- التمييز بين الشرعية والمشروعية
- الأنظمة وانهيار الشرعية السياسية

- الشرعية السياسية والاستقرار الظاهري في بعض الدول

- الأنظمة وتوظيفها للخطاب السياسي

- محتويات الشرعية السياسية وأزمة غيابها


عثمان عثمان
سيف الدين عبد الفتاح

عثمان عثمان: مشاهدينا الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلاً ومرحباً بكم على الهواء مباشرةً في هذه الحلقة الجديدة من برنامج الشريعة والحياة، الشرعية السياسية هي التعبير عن حالة الرضا والقبول التي يبديها المواطنون إزاء النظام السياسي وممارسة السلطة، فهي صفةٌ للسلطة القائمة على إجماعٍ عام، فإلى أي مدىً تواجه أنظمتنا أزمةً في ذلك؟ وهل انتهت شرعية بعض الأنظمة السياسية في العالم العربي؟ وعلى ماذا تبنى الشرعية ومتى تزول؟ وهل فرضت الثورات العربية إعادة النظر في مصادر الشرعية السياسية التقليدية؟ الشرعية السياسية في الفكر الإسلامي موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع الدكتور سيف الدين عبد الفتاح أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة والذي ينضم إلينا أيضاً عبر الأقمار الصناعية من القاهرة ونشير هنا إلى أن كان من المقرر أن يكون معنا في الأستوديو الدكتور لؤي الصافي أستاذ العلوم السياسية في كلية الدراسات الإسلامية في مؤسسة قطر للتربية والعلوم إلا أنه لأسباب طارئة تعذر حضوره، مرحباً بكم دكتور..

سيف الدين عبد الفتاح: أهلاً وسهلاً ازيك يا أستاذ عثمان.

التمييز بين الشرعية والمشروعية

عثمان عثمان :حياك الله بدايةً دكتور ماذا نعني بالشرعية، وهل تختلف عن المشروعية؟

سيف الدين عبد الفتاح: هو طبعاً، بسم الله الرحمن الرحيم أؤكد على أن مفهوم الشرعية هو من المفاهيم المهم أن تؤصل داخل الفكر السياسي الإسلامي وقاعدته المرجعية، ذلك أن مفهوم الشرعية يعني في ذلك الأمر مستويين مهمين، المستوى الأول هو المستوى المتعلق بالجانب القانوني والمستوى الثاني هو المتعلق بالجانب المجتمعي والقبول المجتمعي بالنسبة لأنظمة الحكم، ومن هنا فإن مسألة الشرعية ترتبط بموضوعٍ أكبر هو طبيعة العلاقة بين الحاكم والمحكومين، وتستطيع أن تقول أن للشرعية مستويات كثيرة يعني هذه الشرعية في الرؤية الإسلامية ترتبط بشرعية ليس فقط الدولة أو السلطة ولكنها ترتبط أيضاً بشرعية المجتمع، ترتبط بالشرعية التي تتعلق بالمرجعية وطبيعة هذه المرجعية وتحكيمها.

عثمان عثمان : ما الفرق بينها وبين المشروعية؟

سيف الدين عبد الفتاح: الفرق بينها وبين المشروعية أن المشروعية تدل على المعنى القانوني فحسب، المعنى القانوني حينما نقول أن هناك شيئا مشروعا أي هو يتوافق ويطبق عناصر القانون، أما حينما نقول أن الأمر شرعي بهذا المعنى فهو الذي يتعلق بالرضا، برضا الناس عن الحاكم وعن جملة النظام السياسي وعن جملة السياسات والممارسات هذا هو الأمر الذي يتعلق بفارق أساسي .

عثمان عثمان: على ماذا تبنى شرعية أي نظام سياسي في الإسلام؟

سيف الدين عبد الفتاح: الشرعية تبنى على أشياء كثيرة، وأنا أظن أن هذه الأشياء ترتبط بأمرين مهمين، الأمر الأول هو المرجعية، والمرجعية هذه ترتبط بإطار وبقواعد النظام العام التي تتعلق بالمجتمع، وتتعلق بالعلاقة بين الدولة والمجتمع والعلاقة بين الحاكم والمحكومين، هذا للأمر جانب من غاية في الأهمية في المسائل التي تتعلق بالشرعية، الأمر الثاني الذي يتعلق بهذا الأمر هو العدل لأن مناطق النظم في الرؤية الإسلامية هو العدل والظلم لذلك سنجد الإمام ابن تيمية يقول " أن الدولة العادلة تدوم مع الكفر ولو كانت كافرة والدولة الظالمة تزول أو تدوم ولو كانت مسلمة"، ومن ثم المناط الأساسي الذي يتعلق بهذه الشرعية هو الأمر الذي يتعلق بعناصر العدل في هذا السياق، الأمر الثالث الذي يتعلق بموضوعنا هذا هو مسألة الفاعلية، ذلك أن فاعلية الدولة وقدرتها في عملية الإنجاز تنموياً وسد حاجات الناس وضرورتهم الأساسية وحل مشاكلهم الحقيقية هي جزء لا يتجزأ من الشرعية يمكن تسميتها في هذا الإطار بمستوى ثالث وهو شرعية الإنجاز، بين الفاعلية والعدالة وبين المرجعية تكون فكرة الشرعية حول هذا المثلث المهم في إطار تأصيل وترسيخ معاني الشرعية في العلاقة السياسية بين الحاكم والمحكوم.

عثمان عثمان : ما الأسباب التي تؤدي إلى هدم هذه الشرعية السياسية، تسمعني دكتور، إذن تحدثتم عن هذه الشرعية السياسية هناك عوامل لقيام هذه الشرعية السياسية هناك عوامل لهدم هذه الشرعية السياسية ما الأسباب التي تؤدي إلى انهدام وانهيار هذه الشرعية السياسية نسمع الإجابة إن شاء الله بعد أن نذهب إلى فاصل قصير فابقوا معنا مشاهدينا الكرام نعود إليكم بإذن الله بعد الفاصل .

[فاصل إعلاني]

الأنظمة وانهيار الشرعية السياسية

عثمان عثمان: أهلاً وسهلاً بكم مشاهدينا الكرام من جديد إلى حلقة هذا الأسبوع من برنامج الشريعة والحياة والتي هي بعنوان الشرعية السياسية في الفكر الإسلامي مع الدكتور سيف الدين عبد الفتاح أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة دكتور مرحباً بك من جديد أعود إلى السؤال ما العوامل التي تؤدي إلى انهيار الشرعية السياسية عند أي نظام سياسي أو عند أي حاكم؟

سيف الدين عبد الفتاح: نعم، أنا أظن أن هذا المثلث الذي تحدثنا عنه هو ذاته هو هدم إذا هدمت هذه الأركان الثلاثة في أضلاع المثلث هذا يمكن أن تؤدي إلى هدم الشرعية منها مثلاً مفارقة..

عثمان عثمان : اسمح لي دكتور أن أنقل لك سؤال المشاهد مجند عبد الجبار الصلوي يسأل هل من شرعية لحاكمٍ يقتل شعبه يدنس المقدسات وينتهك كل حقوق الإنسان؟

سيف الدين عبد الفتاح: الأمر المؤكد أن ليس لحاكمٍ أن يقتل الناس ويروعهم ويؤدي ذلك إلى ما ينتج عن إسالة دمائهم وضربهم بالدبابات وبالأسلحة وكل هذه الأمور التي جعلت للحروب الخارجية، للأسف الشديد فإذا بها تتجه إلى نحور وصدور أهله وأهل وطنه، هذا لا شك يعبر عن قمة افتقاد الشرعية من جانب أي نظام سياسي يحاول أن ينتهك حرمة الحياة الإنسانية التي تتعلق بذلك الإنسان، ذلك أنه } مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا{[المائدة :32]، وهذه القضية المحورية التي تتعلق بقتل النفوس هي من المسائل التي يجب يتحرى فيها كل صاحب سلطة في هذا الإطار ولا يؤدي به ذلك إلى إسالة الدماء وعمل هذه النهور والبحور من الدماء وقتل الأنفس من دون مسوغٍ في هذا الإطار، لأن البعض يتحدث هنا عما يسمى بالفتنة في هذا الإطار ويحاول أن يروج لذلك بحديث الفتنة، ليس الأمر هكذا فإن الأمر يرتبط كما قلت بعناصر تتعلق بقيمة العدل الأساسية التي هي مناط أي حكم، ولذلك يقول الإمام ابن تيميه في هذا المقام " إن العدل واجب لكل أحدٍ على كل أحد في كل حال والظلم محرم مطلقاً لا يباح بحال" هكذا يقول الإمام ابن تيمية وهو الأمر الذي يؤكد على معاني الشرعية الحقيقية التي تتعلق بالعدل والظلم في هذا المقام.

عثمان عثمان: هناك مسألة تثير جدلاً دكتور الأنظمة تتحدث خلال قمعها للمظاهرات للاحتجاجات بأنها ربما توجه هذا السلاح إلى جماعات إرهابية وبالتالي تحمي الوطن والمواطن، المواطنون يتهمون هذه السلطة بتوجيه السلاح إلى الصدور العارية التي خرجت للمطالبة بحقوقها وبالعدالة الاجتماعية التي ذكرتم أنها من أبرز المقومات الشرعية السياسية كيف نتبين هنا الخيط الأبيض من الخيط الأسود؟

سيف الدين عبد الفتاح: هذا سؤال مهم وكما قلت في هذا الإطار أن هناك بعض المقولات التي يستخدمها هؤلاء من الطراز في هذا الإطار، كما يقولون من اشتدت وطأته وجبت طاعته أو سلطانٌ غشوم خيرٌ من فتنةٌ تدوم، لا السلطان الغشوم هو عين الفتنة التي تدوم ولا يمكن بأي حالٍ من الأحوال أن نقول على ذلك السلطان الذي يقوم بترويع الناس أو بقتلهم أنه هو يقوم بمناط السلطة الحقيقية في العدل في هذا الإطار، أما الأمر الذي يتعلق بفزاعات تستخدمها النظم السياسية الاستبدادية فتقول أن ذلك يتعلق بالفتنة فإنهم هم عين الفتنة، ألا في الفتنة سقطوا، هؤلاء الذين يقومون بقتل مواطنيهم وبتوجيه السلاح إلى نحورهم وصدورهم إنما يؤكد أن هؤلاء لا يقومون بالمحافظة على عهدٍ ولا ذمة في هذا الإطار، ولا يلتزمون بأصل التعاقد السياسي الذي يقوم على الاختيار وعلى القيام بالواجبات الحقيقية في هذا الأمر، أما الفزاعة الثانية التي يستخدمونها، أما الفزاعة الثانية التي يستخدمونها فتتعلق بمفهوم الإرهاب، وهذا المفهوم نصفه أو له وجه يتعلق بمخاطبة الخارج حتى يمكن أن يمرر هذا العسف وهذا القتل وهذا التدمير الذي يقوم به للنفوس فيهلك الحرث والنسل وبين الأمر الذي يتعلق أيضاً إلى الداخل بمحاولة اتهام وتشويه هؤلاء الذين يطالبون بحقوقهم وهؤلاء الذين يموتون من أجل حياة كريمة ويؤكدون على معنى الكرامة الإنسانية في هذا الإطار ومعنى حقوق المواطنة السياسية في هذا السياق.

عثمان عثمان: في موضوع الشرعية السياسية هل يمكن لها أن تتجزأ هل يمكن أن نقول هذا الحاكم أو هذا النظام هو شرعي جزئياً أو أنه شرعي بشكل كلي؟

سيف الدين عبد الفتاح: ما تقول هو أمر غاية في الأهمية صحيح أن الشرعية يمكن أن تزيد وتنقص، ولكن وجب على الناس أن يقدموا أيضاً من كل الآليات التي تتعلق بالرقابة، وكل الآليات التي تتعلق بالمحاسبة وكل الآليات التي تتعلق بشفافية الحكم، وكل الآليات التي تتعلق بالقيام بالواجبات المرعية في هذا الإطار برقابة الحاكم والمسؤولية والمساءلة، لا يمكن بأي حال من الأحوال إلا أن نتجه إلى مفهوم الشرعية باعتباره حزمة كلية، هذه الحزمة الكلية هي التي تؤصل معنى الشرعية في هذا المقام ومن دون ممارسةٍ لهذه الحزمة التي تتعلق بالرقابة أو بالمساءلة أو بالمحاسبة فإنما هي يكون الأمر فرط من أي حد ومن أي ضابطٍ ومن أي رابط، وفي هذا الإطار يقوم الحاكم بفعل ما يهوى وبفعل ما يريد حتى يمكن أن يحافظ على كرسيه وهذا بالتالي ليس من الشرعية في شيء..

عثمان عثمان : اسمح لي دكتور أن نأخذ الدكتور سعيد بن سعيد العلوي أستاذ التعليم العالي في جامعة الرباط والذي ينضم أيضاً إلينا من الرباط السلام عليكم فضيلة الدكتور..

سعيد بن سعيد العلوي: أهلاً وسهلاً أخي الكريم مساء الخير.

عثمان عثمان : مساء النور الشرعية السياسية اختزلت في فقه السياسة الشرعية الإسلامي في مسألة الطاعة للحاكم القادم عبر البيعة عبر التغلب عبر الخلافة كيف تم التوافق على ذلك؟

سعيد بن سعيد العلوي: الإلحاح على الطاعة وما إلى ذلك هذا في الواقع ما نجده عند المتأخرين عند الذين سعوا إلى تبرير وضع قائم، لكن من حيث المبدأ كما تفضل زميلي قبل قليل الشرعية في الإسلام تقوم على المبادئ الكبرى المعروفة المشتركة بين النظم والسياسات جميعها ألا وهي..

عثمان عثمان: والتي هي؟

سعيد بن سعيد العلوي: الحرية أولاً وقبل كل شيء والعدل، وبالنسبة للمسلمين مراعاة الشرع ويختلف الأمر بالنسبة لتاريخنا الفكري الإسلامي بين ما ذهب إليه أهل السنة وبين ما ذهب إليه الشيعة، أما أهل السنة فهم قد جعلوا للشرعية أساساً لا يتبدل وهو أن تكون قائمةً على الانتخاب يعني على الاختيار وعلى الاصطفاء، أما بالنسبة لأهل الشيعة أحكي عن الماضي عن التاريخ فهي قائمةٌ على مبدئيين العهدي والوصية، كل هذا من الناحية النظرية، لكن أعتقد أن الأهم في حديثنا في هذا الموضوع ما أفترض أنه يعني المشاهد العربي ما يعنينا جميعاً هو المشكل كما يطرح اليوم هو قضية الشرعية السياسية بين الحاكم الإسلامي وبين إقامة الدولة الحديثة على الحقيقة، الدولة التي تعني تداول السلطة وتعني الديمقراطية واحترام آليتها وتقوم على العقل والحرية ومراعاة حقوق الإنسان.

عثمان عثمان : أنت إذن دكتور أنت تقول أن الشرعية السياسية في التاريخ الإسلامي تختلف الآن بحكم التطور، بحكم ظهور الدولة المدنية عن تلك، أسبابها أو عناصرها أسسها اليوم تختلف عن الماضي؟

سعيد بن سعيد العلوي: بكل تأكيد يا أخي الكريم في زماننا هذا الذي نحياه، الدولة إما أن تكون هي الدولة في المعنى الحديث أو لا تكون بدون ادعاء، عندما نقول الدولة في المعنى الحديث أي الدولة كما يحدها الفكر السياسي الحديث، وكما يحدها الفقه الدستوري المعاصر، مبادئها معروفة وربما لا بأس من التذكير بها في عجالة، هذه المبادئ تقوم أولاً على احتكار العنف كما يقال فلا تكون أدوات السلطةِ الجيشُ والشرطةُ والسلاح وما إلى ذلك في يد واحدة، في يد غير يد الدولة الواحدة، النقطة الثانية هي وجود البيروقراطيات كمؤسسة قارة ودائمة، الشرط الثالث هو وجود الجيش كمؤسسةٍ قارةٍ ودائمة لكن وجودها يكون من أجل حماية الوطن لا تكون موجودة في إدارة شؤون الدولة، المكان الطبيعي للجيش هو أن توجد داخل الثكنة وأن تستجيب عندما يدعوها إلى ذلك داعي الدفاع عن الوطن، من مميزات الدولة الحديثة كما قلت وجود البيروقراطية مراعاة الحرية، مراعاة حقوق الإنسان، مراعاة مبدأ تداول السلطة، هذه بصفةٍ عامة الملامح العامة للدولة في معناها الحديث وأزعم أنه لا دولة اليوم في العالم، دعك من شعارات مما يردد باسم ربما هذا المذهب أو ذاك، لا دولة تخرج في نهاية الأمر عن هذه الخطوط الكبرى وإلا فأمرها لا يستقيم كدولة.

عثمان عثمان : دكتور مع بداية الربيع العربي مع انقضاء عصور من الاستبداد العربي ما واجب الفقهاء لمواكبة هذا التطور؟

سعيد بن سعيد العلوي: واجب الفقهاء أن يبشروا وأن يعملوا وأن يدعوا لإقامة الدولة على الحقيقة التي هي الدولة المدنية، دولة المؤسسات، دولة المواطن دولة مراعاة الحقوق والحريات واحترام العهود والمواثيق والواجبات بمعنى أن مراعاة الدين الإسلامي لنقولها بصراحة تكون في مراعاة كلياته ومبادئه السامية العليا التي هي إحقاق العدل والحرية والكرامة وتكريم الإنسان لأن المبدأ الأساسي في ديننا الإسلامي وفي القرآن وفي الحديث النبوي هو تكريم الإنسان وهذا هو المدخل والمعنى الذي يتوافق مع ما أتى به الفكر السياسي الحديث، وأقصد به حقوق الإنسان، الإشكال يكون هو التالي أو المعادلة إذا سمحت لي تكون هي التالي لا خلاص ولا سبيل للتخلص من الاستبداد ولإحقاق الكرامة ولإحقاق كل هذه المبادئ التي يتوق إليها الشباب العربي، ونتوق إليها جميعاً وأعتقد أن كل مواطن وكل فرد عربي يتوق إليها من القضاء على الاستبداد وعلى احتكار السلطة وبالتالي ضرب الشرعية إلا بإقامة الدولة الحديثة على الحقيقة..

عثمان عثمان: دكتور اسمح لي أن أنقل لك تساؤل المشاهد مراد الأشول الذي يقول إذا كان الحاكم يقوم بأفعال الفساد في الأرض والحرابة فهل يطبق عليه حد الحرابة؟

سعيد بن سعيد العلوي: لأ شوف يا أخي ينبغي أن ننظر إلى زمننا هذا بلغة أخرى، الحرابة ربما في زمننا هذا الأجدر بها هي أن تكون الخروج عن القانون والأجدر بها هي أن تكون في نهاية الأمر هي الإرهاب بأشكاله وتصوراته الكلية، أما مع وجود الجيش كمؤسسة قارة ما لم يكن في الماضي مع وجود الشرطة مع احتكار العنف، مع وجود التنظيمات هذه الحرابة يعني ضيق معناها كما كان فقهاء يتحدثون عنها في الماضي، وأجدر بنا أن نتحدث بمفاهيم وقتية كما يقول الفقهاء تنتمي إلى العصر الذي ننتمي إليه لنبقى في مفهوم الدولة التي لها أسباب الشرعية أو لفكرها من حيث أنها دولة قانون أو دولة مواطن أنها غير ذلك دولة كفيلة بإحقاق العدل والحرية ومراعاة حقوق الإنسان أو إنها غير ذلك..

عثمان عثمان: دكتور سعيد بن سعيد العلوي أستاذ التعليم العالي في جامعة الرباط كنت معنا من الرباط شكراً جزيلاً لك، أعود إليك دكتور سيف الدين عبد الفتاح من القاهرة بناء على ما تقدم الصورة أصبحت أمامنا واضحة وظاهرة إلى أي مدىً تتحقق الشرعية شرعية الأنظمة العربية القائمة حالياً؟

سيف الدين عبد الفتاح: أنا أظن إنه الأمر المهم وأنا أريد هنا أن أعقب على بعض كلمات قالها أستاذنا الدكتور سعيد بن سعيد، الأمر هنا في الدولة ما يقال بالدولة الحديثة يجب أن نطلق عليها بأنها الدولة الفاعلة العادلة، ذلك أن الدولة القومية ونشأة الدولة القومية في العالم العربي المعاصر كانت أيضاً نشأه مشوهة ومشوشة، هذه النشأة المشوشة والمشوهة في الدولة اللي في العالم العربي لا تقل عدم شرعية عن تلك الدول الاستبدادية بل أنها كانت محط لدول استبدادية من بعد ذلك، وتشكلت هذه الدول بشكلٍ أدى إلى حكم الشعوب ضمن هذا النطاق والمسار الاستبدادي، لا يمكن بأي حال أن نقول أن الدولة الحديثة والدولة المعاصرة ليس معناها فقط أنها هي تلك الدولة التي نشأت مع عهد الدولة القومية، لأن هذه النشأة كانت نشأة مشوهة وشائيه وفي هذا الإطار فإنني يمكن أن أتحدث عن الأمر الذي يمكن أن يتعلق بالدول العربية بوجه عام، والدول العربية كما قلت أن الشرعية في هذا الإطار الشرعية تزيد وتنقص بالنسبة للنظم وأن النظم تحاول ما يمكن تسميته باكتساب شرعية مضافة بالنسبة لها وذلك من خلال العناصر الثلاث، التزامها بالمرجعية الأصلية التي تعود إلى قواعد النظام العام والتزامها بأصول العدل والحرية وحقوق الإنسان والتزامها بالفاعلية والإنجاز الحقيقي بالنسبة لكافة فئات الشعب على تنوعه من دون تمييز وفي إطارٍ من المساواة ومنظومة القيم التي يؤكد عليها الإسلام، الأمر المهم الثاني الذي يتعلق بشرعية هذه النظم العربية إنما يتعلق بقدرة الدولة على القيام بوظائفها بفاعلية، لماذا تنتمي هذه الدول ومعظم هذه الدول العربية إلى ما يسمى بمجموعة الدول الفاشلة، هذه قضية شديدة الخطورة لأنها فشلت في تحقيق ذلك العدل الاجتماعي كما فشلت في إطار ما يمكن تحقيقه بالفاعلية السياسية والفاعلية التنموية من جانب آخر، إذن نحن أمام معايير حقيقية يمكن الاحتكام إليها، حينما نؤكد على شرعية هذه النظم العربية، وكما قلت هي تزيد وتنقص وعلى هذه القيادات العربية أن تقوم باكتساب مزيدٍ من الشرعية وتتجه إلى الحركة التي تتعلق بالإصلاح الحقيقي وليس الفساد، وربما هذا يعود إلى تعريف السياسة حينما كان يقول ابن عقيل في هذا الإطار فيما نقلة ابن القيم في كتابة إعلام الموقعين " أن السياسة ما كانت معه الأمور أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد" كأن السياسة في هذا الإطار هي إصلاحٌ وصلاحٌ وصلاحية وأيضاً هي بعيدة عن كل فسادٍ وإفساد.

عثمان عثمان : دكتور اسمح لي أن نأخذ الدكتور لؤي والذي كان يفترض أن يكون معنا في الأستوديو إلا أنه لظروف طارئة بقي في الكويت الآن ينضم إلينا عبر الهاتف، دكتور لؤي الصافي أستاذ العلوم السياسية في كلية الدراسات الإسلامية في مؤسسة قطر للتربية والعلوم الإنسانية وتنمية المجتمع مرحباً بكم دكتور..

لؤي صافي: أهلاً أستاذ عثمان كان بودي أن أكون معك في الأستوديو..

عثمان عثمان : قدر الله وما شاء فعل دكتور.

لؤي صافي: الحمد الله.

الشرعية السياسية والاستقرار الظاهري في بعض الدول

عثمان عثمان: دكتور هناك من يربط بين الشرعية السياسية وبين الاستقرار لاحظنا خلال الفترة الماضية استقرارا بين هلالين لنقل استقرارا ظاهرياً في بعض الدول والأنظمة القائمة، هل يدل ذلك على شرعية لهذه الأنظمة على الحكم الصالح والعدالة الاجتماعية؟

لؤي صافي:لا أعتقد أن هناك علاقة بين الشرعية والاستقرار، الشرعية تقوم على قاعدتين، الأول يتعلق بانتقال السلطة انتقال السلطة من ولي أمر أو من حاكم أو من رئيس للدولة إلى من يأتي بعده، طبعاً الفقهاء كما تفضل الزملاء من قبلي اختاروا طبعاً قسموا بين من يقود بالاختيار ومن يقود بالنص أو الوصية، وهذه طبعاً مسألة تاريخية ولكن الأساس هو رضا الناس بصاحب السلطة من يتولى السلطة يجب أن يلقى قبول الناس، قبول الشارع، ورضا الناس وهذا ما نعبر عنه اليوم في المصطلح الحديث، بوجود قاعدة شعبية وقبول من المواطنين، رضا المواطنين واختيارهم لمن يتولى السلطة، الجانب الآخر هو تحقيق المصلحة العامة، القيادة السياسية من أهم ما يحقق شرعيتها هو تحقيق المصلحة العامة أن يكون تصريف الأمور واستخدام السلطة من أجل المصلحة العامة، وأعتقد ما ذكره الأخ الكريم الدكتور سيف حول نقل ابن القيم قول ابن عقيل أن السياسة هي فعل ما كان الناس مع الأقرب إلى الصلاح والأبعد عن الفساد ثم يضيف إلى ما وضعه الرسول ونزل به الوحي، بمعنى أن المصلحة العامة هي الأساس وطبعاً الشرع والوحي يأمر بالعدل وبرعاية الأمة خاصةً ضعافها، أضعف الناس يجب أن يكن محل اهتمام أصحاب السلطة والقيادة السياسية بقدر اهتمامهم بالأقوياء وأصحاب النفوذ.

عثمان عثمان : دكتور بعض الأنظمة قامت بما يسمى بالشرعية الثورية بعضها قائم على الملكية والتوريث وبعضها أيضاً جاء من خلال الانقلابات العسكرية والعنف ما تقييم ذلك في الفكر الإسلامي؟

لؤي صافي: الشرعية الثورية كما أفهمها اليوم كمصطلح هي شرعية الخروج عن الحاكم عندما يحصل فساد وحقيقةً الفتنة، مفهوم الفتنة في الأصل الفساد غياب الحقوق والظلم وانتهاك الحقوق وتجاوزها ولذلك الفتنة ليست في فقط أنه انعدام الاستقرار ولكن انعدام الأمان وانعدام العدل وانعدام تكافؤ الفرص، فالشرعية الثورية التي نسمعها اليوم هي حق الأفراد بالثورة على الحاكم وتغيير هذا النظام إذا هو عجز أو فسد أو لم يقم بواجباته تجاه تحقيق المصلحة العامة..

عثمان عثمان : نعم بالنسبة للأمور الأخرى المسائل الأخرى التي جاءت عليها بعض الأنظمة؟

لؤي صافي: طبعاً هناك كما قلنا الشرعية السياسية عندما نستخدمها كمصطلح نتحدث طبعاً عن أن النظام الحاكم يلقى القبول طبعاً، هذا يعني أنه مرتبط النظام السياسي مرتبط بالبنية الاجتماعية، في مجتمع مثلاً يغلب عليه الصفة القبلية نحن نلاحظ أن رضا الناس يكون من خلال إنصات وخضوع الحاكم لآراء قادة أو رؤساء القبائل وهذا كان مألوفا في التاريخ الإسلامي أن الحاكم دائماً ينظر في آراء أهل الحرب والعقد، وهؤلاء أصحاب القرار الذين يستطيعون تحريك الناس باعتبارهم رؤوس القوم وباعتبارهم أصحاب النفوذ، لكن في العصر الحديث مع تحول المجتمع إلى مجتمع مدني والحاجة إلى اعتماد الأشخاص أصحاب الكفاءة الذين يستطيعون أن يطوروا ويقدموا المصلحة العامة للمجتمع أصبحت الآن المبدأ هو الانتخاب أن يقوم الناس ينتخبون ويرشحون بأنفسهم ثم يختار الناس من هو أصلح من له تاريخ خدمات عامة للمجتمع يثقون به ويثقون برأيه ويثقون بإخلاصه، وأعتقد هذا هو الحال اليوم، اليوم المجتمعات عموماً تطالب الحاكم أن يأتي إلى السلطة من خلال اختياره بالانتخاب أو يخضع للمساءلة، الحاكم الذي لا يستطيع أحد أن يسألهم ماذا يفعل وكيف يصرف الأموال عامة هذا حاكم خرج عن إطار الشرعية، وأعتقد اليوم هناك مطالب أساسية نجدها اليوم في الشارع العربي وفي الربيع العربي أن يخضع الحاكم للمساءلة وأن يكون هناك شفافية حول كيفية اتخاذ القرار ومن ينتفع من هذه السلطة، هل ينتفع فئة قليلة أم هو نفع للناس وفق مبادئ العدل والقوانين واضحة تقوم على أساس العدل والمساواة بين الناس.

الأنظمة وتوظيفها للخطاب الديني

عثمان عثمان: دكتور هناك بعض الأنظمة التي ربما ضعفت شرعيتها السياسية أو انتفت نهائياً تلجأ إلى أن تلبس شرعيتها شرعيةً دينية من خلال التركيز على الخطاب الديني وهو ما حصل سابقاً مع صدام حسين، مع معمر القذافي، ما يجري الآن في سوريا، كيف توضحون هذه المسألة؟

لؤي صافي: طبعاً كلنا نعلم أن الإسلام لا دولة دينية، ليس هناك دولة دينية في الإسلام، الحاكم فرد وهو مؤتمن وعليه واجبات وله حقوق، حق الطاعة بمعنى عدم مخالفة المراسيم والقوانين العامة طالما الحاكم التزم بمبدأ العدل واحترام الحقوق، فطبعاً استخدام الغطاء الديني بمعنى استخدام المفتي والفقيه وإصدار فتاوي لإعطاء النظام شرعية حتى عندما يظهر فساد هذا النظام، أن النظام يتداول الثروة ضمن فئة قليلة وهو طبعاً على خلاف للمبدأ القرآني وكل المبادئ السماوية ومبادئ الإنسانية أن السلطة يجب أن لا تتداول أو الثروة يجب أن لا تتداول بين فئة صغيرة لكي يكون دولة بين الأغنياء منكم، طبعاً هذا مبدأ واضح، فإذا الحاكم فسد ثم ظلم ثم اعتقل الناس بدون حق فقط لأنهم ينتقدون حكمه ويطالبونه بالشفافية ثم يأتي أحد يفتي فتوة، طبعاً هذا الكلام مرفوض عند الناس اليوم، الناس أصبحوا على درجة عالية من التعلم من الإدراك للحقوق والواجبات ودولة دينية في الإسلام ليس هناك دولة دينية ولا غطاء ديني لنظام فقد شرعيته بمعنى أنه فقد الدعم الجماهيري لأنه أصبح فاسداً مفسداً.

عثمان عثمان: الدكتور لؤي الصافي أستاذ العلوم السياسية في كلية الدراسات الإسلامية في مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع كنت معنا من الكويت شكراً جزيلاً لك، دكتور سيف الدين أعود إليك بسؤال المشاهد نعيم محمد يقول هل تسقط شرعية نظامٍ علماني يحكم بلداً مسلماً مع أنه نشر العدل، حسن الاقتصاد لكنه لا يطبق الشريعة الإسلامية؟

سيف الدين عبد الفتاح: أنا أظن أن من أهم المستويات التي تتعلق بالشرعية هي ما يمكن تسميته بشرعية السياسات والممارسات، ومن هنا أنا أريد أن أجعل الشرعية باعتبارها منظومة كلية في أنها تشكل تمثيلاً حقيقياً لمفهوم الحكم الراشد، الذي يؤصل مفهوم لعلاقة سوية بين الحاكم والمحكوم من جانب وبين الدولة والمجتمع من جانبٍ آخر، ومن هنا فإنني أؤكد على أن الشرعية يمكن أن تتخذ أشكالا كثيرة يمكن قياسها بالنسبة لهذه النظم الحالية، وأنا أقول ذلك لأنه المفهوم الإسلامي للشرعية يمكن أن يعطي تقويماً لمفهوم الشرعية الغربي، الذي اقتصر فقط على رضا الناس ورضا الجماهير ولكن الأمر أبعد من ذلك بكثير، فالشرعية قد ترتبط بالتأسيس والمرجعية والشرعية كذلك ترتبط بتنصيب السلطة السياسية والطريقة التي تنصب بها، إن هؤلاء الذين يأتون مثلاً بانقلابٍ عسكري لا يمكن إطلاقاً اعتبارهم أنهم قد اكتسبوا الشرعية ولكن هم خلو من هذه الشرعية، الشرعية التي تتعلق أيضاً بالسياسات والممارسات، هذه السياسات لا بد وأن تمتلك قدراً من تحقيق ليس فقط ضرورات ومطالب الناس ولكن أيضاً أن يحقق ذلك عن طريق العدل، شرعية الأدوات والوسائل التي تستخدم أيضاً هذا جانب آخر من جوانب الشرعية كمنظومة كلية، الوسائل هنا تعني شرعية المؤسسات ومن ثم كان هناك تمييز في الرؤية الإسلامية بين مؤسسات بنيت على تقوى وخير وبين مؤسساتٍ الضرار التي تقوم بالإضرار بمصالح المجتمع والمصلحة العامة الكلية، وأيضاً هناك شرعية تتعلق بالوظائف، الوظائف هذه يمكن أن تشكل منظومة المقاصد الكلية، هي الوظائف الأساسية التي تتعلق بشرعية الدولة، نستطيع أن نقول أن هناك وظيفة لحفظ الدين ووظيفة لحفظ النفس ووظيفة الدولة حول حفظ النسل وحفظ العقل وحفظ المال، الذي يؤكد المعاني التي تتعلق بالتنمية وبالمشاركة وبالأصول المرعية في بناء المجتمع ونهضته، كذلك فإنه من الشرعية كذلك كمفهومٍ شامل أن ترتبط أيضاً بأصل المجتمع ككل، هي ترتبط بالمجتمع وترتبط بالدولة ونظام الحكم وترتبط بالفرد وحركته السياسية ومن ثم المسلم عليه أن يهتم بأمر المسلمين وعليه أن يمارس هذا الواجب الكفائي وإلا أزمت الأمة، هذا الواجب الكفائي هو مناط الفاعلية في الأمة والقيام بمصالحها وبمؤسساتها التي تكفي كل هذه المصالح وتؤدي كل هذه الاحتياجات والضرورات، الشرعية أيضاً تتعلق بشرعية المراقبة والمحاسبة وفي هذا الإطار إن ما يؤكد هذا المعنى الذي يتعلق بمساءلة الناس للحاكم الذي يقوم على حكمهم، الحاكم هنا كلما زادت السلطة زادت المسؤولية وكلما زادت المسؤولية، زادت المساءلة ولكن الحكام لدينا يعتبرون أنفسهم أنهم لا يُسألون عما يفعلون، وفي هذا الإطار فإن الشرعية.

عثمان عثمان: تفضل.

سيف الدين عبد الفتاح: نعم؟

عثمان عثمان: تفضل دكتور، تفضل، تفضل.

سيف الدين عبد الفتاح: أيضاً الشرعية، نعم، الشرعية كذلك كمستوى مهم جداً تتعلق أيضاً بشرعية المؤسسات الأساسية التي تقوم بالمصلحة العامة، وهنا فإن مفهوم المصلحة العامة جزء لا يتجزأ من مفهوم الشرعية الإسلامية، والمصلحة الشرعية معروفةٌ بتعريفاتها وبكل الأمور التي تتعلق بمصالح الناس وعموم الناس وعموم الخلق ويؤدي إلى إصلاح أحوالهم في المعاش وفي المعاد.

محتويات الشرعية السياسية وأزمة غيابها

عثمان عثمان: بالحديث عن الشرعية السياسية، نعم ربما هناك لو أردنا أن نسرد، هناك الكثير مما تقولونه، الحديث عن الشرعية السياسية يثير القضايا الكثير من القضايا كالالتزام بالسلطة السياسية، طاعة القانون، الولاء لهذه السلطة السياسية بناء عليه كيف توضحون محتويات الشرعية السياسية؟

سيف الدين عبد الفتاح: نعم، كما قلت حضرتك أن الشرعية ترتبط بأصول مرعية بالمحافظة على الحقوق الإنسانية الأساسية أيضاً تهتم أيضاً بالمحافظة على الحقوق الإنسانية السياسية، الأساسية والسياسية، وأيضاً تقوم على قاعدة من سد الحاجات المختلفة فيما يسمى بشرعية الانجاز في هذا الاعتبار، ونؤكد أن شرعية الانجاز هي حركة الفاعلية للدولة في إقامة العدل وفي إقامة حياة الناس على المقتضى والمرغوب في نهضتهم، أيضاً إقامة المؤسسات، إقامة المؤسسات الشرعية القادرة على أن تحدث حركة في المجتمع وتؤدي إلى فاعليته، إن أية مؤسسات يمكن أن توجد هكذا كشكل أو كزينة تقوم بعض النظم بإنشائها ليست من الشرعية في شيء، لأن المؤسسات الحقيقية هي المؤسسات التي تقوم على مصالح الناس وتأسيس هذه المصالح العامة، وتنفيذ هذه السياسيات العامة في هذا المقام، الشرعية أيضاً من أهم جوانبها وأركانها العدل المقيم، وكما نقلت عن الإمام تيمية في ذلك "أن العدل واجب من كل أحد على كل أحد"، وهذا الأمر أولى به أن يتحقق من صاحب السلطة في هذا المقام.

عثمان عثمان: نعم، بناءً على ذلك دكتور، أي أزمة تحصل في غياب الشرعية السياسية.

سيف الدين عبد الفتاح: طبعاً الأزمات التي تواجه الشرعية أزمات كثير جداً يمكن كما قلت الأزمة التي تتعلق بأزمات الهوية على سبيل المثال أظن أن النظام جزء لا يتجزأ من شرعيته أن يحافظ على هوية المجتمع الأساسية باعتبارها صلب هذه المرجعية التي يتمثلها، الأمر الثاني أيضاً الشرعية التي تتعلق بالأزمة، التي تتعلق بالمشاركة لأنه حينما لا تتوفر الأدوات ولا الآليات ولا الوسائل ولا المؤسسات القادرة على استيعاب حركة المشاركة الفاعلة والإيجابية من الإنسان المسلم في دولته فإن ذلك أيضاً ينتقص من الشرعية ويؤدي إلى تأكلها، وربما يؤدي إلى انهيارها، الشرعية أيضاً شرعيةٌ تتعلق بأزمة التوزيع ولا يمكن إطلاقا كي لا يكون دولةً بين الأغنياء منكم، لأنه لا يمكن بأي حال يكون عائد التنمية يصل إلى مجموعةٍ على حساب ذلك الشعب وعلى حساب كل طبقات الشعب ودرجاته وعلى كل فئات الشعب على تنوعها وعلى تعددها، أيضاً، الأزمة التي تتعلق بالتغلغل قدرة الدولة على فرض الهيبة وسيادة القانون بالحق والمساواة أمام القانون، هي جزء لا يتجزأ من مفهوم الشرعية ومن أركانها، وإن تضييع ذلك هو مؤدٍ في الجانب الآخر إلى أزمة حقيقية تسمى أزمة التغلغل وأزمة الفاعلية بالنسبة للدولة.

عثمان عثمان: لو أردت دكتور من خلال نقاط محددة وسريعة في نهاية هذه الحلقة، ما السبل، ما الحل الموصل إلى تحقيق الشرعية السياسية في بلادنا العربية والإسلامية.

سيف الدين عبد الفتاح: أنا أظن أن الشرعية لها أطراف غاية في الأهمية، أهم هذه الأطراف على سبيل القطع هو الحاكم، الحاكم لا بد وأن يتولى ولاية حقيقية تقوم على قاعدة من الرضا والاختيار والتعاقد، ذلك أن العقد هو عقد مراضاة واختيار في الأصل وفي الأساس وهذا جزء لا يتجزأ من الحفاظ على التمكين بالقضية الشرعية في المجتمع، أيضاً الأمر هنا يتعلق بقدرة الدولة على الإنجاز، هذا الانجاز حتى لا تتحول الدول إلى دول فاشلة مهم جداً أن تحدث من المؤسسات وأيضاً تستثمر كل الإمكانات والطاقات من البشر ومن غير البشر في إطار تنمية شاملة ومستدامة يعود عائدها على كافة الناس وعلى كافة طبقات المجتمع، وأيضاً من الأهمية بمكان أن نؤكد على الأصل الأصيل الذي يتعلق بذلك وهو الالتزام بالقانون وسيادة دولة القانون في هذا الإطار لأن ذلك هو الذي يحفظ الحقوق والواجبات لكل كائن على هذا الوطن، وفي هذا الإطار أيضاً إنما ترتبط الشرعية بمعاني مهمة جداً تتعلق بفكرة المواطنة ومراعاة المواطن بكل تشكيلاته وبكل تنوعاته، بغض النظر عن الجنس والدين والنوع وكل هذه الأمور وهو ما أسسه النبي عليه الصلاة والسلام في دستور دولة المدينة ليؤكد على قاعدة المواطنة التي تشكل أساساً من الأسس الشرعية في المساواة والعدل والحرية والكرامة الإنسانية.

عثمان عثمان: في ختام هذه الحلقة لا يسعنا إلا أن نشكركم الدكتور سيف الدين عبد الفتاح أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة كنت معنا من القاهرة، نشكر أيضاً الدكتور سعيد بن سعيد كان معنا من الرباط، الدكتور لؤي صافي كان معنا من الكويت، أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة لكم تحيات معد البرنامج معتز الخطيب والمخرج عبد الهادي العبيد وسائر فريق العمل، وهذا عثمان عثمان يترككم بأمان الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.