرت ذنوبه أصبح خلاص كل ما يبتلى بلاء يكفّر عنه ذنوب، والحديث يقول (( ما من مسلم يصيبه هم ولا غم ولا نصب ولا وصب حتى الشوكة يشاكها إلا كفّر الله بها من خطاياه))، أي أذى يؤذي المؤمن حتى الشوكة، كان في حزب مصري حزب شكّة الشوكة أخذ من هذا الحديث، قعد يقول للناس اصبروا على البلايا لأنه حتى شكّة الشوكة ربنا يكفّر فيها من خطاياك، فتكفير الخطايا هذا من ضرورة المحن التي تنزل بالمؤمنين، ولذلك لو رأيت ما نزل بسيدنا إبراهيم الذي ابتلي بالإحراق بالنار وابتلي في ولده.

عثمان عثمان: إسماعيل.

يوسف القرضاوي: إسماعيل، وابتلي بالهجرة من وطنه، { رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ، فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ} [الصافات: 100-101] سيدنا موسى، شوف بدأ منذ ولادته الأنبياء حتى من الصغر، حتى هنا مش من الصغر ربنا قال لأمه إذا يعني ولدتِ موسى فألقيه في اليم {وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي ۖ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} [القصص: 7] فرمته أمه في البحر وكان اللي التقطه فرعون، اللي هيزيل ملكه على يديه فازدادت خوفا ولكن ربنا هيأ له أن يرجع إلى أمه لكي تتولى إرضاعه ولكي تقر عينها ولا تحزن، وكل الأنبياء، أشد الأنبياء هو محمد صلى الله عليه وسلم، أشد من لقي من الأذى 13 عاما في مكة وهو يلقى الأذى، وحوصر هو وأصحابه مع بني هاشم وبني المطلب ثلاث سنين منعوا عنهم الطعام والشراب حتى أكلوا أوراق الشجر حتى دميت أشداقهم، وفي السنة العاشرة توفي عمه أبو طالب سنده في الخارج، وتوفيت زوجه خديجة سنده في الداخل فسمى هذا العام عام الحزن، ولما انتقل إلى المدينة أيضا حاربوه سنين طويلة إلى الثامنة من الهجرة، لما دخل مكة فاتحا، فهيأ الله له أسباب النصر، قل الحمد لله صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده..

عثمان عثمان: نعم.

يوسف القرضاوي: هذه هي سنة الله عز وجل مع النبيين، يبتليهم ثم ينصرهم ويفرّج عنهم ويعطيهم ما يعطيهم من نصره وإعزازه وتمكينه لهم في الأرض، هذه سنة الله..

عثمان عثمان: مولانا اسمح لنا أن نأخذ بعض المشاركات، السيد جمال الطوّاب من مصر، السلام عليكم.

جمال الطواب: السلام عليكم أخ عثمان، تحياتي لك وإلى فضيلة مولانا الإمام الرباني دكتور يوسف القرضاوي.

عثمان عثمان: بارك الله فيك، الدخول في السؤال مباشرة أخ جمال.

جمال الطواب: هل صحيح أن المرء يبتلى حسب دينه أم أن كثرة وتوالي الابتلاءات هي من غضب الله على عباده؟ وهل تكفّر هذه المصائب عن الذنوب أم هذه شيء وتلك شيء آخر؟

عثمان عثمان: نأخذ الأخ عمر السفرجي من السعودية.

عمر السفرجي: السلام عليكم.

عثمان عثمان: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، تفضل.

عمر السفرجي: يقول الله سبحانه عز وجل { قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ ۖ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ۚ مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} [سبأ: 46] هل سيكون النصر بعد هذا العذاب الشديد يا شيخ؟ شكرا.

عثمان عثمان: شكرا جزيلا، الأخ فاروق الحمودي من الإمارات.

فاروق الحمودي: السلام عليكم أخي محمود أحييكم وأحيي فضيلة الشيخ وأسأل الله أن يفك محنة الشعب السوري وأن يوفقهم بحكام نبلاء أمثال حكام الإمارات الذين يحكمون.

عثمان عثمان: تفضل أخي فاروق عندك سؤال تفضل به، إذا عندك سؤال تفضل به.

فاروق الحمودي: نعم، السؤال هو هل المحنة تخص المسلم أم كافة البشر؟

عثمان عثمان: شكرا جزيلا، مولانا نأخذ الأخ جمال الطواب سأل عن هل المحنة تكون منحة وعطاء، هل تكون تكفير ذنوب، هل هي غضب من الله، جاوبتم على هذا الموضوع من بداية الحلقة حتى الآن، الأخ عمر السفرجي يسأل هل يكون النصر بعد المحنة؟

يوسف القرضاوي: هل يكون.

عثمان عثمان: هل بعد المحنة يكون نصر مؤزر؟

يوسف القرضاوي: طبعا، هو التمكين، لا تمكين إلا بعد الابتلاء، وبعد المحن، يمكن الله للمبتلين والممتحنين، يعطيهم الله سبحانه وتعالى والتمكين لا يكون إلا بالنصر، فينصر الله المؤمنين كما وعد عز وجل {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [الروم: 47] { إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ} [غافر: 51] { وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج: 40] { كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [المجادلة: 21] { إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ، وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} [الصافات: 172-173] القرآن عشرات الآيات كلها تعد المؤمنين بالنصر، فهذا نوع من التمكين يمكن الله لهم بأن ينصرهم على أعدائهم كما نصر الرسول وأصحابه المستضعفين في الأرض الذين طالما عذبوا وطالما أوذوا فربنا سبحانه وتعالى ينصرهم عز وجل {وَإِن  كَانَ كَبُرَعَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ} [الأنعام: 35] ربنا سبحانه وتعالى ينصرهم بعد أن أوذوا وكذبوا حتى جاءهم نصر الله عز وجل، فنصر الله آت لا ريب فيه، قد يستبعده الناس ولكنه قريب جدا {أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214].

عثمان عثمان: الأخ فاروق الحمودي من الإمارات يسأل هل المحنة هي خاصة بالمسلمين أم أنها تشمل أيضا غير المسلمين من الكافرين؟

يوسف القرضاوي: هو يبتلي الجميع، المحنة تنزل بالمسلم وبغير المسلم، ولكن المسلم يجعل المحنة منحة، بأنه بيكيّفها، بيكيّف المحنة وبفلسفها، سيدنا عمر قال: ما أصبت ببلاء إلا كان لله علي فيه أربع نعم، الأول أنه لم يكن في ديني، في مصيبة في الدين ومصيبة في الدنيا، المصيبة في الدنيا تهون، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم يقول ((اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا)) سيدنا يوسف لما خيّر بين محنة في دينه ومحنة في دنياه {قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ} [يوسف: 33] يقع مع النساء في فتنة، يدخل السجن أحب إليه فاختار محنة الدنيا على محنة الدين فربنا نجاه من هذه وتلك، فأول شيء إنه لم يكن في دينه، النعمة الثانية أنها لم تكن أكبر منها لأنه كل مصيبة في مصيبة أكبر منها، وبعض الشر أهون من بعض، بقولك يعني إذا فكرت في مصيبتك أذكر مصيبة غيرك، ربما يكون غيرك مصيبته أكبر.

عثمان عثمان: بتهون عليك مصيبتك.

يوسف القرضاوي: بكثير، وأنه لم يكن في ديني وأني لم أحرم الرضا به، ربنا رزقني أن أرضى بهذا البلاء، وأني أرجو ثواب الله عليه، كل مؤمن يرجو الثواب على ما أصابه من البلاء والمحن، يرجو أن يثيبه الله تبارك وتعالى عليه، واحدة دخل في إصبع رجلها عظمة، دخلت من باطن رجلها وطلعت من الظاهر فابتسمت وقالت الحمد لله، قالوا لها بتحمدي ربنا على إيه؟ قالت إني أرجو إذا كنت أصبت بمرارة وجعه فإني أرجو حلاوة ثوابه، ترجو حلاوة الثواب من الله عز وجل، فهذا هو شأن الإنسان المؤمن، المحنة تصيب المؤمن وتصيب غير المؤمن، ولكن المؤمن يفلسفها ويقبلها فتصبح خيرا عليه في دنياه وفي آخرته.

عثمان عثمان: الأخ علي محمد أبو مخ من فلسطين يسأل كيف نحفظ  المنحة طويلا بعد المحنة؟

يوسف القرضاوي: نحتفظ بالمنحة طويلا بأننا نقلل أسباب المحن ما استطعنا، نجتمع ولا نتفرق، نذكر الله سبحانه وتعالى كثيرا ولا ننساه، نقبل على الله عز وجل نتهيأ لأعدائنا ولا نغفل عنهم نحكم الأمور إحكاما بقدر ما نستطيع نحاول فتكثر علينا المنح وتزيد أيام المنح إن شاء الله تكثر علينا المنح وتزيد أيامها كثيرا، وعلى كل حال جاء في حديث صحيح مسلم الذي رواه سيدنا صهيب رضي الله عنه قال (عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سرّاء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضرّاء صبر فكان خيرا له) فهو على خير دائما في السرّاء وفي الضرّاء، في النعماء وفي البأساء، في الشدة وفي الرخاء، كسبان، المؤمن كسبان دائما لأنه عندما تصيبه السراء يحمد الله ويشكر الله فله الفضل، وعندما تصيبه الضرّاء وتصيبه البأساء وتصيبه الشدة يصبر عليها ويرضى بقضاء الله فيكون له في ذلك خير، فهو دائما على خير.

أطفال سوريا والامتحان الإلهي

عثمان عثمان: الأخ حيدر خليل يقول إذا أردنا أن نهلك قرية {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا }[ الإسراء: 16] هل كلمة الفسق التي تأتي هنا بهذه الآية هي المحنة؟ وإذا انطبقت هذه الآية على سوريا فما ذنب الصغار في هذا الامتحان الإلهي؟

يوسف القرضاوي: الصغار لهم ثوابهم وهذا يكتسب لهم عند الله عز وجل، فليس عقوبة عليهم أنا قلت إن دائما مش كل المحن عقوبة من الله، بعض المحن الله يبتلي بها المؤمنين الصادقين كما ابتلى المؤمنين الذين ذكرهم الله في سورة البروج، وكما ابتلى الأنبياء، الأنبياء الذين جاؤوا إلى قومهم يدعونهم إلى الله، فقابلوهم بالأذى وقابلوهم بالصدمة وقابلوهم بالتعذيب، هل هذا عمل للأنبياء شيء؟ { وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [البروج: 8].

عثمان عثمان: إذا كان الحديث مولانا عن المحنة وأهميتها في حياة المؤمن، هل على المؤمن أن يسعى إلى هذه المحنة أم عليه أن يستعيذ منها؟

يوسف القرضاوي: لا، يستعيذ بالله من المحن، ويستعيذ بالله من الشرور ومن المصائب وجاء عن الله سبحانه وتعالى علمنا الله سبحانه وتعالى أن نستعيذ من كل شر {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ، مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ، وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ، وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ} [الفلق: 1-5]  كلها شرور يستعيذ بالله تعالى منها، والمصائب من الشرور التي ينبغي للإنسان أن يستعيذ بالله تعالى منها ويتجنبها ما استطاع، لا يعرض نفسه لشدة أو لمصيبة، المؤمن لا يتعرض لهذا ولكن إذا نزلت به المصيبة يتقبلها قبول الرجال، بمعدن صلب وإرادة قوية وإيمان لا يتزحزح أبدا، هذا هو شأن الإنسان المؤمن الصادق دائما، لا يخاف من المحن ولكنه لا يسعى إليها، يسأل الله أن يعيذه من شرورها وأن ينعم عليه دائما بالأمن لا بالخوف، الإنسان، الله تعالى أنعم على الناس وقال {الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} [قريش: 4] يمن عليهم بالأمن، يمن عليهم بالنعمة، يمن عليهم بالغنا، يمن عليهم بالمال، هذا هو الخير الذي ينزله الله على الإنسان ويتمنى الإنسان يدعو ربه اللهم إني أسألك الهدى من أدعية النبي صلى الله عليه وسلم، (اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى)، لا يسأل الله الفقر، وكاد الفقر أن يكون كفرا، النبي عليه الصلاة والسلام استعاذ من الكفر والفقر فالإنسان يطلب الخير ويطلب النعمة من الله دائما فإذا نزل به الفقر أو نزلت به الشدة لا ييأس من رحمة الله عز وجل، بل يأمل أن يمن الله عليه ويزيده فضلا ويزيل عنه هذه الشدة.

عثمان عثمان: هنا قد يقع الإنسان بالفتن والابتلاءات والمصائب لكنه قد لا يكون مستعدا لمواجهتها، لم يهيئ نفسه لمثل هذه الابتلاءات، كيف يتصرف هنا في دقيقة واحدة لو تكرمتم؟

يوسف القرضاوي: لا بد أن يهيئ نفسه، إذا فوجئ بهذا لا بد أن يتعلم، من أهل الإيمان، لا بد أن يتعلم من أهل العلم، يتعلم من القرآن، القرآن يقول هذا لا بد منه ويعني لا بد للإنسان أن يصاب، تنزل به {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ، الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة: 155-156] إنا لله، رجوعنا يكون إلى الله يوفينا وإنا إلى الله راجعون، إنا لله ملك لله عز وجل وإنا إليه راجعون سنرجع سنجد عنده حسن الجزاء، فبهذا يستقبل المؤمن كل بلاء ينزل به فيصرف عنه الله البلاء ويخفف عنه الأذى ويقبل عليه إقبال المؤمن الحر فيحسن الله عاقبته ويكون يومه خيرا من أمسه وغده خيرا من يومه.

عثمان عثمان: في الختام أشكركم مولانا فضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي على هذه الإفاضة الطيبة، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة لكم تحيات منتج البرنامج معتز الخطيب والمخرج منصور الطلافيح وسائر فريق العمل، وهذا عثمان عثمان يترككم في أمان الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.