- مفهوم الطائفية وواقعها
- دوائر الانتماء للطائفة والوطن والأمة

- وضع الأقليات في المجتمع الإسلامي

- منطق الكفاءة وتغليبه على المنطق الطائفي

- التعدد الديني ومستوياته

عثمان عثمان
طه العلواني
عثمان عثمان: مشاهدينا الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أهلاً ومرحباً بكم على الهواء مباشرةً في هذه الحلقة الجديدة من برنامج الشريعة والحياة، يقول الله سبحانه وتعالى في كتابة العزيز{وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً }[الأنفال: 25] ما مفهوم الطائفية وكيف نفهم دوائر الانتماء للطائفة والوطن والأمة، وهل الخوف من تهمة الطائفية يحظر النقد أو يوجب التستر على الوقائع، الطائفية الدينية موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة الدكتور طه العلواني رئيس جامعة قرطبة وعضو مجمع الفقه الإسلامي الدولي والذي ينضم إلينا عبر الأقمار الصناعية من القاهرة مرحباً بكم دكتور .

طه العلواني: مرحباً أستاذ عثمان أهلاً وسهلاً..

مفهوم الطائفية وواقعها

عثمان عثمان: حينما يقال طائفية ما المقصود بذلك يعني عندما نقول شخص طائفي، رجل طائفي، نظام طائفي ماذا نقصد بذلك خاصةً أن هذا المصطلح أصبح رجاجاً وغالباً ما يستعمل للابتزاز؟

طه العلواني: الطائفية مصدر صناعي أخذناه من الطائفة، والطائفة هي مجموعة من البشر يفترض أن لا تتجاوز الألف، تتحرك من الكل في إطار جزئية معينة تكون قد اختارتها وتعصبت لها أو تبنتها مقولةً أو مذهباً أو رأياً وبدأت تكرس جهودها لإبرازها على حساب مشتركات مع الكل الذي تنتمي إليه، فهناك مثلاً أمةٌ مسلمة وهناك طوائف داخل هذه الأمة، فالطائفة أحياناً تتجاوز أهمية الانتماء إلى الأمة لتركز على قضايا محددة تكون قد تبنتها، فقد يفعل ذلك من ينتسب إلى هذا المذهب أو ذاك هذه الفرقة أو الطائفة أو تلك، ويقال طائفيٌ لذلك الإنسان الذي يعلي ما التزمته الطائفة أو تبنته على المشتركات مع الأمة، ويعطيها من الاهتمام أكثر مما يعطي لتلك المشتركات، وبالتالي يصبح رغم اتصاله بجسد الأمة الكبير يكاد ينفصل عنها ومن هنا تبرز عمليات التراجم يعني أن ترجم الطائفة طائفةً أخرى ببعض الأوصاف المهينة أو غير اللائقة أو ربما أوصاف التكفير والتبديع والتفسيق وما إلى ذلك مما يتراجم به المختلفون، فالطائفية بحد ذاتها يمكن أن تؤدي عند من يتعصبون لها ويعلون شأنها على المشتركات مع بقية فصائل الأمة، على المشتركات مع بقية عناصرها وفئاتها وطوائفها وهذا هو مصدر الخطر فيما هو طائفي اليوم ومن المؤسف أن تاريخنا الإسلامي..

عثمان عثمان: العالم العربي نراه اليوم عالماً متنوعاً مذهبياً طائفياً دينياً هل ترون في هذا التنوع ظاهرة صحية أم ظاهرة مرضية؟

طه العلواني: هي ظاهرةٌ مرضية لا شك في ذلك لأنها قد تجاوزت الحدود الصحية للاختلاف الذي يندرج تحت مفهوم التنوع ودخلت في اختلاف التضاد ومحاولة نفي الآخر، فما يجري في العراق وما يجري في سوريا وما جرى في إيران وما جرى في أفغانستان وما جرى في باكستان وما جرى في بلدانٍ مختلفة مما يحمل مبدأ أو فكرة أو سياسة نفي الآخر وعدم قبوله والقضاء على المغاير أو المفارق طائفياً هذه الأمور كلها جعلت من هذه الظاهرة ظاهرةً مرضية على علماء الأمة ومفكريها وساستها أن يتنبهوا إلى أنها لا سمح الله لو تجاوزت هذه الحدود ربما تؤدي إلى انتهاء مفهوم الأمة والقضاء على جميع الروابط التي تربط بين أجزاء الأمة المسلمة ويصبح الناس مجرد طوائف يلعن بعضها بعضا ويرجم بعضها بعضا كما هو الحال في كثيرٍ من البلدان .

عثمان عثمان: إذن المشكلة هنا فضيلة الدكتور، إذن المشكلة هنا في الطائفية وليست في التنوع والتعدد المذهبي والطائفي؟

طه العلواني: التنوع شأنٌ قبله الإسلام وأقره، والله تبارك وتعالى جعل من اختلاف ألسنتنا وألواننا والعروق التي ننتمي إليها جعل منها عناصر إيجابية تؤدي إلى التعارف والتآلف ثم التعاون، ولكن هذا المرض الذي نسميه بالطائفية هو غير التنوعية أو التعددية التي جاء القرآن المجيد بها هذا إعلانٌ لشأنٍ طائفي يفارق فيه ابن الطائفة الكل الذي ينتمي إليه ألا وهو الأمة، وكل ما شهدناه من قتلٍ على المذهب وعلى الهوية سواءٌ في الحرب الأهلية اللبنانية أو في ما تلا ذلك أو ما حدث في العراق ما يحدث في سوريا ما يحدث في أماكن كثيرة من العالم الإسلامي، هذا كله من الظواهر المرضية الخطيرة التي تحتاج إلى علاجٍ عاجلٍ يذكر الناس بالمشتركات وبما ائتلفوا عليه لا بما اختلفوا عليه ويعمل على إعادة .

عثمان عثمان: في العلاج فضيلة الدكتور كيف نوظف القوميات المختلفة والتنوع الديني في إطار مصلحة الأمة بشكل عام؟

طه العلواني: عملية التوظيف هذه قام القرآن المجيد بها فالتنوع أولاً للتعارف، المرحلة التالية لمرحلة التعارف هي التآلف، المرحلة الثالثة التالية للتآلف هي التعاون وهذا ما يريده الله تبارك وتعالى للبشر حين استخلفهم، استخلفهم ليتعارفوا ويتآلفوا ثم يتعاونوا على اعمار هذا الكون والعيش فيه بسلام {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ}[ البقرة: 208] فالتحارب والتعادي من عمل الشيطان ومن دعوات الشيطان أما التآلف فربنا تبارك وتعالى تولاه بنفسه وقال لرسوله الكريم {لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ }[ الأنفال: 63 ] فمتى يؤلف الله بين القلوب حينما تتجه القلوب كلها إليه سبحانه وتعالى وترجوه وتدعوه بأن يؤلف بينها وأن يجمع بينها وذلك حينما لا ينسى الناس مما ذكرهم الله به أي حظٍ قال الله تعالى في أممٍ سبقتنا {فَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ}[ المائدة: 14 ].

دوائر الانتماء للطائفة والوطن والأمة

عثمان عثمان: تربيتنا فضيلة الدكتور في عالمنا العربي والإسلامي تقوم على أن رابط الدين مقدمٌ على أي رابط آخر حفظ الدين من الضرورات الخمس في الإسلام هل يعني ذلك بحال من الأحوال أن الانتماء للدين مقدم على أي انتماء آخر؟

طه العلواني: لقد أضعفت الرابطة الدينية بشكلٍ كبير منذ تغيير برامج تعليمنا وفقاً لتوجيهات مستعمرينا ومحتلينا منذ القرن الماضي، وضعفت علاقتنا بديننا وتشوهت صور كثيرٍ من الأمور الدينية مما جعل البعض يتحول عن الدين ليبحث عن الأمن وعن الخلاص وعن الحقيقة خارج المصدر الديني وخارج إطار الدين، يبحث عنها في مجالات مختلفة، هذا الضعف بيننا وبين ديننا في العلاقة الذي ورثناه من أجهزة إعلام وأجهزة تعليم فشلت في أن تنظم العلاقة بيننا وبين ديننا بشكلٍ سليم أدت إلى إضعاف العلاقة بين المسلم وإسلامه بين صاحب الدين ودينه وبالتالي فلم يعد للدين سلطانٌ على تصرفاته إلا داخل المسجد أما خارج المسجد فهو يتصرف بطريقةٍ أخرى..

عثمان عثمان: إذن هنا فضيلة الدكتور كيف نفهم دوائر الانتماء للوطن مع اختلاف الدين والمذهب؟

طه العلواني: الأمر الأول أخي عثمان نحن بحاجةٍ إلى إحياء مفهوم الأمة، الله تبارك وتعالى من علينا بهذا المفهوم مفهوم الأمة، وبين لنا أن الرابطة بيننا هي التي تجعل منا أمة واحدة وتجعل منا خير أمة وتجعل منا الأمة الوسط، والأمة الشاهدة على الناس إلى غير ذلك، وحينما تنفرط هذه الجماعة التي سماها القرآن بالأمة حينما ينفرط عقدها فإن دوائر الانتماء الأخرى كلها يصيبها نوعٌ من التمزق سقوط مفهوم الأمة من عقول وقلوب وآذان المسلمين كان بمثابة المرض السرطاني الذي امتد إلى سائر الروابط بينهم فأدى إلى تمزقها وتآكلها وانصراف الناس عنها، فصار ابن الطائفة الفلانية يقتل ابن الطائفة الآخر وهو يقول لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله، بدأنا ذلك في عصورٍ قديمة في صراع البويهيين والسلاجقة في صراع الديلم في صراع العثمانيين والصفويين في صراع الفاطميين مع غيرهم، ثم ها نحن اليوم ندفع ثمناً آخر من تقدمنا وتأسيس الحياة الحرة الكريمة في هذا العصر والقيام بدورنا أيضاً كأجيال جديدة تدفع ثمن ذلك التمزق وذلك التدمير لمفهوم الأمة الذي أدى إلى تدمير المفاهيم الأخرى.

عثمان عثمان: دكتور اسمح لي هنا، هناك في بعض البلدان انتماء عابر للأوطان، عابر للحدود، عابر للقارات هذا الانتماء يكون على أساس المذهب أو على أساس الدين على حساب المصالح الوطنية هل هذا من الإسلام في شيء؟

طه العلواني: لأ، الله سبحانه وتعالى جعل دوائر الانتماء إلى الدار وليس الوطن وإنما الدار{وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ}[ الحشر: 9] والانتماء إلى العرق والانتماء إلى أي شيءٍ آخر يصب داخل الجماعة الكبرى ألا وهي الأمة، فإذا كان ذلك الانتماء يصب في دائرة بناء الأمة وتكريس وجودها فهو أمرٌ جيد وأمرٌ إيجابي أما إذا عاد على الأصل الذي هو الأمة بالنقض أو الإضعاف، فذلك يعني أن هناك خللاً يجب علينا أن نتداركه وأن نعمل على تصحيحه وإعادة البناء.

عثمان عثمان: إذن الإسلام كما ذكرتم لم يعرف مصطلح الطائفية بل هناك مصطلح الأمة، الأمة الإسلامية ماذا عن غير المسلمين في هذا المجتمع الإسلامي كيف هو وضعهم، أين هم من الخطاب الإسلامي ومن خطاب الأمة الإسلامية؟

طه العلواني: أنا لا أستطيع أن آمن أي نظامٍ طائفيٍ على المخالف من الطوائف الأخرى، فكيف أستطيع أن أضمن، أن يهتم بالأديان الأخرى هذا أمر غير منطقي فإذا كان ابن هذه الطائفة يجترئ على أبناء الطوائف الأخرى ويذبح أبنائهم ويستحيي نسائهم وينتهك أعراضهم فهل أستطيع أن آمنه على النصراني واليهودي والمجوسي، لا يمكن إذا كان قد اعتدى أو مارس الاعتداء على أبناء أمته الذين ينتمون معه إلى ذات الأمة وذات الجماعة واستنصر بالأجنبي عليهم وانتهك سائر حرماتهم وقتل أئمتهم وهدم مساجدهم ودمر مقوماتهم فأنى لي أن أأمنه على أناس من أديانٍ أخرى هذا أمرٌ.

وضع الأقليات في المجتمع الإسلامي

عثمان عثمان: أنا أتكلم دكتور في الحالة الطبيعية عن غير المسلمين، عن المسيحيين واليهود في المجتمع الإسلامي بالحالة الطبيعية كيف يتعامل الإسلام مع هذا الواقع الأمة الإسلامية ما هي، هل لهم نفس الحقوق هل عليهم نفس الواجبات؟

طه العلواني: لا شك قد شبعنا كلاماً وفتاوى ورددنا هذا الأمر كثيراً أن إخواننا من أبناء الأديان الأخرى لهم مثل ما لنا من حقوق وعليهم مثلما علينا من واجبات فيما عدا الجانب التعبدي الذي يدخل في إطار العبادة فلهم أسلوبهم ومنهجهم في العبادة ولنا أساليبنا ومناهجنا فيها، فهذا الأمر مفروغٌ منه ولكن الذي يؤرق اليوم أن يقول أحد الأنظمة وهو يخوض قتالاً ضد شعبه قتالاً طائفياً تمارسه طائفةٌ ضد أخرى أن أمن إسرائيل وأمن أعداء الأمة متوقفٌ تماماً على وجوده فتسندون نظامي ستحمون إسرائيل وإذا لم تسندوا نظامي وأسلمتموني لمن يريدون هدم نظامي فذلك يعني أنكم تسلمون أمن إسرائيل إلى الخطر هذا نوع من الأطروحات..

عثمان عثمان: هنا أنتم تتحدثون فضيلة الدكتور عن النظام السوري بشكل تحديد، هذا النظام هذا ما قاله ولكن ماذا عن بعض المسيحيين الذي يتخوفون على الوجود المسيحي في سوريا أو في الشرق نتيجة انهيار هذا النظام القائم الآن في سوريا؟

طه العلواني: ليس هناك ما يدعو إلى الخوف كان المسيحيون في بلاط بني أمية ربما يهاجمون المسلمين ولا يجرؤ المسلمون على النيل منهم، شاعر بني أمية المعروف الأخطل كان يقف ويهجو الأنصار والمهاجرين وقصيدته المشهورة أل أبلغ معاوية بن صخر التي رد عليها النعمان بن بشير حينما هاجم الأنصار وقال اللؤم تحت عمائم الأنصار ورد عليه النعمان بن بشير مهدداً معاوية بن أبي سفيان كانوا في حماية معاوية وكانوا في حماية الخلفاء، وكان الصائبة في حماية المأمون في بغداد وكان وكان، والتاريخ مليءٌ في الأمثلة والنماذج على ذلك وفي عصرنا هذا لم تتعرض هذه الطوائف إلى المخاطر إلا في ظل تلك الأنظمة المنحرفة الطائفية المتعصبة التي تنظر إليهم على أنهم ورقة يلعبونها لاستدرار عاطفة شرقٍ أو غرب في بعض الأحيان.

عثمان عثمان: ألا ترون فضيلة الدكتور أن خوف البعض مبرر عندما يتحدثون عن بديل هذه الأنظمة، عن حكم إسلامي ربما هنا أو هناك، من سيأتي بعد هذا النظام الذي يزعم حماية الأقليات سيكون إسلامياً وبالتالي هناك خوفٌ على المسيحيين هل في تاريخنا الإسلامي ما يبرر مثل هذا الافتراض؟

طه العلواني: أما عن حكم جهلة المسلمين فأنا وأنت يجب أن نخاف أكثر مما ينبغي أن يخافه هؤلاء، فلطالما اعتدى هؤلاء على مسلمين، ونحن نعرف أن الخوارج دخلوا على الإمام أبي حنيفة يرحمه الله وهو في مسجده يدرس طلابه فقالوا له ولطلابه من أنتم، قال مستجيرون ففهموا من ذلك أنه يقول نحن مشركون نستجير لنسمع كلام الله، فجلسوا وادعوا بقارئ يقرأ يسمعهم كلام الله، قال أبو حنيفة يرحمه الله ولكن أتموا ثم أبلغوا مأمنه أوصلونا إلى ديارنا، فمثل هؤلاء الجهلة حينما يحكمون يدمرون المسلم قبل غير المسلم فلا يمكن أن يؤمنهم أحدٌ على وطنٍ ولا على مالٍ ولا على اقتصاد ولا على سياسة هؤلاء جهلة يحتاجون إلى تعليم يحتاجون إلى تدريب قبل أن يتوهموا، وهم لا يرون الدين ولا الشريعة إلا تطبيق بعض العقوبات وهذا يدل على الاتجاه المرضي، الإسلام ليس عقوبات فقط القانون العقابي ربما يشكل 1% مما جاء به الإسلام والشريعة الإسلامية، هم يوهنون ذلك كله ويتجهون نحو القانون العقابي مباشرةً ويعتبرونه هو الشريعة ويعتبرونه هو الإسلام، ويعتبرون من يقيمه هو الذي يطبق الشريعة ويطبق الأحكام ويقيم الحدود ويستحق لقب الإمام المسلم، وهذا غير صحيح هذه مفاهيم خاطئة تحتاج إلى التصحيح.

عثمان عثمان: انطلاقا من هنا فضيلة الدكتور هناك بعض الأشخاص أو التيارات ترتكب ارتكابات ربما يراها البعض خارجة عن القانون خارجة عن التوافق الوطني ويسارعون إلى إلصاق ما يقوم به البعض سواء كانوا أفراد أو جماعات بالدين أو الإسلام أو غيره، هل محاسبة الإنسان، هل محاسبة الطائفة، هل محاسبة الدين تكون على فعل هؤلاء الأشخاص أم على الأصول والمبادئ؟

طه العلواني: لا بد {وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى} [ النجم: 39] لكننا إذا آخذنا طائفة على ما يمارسه أبنائها فإنما نآخذها على ثقافةٍ مشتركة أصلتها في أولئك الأبناء فحينما تكون هناك قواعد أصولية وفقهية بنيت في فقه تلك الطائفة على احتقار المخالف ووجوب قتله أو اعتباره كافراً في بيت بالفارسية يقول:

سني بغداد شيعياس    شيعي بغداد سنياس

يعني هذا يعتبر الشيعي العراقي عنده كأنه سني، شيعيته خفيفة شيعي بغداد سنياس سني بغداد كافرياس حين ما توصل الثقافة إلى هذا النوع من التأزيم فنآخذ الطائفة على هذا النوع من الثقافة ولكن لا نؤاخذها بالعقاب والاستئصال وكذا، وإنما نقول لها هذه الثقافة معيبة يجب تفكيكها ولقد ناديت أكثر من مرة ودعوت في أكثر من مقام إلى ضرورة تنقية التراث الطائفي للشيعة وللسنة الإمامية والزيدية والإباضية وسواهم لكي لا نقع في الكوارث التي نتمرغ بها اليوم ولكن لم يستجب من رجال التعليم الديني ولا المدني أحدٌ لمثل هذه النداءات، وإذا كان في الأمر فسحة فيجب أن نبادر إلى أجهزة التعليم وأجهزة الإعلام للعمل على تفكيك وتنقية التراث الطائفي من كل ما شابه مما يؤدي إلى التعصب وإلى مقتل الآخر ونفيه والاستهانة بدمه والاستهانة بعرضه، مئات الأئمة والدعاة قتلوا بمثل العراق وفي سورية وفي أماكن كثيرة مئات الأئمة والدعاة دمروا دمرت مساجدهم انتهكت أعراضهم، كل هذه الأمور ورائها ثقافة ورائها أفكار لابد من تنقية العقول منها وإذا لم نفعل تكن فتنة في الأرض وفسادٌ أكبر مما نراه ونشاهده اليوم.

عثمان عثمان: الطائفية فضيلة الدكتور من ضمن معانيها تقديم الطائفة على ما سواها، اعتبار الولاء للطائفة هو الأهم، تقديم أبناء الطائفة في الوظائف وفي المناصب وفي المواقع كيف يمكن الخروج من هذا المنطق الطائفي، أسمع الإجابة إن شاء الله بعد أن نذهب إلى فاصلٍ قصير فابقوا معنا مشاهدينا الكرام نعود إليكم بإذن الله بعد الفاصل.

[فاصل إعلاني]

منطق الكفاءة وتغليبه على المنطق الطائفي

عثمان عثمان: أهلاً ومرحباً بكم مشاهدينا الكرام من جديد إلى حلقة هذا الأسبوع من برنامج الشريعة والحياة والتي تأتيكم على الهواء مباشرةً من الدوحة والتي هي بعنوان الطائفية الدينية مع فضيلة الدكتور طه جابر العلواني الذي ينضم إلينا مجدداً من القاهرة فضيلة الدكتور كيف يمكن لنا أن نغلب منطق الكفاءة على المنطق الطائفي، غالباً ما تكون الطائفة هي المقدمة والولاء للطائفة وبناءً عليه يتم التوظيف، بناءً عليه يتم الدعم والتعاطف؟

طه العلواني: للأسف الشديد أن المفاهيم المتأصلة في عقول أبنائنا في مختلف الأقطار العربية وربما بعض الأقطار الإسلامية هو مفهوم الطائفة ومفهوم القبيلة، فالقبيلة والطائفة هي أعلى دوائر الانتماء للأسف الشديد نتيجة الفشل التعليمي والإعلامي والتثقيفي في بلداننا الذي لم يسمح بالخروج من هذه الدوائر، فبقيت القبيلة والطائفة هي المرجعية الأساسية لهؤلاء، وكذلك نظرتهم إلى الحكم، النظرة إلى الحكم على أنه مغنم وأنه عبارة عن غنيمة فمن دخل إلى سرايا الحكم يرى أنه قد ملك البلاد والعباد وأنه صار المالك لكل شيء، ذكر لي أحد أعوان، أحد الديكتاتوريين الذين مضوا يقول إنه سأله مرةً يا شيخ فلان هل تجب عليّ الزكاة قال نعم سيادة الرئيس لأنه لا شك أنك تملك نصاب الزكاة، قال ولكنني أطعم الشعب كله فأطعم 18 مليوناً عدد شعبه آنذاك كان 18 مليوناً أطعم الشعب كله ألا يعد ذلك زكاة، فهو يعتبر أن كل ما لدى هذا الشعب أرضه، سمائه دياره، أنهاره، معادنه، هي ملكٌ له يتصرف فيه كما يشاء يهبه لمن يريد يقطعه لمن يريد فهذا المفهوم أيضاً خطأ ويجب أن يعرف أن كل ما يخرج من باطن الأرض وما ينبت على ظاهرها في ديار الإسلام إنما هو ملك أمة لا ملك أفرادٍ يتصرفون به كما يشاءون دون حسيبٍ ودون رقيب، فالله سبحانه وتعالى حسيبهم وقد علمنا الإسلام يوماً وقف عمر بن الخطاب وقد لبس ثوباً كاسياً وكان الرجل طويل القامة فنهض سلمان بعد أن قال عمر أيها الناس اسمعوا وأطيعوا فقال له سلمان لا سمع لك علينا ولا طاعة حتى تخبرنا من أين أتيت بهذا الثوب، فكل الثياب التي أعطيت لنا ثيابٌ قصيرة لا تكفي لرجلٍ طوالٍ مثلك أن تكون ثوباً، فقال رضي الله عنه يا عبد الله بن عمر قم وأجب سلمان فقال عبد الله لقد وهبت أبي نصيبي ليصنع به ثوباً يؤمكم به في صلاة الجمعة ويستقبل الوفود القادمة إلى المدينة المنورة، قال الآن قل نسمع ومر نطع، فحينما يجدون شعوباً تقف في وجوههم ولا تحاول أن تتنافس معهم على تلك الجيف وتؤيدهم في سلب ونهب أموال الأمة يمكن إيقافهم عند حدهم، فإذا لم يجدوا ذلك فمن الطبيعي أن يوغلوا فيما هم فيه ويوزعون أموال الأمة على أقاربهم وأهليهم ومحاسبيهم والأمر معروفٌ وما من بلدٍ من بلداننا إلا وفيه نماذج وأمثلة كثيرة، وبذلك يكونون الحواشي ويكونون الأحزاب ويكونون الفئات التي تدافع عنهم قبل السقوط وربما تنادي بعودتهم بعد السقوط.

عثمان عثمان: هنا دكتور هل المسؤولية الأخلاقية والجزائية والدينية تترتب على الإنسان، تترتب على انتمائه أم على أفعاله وارتكاباته بغض النظر عن الانتماء الديني؟

طه العلواني: لا شك أن مسؤولية الإنسان على ما سعى لا على ما انتمى إليه {وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى، وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى}[ النجم: 39 ،40] ونحن نعرف أن امرأة فرعون كانت في قصر فرعون لكن الله ذكر لنا من خصال الخير فيها ما جعلها تقول {رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ} [التحريم:11]، وامرأة لوط كانت وامرأة نوح {امْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا} [التحريم: 10] فالصلة والقرابة والحزبية والانتماء كلها لا قيمة لها لا في الدنيا ولا في الآخرة، ترتبت في الدنيا بعض الأحكام فيما يتعلق بالمواريث وصلة الرحم وما إلى ذلك ولكن لا يعني هذا أن يحمل أحدٌ عن أحدٍ وزره ولا يعطيه من حسناته شيئا وإنما الإنسان وسعيه والإنسان وعملة فإذا قعد به عمله فلن يستطيع أن يرتفع به نسبه ولا صهره ولا غير ذلك.

عثمان عثمان: بالعودة فضيلة الدكتور إلى موضوع الطائفية، النظام السوري الآن يلعب على وتر التخويف الخوف على الأقليات أنه حامي الأقليات سواء كانوا مسيحيين أو كانوا علويين كما ذكرنا بعض المسيحيين يخافون فعلاً مما يحذر منه هذا النظام ويضربون مثلاً بما جرى في العراق مع المسيحيين كيف يمكن توضيح الصورة هنا؟

طه العلواني: الحقيقة أن الرهان بالنسبة للنظام الذي ذكرته ولا أحب فعلاً أن أجري ذكره على لساني، هذا النظام هو في الحقيقة يراهن مع الغرب ويفاوض الغرب ويساوم أمريكا بالذات على أمن إسرائيل ويقول لها بصريح العبارة أنك تعرضين حينما تعرضين أمن نظامي إلى الخطر وتساعدين على إسقاط نظام البعث النظام الطائفي في سوريا فإنما تساعدين على تعريض أمن إسرائيل للخطر هذا ما لا يريد أن يصرح به، وإن صرحت به دوائر مثل قريب الرئيس هذا الذي يجوب الآن العواصم الغربية ليقنع بهذا الأمر، ولكن حينما يتكلمون على مستوى الإعلام العربي يقولون نحن نخاف على الأقليات المسيحية أن يحدث لها مثلما حدث في العراق، الأقليات المسيحية تعرضت إلى المخاطر كما تعرض المسلمون أنا لا مانع لدي من أن يقوم من يشاء أمم متحدة، حقوق إنسان، أية دائرة من الدوائر بإحصاء من قتلوا من أئمة السنة وعلمائهم والدعاة دعاتهم ومن قتل من النصارى، سوف لا نجد نسبة تذكر بين الاثنين لأن هؤلاء كما ذكرت اجترؤوا على الدم الحرام سواءٌ انتسب إلى مخالفٍ في إطار الدائرة الدينية التي يزعمون الانتماء إليها أو انتسب إلى مخالفٍ في إطارٍ خارجي، وهذه الدعاوى أو ذكر أنهم حماة النصارى، متى حموا النصارى هل استطاعوا أن يحموا النصارى حينما يعارضون أو يطالبون بحقوق الإنسان أو يستنكرون سياساتهم أبداً، لم نر منهم تسامحاً مع أي معارضٍ مهما كان دينه ومهما كانت قوميته ولكنهم في الوقت الحاضر يحاولون أن يقنعوا أميركا أو يخيفوها ويخيفوا الغرب من بعدها، بأن أمن هذا النظام وتركه يعيث بأرض الشام فساداً مرهونٌ به أمن إسرائيل وإذا أريد أن يحافظ على أمن إسرائيل فليحافظ على أمن هذا النظام الوراثي الذي لم يخجل أن يورث السلطة الأب إلى الابن والذي لم يخجل شعراؤه أن يعلنوا وهم يزعمون الانتماء إلى الدائرة الكبرى دائرة الأمة ودائرة الإسلام آمنت بالبعث رباً لا شريك له وبالعروبة ديناً ما له ثاني، فمن يعلن صراحةً بأنه اتخذ رباً غير الله، كيف يمكن أن ينسب إلى هذه الدائرة الإسلامية الكبرى أو إلى دائرة الأمة، هذا أمرٌ مستغرب وأمرٌ مستبعد، ولكنني أود من هذا المنبر أن أحذر النظام السوري من اللعب بهذه الورقة، ورقة أمن إسرائيل فإنه لن يكون قادراً على حماية إسرائيل ولا على حماية أمنها، والنظام السوري قد حارب إسرائيل تحت ظل هذا النظام منذ 1963 وحتى يومنا هذا في جميع الحروب التي دخلها العرب أو دخلتها مصر وسوريا معاً ضد إسرائيل، فكيف يؤتمن على أمن إسرائيل وحماية إسرائيل وله هذه المواقف، ولكنه يحاول أن يتعلق بأية خشبة إنه كالغريق المستغيث يريد أن يحصل على أي شيء يستند إليه ويمكن أن يبقي عليه وينقذه من عملية السقوط التي هي آتيه لا محالة، لقد رأينا كيف استبعد القذافي أن يسقط ولكن ها هو قد سقط وها هو قد انتهى وأظن أن النظام المذكور سائرٌ في نفس السكة وفي نفس الطريق وبالغٌ نفس الغاية، فحرامٌ عليهم أن يفجروا كلما بقي في هذه المنطقة من علاقاتٍ وصلاتٍ من أجل المحافظة على كراسٍ ذاهبة لا محالة لأن الله ما خلق السماوات والأرض إلا بالحق، ما خلق السموات والأرض بالباطل لكي يبقي على هذا الباطل وإنما خلق السموات والأرض بالحق.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور عندما نتحدث عن الطائفية عن التنوع هناك مستويات متعددة لهذا التنوع هل يمكن أن نضيء على هذه المستويات في هذه العجالة؟

طه العلواني: لم أسمع السؤال جيداً.

التعدد الديني ومستوياته

عثمان عثمان: مستويات التعدد الديني، مستويات التعايش داخل الأمة الإسلامية كيف يمكن أن نوضحها للمشاهدين؟

طه العلواني: أنا أعتقد أن أجهزة الإعلام والتعليم والمسجد وكل قنوات التوجيه العام يجب أن تجند بأقصى سرعة ممكنة لإعادة بناء الإحساس بالانتماء إلى الأمة، الإحساس بالانتماء إلى الجسم الكبير وإشاعة ثقافة المشتركات وإعلائها على ثقافة المختلفات، وبالتالي لعلنا نستطيع أن نستدرك بعض الشيء، الوقت متأخر ولكن الميسور كما يقولون لا يسقط بالمعسور، علينا أن نبادر إلى ذلك لعلنا نستطيع أن نعيد مستوى التعارف بين أبناء الشعوب المسلمة يعرف بعضهم بعضاً وهذا يحتاج إلى مواصلات وكانت لدينا سكة حديد الحجاز وهدمها لورنس، ومنذ هدمها لورنس عام 1916 لم يعد أحدٌ بناءها، وقد علمت أن أردوغان وتركيا يحاولون إعادة البناء ولكن هناك عقبات يضعها آخرون أمام ذلك، وهناك الجسر الذي كان يراد له أن يبنى بين السعودية ومصر وينبغي أن يبنى، مصر في حاجةٍ إليه والسعودية في حاجة إليه والعالم العربي في حاجةً إليه، وكذلك مع السودان نحن في حاجة ماسة إلى بناء شبكة قوية جداً من المواصلات والاتصالات بين جميع أقطار هذه الأمة لإعادة التواصل بين أبنائها، لإعادة التواصل بين مجتمعاتها لكي نبث الشعور من جديد بأننا ننتمي إلى كيانٍ اجتماعي واحد وإلى أمةٍ واحدة على مستوى الحقيقة لا على مستوى الكلام والشعار.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور نسمع أصواتاً هنا وهناك تقع في التحريض ضد مذاهب ضد أديان ضد قوميات وأقليات ما موقفكم من مثل هذه الأصوات؟

طه العلواني: هذه أصواتٌ نشاز تعبر عن نفسها بعد كبتٍ طويل، تعد في إطار ظواهر التعبير بعد الكبت يعني إنسانٌ حرم من التعبير، حرم من أي قول، أنا أذكر رأيت صديقاً مرةً في الولايات المتحدة فسألته لم جئت إلى الولايات المتحدة، ما الذي تريد أن تحقق في وجودك فيها قال أريد أن أشبع نباحاً بهذا التعبير، هناك أنا محروم من حرية حتى النباح لو أردت أن أنبح أو أرفع صوتي لاتهموني ولزجوا بي في السجن، فبعد فترات الاضطهاد حين تسقط أنظمة الاضطهاد وأنظمة الديكتاتورية سوف نرى العجب العجاب وتظهر أمورٌ كثيرة مثل هذه الأمور التي نستهجنها اليوم ولكنها في الحقيقة أمورٌ تعتبر طبيعية نتيجة كبت استمر عقوداً كثيرة من السنين حتى كانت النكتة المصرية المعروفة يقول واحد جالس في الأوتوبيس وتنفس من بجانبه نفساً عميقاً فقال له أخي لا تتكلم في السياسة هو لم يتكلم في السياسة فقط تنفس فحينما تحرم حتى النفس.

عثمان عثمان: نفس سياسي هذا.

طه العلواني: تشد نفس بقوة فما بالك في التعبير عن ذلك بعد أن تنهار هذه القيود، فهذه أصوات نشاز فيها ما يقبل وفيها ما يرفض وفيها ما يحتاج إلى تصحيح لكنها كلها ناجمة عن ذلك الكبت، والمسؤول عنها كبت الشعوب لكل تلك الفترات الطويلة ومنعها من ممارسة حرية القول وحرية التعبير وحرية الكلام.

عثمان عثمان: شكراً فضيلة الدكتور طه العلواني رئيس جامعة قرطبة وعضو مجمع الفقه الإسلامي الدولي كنت معنا عبر الأقمار الصناعية من القاهرة، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة، أنقل لكم تحيات معد البرنامج معتز الخطيب والمخرج منصور الطلافيح وسائر فريق العمل، هذا عثمان عثمان يترككم بأمان الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.