- مفهوم الثورة في الإسلام
- التخوين والتكالب على الاستئثار بالسلطة 

- داء العصبيات والحزبيات وسبل العلاج 

- الحد الفاصل بين الثورة والمؤامرة 

-  أولويات المرحلة القادمة من الثورة

 

 عثمان عثمان 
 سلمان العودة

عثمان عثمان: السلام عليكم مشاهدينا الكرام وأهلاً ومرحباً بكم على الهواء مباشرةً في هذه الحلقة الجديدة من برنامج الشريعة والحياة يقول الله سبحانه وتعالى في كتابة العزيز {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}[المائدة:٨] في حالة التخوين والتكالب على السياسة كيف نكون شهداء بالعدل؟ وما علاج داء العصبيات والحزبيات التي تطمس الحق وتورث العداوة والبغضاء؟ وما أولويات ما بعد الثورة (ثم لا يكونوا أمثالكم) موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة الدكتور سلمان العودة والذي ينضم إلينا عبر الأقمار الصناعية من السعودية من مدينة جدة مرحباً بكم فضيلة الدكتور..

سلمان العودة:

أهلاً وسهلا ومرحباً بكم والأخوة المستمعين والمستمعات الكرام.

مفهوم الثورة في الإسلام

عثمان عثمان:

نبدأ مع قوله عز وجل {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ}[محمد :٣٨] انطلاقا من هذه الآية دكتور هل الثورة هي لإبعاد أشخاص واستبدالهم أم أنها قطيعةً مع مرحلة وقيم ونظم ونهج؟

سلمان العودة:

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه أجمعين، الثورة دون شك يجب أن تكون قطيعةً مع منهج معين وليست استبدال شخص بشخص، كثيراً ما يكون الاستبداد هو بديلاً عن استبداد أيضاً كما يقول الحكماء لذلك أعتقد أن روح الثورة يجب أن تكون وتظل قائمة وباقية حتى يتم تغيير الأوضاع كلها بمعنى أن لا نقبل بأن يكون هناك استبداد يحل محل استبداد سابق أو شخص محل شخص آخر، ليست القصة هنا فقط تغيير اللافتات ولا تغيير الأسماء ولا استبدال أناس بأناس مثل ما الله سبحانه وتعالى في القرآن ذكر "يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ" بينما في آيات أخرى ذكر الله تعالى الاستخلاف فأنا هنا ألحظ مسألة الاستبدال كأنها خطاب لأولئك المستضعفين الذين مكنهم الله ولذلك جاءت في سورة القتال في سورة محمد {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} [محمد :٣٨] بينما الاستخلاف جاءت في مخاطبة أولئك الذين أصبح لهم شأن وأصبح لهم سلطة واستخلفوا في الأرض فمكنوا فيها، إذن هنا القصة ليست تبديل عناوين ومن أخطر ما يمكن أن تقع فيه الثورات أن تصاب بالمشكلة التي ثارت من أجلها أو تقع في الخطأ الذي ثارت من أجله إذا كانت الثورات قامت على رفض المظالم، قامت على محاربة التخلف التنمية، قامت على القضاء على الصراعات القائمة بين الأجناس والفرق والمدن والأقاليم قامت على محاربة الأثرة، قامت على قمع الكثير من الحكومات المستبدة للمعارضة مجموعة من المظالم كانت هي السبب في حصول الثورة، فهنا أخطر ما يمكن أن تصاب به الثورات هو أن تقع في هذه الأشياء التي ثارت عليها وهنا يقع ما يسميه الناس عادةً بالثورات التصحيحية فالثورة ليست هي نهاية المطاف ولا نهاية التاريخ ولذلك الذين نجحوا ومكنوا الله سبحانه وتعالى خاطبهم وقال لهم وإن تتولوا ولا تلتزموا بالشعارات التي رفعتموها والمعايير التي أطلقتموها والحق الذي تجمعتم عليه يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم .

عثمان عثمان:

ذكرتم الاستخلاف فضيلة الدكتور والذي ورد في مواضع عدة في كتاب الله عز وجل منها قوله سبحانه وتعالى {ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ}[يونس:١٤] ما أهمية استحضار مثل هذه الآيات في واقعنا الذي نعيشه اليوم؟

سلمان العودة:

هو الحق أن هذه الآيات العظيمة الكريمة هي إرشاد وضبط لمسار كثير من الحراك الشعبي في العالم الإسلامي نحن الآن أمام ثورات نجحت في تونس وفي مصر وفي ليبيا وأمام ثورات أخرى نأمل أن تكون على طريق النجاح في اليمن وكذلك في سوريا وربما في دول أخرى، فهنا قصة انتقال الناس من شجرة الثورة إن صح التعبير التي كانوا عليها يغردون يوماً من الأيام إلى حقل الواقع العملي واقع الحياة إلى حقل الإنجاز والإبداع والتنمية إلى حقل ما يسمونه الانتقال من الثورة إلى الدولة هذا معنى مهم جداً يعني لن تكون الشعارات التي رفعناها بالأمس لن تكون كافية اليوم وربما نختلف على هذه الشعارات ذاتها، فالحاجة ماسة هنا إلى أن نتفطن إلى أهمية بناء الدولة، الاجتماع على الدولة باعتبار أن الدولة تمثل إرادة الجميع ليست إرادة مدينة بعينها ولا إرادة منطقة ولا إرادة حزب أو طائفة أو تيار أو حتى لو فرض أن هناك تجمعات ومكونات للمجتمع من أي ملة كانت، الدولة يفترض أن تكون تمثل المجموع فبدلاً من أن ينهمك الناس فيما يمكن أن يعبر عنه بأنها الغرائز، غريزة الانتقام غريزة التشفي غريزة الثأر وهي أيضاً غريزة عربية كما يقال عن أحد العرب لما سأل أيهما تحب أن تدرك الثأر أو تدخل الجنة قال لا أحب أن أدرك الثأر وأدخل النار، فهذه الروح الثورية التي ربما توجد أحياناً عند بعض الناس يعني ليس خاصاً بالعرب ولكن ربما العرب من الناس الذين تاريخهم يضج بمثل هذه المعاني فإن يتحول واقعنا الحاضر أو مستقبلنا إلى تصفية حسابات مع الماضي هذا ما معناه؟ معناه أننا سمحنا للطاغية أن يحكمنا من قبره أو يحكمنا من منفاه أو يحكمنا من سجنه كيف يحكمنا من خلال أنه غرس مجموعة من الخلافات والأحقاد والانتقام والتشفي والتاريخ أنه كان يستخدم سياسة التفرقة فرق تسد، وبذلك يعني شغل الناس طويلاً عن بناء المستقبل فلا مناص لنا هنا من التسامي عن مثل هذه الأشياء والانتقال إلى مرحلة بها روح جماعية بناء المؤسسات وإعادة الحياة إلى وضعها الطبيعي وبناء الدولة التي فيها العدل وفيها إمكانية حصول الإنسان على حقوقهم فيما إذا كان حقوق منسوبة لي .

عثمان عثمان:

يقول الله عز وجل {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ }[المائدة:٨] تنزيل هذه الآية على واقع الثورات العربية؟

سلمان العودة:

طبعاً لا شك أنه بالنسبة للقيم القرآنية هي دائماً قيم حاكمة ينبغي أن يكون دور الدعاة والعلماء والمصلحين هو توجيه الناس إليها مع أن يضعوا في اعتبارهم أن الناس قد يجتاحون إلى وقت أحياناً حتى تصفو قلوبهم ونفوسهم لسماع مثل هذا التوجيه، أعني أن بلاداً عاشت فترات طويلة ربما عشرات السنين من الظلم والعدوان والمصادرة ثم فوجئت بفراغ كامل بعد ذهاب مؤسسات الطاغية السابقة مؤسسات الاستبداد، هنا وجد فراغ والناس لم يتعودوا على ملأ هذا الفراغ بطريقة صحيحة فربما يحدث من جراء ذلك حالات أشبه ما تكون بانتكاسات معينة، وأنا هنا أستذكر الطرفة الحكاية التي يقولون إن رجلاً كان يمضي في أحد شوارع طهران يمشي إلى الوراء ويهمهم ببعض الكلمات فسألوه ماذا تصنع؟ فقال أريد أن أكفر عن أيام المظاهرات الحراك والمشاركات التي كنت أشارك فيها مع الثوار طبعاً هو يقصد أن يشير بهذا إلى أنه لم يحصل على الأحلام والتطلعات التي كان يطمح أن يحصل عليها، فمن أخطر ما يمكن أن يحدث أن تقع بعض الأخطاء أو بعض التجاوزات وأن تقع فئات من الثورة في الجرائم التي كانت تحذر منها أو ثارت عليها مما يترتب عليه إحساس الناس بأن موازنة إما الأمن مع الظلم ومصادرة الحقوق أو الثورة ومعناه ضياع الأمن أن يبدأ الناس يفكرون بمصداقية بنوع من المصداقية لهذه القضية فأنا أقول السنة النبوية سنة الرسول عليه الصلاة والسلام أنه استطاع في حركته وفي مشروعه النبوي استطاع استيعاب الناس كلها الذين دخلوا في الإسلام وكانوا أعداء فترة طويلة ربما تحول بعضهم إلى قادة في الجيوش وإلى أمراء وإلى مبعوثين ورسل إلى القبائل وإلى أقوامهم وكذلك في المدينة النبوية مع وجود التشكيلة المختلفة الفسيفساء المعاهدات مع اليهود أبرمها النبي صلى الله عليه وسلم استيعاب المنافقين أن يكونوا جزءاً من المشروع الإسلامي الوثنيون أيضاً لم يحتج الرسول عليه الصلاة والسلام إلى أن يقيم لهم مقاصل أو مجازر أو محاكمات أو لجان تحقيق حتى وإنما كان هناك حراكاً دعوياً ناضجاً صبوراً استوعب كل هذه الأطياف فأقول لا يجب أن يكون الماضي وسيلة لأن نصفي الحسابات بصفتنا الشخصية مع أولئك الأشخاص الذين لنا مواقف معهم، نعم هناك أشياء يجب أن تصفى ولكن بواسطة المؤسسات وبواسطة المحاكم العادلة والنزيهة إذا كان الماضي مثلاً في بلد ما هناك عشرات الآلاف من السجناء بلا محاكمة وبلا قضية وبلا جريمة وبلا حقوق لا يجوز أن يتكرر مثل هذا الواقع بعدما من الله علينا بالانتصار وحقق الله لنا ما نريد الله سبحانه وتعالى قال {قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ}[الأعراف:١٢٩].

التخوين والتكالب على الاستئثار بالسلطة

عثمان عثمان:

دكتور ذكرتم جملة من الأمراض وربما سقتم المزيد من معالجات هذه الأمراض، هناك مرض التخوين، هناك مرض التكالب على السياسة، التكالب على السلطة، أمام هذا الواقع المرير هناك دماء دفعت أثمان للوصول إلى حالات من الحرية كما في بعض البلدان العربية كيف يمكن أن نحول دون الوقوع في مثلبة التخوين مثلبة التكالب على السلطة الاتهامات المتبادلة؟

سلمان العودة:

هذه مشكلة كبيرة أولاً يجب أن ندرك أن طي صفحة الماضي بالتأكيد ليس بالأمر السهل والله سبحانه وتعالى وضع في القرآن الكريم الضوابط ومن أهمها وأوضحها في سورة الحجرات قوله تعالى{ وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ۚ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴿٩﴾ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴿١٠﴾}[الحجرات:9-10] ،هنا الإشارة إلى طائفتين من المؤمنين إذن على سبيل المثال القتال الذي حصل في ليبيا هو قتال في الجملة بين مسلمين ومسلمين، وربما ضرورة المواجهة الأمنية التي حدثت حملت الناس على أن يستخدموا السلاح في هذه المواجهة، منّ الله تعالى بالنصر هنا يجب أن يعود السلاح إلى مواقعه ويعود الجنود إلى ثكناتهم يجب أن يكون هناك خطة واضحة ورشيدة لاستيعاب السلاح وليس لاستيعاب السلاح فحسب وإنما لاستيعاب الناس جميعاً استيعابهم في برامج وفي أعمال وفي مشاريع والاستماع إليهم ومخاطبتهم بشكل مباشر وعدم السماح لوجهات النظر الخاصة لمجموعة حتى لو كانت مجموعة محترمة ومجموعة ربما لها مشاركة في الثورة هنا لا يجوز أبداً أن تتحول مشاركتنا في الثورة وما منّ الله تعالى علينا به من النصر إلى أن تكون نوعاً من التغني الدائم بهذه الأمجاد.

عثمان عثمان:

بالعودة دكتور إلى الآيات التي ذكرتموها، بالعودة إلى الآيات التي ذكرتموها آنفاً{وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا}[ الحجرات:9] هناك من يسوق هذه الآية على ضرورة الإصلاح بين بعض الأنظمة التي سفكت الدماء وأجرمت بحق شعوبها وبين هذه الشعوب هل تنطبق هذه الآية على مثل هذا الواقع؟

سلمان العودة:

هو الآية الكريمة هي تحدثت عن طائفتين من المؤمنين وخاطبت مجموعة أخرى بالإصلاح فأصلحوا بينهما إذن هنا المطالبة بالإصلاح هي تتوجه إلى جهة أخرى ذات قوة وذات قدرة تستطيع أن تخاطب هؤلاء وهؤلاء وفي حالة وجود طرف يرفض الإصلاح فإنها تتعامل معه بأسلوب آخر، هذه الآية من حيث الجملة والتطبيق الحرفي إنما تتحقق في حالة وجود قوة للجماعة المسلمة للأمة المسلمة تسمح بممارسة مثل هذا الشيء، أما فيما يتعلق بالحراك الثوري في الدول فلا شك أن كل دولة لها وضعها ولها ظروفها ولكنني أنا أعتقد أن الأنظمة التي بطشت وسفكت الدماء ودعنا حتى نسمي الأشياء بمسمياتها ما يتعلق الآن الأمر في سوريا على سبيل المثال هنا لم يعد الحديث عن الإصلاح مجال لأن الدماء التي سفكت يعني بضعة آلاف من الناس والتهجير والقتل ومصادرة الحقوق وكون الإصلاح هنا مجرد حبر على الورق إصلاح على الورق أو مجرد شعارات لتزيين الواقع هنا القضايا جوهرية..

عثمان عثمان:

هل هنا الآية {فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ}[الحجرات:9]؟

سلمان العودة:

نعم.

عثمان عثمان:

هل يمكن أن ننتقل في هذه الحالة التي تتحدثون عنها إلى الجزء الآخر من الآية {فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ}[الحجرات:9]؟

سلمان العودة:

هو بدون شك أن الثورات كلما كانت الثورات سلمية يفترض أن يكون هذا هو الخيار المطلوب وهذا أجمل ما كان في ثورة تونس وفي ثورة مصر أنها كانت ثورة سلمية وثورة هادئة وثورة بعيدة عن حمل السلاح، ربما النموذج الليبي كان استثناء وسبب فيه ربما العزل والقتل المباشر الذي استخدمته كتائب الطاغية السابق في مواجهة العزل في بنغازي وفي غيرها مما جعل الناس مضطرين للدفاع عن أنفسهم ثم حصل بعد ذلك التدخل الدولي، أعتقد أن الوضع في سوريا الآن يكاد يتجه إلى أن يشبه الوضع في ليبيا من حيث أن آلة العسف والجيش واستخدام الأمن والشبيحة وغيرهم وقتل الناس ومواجهة مثل هذه المطالب بمثل هذا الأسلوب العسكري أنه حمل الناس ولو جزئياً كما وجدنا الآن ما يسمونه بالجيش الحر وحالات انشقاق عديدة عن الجيش النظامي أنه حمل الناس على هذه المواجهة.

عثمان عثمان:

أقصد هنا الطرف الثالث، الطرف الثالث الذي ينبغي أن يكون له دور نتحدث ربما عن أنظمة عربية عن بلاد عربية عن بلاد إسلامية أن تقوم بهذا الدور؟

سلمان العودة:

هو الطرف الثالث أنا أعتبر أنه غائب حقيقة إلا إذا أردنا أن نتحدث عن المؤسسات الدولية كالأمم المتحدة أو غيرها أما عربياً فهذا الطرف غائب ربما الجامعة العربية خلال هذا العام بدأت تمارس دوراً قد نستطيع أن نقول أنه أفضل فيما يتعلق ببعض النماذج السابقة، لكن فيما يتعلق بالوضع السوري أجد أن الأمر يراوح مكانه وأنه ليس هناك تفاعلا جيدا وحتى البعثة التي تم إرسالها لم يكن أدائها واضحاً بما فيه الكفاية ولا موقف الحكومة منها واضح أيضاً، الحقيقة الناس يتساءلون وأنا واحد منهم ليس لدي وضوح في موقف الجامعة العربية هل القصة هنا قصة جادة لحماية الشعب أم أنها تغطية على جرائم النظام أم أن الجامعة العربية لا زالت هي الأخرى لم تحدد موقفها من القضية السورية.

عثمان عثمان:

فضيلة الدكتور الآن في إطار الثورات ما انتصر من هذه الثورات أو الثورات التي ما زالت مستعرة، هناك تنافس حاد ربما على مستوى الوطني على مستوى الإسلامي الإسلامي على مستوى الوطني الإسلامي كيف يمكن أن تتحول هذه الثورة غنيمةً للجميع؟

سلمان العودة:

هذا هو المهم صراحةً يعني أن ننظر إلى الثورة على أنها الجميع فيها رابحون أما إذا أردنا أن ننظر إلى الثورة على أنها عملية إبدال نظام بنظام أو شخص بشخص، فهذه أنا أعتقد أنها تكون أزمة غير عادية، الحقيقة ربما أريد أن أقول إنني متفائل أنا متفائل على الرغم وجود بعض الأخطاء وبعض السلبيات سر تفاؤلي أن حصول هذه الأخطاء عندي مفهوم، بسبب أن الأنظمة المستبدة الأنظمة الظالمة هي بطبيعتها تستحوذ على كل شيء، في ليبيا على سبيل المثال كان ما يسمى باللجان الثورية التي تحكم البلد كانت أداة بيد النظام، والنظام الذي يقول أنه لا يحكم وليس بيده شيء كان بيده كل شيء ومن خلال القبضة الأمنية والاستخبارات كان يملك كل شيء، وظهر هذا جلياً بعد انتصار الثورة وتحقق يعني زوال النظام فانكشاف هذا النظام أوجد فراغاً كبيراً، هذا الفراغ الكبير ربما الكل يسعى إلى سده، ولذلك ظهرت شخصية المدينة مثلاً هذه بنغازي وهذه طرابلس وهذه مصراتة وهذا الجبل وهذه البيضاء وهذه درنه وهذه غريان وهذه سرت وهذه سبها فظهرت شخصية المدينة وظهرت شخصية القبيلة لم تظهر كما كان الناس يتوقعون بشكل واضح ربما ظهرت شخصية التكوينات والتشكيلات الحزبية، ظهرت تشكيلات الثوار كمجموعات معينة استيعاب كل هذه الأشياء مطلب، ولذلك الإسراع بسحب السلاح من الناس من خلال الإغراء بالمال ومن خلال تحويل الثوار إلى منتمين إلى جهات معينة كالجيش كالأمن كالحرس كغيرها من القوة التي تنتمي إلى الدولة وتأخذ مرتباتها من الدولة وكذلك إعطاء الناس حقوقهم، سوف يجعل الأمور تعود إلى نصابها يعني هذه حالة ربما أعبر عنها بأنها انتقالية، وأنا متفائل في أن تفلح الدولة في بسط سلطتها على الجميع وأن يدرك الجميع أنه لكي تكون الثورة مكسباً لهم جميعاً للثوار ولعامة الناس الذين كانوا ضعفاء ربما كانوا مستضعفين يعني ما بين مطرقة النظام وسندان الثورة لم يكونوا قادرين أن يعبروا عن شيء نحن نعرف أن في الزاوية وفي عدد من المدن وفي أجدابيا وغيرها كان الناس يخرجون مع الثورة فإذا استعاد النظام السلطة على هذه المدينة كان يقوم بمجازر رهيبة وعمليات قتل وسحل وبطش منقطع النظير وهذا لا شك أنه أثر على فئة من الناس.

عثمان عثمان:

إذن جلاء الثورة الليبية ربما أفرز بعض العصبيات على مستوى المدن على مستوى القبائل على مستوى الأحزاب ما علاج داء هذه العصبيات كيف يمكن أن نوظف العصبيات في إطار بناء إيجابي لمشروع الدولة أسمع الإجابة إن شاء الله بعد أن نذهب إلى فاصلٍ قصير فابقوا معنا مشاهدينا الكرام نعود إليكم بإذن الله بعد الفاصل.

[فاصل إعلاني]

داء العصبيات والحزبيات وسبل العلاج

عثمان عثمان:

أهلاً وسهلاً بكم مشاهدينا الكرام من جديد إلى حلقة هذا الأسبوع من برنامج الشريعة والحياة والتي هي بعنوان (ثم لا يكونوا أمثالكم) مع فضيلة الشيخ الدكتور سلمان العودة والذي ينضم إلينا مجدداً عبر الأقمار الصناعية من جدة في المملكة العربية السعودية دكتور داء العصبيات الحزبيات على مختلف تنوعاتها وأشكالها ما علاج مثل هذه الأمراض؟

سلمان العودة:

هو أولاً حين نعود إلى التاريخ الإسلامي سنجد أول خلاف نشأ بين الصحابة رضي الله عنهم كان الخلاف في السقيفة على مسألة الولاية والإمامة خلاف عملي ميداني، والشهرستاني صاحب الملل والنحل له كلمة يقول فيها أن أعظم سيف سل في الإسلام هو الخلاف على السلطة والخلاف على الخلافة والحكومة سواء صح هذا الكلام أم لم يصح إلا أنه بدون شك أن شبح الخلافة الذي يمكن يتحول إلى نزاع يؤثر على مستقبل البلد أنه احتمال قائم وأنا أؤكد مرة أخرى أنني تكون الأمور أطول مما يتوقع الكثيرون وأن يتسامى الناس على مصالحهم الشخصية بل على آلامهم وجراحهم لأن المشكلة الكبيرة هي الكثير من الآلام والجراح التي واجهها الناس هناك، كان هناك حالات قتل حالات اغتصاب حالات إذلال حالات تفرقة مقصودة ولفترة طويلة جداً، خلاص الناس من مثل هذه المشاعر والمعاني والتأثيرات إلى أن يرتقوا ويتساموا هو في شك مبدأ نبيل ومطلب جليل والنصوص الشرعية والتاريخ والواقع والتجربة كلها تدعو إلى محاولته ولكن مع ذلك الطبيعة البشرية تؤكد أنه يحتاج إلى وقت حتى يصل الناس إلى هذا المستوى ويرتقوا عن مثل هذه الأشياء خصوصاً إذا ساعد على ذلك وجود مؤسسات وهذا هو الأمر المهم أن تتحول المجالس الانتقالية والحكومات الانتقالية المؤقتة أن تتحول إلى أدوات فاعلة وأن يكون بيدها من الصلاحيات ومن الأموال والثروة والإمكانيات وأن يكون لديها خطة أيضاً متكاملة لإرضاء الجميع ولأم الجراح واندماج الجميع في أعمال ومشاريع وبرامج ووظائف وأيضاً وجود مؤسسات قضائية نزيهة لأنه في حالة إذا ما كنت أنا أريد أن أقول أن لن أتخلى عن حقي ولن أتسامح الله سبحانه وتعالى يقول {وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ} [الشورى:37] فهنا المغفرة مع الغضب مستوى سامي وراقي ولكن هناك أماس لم يغفروا فمن حقهم ليس أن ينتقموا وإنما أن يحتكموا إلى جهة عدالة وقضاء .

عثمان عثمان:

هل تجب الثورة ما قبلها ؟

سلمان العودة:

يعني التوبة تجب ما قبلها والثورة هي توبة في حقيقة الأمر، ولذلك يجب أن نقول مثلما كان عندي مقال سابق بهذا العنوان الثورة تجب ما قبلها ما معنى هذا الكلام معنى هذا الكلام أن أولئك الناس الذين انضموا إلى الثورة وشاركوا فيها، علينا أن لا نبعث تاريخهم الماضي أو نفتش في أرشيفهم وملفاتهم هناك أناس يتكلمون عن فلان ربما كان موظفاً وفلان ربما كان وزيراً وفلان كان قاضياً وفلان كان حتى أستاذاً في الجامعة وفلان أخذ كذا وفلان أخذ كذا أنا أعتقد إن اندماج الناس في الحراك الثوري ومشاركتهم ينبغي أن يكون كافياً في التعبير لأن هنا هذه ثورة الجميع ليست ثورة مدينة وليست ثورة طائفة ولا ثورة حزب أو جماعة أو تيار هؤلاء شاركوا حتى في صناعتها حتى وفي تأسيسها زد على ذلك أننا نلاحظ دائماً أن الأنظمة المستبدة في العالم العربي هي أنظمة شمولية، بمعنى أنها تمسك بأطراف الأشياء كلها فالذي يريد أن يحصل على وظيفة أو على عمل أو على تجارة أو على منصب أو حتى الحياة نفسها أحياناً والاستقرار لا يحصل عليه إلا من خلال أن يمد خيطاً ولو رفيعاً مع الجهات الرسمية فلو أردنا أن نفتح مثل هذه الملفات مع أناس كانوا جزءاً من الثورة معناه أن الثورة انقسمت وانشقت على نفسها وهذا خطر كبير.

الحد الفاصل بين الثورة والمؤامرة

عثمان عثمان:

دكتور تحدثت عن الثورة الليبية عن بعض الثورات التي انتصرت في تونس في مصر الآن عن الثورات التي ما زالت مستمرة هناك من الأنظمة الاستبدادية من يخلط بين الثورة وبين المؤامرة هناك من يخلط بين الثورة وبين التخريب ما الحد الفاصل بين كل ذلك؟

سلمان العودة:

طبعاً الثورات كانت شيئا مفاجئاً ربما كلنا نلاحظ مقالة فريدمان هذا الأسبوع الذي يتكلم عن الفيلة قد تطير وهذه الملاحظة أن الثورات كانت مفاجئة لأجهزة الاستخبارات الغربية ومراكز الأبحاث الإستراتيجية وللعالم الغربي وللبلاد أنفسها البلاد التي حدثت فيها الثورات كانت تتميز بقوى أمنية وبملاحقة وبتقارير وكان أحياناً نسبة معتبرة من الشعب كانوا أمنيين، ومع ذلك لم يتوقعوا هذا الذي حدث إذن من طبع الناس حينما يقع شيء مفاجئ أن يميلوا إلى تفسيره بأنه جزء من المؤامرة، ولذلك أقول من المؤكد أن الولايات المتحدة الأميركية مثلاً والغرب لم يكونوا يتوقعون هذه الثورات بهذه الصورة ولم يكونوا يرحبون بها أيضاً لأنها كانت ثورات على حلفائهم فلا أحد يجهل العلاقة ما بين النظام المصري وأميركا مثلاً أو بين النظام التونسي وأوروبا وكذلك النظام الليبي عادت علاقاته من جديد مع تلك الدول ولكن وأيضاً هو ما يسمى بالأمن الإستراتيجي للدولة الصهيونية يعتبر أكثر أماناً في ظل الظروف السابقة، ولذلك نجد أن إسرائيل نفسها والنظام الصهيوني والإعلام الصهيوني لم يرحب بهذه الثورات أبداً وربما كان ينادي باستخدام القوة والعنف ضد الشعب المصري وقمع المظاهرات بالقوة وقدم نصائح بهذا المضمار وهناك مؤتمر هرتزل عقد في تل أبيب وعالج قضية الثورات قبل شهرين وتحدث بوضوح عن الخطر الذي يهدد إسرائيل ويهدد الغرب، الغرب الآن يتعامل مع الثورات كواقع وهو الغرب يتعامل بلغة براغماتية بمعنى أنه يدرك أنه من مصلحته الآن أن يتعامل مع هذه الثورات كواقع ويستطيع الآن أن يضمن الكثير من مصالحه الإستراتيجية قضية الموارد البشرية، قضية منع الهجرة إلى الغرب، قضية ضمان أسواق استهلاكية قضية ضمان أمن إسرائيل أو محاولة ضمانه من خلال التعامل مع الواقع القائم هذه يفلح فيها الغرب لكن بدون شك أن الغرب لم يكن طرفاً في هذه الثورات وإنما هو يحاول أن يستفيد منها أو على الأقل يتجنب أشد الخسائر.

عثمان عثمان:

هناك بعض الأشخاص فضيلة الدكتور ينشقون عن الأنظمة الاستبدادية القائمة مجرد أن ينشق هذا الرجل أو هذا الشخص، الإعلام يجند كل وسائله النظام يجند كل وسائله الإعلامية لإشاعة جو أن هذا الرجل هو فاسد أخلاقياً فاسد سياسياً فاسد اقتصاديا، هناك من ينساقون خلف هذه الإشاعات ما النصيحة التي يمكن أن توجه لهؤلاء المغرر بهم؟

سلمان العودة:

هذه طريقة الأنظمة منذ قديم عملية الحرب الإعلامية على المخالفين وتحويلهم إلى مجرمين هذه قضية ولذلك أنا أقول فيما يتعلق فيما بعد الثورات علينا أن نستذكر قول الله تعالى {ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ ﴿٧٠﴾قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ ﴿٧١﴾}[يوسف:70-71] ، إذن حين يتم الحديث عن سرقة مال من خلال الفساد المالي أو جزء مما يسمى سرقة الثورة ينبغي أن يكون هذا مادة للحديث بين الثوار والاستعداد للحوار الموضوعي أمام هذا، أما ما تشيعه تلك الأنظمة وسائل إعلامها المؤممة الموجهة فهو كلام ربما يعني من الواضح أنه يوظف لحرمان الناس من ذلك وممارسة الضغط ولذلك أقول أن هناك أناساً ربما كان المتوقع أن يكون موقفهم أفضل أنا أجد على سبيل المثال في الوضع السوري وجود حالة من التوافق على المجلس الوطني هذا مكسب كبير ويجعلنا نقول للأخوة في سوريا لا يجوز أبداً أن تختلفوا على جلد الأسد كما في المثل قبل أن تصطادوه وهذا معنى مهم، ولكن الناس أيضاً يستغربون أن هناك شخصيات في سورية ربما كان من المتوقع أن تكون في صف كلمة حق عند سلطان جائر أو أن تكون قائمة بأفضل الجهاد أنا أذكر على سبيل المثال الأستاذ محمد سعيد رمضان البوطي وهو رجل له تأليف وله تاريخ معين، فمما يستغرب أن يظل الشيخ يتحدث مدافعاً عن النظام في هذه المرحلة أنا أناشده من هذا المنبر أن ينضم إلى ليس إلى ركب الناجين من هذا القارب المعطوب فحسب بل أن ينضم إلى ركب كلمة حق عند سلطان جائر وإلى ركب أفضل المجاهدين وسيد الشهداء إن كتب الله له الشهادة فإن لم يفعل فعلى أقل تقدير أن ينضم إلى ركب صمت، لحظة صمت عند سلطان جائر، لا يجوز أن يصبح الخوف من الهجوم الإعلامي سبباً في أن يبرر الإنسان الباطل.

أولويات المرحلة القادمة من الثورة

عثمان عثمان:الثورات العربية انطلقت دكتور لها مطالب عدة الكرامة الحرية ومنها الإصلاح بعد انتصار الثورات في بعض البلدان العربية ما أولوياتها من أين تبدأ بالإصلاح؟

سلمان العودة:

هذا سؤال كبير دون شك يعني ما بعد الثورات هو موضوع في غاية الأهمية، الثورة ليست هدفاً بذاتها هي وسيلة ولا يمكن أن يظل الناس في ثورة لا تتوقف، إلا إذا فهمنا أن الثورة هي روح هي حالة من التطوير والتغيير والتجديد والإصلاح والثورة على الذات نفسها على التقليد على الهوى الدعوى التغيير المستمر وإلى التجديد والإصلاح هذا معنى مطلوب ولذلك أنا أعتقد أن الأولوية هي لبناء مؤسسات الدولة بشكل صحيح، والأولوية لوضع دستور واضح يتوافق عليه الجميع بحيث يضمن هذا الدستور مثلاً فصل السلطات، فصل السلطة القضائية السلطة التنفيذية السلطة التشريعية بشكل واضح تماماً، ليكون هناك قدرة على مقاومة الفساد هذا معنى مهم جداً، كذلك بطبيعة الحال سيكون من أولويات هذا الدستور تكريس مرجعية الشريعة لأن جزءاً من الحراك الثوري كان ثورة على مصادرة الحريات كان من أهم الحريات التي يريدها الناس حرية التعبير، والناس إذا ملكوا حرية التعبير سيعبرون عن رغبتهم في الإسلام كمرجعية عليا، نحن نعرف ماذا لاقته تونس في عهد بورقيبه ثم في عهد بن علي مثلاً وكذلك في أكثر من دولة عربية من حرمانهم حتى من حقوقهم في العبادة أو في اللباس أو في التعليم أو غير ذلك من انتهاك الهوية الإسلامية بحيث تستطيع أن تقول أن الهوية في أكثر من بلد كان يمكن أن تكون أي شيء إلا أن تكون هوية عروبية هوية إسلامية فهذه أيضاً من الأولويات المهمة، قضية توافق الناس على المبادئ الدستورية الحاكمة لهذه المرحلة بما في ذلك التداول على السلطة ولذلك أقول الإسلاميون هم أحد الأرقام المهمة في الثورة شاركوا في الثورات هم ربما الفصيل الأكثر ثباتاً وصبراً من المعارضة التي ربما انتهت المعارضة اليسارية وغيرها في الغالب وأصبحت أكثر معارضة باقية هي المعارضة الإسلامية على رغم السجون والمعتقلات والقتل والإيذاء والتشويش والتشنيع بكافة الوسائل إلا أنها أثبتت حضورها وهذا يعني أن من حق هذه المعارضة الإسلامية وقد شاركت في الثورة ونجحت وأيضاً حازت على نسبة كبيرة من تصويت الشعب في تونس وفي مصر وفي ليبيا سيقع الشيء ذاته في اعتقادي، من حقها أن تأخذ دورها بشكل واضح وأن تمارس هذا الدور وأيضاً هذه المعارضة بطبيعة الحال سوف تسمح بالتداول بمعنى أنه لا تعتقد إذا آلت النوبة إليها فستمارس هي نوعاً من التسلط أو نوعاً من الاستبداد لا أعتقد أن هذا وارد أو حادث وإنما سيكون هناك مشاركة من جميع القوى الفاعلة وسيكون هناك قبول بالتعددية السياسية، وسيكون هناك قبول بالتداول على السلطة لأن التجربة الإسلامية ليست شيئاً مقدساً هي محاولة بشرية ويمكن أن تنجح في بلد وتخفق في بلد آخر أو تنجح في مرحلة وتخفق في مرحلة أخرى أو تنجح في جانب وتخفق في جانب آخر، أعتقد أن وعي الإسلاميين بهذا وتواصلهم مع الأطراف الأخرى وواقعيتهم وإدراكهم لطبيعة الظروف التي يتحركون بها بحيث يوجدون فرصة ومناخاً جيداً يبعد كل الأشياء التي يقولها عنهم خصومهم في الماضي من أن هؤلاء استئصالين وأنهم إذا وصلوا إلى السلطة سوف يقضون على الديمقراطية ويمارسون أبشع ألوان الاستبداد أو غير ذلك مما كان يدندن فيه الخصوم أو كان الطغاة السابقون يجعلونه فزاعة لتخويف الشعوب من الإسلاميين أو لتخويف الغرب من الإسلاميين.

عثمان عثمان:

البعض يسأل دكتور وهنا أنقل لك سؤال السيد معتز الجندي يقول هل الإسلام السياسي اليوم قادرٌ على بناء ثقافة الاختلاف مع الآخر بمفهومٍ عصري وحضاري وصهر هذا الاختلاف في بوتقة النظام السياسي الجديد للدولة؟

سلمان العودة:

أنا أسأل نفسي هنا مع الأخ معتز بالنسبة للإسلاميين من المعروف أنهم في الماضي كانوا يتحدثون عن قضية الطاعة والسمع والطاعة وثقافة السمع والطاعة ومحاولة إيجاد صيغة أكثر اعتدالا وتوازناً لا تجعل أن الواجب هو فقط طاعة الحاكم، وإنما تجعل الواجب هو أيضاً حق المواطن في التعبير وفي الدفاع عن نفسه وفي النقد وفي ملاحقة الخطأ وهذا جزء من حقوق الإنسان المقررة في الشريعة والمقررة في الدساتير العالمية اليوم، وحق الإنسان حتى في تنظيم المؤسسات والوسائل وغيرها فهنا أسأل نفسي وإخواني هل الإسلاميون إذا وصوا إلى السلطة وقد وصلت طلائعهم، هل سيغيرون مفهوم الطاعة الذي كانوا يتحدثون عنه بحيث تصبح الطاعة طاعة مطلقة، أم سيظل الإسلاميون يتحدثون عن طاعة فيها قدر من الاعتدال، البوادر إيجابية وأنا أعود لأضرب المثل في تونس، تونس الذي ألهمت الثوار بداية الحراك الثوري هي الآن تلهم الثوار أيضاً نمطاً معتدلاً في التعاطي مع الأوضاع القائمة ومع الأحزاب فنحن نجد حزب النهضة مع أنه حاز على أغلبية إلا أنه تقبل بسلاسة أن يكون رئيس الدولة من حزب آخر وشخص ليس إسلامياً ولكن أداءه كان جيداً، إذاً القبول بهذا المبدأ هو بداية إيجابية وأعتقد أن الإسلاميين الذين عانوا من العسف وعانوا من الظلم هم سيكونون حريصين على أن لا يقع العسف أو الظلم من الآخرين لسبب أو لأسباب من أهمها أنهم يدركون أن سر نجاحهم هو التعامل الإيجابي مع المكونات الأخرى للشعوب والأحزاب والتجمعات.

عثمان عثمان:

أيضاً هناك سؤال من الأخ عبد الله هل مغازلة حزب النور وحزب الحرية والعدالة والتنمية للغرب اليوم هو من باب فقه الواقع وسد الذرائع؟

سلمان العودة:

هو نحن لا نعرف الغرب إلا من خلال تاريخ الحروب الصليبية بشكل مختصر بينما الغرب هو عبارة عن حكومات وشعوب وجمعيات وتجمعات، وربنا سبحانه وتعالى يقول في محكم التنزيل{لَيْسُوا سَوَاءً ۗ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ}[ آل عمران:113] لذلك أعتقد أن الآن هناك فرصة أعبر عنها هناك فرصة أعبر عنها أنها فرصة تاريخية لبناء علاقة جديدة علاقة احترام وعلاقة توازن إذا الغرب استطاع أن يتفهم واقع الشعوب الإسلامية ومطالب الشعوب الإسلامية وهذا ما وجدناه في تصريحات عدد حتى من السياسيين الغربيين، أن الغرب اليوم أمام واقع جديد حكومات هي وطنية أكثر وطنية وحكومات التعامل معها صعب ولكنه ليس مستحيلاً، أنا أعتقد أن هذا المبدأ جميل إذا استطاع الغرب أن يدرك أن هذه الحكومات الجديدة تمثل شعوبها وأنه ليس له أمن حتى في الحصول على الموارد التي يريدها وعلى الخيرات وعلى النفط وعلى المصالح المادية المختلفة أو الاقتصادية أو الأمنية إلا من خلال علاقة ندية إن صح التعبير مع العالم العربي والعالم الإسلامي، الغرب ربما في فترات كثيرة جداً نحن نجد أن أميركا مثلاً في تعاملها مع كوريا الجنوبية مع اندونيسيا في فترة مضت مع عدد من الدول يعني مع بلغاريا وغيرها كانت تقف إلى جانب الطاغية حتى إذا رأت أن الكرسي يهتز من تحته أنها لا تتردد أبداً في التخلي عنه وأن تمد يدها إلى الآخرين يظل أن الإسلاميين اليوم مضطرون أن يتعاملوا مع الغرب تعاملاً واقعياً وليس تعاملاً نظرياً لكن لا أرى هنا أن يكون هناك تسرع بتقديم كل الأشياء قد تجد أحياناً تصريحات ربما تبادر وأن تسارع لتقدم كل شيء والسبب نخشى أن يكون الغرب قد فهمنا خطئاً حتى لو كان الغرب قد فهمنا خطئاً بسبب تقارير أو دعايات إعلامية أو أمنية سابقة الغرب سيكون حريصاً على أن يفهمنا كما نحن الآن وسوف يأتي هو محتاج مثل ما نحن محتاجون ولذلك أدعو إلى أن يكون هناك وعي وتأني وعدم التسرع في التعاطي مع مفردات هذا الملف الذي هو ملف العلاقة مع الغرب

عثمان عثمان:

أيضاً أنقل لكم سؤال الأخ أبو بكر النجيمي الذي يقول بعد وصول الإسلاميين إلى الحكم بطبيعة الحال ما هي أولويات العمل الإسلامي هل الجانب السياسي أم الدعوي أم الاجتماعي أم التربوي ما الأولوية في المرحلة القادمة خاصة وأن البعض الآن يأخذ على الإسلاميين أنهم انغمسوا إلى حد كبير في الشأن السياسي على حساب الشأن الدعوي؟

سلمان العودة:

هو حقيقة أنا أرى أن كثير من التقارير والكتابات عن الإسلاميين فيها تسرع لأن لا زلنا في أ ب ت في بداية المشوار فالحديث عن الانغماس أو غيره أنت تتكلم عن سنة واحدة فقط وهذه السنة مليئة بالحوادث ومليئة بالاستحقاقات ومع ذلك أنا أدعو الإسلاميين إلى أن يكونوا مرنين وأن لا يقمعوا إن صح التعبير المعارضة ولا ينزعجوا من أولئك الذين يتناولونهم بطريقة غير موضوعية حتى أو من شأنهم أن يقوموا بشتيمة تقليدية للإسلاميين أدعو أن لا يكون هناك انزعاج فهذه سنة الله تبارك وتعالى في العباد والرسول عليه الصلاة والسلام ظل حتى آخر لحظة يسمع مثل هذا من بعض ضعفاء النفوس ومن بعض المحيطين بالمسلمين في المدينة النبوية، هذا جانب الجانب الثاني أؤكد أن التجربة الإسلامية أو ما يسمى بالإسلام السياسي هي تجربة بشرية ليست متعالية على النقد ولا أعتقد أن أحد من الإسلاميين أبداً يفكر بدولة دينية على نمط مثلاً الدولة الإيرانية وإنما الكل يتحدث عن دولة مدنية وعن تداول سلمي على السلطة والإسلاميون يعرفون أن الشعب الذي جاء بهم جاءت بهم صناديق الاقتراع يمكن أن يتخلى عنهم إذا لم يحصل هناك تطور في الجانب الاقتصادي وفي التنمية وفي معالجة البطالة وفي إنجاز عدد من الملفات الجوهرية الضرورية، أما ما يتعلق بالأولويات فأنا أعتقد أن ليس كل الإسلاميين هم مندمجون في السياسة أذكر قبل أيام اتصل بي أحد أبرز الإسلاميين الذين شاركوا في الثورات وهو يستشيرني ويقول إنه بعدما انتهت الثورة أنا على مفرق طريق ما بين الاستمرار في العمل السياسي أو بين الرجوع إلى ما أحبه وآلفه من العمل التعليمي والعلمي والتأليف والدعوة إلى الله سبحانه وتعالى وأنا أيدته على سلوك الطريق الآخر وليس الأول، فأعتقد ينبغي أن يكون هناك تكامل هناك أناس كثيرون عليهم أن لا ينخرطوا في السياسة عليهم أن يتجهوا إلى العلم وإلى التعليم وإلى بناء المدارس وإلى بناء المستشفيات وإلى تحقيق المطالب وهنا من الخطأ الظن بأن العمل الإسلامي هو مقصور على مناشط دعوية أو مناشط تربوية يجب أن ندرك الأعمال الخدمية والاجتماعية من أعظم القربات إلى الله سبحانه وتعالى ومن أعظم وسائل الدعوة إلى الناس.

عثمان عثمان:

فضيلة الدكتور سؤال يطرح بشكل دائم عن الذين لم ينضموا للثوار لم ينشقوا عن النظام الذي مارسوا قتلاً وإجراماً وسفكاً للدماء ما مصيرهم هل ينطبق عليهم قول النبي عليه الصلاة والسلام عندما دخل مكة قال ((اذهبوا فأنتم الطلقاء)) ما موقع هذه المقولة في الثورات اليوم؟

سلمان العودة:

أولاً ينبغي أن نحمد الله سبحانه وتعالى على نعمة النصر التي من الله تبارك وتعالى بها على الثوار في هذه البلاد ولم يكن ذلك ليحدث إلا بفضل الله سبحانه وتعالى{قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [ يونس:58] وأن نترحم على أرواح الشهداء الذين قضوا في تونس أو في ليبيا أو في مصر وربما لم يشهدوا لحظة الميلاد الجميلة ولم يستمتعوا بلحظة الانتصار الرائعة التي هي من أجمل فرص الحياة ومن أحلى أيام العمر أن يشاهد الإنسان هذه النهاية الجميلة وهي في الواقع نهاية البداية وإلا هناك المراحل ربما الأكثر صعوبة أحياناً تنتظر الثوار وتتطلب وعياً وتتطلب صبراً ومصابرة وتقوى لله سبحانه وتعالى وبعداً عن الأنانية وبعداً عن حظوظ النفس يبقى أولئك الناس الذين انغمسوا بمعنى أن عليهم جرائم أنا أؤكد هنا أنه العفو مطلب وليس واجباً الله سبحانه وتعالى يقول{فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۚ}[الشورى:40] {وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ}[البقرة: 237]،{فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} [البقرة : 178] لكن أيضاً الشريعة أجازت للإنسان أن يأخذ حقه، أن يطالب به سواء كان حقاً مالياً أو حقاً بدنياً أو حقاً أو عرضاً أو غير ذلك ولكن هذا من أعظم خطأ أن يقوم الإنسان بالحصول على حقه بذاته بمعنى يعتقد الإنسان أنه الآن يملك السلاح أنه يستطيع أن يأخذ حقه من فلان أو علان وإنما من خلال مؤسسات الدولة.

عثمان عثمان:

شكراَ فضيلة الدكتور سلمان العودة كنتم معنا من جده في المملكة العربية السعودية كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة لكم تحيات معد البرنامج معتز الخطيب والمخرج سلام الأمير وهذا عثمان عثمان يستودعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.