- مفهوم الحرية في الإسلام.. مرتكزات وأسس
- ضرورات الحرية في العصر الحديث

- الأسرة ضحية للأنظمة الاستبداد

- علاقة الإسلام بالثورات العربية

- الحرية وقيودها

عثمان عثمان
يوسف القرضاوي
عثمان عثمان: مشاهدينا الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلاً ومرحباً بكم على الهواء مباشرةً في هذه الحلقة الجديدة من برنامج الشريعة والحياة، هل أثبتت الثورات العربية أن تحقيق الحرية مقدمٌ على تطبيق الشريعة؟ وكيف تم تغييب المضمون التحرري للدين لصالح فقه الطاعة والخضوع؟ وهل يدخل مفهوم طلب الحرية في مفهوم الجهاد؟ وما العلاقة بين الحرية والاستقرار وبين الحرية والمقاومة؟ الحرية وضروراتها موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع سماحة شيخنا العلامة يوسف القرضاوي مرحباً بكم سيدي..

يوسف القرضاوي: مرحباً بك يا أخ عثمان..

مفهوم الحرية في الاسلام.. مرتكزات وأسس

عثمان عثمان: البعض يشكك في مفهوم الحرية متسائلا ما مفهوم الحرية التي يطالبون بها يا مولانا؟ هل ترون فعلاً أن مفهوم الحرية غامض عند تلك الشعوب التي خرجت من أجل تحقيقها؟

يوسف القرضاوي: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وبفضلة تتنزل الخيرات والبركات وبتوفيقه تتحقق المقاصد والغايات، الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وأزكى صلوات الله وتسليماته على معلم الناس الخير وهادي البشرية إلى الرشد ومخرج الخلق إلى الحق ومخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد، سيدنا وإمامنا وأسوتنا وحبيبنا ومعلمنا محمد وعلى آله وصحبة، الذين آمنوا به وعزوه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون، أما بعد فقبل أن أجيب عن سؤالي هذا لابد أن أتحدث بكلمة عن المذبحة التي تجري في اليمن الشقيق يمن الحكمة، الحكمة يمانية والإيمان يمانٍ، هذا اليمن الذي يتحدث عنه القرآن الكريم تحدث عن سبأ }لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ{[ سبأ: 15] وتحدث عن ذلك في سورة النمل في قصة سيدنا سليمان، وقصة الهدد الذي أكتشف مملكة بلقيس ملكة النمل، المرأة التي قادت قومها بحكمتها إلى خيري الدنيا والآخرة فأسلمت مع سليمان لله رب العالمين وحمت قومها من الغزو وما يعقبه، هذا اليمن العظيم يتعرض لهذه المذبحة، مئات الجرحى و22 قتيلاً حسب ما سمعته في نشرة الساعة السابعة وقالوا إن العدد قابل للزيادة، ولا زال الموضوع مفتوحاً لماذا هذا كله؟ يعني كان علي عبد الله صالح رئيساً وبعدين الناس قالوا خلاص شبعنا من هذه الرئاسة ثلث قرن من الزمان 33 سنة يكفي، الواحد ينتخب مرة 4 سنين أو 5 سنين أو مرتين 8 سنين أو 10 سنين أو حتى لو زادوا 3 مرات أو 4 مرات أكثر من هذا 33 سنة، ألم يكفي هذا الإنسان، هذه شرعية وضعية من شأنها أن تزول والناس هم الذين جاءوا به وهم الذين يزيلونه، هذه الملايين التي يعني تركت بيوتها وتركت مقراتها وتركت مصالحها وتركت أعمالها وبقيت في شارع الستين وشارع السبعين والشوارع المختلفة في صنعاء وفي تعز وفي سائر المدن بعشرات الآلاف ومئات الآلاف، هؤلاء ليسوا كالذين يأتون في كل أسبوع مرة من أجل هذه عملية خفيفة سهلة ممكن تجميع مثل هؤلاء، إنما هؤلاء ناس مصرون خلاص يكفي، الرئيس يريد أن يبقى بقتل الناس بإسالة دماء الناس، دم امرئ واحد هذا }مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا{[المائدة: 32] أنا أقول لعلي عبد الله صالح وكل من يحب علي عبد الله ويريد علي عبد الله صالح خلاص يكفيه هذا يكفيه إنه ظل ثلث قرن يحكم الناس سواءً كان خيراً أم شراً ظلماً أم جرماً يكفيه ما حكم ويترك الأمر للناس يختارون لأنفسهم، هذا هو العقل هذه الحرية التي ينادي بها الناس ويطالب بها الناس، ويأتي الناس من بيوتهم ليبقوا أشهراً من أجل طلب الحرية، أسأل الله أن يرزق أمتنا حسن الفهم وحسن التقدير حتى يضعوا الأمور في مواضعها ويحققوا ما يريدونه بسلامٍ وأمان.

عثمان عثمان: هل تعتقدون أن مفهوم الحرية عند هؤلاء الذين خرجوا وقدموا دمائهم، خرجوا بمئات الآلاف في اليمن وفي سائر أقطار الوطن العربي، هناك من يشكك بأنهم لا يدركون معنى الحرية التي خرجوا من أجلها؟

يوسف القرضاوي: هؤلاء الذين هم الذين يفهمون الحرية في حد لا يفهم الحرية؟ يا أخي سيبني حر، حر يعني إيه يعني أتصرف كما أشاء أفكر كما أشاء وأعبر كما أشاء وأغير كما أشاء، أنا إنسان ربنا خلقني ورزقني العقل ورزقني المواهب المختلفة وسخر لي ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه وكرمني في أحسن تكريم { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ{[الإسراء:70] فربنا سبحانه وتعالى أراد الإنسان أن يكون حراً في تفكيره إذا فكر حراً في تعبيره إذا عبر حراً في تغييره إذا غير حراً في إرادته حراً في دينه، الحرية الدينية الحرية العلمية الحرية السياسية الحرية الاجتماعية، كل أنواع الحريات العامة التي يحتاج إليها الناس، أنا أريد أن تكون وأنت تريد أن تقيدني هذا ما يريده الناس أن تترك لهم الحرية أحلى ما في الحياة أن تعيش حراً، لا يتحكم فيك أحد لا يتحكم في أكلك ولا في شربك لا يتحكم في عملك لا يتحكم في كلامك لا يتحكم في تفكيرك، أما إن الناس تحيط بك وتمنعك أن تفكر وتمنعك أن تتكلم، لا تتكلم إلا بما يريدون أن يتكلموا هم به، ولا تفكر إلا فيما يفكرون فيه ولا تعمل إلا ما، هذا هذه هي المشكلة ليس هناك غموض هذه أمور الإسلام جاء بدين الفطرة جاء يقر الفطر، الناس تحب الفطرة ولذلك أقر الناس على هذا، حتى قالوا الإسلام دين الحرية لأنه دين الفطرة التي فطر الله الناس عليها.

ضرورات الحرية في العصر الحديث

عثمان عثمان: دين الحرية ما مقصد ضروريات الحرية اليوم هل هو مقصد من مقاصد الشريعة أصلاً؟

يوسف القرضاوي: نعم الحرية مقصد من المقاصد الشرعية المهمة لأنه ضرورة من ضرورات الحياة، لا يستغني الناس عن الحرية لا يستغني الفرد عن الحرية ولا تستغني الأسرة عن الحرية ولا تستغني الجماعة عن الحرية ولا يستغني العالم كله عن الحرية هي ضرورة الضرورة يعني الفقهاء والأصوليون في الإسلام قسموا المصالح التي يحتاج إليها البشر إلى أقسام ثلاثة، ضرورات وحاجيات وتحسينات ما نسميه إحنا الكماليات، فالضرورات هي الأشياء الأساسية التي لا يستغني البشر عنها، لا يستطيعوا أن يعيشوا بدونها إسمها ضرورات زي ضرورة الدين زي ضرورة الحياة الأنفس الدماء زي ضرورة الأموال زي ضرورة العقول زي ضرورة الأعراض هذه..

عثمان عثمان: الضرورات الخمسة.

يوسف القرضاوي: الضرورات الخمسة أو الستة بعض الأصوليون يقولون خمسة وبعض الأصوليون يقولون ستة وممكن أن تزيد فهذه ضرورات لا بد منها، هناك حاجيات يمكن الإنسان يعيش بدونها ولكن يعيش حياة سيئة ضيقة مقلقة مثل البيع والشراء وهذه الأشياء لا بد إن دي حاجات يحتاج إليها الناس في جملتهم المعاملات، وبعدين في أشياء يسموها تحسينات ونسميها إحنا كماليات، يعني تكميلها للحياة لتزدان الحياة عشان تعيش في بيت واسع ومزين وجميل ومزخرف وكذا دي كماليات، هذه كلها أشياء يجب أن تكون في البشر ضرورية يعني مجموعها مهم وإن كانت تتفاوت من حيث المنزلة والمكانة، فالحرية هي من الضرورات ليست من الحاجيات ولا من الكماليات، فلا بد أن تتوافر في حياة الناس ولا بد أن تعمل الشريعة على توفيرها .

عثمان عثمان: إذا كانت الحرية مقصداً من مقاصد الشريعة ماذا يرتب ذلك على المسلمين أسمع الإجابة إن شاء الله بعد أن نذهب إلى فاصل قصير فابقوا معنا مشاهدينا الكرام نعود إليكم بإذن الله بعد الفاصل

[فاصل إعلاني]

عثمان عثمان: أهلاً وسهلاً بكم مشاهدينا الكرام من جديد إلى حلقة هذا الأسبوع من برنامج الشريعة والحياة والتي هي بعنوان الحرية وضروراتها مع فضيلة شيخنا العلامة يوسف القرضاوي، سيدي قلتم إن الحرية مقصد ضروري في الشريعة الإسلامية ماذا يترتب على هذا القول؟

يوسف القرضاوي: يترتب على هذا أنه لا بد أن نحرص على الحرية لأنفسنا ولغيرنا إذا لم نقاتل من أجل تحقيق الحرية للناس، يعني الله تعالى يقول: }وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ{ [البقرة: 193] في سورة البقرة وفي سورة الأنفال يقول }وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ{[الأنفال:39] ، معنى أن يكون الدين لله ولا تكون فتنة عليه، الفتنة أن يفتن الإنسان القوي غيره عن دينه ويمنعه من أن يستمر في هذا الدين كما كان الكفار يؤذون الذين يدخلون في الإسلام ويعذبونهم خصوصاً من الضعفاء الذين ليسوا من قبائل قريش والعرب أو الذين يعني يستعبدون عندهم بلال والكثير من الجواري التي يكون عند المشركين، فكانوا يعذبونهم حتى لا تكون لديهم حرية التدين، حرية التدين حرية الاعتقاد، أنا من شأني أن أعبد ومش علمني الحجر وعايز أعبد رب الحجر ورب البشر، فهؤلاء يعذبونهم ويفتنونهم في دينهم، فحتى لا تكون فتنة المسلمين، مطالبون أن يقاتلوا من أجل تحقيق الحرية للبشر، }وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ{ [البقرة: 193] ، لا بد أن الناس تعبد من تريد مش من يراد فرضه عليهم ، لا بد الناس تفكر كما تريد، الله تعالى يقول لرسوله }قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا{[ سبأ 46]، أنا أطلب منكم خصلة واحدة فقط إيه هي الخصلة الواحدة هي أن تقوموا لله مثنى وفرادى، إما أنت وواحد صاحبك تفكروا مع بعض أو أنت لوحدك تفكر بعيداً عما يسمونه العقل الجمعي، العقل الجمعي ينسيك التفكير الحر يجعلك تمشي مع الناس كما يريد الناس، لا إحنا نريدك أن تكون حراً فإما أن تكون مع غيرك وإما أن تكون وحدك هذا ما كان يريده الرسول صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فهذه الحرية، حرية الفردية أساساً ثم الحريات العامة ومنها الحرية السياسية، هذا مما يقاتل من أجله الإسلام في عهد الحجاج بن يوسف الثقفي اعتقل رجاله أحد الناس، خذوه من بيته لماذا، هم يبحثون عن ابن عمه فلم يجدوا ابن عمه فقالوا تعال نأخذك لحد ما يظهر هو وييجي يسلم نفسه وفي يوم من الأيام جاء الحجاج وقال هاتوا لي الناس اللي في السجون فجاء هذا الرجل وقال له إيه حكايتك، قال له أنا جاني من عُرض العشيرة فأخذوني به فقال هذا يحدث، الشاعر يقول:

جانيك من يجني عليك وقد ُتعدي الصحاح مبارك الجُرب

ولَربَ مأخوذ بذنب عَشيرهِ ونَجا المقارف صاحب الذنب

كثيراً ما يؤخذ الإنسان بذنب غيره وصاحب الذنب سايب محدش، قال له ولكني سمعت الله تعالى يقول غير ذلك، قال ويحك ماذا قال الله، قال الله على لسان يوسف حينما قال له إخوته }قَالُواْ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ* قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلاَّ مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ إِنَّا إِذًا لَّظَالِمُونَ [يوسف: 78، 79]، فالحجاج الجبار هذا صاحب الدماء هذا الشخصية الهائلة ارتجف وقال لحاجبه أفرج عن هذا الرجل ونادي في الناس صدق الله وكذب الشاعر.

الأسرة ضحية لأنظمة الاستبداد

عثمان عثمان: اليوم بعض أنظمة الاستبداد تأخذ العائلة والعشيرة والأصدقاء والأصحاب.

يوسف القرضاوي: من أجل واحد يؤخذ أبوه وأمه، أنا كان زميلي رحمه الله محمد الدين الباشي مراد أُخذنا من بيته في سنة 1949 في مركز زفته، جم لقونا مش موجودين أخذوا والدته، والدته ست كبيرة وخدوها إلى المركز وكذا، اضطررنا إن إحنا نسلم أنفسنا لتترك المرأة فهذا ما يفعله الناس ضد الحرية.

عثمان عثمان: اسمح لنا أن نأخذ المفكر الإسلامي الشيخ راشد الغنوشي الذي ينضم إلينا من تونس، السلام عليكم فضيلة الشيخ.

راشد الغنوشي: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

عثمان عثمان: ثورة تونس كانت باكورة الربيع العربي أو الثورات العربية، في ظل هذا الثوران العربي كيف تقّومون مطلب الحرية الذي تحول الآن إلى مطلبٍ شعبي؟

راشد الغنوشي: بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله أحييك أخي عثمان وأحيي شيخنا الحبيب الشيخ يوسف القرضاوي حفظه الله وأنا مسرور أن أراه معافى والحمد لله رب العالمين، دام الله عليه النعمة.

يوسف القرضاوي: حياك الله يا أخ راشد.

راشد الغنوشي/ مفكر إسلامي: الحمد لله، الأمة العربية الآن تعيش مرحلة تاريخية مهمة جداً تتلخص في أنها تنعكس وتكثر أغلالها وتصر على أن تحصل على حريتها ولو بأثمانٍ باهظة، فنحن نحمد الله عن أنه مد في أعمارنا حتى رأينا هذه الأمة التي بعض الناس نعوها واعتبروا أن الحرية لا قيمة لها في أمة العرب وبعض المستشرقين أيضاً قالوا بأن الإسلام هو يأتي بعقائد القدر وما إلى ذلك، يكبل هذه المنطقة ويمنعها أن تلتحق بركب الحرية الهادر في العالم حتى بقيت منطقتنا هي الثقب الأسود في المنطقة، الحمد لله هذه الثورات التي انطلقت من تونس واليوم تنتشر في كل المنطقة ألحقت منطقتنا بالعالم بل جعلت منطقتنا في مقدمة العالم لأن الحرية هي الإنسان، هي قيمة الإنسان، نحن نعيش ونستشرف طورا جديدا من تاريخنا إن شاء الله، انطلاقاً من الانعتاق من أنظمة الاستبداد التي طالما بشرتنا بأننا إذا تنازلنا حرياتنا من أجل مصلحة الاستقرار سنحرر فلسطين أننا سنحقق التنمية، والحقيقة لا تحققت تنمية ولا تحررت فلسطين ولا تحقق خير في ظل هذه الأنظمة، الآن هنالك محاولات تقوم بها فلول الأنظمة السابقة من أجل أن تفسد علينا حرياتنا فتحولها إلى أنواع من الفوضى تخريب لممتلكات، إزهاق لأرواح، قطع لطرقات، هذه ليست حرية لأن الحرية هي فعل العاقلين، الحرية فعل أخلاقي، الحرية هي فعل يبني ولا يهدم ولذلك هذه الثورات اليوم حراسها مطلوب منهم أن يدافعوا عن الحرية الحقيقية وهي حرية الإنسان العاقل الملتزم ونحن مستبشرون بأن الشباب خاصةً وهم الذين دفعوا أثماناً باهظة من أجل هذه الحرية، رحم الله شهداء أمتنا، اليوم مطلوب من الجميع أن يدافع عن الحرية الحقيقية وهي لا تتناقض أبداً مع الاستقرار ومع التنمية ولا تتناقض مع العودة إلى صناديق الاقتراع وأن تنطلق تنبثق الشرعية، شرعية الدولة من إرداة الناس.

عثمان عثمان: فضيلة الشيخ، نعم، أنتم ذكرتم أن هناك بعض المستشرقين الغربيين ربما يتهمون هذه المنطقة بالتأخر والتراجع نتيجة الحالة الدينية البعض يتهم المشروع الإسلامي بأنه إذا وصل إلى الحكم يوماً ما سيصادر هذه الحريات، سيمارس القمع على الأقليات الدينية وغيرها، ما المطلوب الآن من المشروع الإسلامي لإزالة هذه الهواجس التي هي موجودة عند البعض؟

راشد الغنوشي: هذه فزاعات استخدمها الديكتاتوريون المتجبرون من أجل قمع الشعوب ومنعها من حقها في الحرية، ولكن الشعوب داست على كل هذه المقولات المتخلفة وانطلقت إلى حرياتها، ما ينبغي أن يمارس أحداً وصايته على الشعب بأي اسم من الأسماء، الشعوب انتزعت بدمائها حرياتها ولذلك ينبغي أن يقف الجميع احتراماً لدماء الشهداء، وأن يكفوا عن ممارسة الوصاية على الناس وأن يقبلوا حكم صناديق الاقتراع ، مطلوب من الإسلاميين والعلمانيين وكل الفئات أن تعتبر أن هذه الأوطان ملكا لكل أبنائها وبناتها وأن يقفوا احتراماً لإرادة الشعب فأي جهةٍ أفرزتها صناديق الاقتراع وأعطاها الشعب ولائه ينبغي أن نقبل حكمها ولا يعني ذلك أن تنفرد بالأمر وأن تصادر الحريات، فالحريات الخاصة والعامة ينبغي أن تكون مضمونةً للجميع سواء كنا أقلية أو أغلبية ينبغي أن نظل متمتعين بهذه الحريات والإسلاميون أولى من غيرهم أن يؤسسوا لهذه الحريات على أساس أن الأوطان ملك لكل أبنائها وبناتها وبالتالي لا نقبل وصاية من أحدٍ بأي اسمٍ كان وينبغي أن نكون في مقدمة من يدافعوا عن حقوق الناس وعن حرياتهم وتطمين النساء أن حقوقهن لن يقع الحيف عليها وتطمين الأقليات سواء كانت أقليات دينية أو أقليات إيدولوجية أن مواطنتها لن ينتقص منها الإسلاميون لأن هذه حقوق بالنسبة لنا حقوق دينية فضلاً عن كونها حقوق إنسانية وحقوق وطنية.

علاقة الإسلام بالثورات العربية

عثمان عثمان: المفكر الإسلامي فضيلة الشيخ راشد الغنوشي كنت معنا من تونس شكراً جزيلاً لك، ومعنا الأخ محمد من الجزائر يقول لما يربط البعض بين الثورات في الوطن العربي وبين الإسلام، هل هناك ربط فعلاً؟

يوسف القرضاوي: بين الإيه؟

عثمان عثمان: بين الثورات العربية والإسلام؟

يوسف القرضاوي: قطعا الإسلام هو المحرك الأول لهذه الأمة، وهو الذي حرك هؤلاء الشباب وهو الذي عبر عن هذه الأمة وهو المؤثر الأول في مشاعر الأمة والمؤثر الأول في تفكير الأمة، من ينظر إلى هذه الثورات المختلفة يجد أثر الإسلام فيها، وأنا أحب أن أقول يعني تعليقاً على كلمات أخي الشيخ راشد حفظه الله، وهو من مفكري الحرية الحقيقة أحد مفكري الحرية في العالم العربي والعالم الإسلامي وله كتابه الحريات العامة في الإسلام وهو دراسة أصيلة، خدمها بفكرة وبجهده، حفظه الله وأسأل الله له ولإخوانه أن يوفقهم في هذه، وأنا أعتقد أن الفكر الإسلامي هو الأساس الأول في قضية الحرية والذين حكموا بلادنا الخمسين والستين والسبعين سنة اللي فاتوا دوله للأسف سلبوا الحرية من الناس، كان الناس يعيشون في حرية فجاء هؤلاء سلبوهم الحرية، وقالوا إن إحنا نسوقكم إلى كذا وإلى كذا، لم يتحقق كذا ولا كذا لا رأينا تقدماً ولا رأينا استقلالا ولا رأينا اقتصادا زاهراً ولا رأينا انتصرنا على الصهيونية ولا حققنا أملاً كبيراً الشعوب كلها جرت جراً إلى هذه الهاوية التي تعيش فيها الأمة، تعيش فيها ليلاً ونهاراً وتزداد كل يومٍ في هذه الظلمة، لا يزيدون بمرور الأيام إلا غوصاً في هذا الظلام، حتى جاءت هذه الثورات العربية، ابتداء بثورة تونس المباركة، وبهذا الشاب الذي يعني ثار على هذا الباطل وأحرق نفسه..

عثمان عثمان: بوعزيزي.

يوسف القرضاوي: نحن نسأل الله أن يعفو عنه لأنه كان يعبر عن شحنة غليظة في هذه الأمة، الأمة تغيرت نفسيتها فبدأت تنفض هذا الغبار عنها وتسير في طلب الحرية، انتهت الثورة في تونس وصلت إلى مصر في ثمانية، عشرة يوماً تخلص الناس من الجرثومة التي عاشت بينهم تؤخرهم وتؤخرهم ولا تقدم لهم شيئاً، في كل يوم نخسر انتهت هذه الأشياء، لابد للأمة أن تعود من جديد وتبدأ حركة الحرية في البناء الحرية في الإبداع الحرية لم يكن هناك إبداع لأنه لا يكون إبداع في مثل هذا الجو، هذا الجو يقتل الأدمغة يعني لا يتيح للناس لتبدع ولتنشئ وتنتج، فنحن الآن ندعو الأمة إلى هذا الجو الجديد والمناخ الجديد.

عثمان عثمان: الأخ عبد الله على الفيس بوك يقول ألا ترون بأن اسم الثورات العربية دائماً يستخدم اسم الربيع العربي أو الثورات العربية، ألا ترون أن اسم الثورات العربية يعيدنا إلى زمن القومية العربية، في حين أن ليبيا فيها أمازيغ ضحوا بدمائهم من أجل إتمام الثورة، ألا ترى بأن البعد القومي للاسم قد يخلق نوعاً من التمييز؟

يوسف القرضاوي: إحنا أمة عربية مسلمة لا نؤمن بالعروبة البعيدة عن الإسلام هذه لا أؤمن بها إطلاقاً قومية عربية فقط لا تغني شيئاً لا تصنع للأمة شيئاً، امرؤ القيس وكذا ده مش سيعيد للأمة شيئاً يعني بتاع اليوم خمرٌ وغداً أمرٌ، لأ لا الخمر ولا غيره إنما الذي يعيد للأمة العروبة المسلمة، نقول للناس نحن لأننا في أمة عربية قطعاً واللغة العربية هي أساس، القرآن يعني بهذا الأمر فيقول: }وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ}[الزخرف:44] }كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ } [الأنبياء:10] ذكر العرب فالعروبة هنا وسيلة وليست فلسفة والفلسفة في الإسلام، والإسلام جاء ديناً يحرر البشرية ويحرر الأمة من كل الضغوطات النفسية والعاطفية والعقلية والتقليدية، التي تحول دون الأمة ودون الرقي ودون العمل المستمر للوصول إلى الأعلى باستمرار، دايماً يعني الإسلام ينفخ في الأمة الطلب الأحسن}فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ{[الزمر: 18،17] }ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ{[ فصلت: 34]} وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ{[النحل:125]، }وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ{ [الأنعام:152]، نحن نريد الأحسن مش نريد الحسن الأحسن في كل شيء، النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: ((فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَأَعْلَى الْجَنَّةِ)) فنحن ما نقولش يا رب دخلنا في آخر دفعة لأ ليه آخر دفعة ما تطلب أول دفعة، أنت بتطلب من كريم من أكرم الأكرمين أطلب أحسن شيء فهكذا يعلمنا الإسلام.

عثمان عثمان: ولنا خرج الآلاف ومئات الآلاف في سبيل تحقيق الحرية، قدموا أرواحهم فداءً لهذا الطلب ما حكم هؤلاء هل يعاملون معاملة الشهداء؟

يوسف القرضاوي: قطعاً هم شهداء عند الله، الذي يدافع عن بلده ويدافع عن حرية بلده وعن تقدم بلده ويقف في وجه الطغاة والفراعنة، الإسلام ينكر هؤلاء الفراعنة }إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ{[القصص:8] أنظر هذا قرآن دعا على هؤلاء فأخذناهم فنبذناهم في اليم }فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ{[القصص:40] نبذناهم في اليم أغرقناهم جميعاً الجنود مع فرعون لأن هم أداة فرعون، بماذا يستطيع فرعون أن يحقق أهدافه في ظلم الناس والتجبر عليهم، بهؤلاء الجنود ولذلك الجنود مع فرعون وهامان وهذا شيء مهم جداً الإسلام أقره إن هؤلاء الذين يستخدمهم فرعون في التسلط على الشعوب هم مثله لا ينجون من عذاب الآخرة }فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ{[القصص:40] }وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنصَرُونَ* وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ{ [القصص: 41، 42] هم وأئمتهم أو هؤلاء الأمّة وجنودهم، هكذا يريد الإسلام أن يعلمنا أن نتحرر وأن نقود أمتنا إلى الحرية الحقيقية، أنا كثيراً ما قلت في برامجي من سنوات عديدة قلت أنا أفضل وأوثر تحقيق الحرية.

عثمان عثمان: على تطبيق الشريعة.

يوسف القرضاوي: على مجرد تطبيق الشريعة لأني أرى أن هذه الحرية شرطاً لتحقيق الشريعة شرط أساسي.

عثمان عثمان: إن هذه المقولة بحاجة إلى توضيح..

يوسف القرضاوي: هي لازم من اللوازم هي ضرورة من الضرورات لابد أن تحقق الحرية للناس حتى تستطيع أن تحقق فيهم الشريعة الإسلامية.

عثمان عثمان: هل ترون أن هذه الثورات العربية قد قاربت هذا المعنى الذي تحدثتم عنه؟

يوسف القرضاوي: هي تقارب هذا وتسعى إلى تحقيقه، لا نقول إنها الآن قاربت لأنها الآن لا تزال تخوض معارك هناك بقايا الأنظمة الطاغية السابقة يعني لم تسلم بسهولة ولا تسلم بسهولة، هذه تدافع عن نفسها وهناك أناسٌ يسيرون ورائها من غير أن يفهموا، فيطبقون ما تريده هذه الأشياء دون إحساسٍ منهم فهؤلاء يريدون أن يؤخروا الأمة، والأمة تريد أن تتقدم فلا تزال الأمة تسعى إلى أن تحقق ما تريده في حياتها بتحقيق الشريعة الإسلامية التي جاءت بمصالح العباد في المعاش والمعاد كما يقول الفقهاء يعني في الدنيا والآخرة، أن الإسلام لم يأتي للآخرة وحدها إنما جاء للدنيا والآخرة }رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ{ [البقرة:201]، }فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ{ [آل عمران: 148]، ومن أدعية النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المأثورة التي رواها الإمام مسلم في صحيحة ((اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتِي فِيهَا مَعَاشِي وَأَصْلِحْ لِي آخِرَتِي الَّتِي فِيهَا مَعَادِي وَاجْعَلْ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ وَاجْعَلْ الْمَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ )) فيطلب الدين ويطلب الدنيا ويطلب الآخرة هذه مطالب محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهي مطالب كل مسلم.

الحرية وقيودها

عثمان عثمان: نعم مولانا الأخ محمد صلاح أبو رنات يسأل هل للحرية قيود، الشعوب خرجت من أجل هذه الحرية هل لها قيود محددة؟

يوسف القرضاوي: طبعاً كل شيء نسميه إحنا ضوابط، الإسلام لا يدع شيئاً إلا ويضع له ضوابط الحرية ليست مطلقة الحرية المطلقة ما فيش حرية مطلقة، أنا أقول لك ليست هناك حرية مطلقة، يعني السيارات تسير لها طريق امشي على اليمين قف عند المفارق، يعني الطائرات في الجو بقول لها ما الجو واسع طب ما تمشي لأ بتمشي حسب مخطط معين، الطيار أمامه الكمبيوتر أمامه طريق معين لازم يمشي بهذا الطريق وإلا ممكن أن تصطدم الطائرات بعضها ببعض، هو يمشي في طريق معين, الباخرة في المحيط أيضا لها طريق تمشي فيه, فليس هناك شيء يمشي كما يريد كده, لا ليس هناك, كل شيء له قيود وله ضوابط, الشرع وضع الضوابط في كل حرية من الحريات, الحرية الدينية لها ضوابطها, حرية الاعتقاد, أو حرية ممارسة الشعائر, أو حرية أداء الواجبات, أو حرية الامتناع عن المحرمات, أو حرية الدعوة إلى الله,كلها لها ضوابط يجب أن نتبعها, الحرية السياسية أيضا, الحرية السياسية, نحن مطالبون بحرية سياسية, والقرآن والسنة النبوية, والأصول الشرعية كلها تعطينا الحرية السياسية, حرية الإنسان, ولكن هذه الحرية أيضا لها أصولها ولها ضوابطها, لا يستطيع الإنسان أن يقول أنا حر سياسي ويعتدي على غيره, لا أنت حريتك تقف عند حرية الغير, إذا اصطدمت بحرية الغير يقول لك قف هنا, حريتك ممنوعة من الاصطدام بالمصالح العامة, حريتك تقف عند القطعيات في الشريعة, إذا كان هناك الشرع يقولك لا, ليس لك حرية في أن تحل المحرمات, أو انك تمتنع عن أداء الالتزامات لا, }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ{ [البقرة:282].

عثمان عثمان: وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كاتِب بِالْعَدْلِ[البقرة:282].

يوسف القرضاوي: يعني الآية تبين هذا الأمر كيف كلها تبين هذا الأمر كيف نكتب الكمبيالة, الآية الأطول, أطول آية في القرآن الكريم نزلت في هذا الأمر البسيط, كيف نكتب سند دين نسميه الكمبيالة على المدين, هكذا تكون الضوابط في الشريعة الإسلامية.

عثمان عثمان: انطلاقا من هذه الضوابط الأخ مصطفى يسأل, لم يخاف بعض الناس حتى بعض المتدينين من مصادرة الحريات جراء تطبيق الشريعة, كما لو كانت الشريعة هي الرجم وقطع اليد فقط, كيف نصل للناس بالشعور في الأمان في ظل تطبيق الشريعة الإسلامية؟

يوسف القرضاوي: نحن في حاجة إلى أن نعلم الناس الإسلام الصحيح, الناس ذهب منهم حقيقة الإسلام الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم, نخرج الناس من الظلمات الى النور, وليحذرهم من ظلم أنفسهم وظلم غيرهم, يحررهم من القيود التي قيدوا بها أنفسهم, يحررهم فكريا يحررهم علميا, في حرية علمية لا توجد أمة كانت حرة علميا كالأمة الإسلامية, خصوصا في عصور ازدهارها, حينما كان المجتهدون في الدين والمجتهدون في الدنيا, المجتهدون في العلوم الشرعية والمجتهدون في العلوم الكونية, كانوا ملء الأرض, مئات آلاف من الناس, كانت الأمة معتزة بأنفسها, معتزة بدينها, وتعتبر أن الدين منشط لها وليس مثبطا لها, الدين يحررها من كل ما يقيدها, نحن نريد أن نعود بالأمة الى هذا, نريد أن نعلم الأمة العلم الصحيح الذي يخرجها وينتزعها من الظلمة من الحفرة التي حفرها لها. أولئك الذين أرادوا أن تظل الأمة مقيدة لا تستطيع أن تتحرك, هذا العهد انتهى, ونحن في عهد جديد, عهد الربيع العربي هذا عندنا أربع ثورات, ثورتان الآن انتهيا أو خمس ثورات, ثورة تونس وثورة مصر وثورة ليبيا على وشك الانتهاء, خلاص انتهى القذافي وانتهى هذا البتاع, وثورة اليمن أيضا توشك أن تنتهي تماما, ليس هناك مجال لأن تظل اليمن تعاني ويجتمع الناس صباحا, لماذا هذا كله, وثورة سوريا أيضا هي على الطريق, لا يمكن أن يظل حاكم يحكم الناس رغم أنوفهم, مهما كان عندهم من البطش, مهما كان عندهم من القوة, مهما كان عندهم من الأسلحة, مهما كان لديه من المنافقين من الناس الذين يطبلون له ويزمرون, حتى هذا للأسف منهم بعض مشايخ الدين بعض المعممين يريدون لهذا الطاغوت أن يستمر, لا بد لنا أن نتحرر, ونحرر أمتنا معنا ونمشي في هذا الطريق الذي أراده الله لنا, ووراءه الخير كل الخير إذا استطعنا أن نفهم ديننا ونفهم دنيانا, ونجعل دنيانا من أجل ديننا, ونستطيع أن نجمع الأمة على هذا إن شاء الله, وهي مجتمعة بحمد الله, الأمة الرجال الأحرار المخلصون فيها قد اجتمعوا على كلمة سواء ولا نريد للأمة إلا الخير وهو آت إن شاء الله.

عثمان عثمان: هنالك البعض يحمل المؤسسة الدينية الرسمية والذي يعتبرها جزء من النظام الاستبدادي القائم, يحملها مسؤولية تدهور الحريات, وتجذر الاستبداد في عالمنا العربي, هل ترون ذلك صحيحا؟

يوسف القرضاوي: أنا لا أبرئها, لا أحملها كل شيء, لأنه مسؤولية المؤسسة الدينية, وهذا حققها تعبير لم يكن في الأمة أولا, يعني أيام أبو بكر وعمر والخلفاء الراشدين وأيام الأمويين وحتى العباسيين, ما كانش في مؤسسة دينية, كان المؤسسة كلها دينية, لأن الأصل في الخلافة, إنها مؤسسة تقوم لحراسة الدين, وسياسة الدنيا به, فهي مؤسسة دينية دنيوية, ولكن في العصور المتأخرة, أصبح هناك مؤسسة دينية, يقصد بالمؤسسة الدينية, المؤسسة التي تقوم على أساس الدعوة والفتوى والقضاء, مثل المؤسسة الدينية في الأزهر ووزارة الأوقاف, وزارات الأوقاف المختلفة ومثل المؤسسة الدينية في السعودية, دار الفتوى وزارة الحج, في مؤسسات دينية, هذه المؤسسات الدينية يعني للأسف كثير منها انحرف لإبقاء الأمور كما هي, ويقفون ضد التطور مع إن الحياة لابد أن تتطور, الحياة الدنيا تتغير باستمرار, ليس هناك شيء ثابت, الله سبحانه وتعالى هو الشيء الذي لا يتغير, كل شيء هالك إلا وجهه, وجه الله لا يتغير وكل شيء يتغير, فلماذا نبقي الأمور مستمرة ولا تتحرك ولا, الفقه لابد أن يتجدد العلم لا بد أن يتغير الآراء لابد, العالم يغير رأيه, أنا غيرت رأيي في أمور كثيرة بناء على ظروف الحياة هكذا, فالذين يريدون أن يجمدوا الحياة ويسيروا في ركاب الحكام كما يقولون لهم, مبارك قال لهم اعملوا كذا القذافي قال لهم اعملوا كذا فاعملوا كذا, علي صالح قال لهم اعملوا كذا, بشار قال لهم اعملوا, هذا لا يمكن أن تسير الأمة وراء هذه المؤسسة, هي مؤسسة مغلقة, هذه مؤسسة مجمدة للحياة لا تستمر الحياة بها, فالمؤسسات الدينية تحمل يعني أيضا وزرا في تكتيف الأمة, ولكنها ليست هي وحدها, هناك ناس كثيرون, إن الأمة لم تعد تسير بالعلماء وحدهم, علماء الدين وحدهم, هناك مؤسسات هناك الصحفيون هناك الإعلاميون هناك المربون هناك الاجتماعيون هناك العسكريون هناك القادة للأمة في مختلف النواحي, هؤلاء أيضا مسؤولون, لن أقول أن علماء الدين أو المؤسسة الدينية وحدها المسؤولة, هذا ظلم لهذه المؤسسة, نحن نحملها, في مصر كان كثير من أبناء المؤسسة الدينية ضد الثورة, وجاءوا بالأحاديث والأشياء دي أداروا ظهرك وأخذ مالك, أطع الأمير وكن مع الأمير وتركوا الأحاديث الأخرى وتركوا القرآن الكريم, فالمسؤولية المؤسسة الدينية, تتحمل قدرا من المسؤولية ولكن ليس كل المسؤولية والآن ننادي الأمة كلها أن تتحمل المسؤولية, المسؤولية الدينية والأخلاقية والاجتماعية والسياسية على الأمة جميعا, على الأمة كلها أن تقوم بالدور المنشود والمرصود, ونسأل الله أن يؤيدها بروح من عنده.

عثمان عثمان: في ختام هذه الحلقة, أشكركم مولانا سماحة الشيخ يوسف القرضاوي على هذه الإفاضة الطيبة, كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة, أنقل لكم تحيات معد البرنامج معتز الخطيب والمخرج عبد الهادي العبيدلي وسائر فريق العمل, وهذا عثمان عثمان يترككم في أمان الله, السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.