- معنى العقل في القرآن ودلالة الحديث عنه
- العقل في الوعي الديني والمواقف من الفلسفة والترجمة

- منهجية بناء العقل القرآني وأهمية إعادة الاعتبار له

- حدود العقل ومعطلاته

عثمان عثمان
 حسن الشافعي
 عبد المجيد النجار
عثمان عثمان: مشاهدينا الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلا ومرحبا بكم في هذه الحلقة الجديدة من برنامج الشريعة والحياة والتي تأتيكم في هذه الأمسية الطيبة من اسطنبول في تركيا. يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ}
[الأنفال:22]، ويقول عز من قائل {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}[الحج:46] فأي عقلية ينشئها القرآن الكريم؟ وما الآثار التي ترتبت على النزعة العقلية؟ وما المسالك التي تعطل وظيفة العقل؟ العقل القرآني موضوع حلقتنا لهذا اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة الدكتور حسن الشافعي أستاذ الفلسفة الإسلامية في كلية دار العلوم و
 
عضو مجمع اللغة العربية بالقاهرة، والدكتور عبد المجيد النجار الأمين العام المساعد للمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، مرحبا بكما.

معنى العقل في القرآن ودلالة الحديث عنه

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور أبدأ معكم، القرآن الكريم امتلأ بخطاب العقل يعني 49 آية تتحدث بشكل صريح مئات الآيات تتحدث بشكل غير صريح عن العقل، ما دلالة كل ذلك؟

حسن الشافعي: بسم الله الرحمن الرحيم. لا شك أنه كما تفضلتم ترد صيغة العقل ببنية مختلفة أو ببنى مختلفة في القرآن الكريم تصل إلى نحو خمسين وإن كان المتصل بالملكات الإنسانية أوسع من ذلك. الملاحظات التي يلاحظها المفسرون والمفكرون حول موقف القرآن الكريم من العقل أو حديثه عن العقل أو خطابه عن العقل كما تفضلتم يتميز بأشياء منها أولا أنه يتكلم عن العقل في حالة العمل، لا يتكلم عن العقل كلاما من حيث التكوين الفيزيق ولا الميتافيزيقي ويلفت النظر عن ذلك ويوجه التفكير إلى العقل في حالة العمل، فهو يتكلم يتدبرون، يعقلون، يتفكرون، ينظرون، وليس النظر إلا النظر العقلي، ليس مجرد إذا أمر الله تعالى الإنسان {ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ..}[الملك:4] يغمض وينظر مرة أخرى، ولكن أن يعيد التفكير والنظر في الموضوع محل التأمل مرة أخرى، فهذه الطريقة القرآنية في ترك الكلام عن حقيقة العقل أو ماهية العقل إلى عمل العقل التدبر والتأمل والتفكر والنظر إلى آخره له قيمة وهو أن المهم في الأمر هو استخدام هذه القوة التي منح الله تبارك وتعالى للإنسان والتي ناط بها التكليف، يعني لا يجب على العبد أي شيء إلا بشروط منها أن يبلغ وأن يبلغ رشيدا وأن تبلغه الدعوة فإذا تأملها بعقله واهتدى إلى الحق في ذلك كما يقول كل علماء المسلمين في العقيدة إن أول واجب على المكلف معرفة الله تعالى ومعنى ذلك أنه عليه أن يتوصل بتأمله وتفكيره، نعم قالوا إن من يتصادف أن يعرف الحق ولو بأن ينشأ في بيئة تهديه إلى ذلك أو أن يصادف ولو واقعة في حياته تلفته إلى الجانب الروحي من الحياة لكن الأساس في التوجه إلى الله عز وجل الخطوة الأولى هي خطوة عقلية ويكفي أن برهان كل رسول يتمثل في معجزته، ولكن المعجزة واقعة، إن طريقة دلالة المعجزة على صدق الرسول فتلك خطوة عقلية.

عثمان عثمان: إذاً الهدف الأساس هو استخدام هذه المنحة الإلهية العقل التي كانت تميز الإنسان عن غيره من المخلوقات، فضيلة الدكتور أيضا هناك حديث عن عقل إسلامي، عقل يوناني، عقل فلسفي، عقل أوروبي وغير ذلك، يعني عن أي عقل يتحدث القرآن الكريم؟

عبد المجيد النجار: بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على رسوله الكريم. هو الحقيقة العقل في ذاته كملكة خلقها الله تعالى في الإنسان ليعرف الحقيقة بها هو عقل واحد عند جميع بني البشر، حتى قيل أو قال بعضهم إن الله تعالى كان عادلا في كل شيء ومن عدله أن قسم بين بني البشر ملكة العقل. ولكن المقصود بما كنت تذكر من عقل إسلامي وعقل يوناني إلى آخره، المقصود ليس هو العقل من حيث ذاته وإنما هو الطريقة والمنهجية التي يسلكها العقل في الخطوات التي يبحث من خلالها عن الحقيقة فهذه الطريقة وهذه المنهجية هي التي تختلف بين ثقافة وأخرى بين حضارة وأخرى بين فلسفة وأخرى، ومن هنا كان للإسلام منهجية خاصة به في استعمال العقل فقيل عقل إسلامي من هذا المنظور وقيل من هذا المنظور أيضا عقل فلسفي وعقل يوناني إلى آخره، فالتفرقة هذه في الأسلوب والمنهجية وليست في ذات العقل كملكة.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور ربما سبق أن ذكرتم أن القرآن الكريم تحدث عن العقل بصيغ الفعل المتعددة، تحدث عن أولي الألباب تحدث عن التفكر عن التبصر تحدث عن التدبر والنظر، نعم تحدث عن كل ذلك، يعني ما العلاقة بين كل هذه المصطلحات؟

حسن الشافعي: العلاقة في الحقيقة في تقديري إن مما يلفت نظرنا في الآية التي افتتحتم بها الكلام أن القرآن يتكلم عن القلب والواقع أن اللغة العربية إذا وصفت الإنسان بالذكاء فيقال فلان ذكي القلب لا يقال ذكي العقل، هذا في أصل اللغة، فالقلب هو مجموع الملكات الإنسانية، ملكات الوعي الإنسانية والعقل يعني ضرب منه لأن لدى الإنسان في الحقيقة ملكات عديدة للوعي بذاته وبما حوله، تلك هي وظائف العقل، أن يدرك بيئته نفسه وما حوله ولذلك فإن أول درجات الإدراك تأتي من الإدراك الحسي ولمس الأشياء ولا يعرف الطفل أمه أولا إلا بلمس مورد اللبن منه ورائحتها فهي كلها ملكات حسية، ولكن تنمو الشخصية النفسية الذاتية للإنسان فتأتي الملكات النفسية الحب والبغض والكراهية ونحو ذلك والعواطف التي تنبني عليها ثم يأتي بعد ذلك تجريد الأفكار وهو ما يسمى عادة بالعقل وإن كان كل أولئك عقلى ويأتي فوق ذلك كله الوعي الروحي وما يصل في المختارين من عباد الله إلى الوحي والتلقي عن الله ذاته، فالعقل يشمل كل ذلك بمصطلح القلب، فالمستوى الأول له هو الإدراك الحسي وهو الذي يستخدمه القرآن بمصطلح الصدر، ثم يأتي بعد ذلك الإدراك الداخلي الذاتي سواء عن طريق المعاني التي غرست في النفس من الفطرة وهو ما يدرك، كل إنسان يدرك أنه موجود وكل إنسان يدرك أنه لا يمكن أن يجتمع النقيضان بأن يكون هو موجودا ومعدوما في وقت واحد، إلى نحو ذلك، فهذه الحقائق الفطرية الموجودة في الإنسان التي يستخدمها بعد ذلك في بناء أفكاره هو ما يسمى بالإدراك الذاتي أو الإدراك القلبي، ولكن من معاني القلب "اللب" ولذلك تجد أن القرآن يلفت النظر إلى أولي الألباب ويقول الذين لا يدرها إلا.. آية لأولي الألباب وهذا هو الجانب الروحي من الإنسان اللب الداخلي والعمق الداخلي وإن كان القرآن يتكلم عما وراء ذلك أيضا فيتكلم عن الوعي وما تحت الوعي وفوق الوعي، وتقول الآية في سورية طه {..يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى}[طه:7] فالسر هو ما تعلمه وتخفيه عن الآخرين ولكنه ما هو أخفى من السر؟ ما لا يعلمه الإنسان عن نفسه، ولذلك من أدعية النبي صلى الله عليه وسلم يقول "وما أنت أعلم به مني" فسواء أخذتها بأفعال التفضيل يعني أكثر علما أو أوضح علما أو هو العلم الأصلي، وما تعلمه في وما أعرفه عن نفسي وذلك هو ما دون الوعي. مجموع ملكات الإنسان المتعلقة بالوعي هي العقل أو القلب بالمصطلح القرآني.

العقل في الوعي الديني والمواقف من الفلسفة والترجمة

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور يعني عندما نتحدث بالقرآن الكريم بالإسلام بشكل عام عن العقل نجد هناك قيمة كبيرة عن العقل في وعينا الديني وفي تراثنا الإسلامي، ولكن أيضا في الوعي الديني ثمة خوف من العقل، هناك ربما تحقير للعقل في بعض المواقع على خلاف ما يقدم القرآن الكريم العقل، كيف تفسرون ذلك؟

عبد المجيد النجار: أظن أن هذا كان من بعض المسلمين ومن بعض الفرق رد فعل يتمثل في تخوفهم مما ظهر في التاريخ الفكري الإسلامي من آراء ومن أفكار وربما من فلسفات طبيعتها أنها تخالف الشرع، تخالف أحكام الشرع وربما أحيانا خالفات بعض الثوابت من أحكام الشرع وذلك باسم العقل أو تحت عنوان العقل والتفكير، فكان هناك نوع من الاحتراز والتحفظ على العقل بهذا المفهوم لكن بصفة عامة لا نجد في الحضارة الإسلامية وفي التاريخ الفكري الإسلامي ما يستنقص العقل بمعنى العقل الذي بالمعنى الذي كنا نشرحه منذ حين، بل هذا التاريخ الفكري منذ بدأ المسلمون إلى اليوم هم يعلون من شأن العقل بفهمومه الصحيح ويجعلونه في أعلى مرتبة من مراتب الوعي والإدراك الإنساني.

عثمان عثمان: نعم على الطرف الآخر فضيلة الدكتور يعني كما يوجد هناك أناس يحقرون العقل هناك أناس ربما ألهوا العقل وجعلوه الحاكم والسلطان على كل شيء.

عبد المجيد النجار: هو هذا الطرف المقابل، هناك بعض الناس في عصرنا خاصة وربما بعض الأفراد في تاريخ سابق باسم العقل أهدروا أحكام الشرع باعتبار أن العقل هو القيم على الشرع وهو الحاكم عليه فيقال العقل هو الذي يحكم في هذه القضية وفي تلك وجاؤوا بتعلات وبتبريرات لاستبعاد الشرع في حكمه في القضية التي يقولون إنها عقلية، ومن هنا جاءت هذه الفئة أو نشأت هذه الفئة قديما وحديثا التي تعلي من شأن العقل إعلاء غير صحيح لتجعله فوق النقل أو فوق الشرع وحاكما على الشرع وهذا يعتبر أحد طرفي التطرف إذا شئت في مقابل أولئك الذين يهملون العقل ويقللون من شأنه، والحقيقة إن الإسلام وإن مجمل المسيرة التاريخية للفكر الإسلامي تضع العقل في مساره الصحيح في مساره الوسطي الذي وضعه فيه القرآن الكريم.

عثمان عثمان: عندما نتحدث عن العقل فضيلة الدكتور لا يغيب عنا أن نتحدث عن ذروة العقل وهي الفلسفة، يعني العرب لم يعرفوا الفلسفة كما عرفتها الحضارات الأخرى، كيف يمكن تفسير ذلك؟

حسن الشافعي: لو أذنت لي أولا الفلسفة كما تفضل الأستاذ الدكتور النجار واحدة من حيث الأصل أو من حيث المبدأ الذي تنبثق منه، وهو النظر أو الوعي بالواقع عن طريق العقل، والقرآن في هذا الصدد يجعل للعقل مكانة عليا وأساس الإيمان أصلا كما أسلفت هو العقل وأنا أذكر في هذا الصدد مثالا واحدا، القرآن يعبر عن الدليل العقلي والبرهان بعبارة السلطان، السلطة، السلطة في الإنسان ليست للقوة ولا هي للبدن ولا هي للإمكانات الأخرى المادية وإنما هي للبرهان العقلي، يقول الله تعالى على لسان أهل الكهف {هَؤُلَاء قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ..}[الكهف:15] وفي آيات كثيرة أخرى، فالسلطان في لغة القرآن هو لغة البرهان، قلما يأتي السطان بمعنى الحاكم، قليلا ربما 10% أو 5% ، فالسلطة الحقيقية في القرآن إنما هي للعقل وهذا هو التفلسف الإسلامي لأنه ما دام كل شيء قائما على العقل حتى عقيدة المرء الدينية. وأنا أعجب لمن يدرسون الإسلام ويتشككون في أنه دين عقلي، بعض المستشرقين كانوا يعيبون الإسلام لأنه دين عقلي ويقولون الدين يقوم على العاطفة ويقوم على التسليم ثم بعد ذلك التأمل، لكن المسألة بالنسبة للإسلام مقلوبة، غاية الأمر أن المسلمين لما نقلوا الفلسفة الإغريقية أو ترجموها تأثر بعضهم بها، ولكن أنا أريد أن ألفت النظر إلى شيء، ما آثره المسلمون في التأثر بالفلسفة الإغريقية كان فلسفة أرسطو، لم يتأثروا كثيرا بأفلاطون مع أن أفلاطون قريب من الروح الدينية وكان يسمى الفيلسوف الملائكي، ولكن أرسطو ومنطق أرسطو العقلاني الصوري هو الذي شاع بين المسلمين ودخل في علم الكلام وفي أصول الفقه، لماذا؟ لأن طابع التفكر الأرسطي العقلانية، أرسطو يختلف عن السابقين سواء عن شيخهم سقراط أو عن أفلاطون أو عمن قبل سقراط وذلك بالإعلاء من شأن التفكير العقلي والأساليب العقلية. المسألة جاءت من الآتي، هو أن الحداثة الأوروبية التي بدأت في القرن 17، 18 ألهت العقل كما عبرت ثم جاءت بعدها ما يسمى ما بعد الحداثة وقالت كل مصدر من مصادر المعرفة حتى الأسطورة حتى الخرافة حتى أي شيء، وهذا ما يزال يغلب على الفكر والفن الأوروبي حتى الآن، فبعض أهلنا في الشرق على عادتنا في التأثر بالغربيين بعد جيل أو جيلين يتشبثون الآن بما يقولوه مما بعد الحداثة. لا بد من الحد من هيمنة العقل، أنا موافق تماما على ما قاله الأستاذ عبد المجيد ولكن أذكر سببا آخر للمشكلة، الأوروبيون قالوا هذا بعد أن شبعوا عقلا وبعد أن بلغ بهم الأمر إلى الملل من التفكير العقلي فبحثوا عن مصادر أخرى للمعرفة، نحن لم نشبع بعد من التفكير العقلي بل لم نستخدمه كما ينبغي، الفارق بين الإنتاج الفكري الإسلامي في الشؤون الإنسانية الآن -وأنا أعترف- وبين التفكير الغربي أن التفكير الغربي أكثر دقة وعقلانية وربطا وإحكاما من بعض التفكير العاطفي الذي يغلب على المشهد الفكري الإسلامي، نحن بحاجة إلى جرعة عقلية ولسنا بحاجة إلى الثورة على العقل في تقديري.

عثمان عثمان: نعم فضيلة الدكتور يعني يحيل كثير من الدارسين النهضة الإسلامية الأولى إلى حركة الترجمة التي سادت في عهد المأمون، آخرون يرون أن هذا الأمر يعود إلى المناخ العقلي الذي أرساه القرآن الكريم، كيف ترون الأمر؟

حسن الشافعي: نعم هناك من يبالغ في تأثير الترجمة في عصر المأمون حتى إن بعض أساتذتنا في مصر كالدكتور علي سامي النشار كان يسمي ذلك الفتنة اليونانية يعني إن المسلمين قد تأثروا بمفكري الإغريق حتى انحرفت العقلية الإسلامية، كلمة عقلية لا يوجد كما قال الدكتور عبد المجيد عقل شرقي وعقل غربي ولا عقل مسلم وعقل غير مسلم، وإنما العقلية..

عثمان عثمان: آلية التفكير، آلية استخدام العقل.

حسن الشافعي: المناخ الفكري الجو الفكري، الأيديولوجي أو الفكرية العامة السائدة، فهذا هو الذي خشي منه بعض المفكرين كالإمام الغزالي فقال ما قال بشأن الفلاسفة يقصد الفارابي وابن سينا وكفرهم في مسائل ثلاث وبدعهم في غيرها ولكن هذا موقف للإمام الغزالي نفسي، يكفي أن أقول لك وأنا أكتفي بأمثلة سريعة أن شيخنا الدكتور عبد الحليم محمود شيخ الأزهر وهو ليس فقط شيخا للأزهر بمكانته الجليلة ولكنه كان إماما صوفيا وهذا شيء معروف عنه، فهو يعتب على الغزالي، الغزالي الذي هو أيضا من شيوخ الصوفية ويقول إن الحكم القاسي الذي أصدره على الفلاسفة لا يتفق مع ما قاله في فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة فقد اشترطوا شروطا صعبة جدا لتكفير واحد أو تبديعه. فالواقع إن الغزالي لم يكن قصد التكفير وإنما كان يقصد إلى حماية الشباب المسلم من الافتتان بهذا الفكر الوافد فيعرضوا عن الوجهة القرآنية، ولكن كما قلت المسلمون عندئذ لم يكونوا أسرى ولم يكونوا خاضعين ولكن كانوا هم اليد العليا وكانوا هم أصحاب الحضارة الإنسانية والممسكون بقيادها ولذلك كانوا يختارون يقبلون ما يقبلون ويرفضون ما يرفضون، فهم مثلا رفضوا الميثيولوجيا الإغريقية الأساطير الإغريقية في الأدب لأنها مغموسة في الوثنية ولكنهم قبلوا الفكر الأرسطي، فهذا الانتقاء نفسه وإيثار العقل على غيره من الخرافة ومن التفكير العاطفي أو التفكير الغنوصي الذي اعتمد على الأسرار وليس على الوضوح العقلي، هذا الاختيار نفسه دليل على طبيعة الاتجاه القرآني أو ما نسميه بالعقلية المسلمة أو القرآنية وليس بالعقل المسلم.

عثمان عثمان: يعني بطبيعة الحال بعد ذلك تمت تحريم الفلسفة وظهرت معضلة العقل والنقل، فضيلة الدكتور يعني بعد الفاصل أريد منك إجابة ما أهمية إعادة الاعتبار للعقل القرآني اليوم؟ فابقوا مشاهدينا الكرام نعود إليكم بإذن الله بعد الفاصل.

[فاصل إعلاني]

منهجية بناء العقل القرآني وأهمية إعادة الاعتبار له

عثمان عثمان: مشاهدينا الكرام أهلا وسهلا بكم من جديد إلى حلقة هذا الأسبوع من برنامج الشريعة والحياة والتي نتحدث فيها عن العقل القرآني مع فضيلة الدكتور حسن الشافعي أستاذ الفلسفة الإنسانية في كلية دار العلوم وعضو مجمع اللغة العربية في القاهرة، والدكتور عبد المجيد النجار الأمين العام المساعد للمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث. فضيلة الدكتور أمام كل ما تقدم يعني ما أهمية إعادة الاعتبار للعقل القرآني اليوم.

عبد المجيد النجار: بعد بسم الله الرحمن الرحيم, أنا أريد أولا بصفة سريعة أن أعرف هذا العقل القرآني الذي تحدثنا عنه منذ حين إذ قلنا إننا نسميه عقلا قرآنيا باعتبار المنهجية التي يدفع ويوجه القرآن إلى أن تكون منهجية للعقل، فالعقل القرآني بهذا المعنى هو عقل متصف بضرب أو بعدد من القواعد المنهجية أذكر منها سريعا الواقعية حيث يوجه القرآن الكريم العقل الإنساني إلى أن يكون منطلقه في مسيرته المعرفية من الواقع {قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ..}[يونس:101] ثم بعد ذلك يصل إلى الحقائق التي هي فوق الواقع ومنها على سبيل المثال أيضا النقدية والمقارنة أن يكون هذا العقل ليس عقلا خطيا ينظر إلى سمت واحد وإنما ينظر إلى المتقابلات وربما حتى إلى المتناقضات ليقارن بينها ولينقد وليصل من خلال ذلك إلى الحقيقة، وأن يكون هذا العقل عقلا موضوعيا لا يتدخل فيه الهوى ولا يوجهه الهوى ولا توجهه العادات والتقاليد الموروثة، هذه بعض القواعد المنهجية أرساها القرآن الكريم لحركة ولمسيرة العقل. العقل القرآني بهذا المعنى له أهمية كبيرة جدا في زمننا الحاضر لأن هذا العقل هو الذي أنشأ الحضارة الإسلامية في تجربتها التاريخية، الحضارة الإسلامية بمنجزاتها العظيمة المادية والمعنوية المتمثلة في الفنون والعلوم إلى آخره هي حضارة من نتاج العقل القرآني وليست هي حضارة من نتاج العقل الفلسفي الذي ينقله أو ترجمه المسلمون كما كنت تشير منذ حين، فهي نتيجة للعقل القرآني بهذه المواصفات، انطلق هذا العقل القرآني في واقعيته إلى الكون فبدأ يكتشف قوانين هذا الكون وحقائق هذا الكون فنشأت من ذلك حركة العلوم في مظاهرها المختلفة واتجه هذا العقل القرآني إلى الشعوب وبني الإنسان في مظاهرهم المختلفة فنشأت العلوم الإنسانية وهكذا في شتى مجالات الحضارة الإنسانية. بهذا العقل القرآني بهذه المواصفات والذي نحتاجه اليوم ليحدث لنا النهضة الحضارية من جديد، لماذا؟ لأنه ما تخلفت الحضارة الإسلامية وما ضعفت إلا لانحراف المسلمين عن العقلية القرآنية أو في العقلية القرآنية لانحرافهم في هذه المواصفات، أصبحت هذه العقلية وأصبح العقل المسلم في هذه العهود عهود الانحدار عقلية أحيانا خرافية وأحيانا أسطورية تعطل الأسباب ولا تنطلق في العلم ولا تنطلق في النظر إلى الواقع الكوني، أصبح النظر في الواقع الكوني كأنما هو أمر دوني، وإنما النظر في المجردات هو التعقل الحقيقي تأثرا أحيانا بالفلسفة اليونانية أو التأمل الروحي هو الذي ينتج التأمل الروحي تأثرا بالتصوف، نحن الآن نعاني مشاكل حضارية واجتماعية جراء عدم استعمال العقل القرآني الاستعمال الحقيقي الذي نص عليه ووجه إليه القرآن، فها نحن نرى كثيرا من الجماعات وكثيرا من الناس عقليتهم عقلية خطية على معنى أنها عقلية ترى الحق واحدا وتذهب في خط مستقيم دون أن تلتفت إلى اليمين وإلى اليسار ودن أن ترى في ساحة فيها المتقابلات وفيها المتناقضات لتقارن ولتنفذ من خلال ذلك إلى الحقيقة.

عثمان عثمان: هل يتعدد الحق؟

عبد المجيد النجار: الحق، قد يتعدد والحق واحد، ولكن عندنا في الشريعة الإسلامية الفقه يبحث عن الحق ولكن الأحكام الفقهية قد تتعدد بحسب المكان والزمان والظروف، بهذا المعنى قد يتعدد الحق في هذا المجال يعني بالذات.

عثمان عثمان: إذاً فضيلة الدكتور يعني كما تقدم الدكتور عبد المجيد النجار معظم مشكلاتنا اليوم هي بسبب تعطيل العقل القرآني عدم استخدام هذا العقل القرآني، ما المنهجية التي يرسيها القرآن الكريم في بناء العقل والتعقل في شتى المجالات الحياتي والفكرية والإيمانية؟

حسن الشافعي: في الحقيقة بدا من إجاباتي السابقة أنني أكاد أتخذ موقفا مقابلا لما يقرره الأستاذ الدكتور النجار.

عثمان عثمان: جميل أن نسمع رأيين.

حسن الشافعي: وربما كان الأحرى هو العكس ولكن هذا ما حدث، فالمفروض أنني أقرب إلى المحافظة وهو أقرب إلى الفكر الأوروبي والفكر الإنساني المعاصر وهو أدرى مني به، ولكن في الحقيقة الذي انتهت إليه المناقشة هو ولا بأس كما قلتم بأن تتكامل الأفكار. بعض المفكرين العرب المعاصرين يقول إن الفلسفة الإغريقية هي فلسفة الياقات البيضاء، يعني هي فلسفة كما قال الدكتور تنزع إلى التجريد وإلى التعلق بالكليات وإلى البحث عن ماهيات الأمور ولذلك فإن الانقلاب الذي حدث في الفكر الأوروبي كما أشرت من بعيد في مرحلة الحداثة يعني في القرنين 17، 18 تقريبا، كان إصرارا على العقل أو انكارا للعقل الارسطوطاليسي النظري وبحثا عن العقل ولكن عن نوع تجريبي يكشف عن حقائق الكون ولذلك نشأ ما يعرف بالمنطق الحديث، والمنطق الحديث فيما يرى أيضا بعد المفكرين المسلمين ليست هذه فكرة جديدة وإنما منذ قرابة قرن كامل الشيخ مصطفى عبد الرازق وهو شيخ للأزهر أيضا وكان أول أستاذ عربي للفلسفة في جامعة القاهرة أشرف على البحث الذي نال به درجة الماجستير الدكتور علي سامي النشار ذكرناه منذ قليل بعنوان "مناهج البحث عند مفكري الإسلام" وجوهر هذه الرسالة هو أن علم أصول الفقه يمثل ما نعتبره العقلية القرآنية وهو يمثل الجدل الصاعد أو الفكرة التي تبدأ من الجزئيات والأفراد ثم تنتهي إلى القواعد الكلية وليس العكس، فإن التفكير الارسطوطاليس في النهاية تفكير صوري وتفكير شكلي تجريدي يعني يبدأ من القاعدة الكلية، كل إنسان يموت وسقراط إنسان إذاً سقراط يموت وهكذا.

عثمان عثمان: مقدمة كبرى، مقدمة صغرى ونتيجة.

حسن الشافعي: ولكن الكبرى مقدمة، إذا كنا قد وصلنا إلى الكبرى فقد وصلنا إلى جوهر النتيجة فنحن لم نفعل شيئا لم نكتشف شيئا بل كررنا ما نعرف. ولذلك عندما أخذ المفكرون المسلمون بالمنطق الأرسطوطاليسي أخذوه قوالب وأشكال وصيغ ولكن الحقائق التي يحشى بها حقائق قرآنية وحقائق حياتية ولذلك علم أصول الفقه يتكلم عن القياس، القياس هو عبارة عن تتبع الحالات المختلفة فإذا كانت هذه الحالات تشترك مع الحالة المنصوصة في القرآن أو المبدأ العام الموجود في القرآن والعلة واحدة في التحليل أو التحريم فينبغي أن نعدي الحكم وهذا هو معنى القياس، أن نتجاوز به الحالة الأصلية وننقله إلى الحالة المشابهة، هذا تفكير واقعي يبدأ من الجزئيات لكي يصل إلى قاعدة كلية وليس العكس الأرسطوطاليسي ولذلك اعتبر بأن أساس الحضارة المعاصرة إنما يأتي من هذا، والواقع أن المسلمين ما كانوا ليكتشفوا الدورة الدموية وما كانوا ليعرفوا الكروية الأرضية وأنها كرة، وما كانوا ليقيسوا حجم هذه الكرة على نحو لا يكاد يختلف عما توصل إليه الفلكيون المحدثون بعد اكتشاف الأجهزة الدقيقة العالية كل هذه الاكتشافات سواء في ميدان الزراعة أو الحضارة أو الجراحة أو الأعمال التجريبية أو الطب أو خلافه، هذه الحضارة التي بناها العقل المسلم بناء على هذا الاتجاه الواقعي الجزئي التجريبي الذي يتوصل إلى القواعد وإلى الحقائق الكلية نتيجة مروره بالفروع والحالات الجزئية، هذه هي المنهجية -لعلي فهمت عنك- هذه هي المنهجية القرآنية التي يجسدها علم أصول الفقه والتي هي عندما تطبق في مجال التجريبيات في المعامل هي المنهج الغربي الحديث الذي بنى الحضارة المعاصرة، ما نحتاجه الآن فقط هو أن نعيد توطين هذا الفكر العلمي بطبيعته الخاصة القرآنية في العقلية المسلمة، فنحن الآن في الحقيقة مشوشون لا نعرف، لا نجري على حسب القاعدة القرآنية ولا حسب القواعد الغربية وأحيانا نهاجم العقل وأحيانا ننصر العقل فالذي علينا هو أن نعيد توطين العلم وتمكين العلم وتمكين التفكير العقلاني الصحيح والدقيق من العقلية الإسلامية المعاصرة وأعتقد أن هذا هو نافذة المستقبل.

عثمان عثمان: تمكين العقل القرآني ربما يقودنا إلى أن القرآن الكريم استنكر تعطيل العقل بل جعل معطليه شبههم بأنهم كالأنعام بل هم أضل. اليوم فضيلة الدكتور هناك من يجعل العقل والإيمان على طرفي نقيض يحاول أن يجعل العقل مناقضا للإيمان ويعطل من خلال ذلك هذا العقل، يعني ما العلاقة بين العقل والإيمان كما يقدمها القرآن الكريم نفسه؟

عبد المجيد النجار: بدءا ما قاله فضيلة الدكتور هو ما اتجهت إليه في كلامي فلم أجد بيننا اختلافا تقريبا في قضية العقل القرآني وأهمية هذا العقل وخصائص هذا العقل، بالنسبة للعقل والإيمان هذا الزعم بأن هناك تناقضا بين العقل والإيمان زعم لا مبرر له في القرآن الكريم ولا في مجمل العلوم التي نشأت وتطورت في ظل القرآن الكريم، كما قلنا قبل حين أو كما قال فضيلة الدكتور إن الإيمان في مفهومنا الإسلامي لكي يكون الإيمان المعتد به ينبغي أن يكون إيمانا ناشئا عن النظر العقلي عن التدبر العقلي.

عثمان عثمان: ربما هذا ما قاله بعض علماء العقيدة، لا يصح العقل بلا إيمان.

عبد المجيد النجار: نعم. الإيمان المطلوب والإيمان المعتد به هو الذي يكون ناشئا من استعمال العقل من تدبر العقل والاستدلال العقلي، حتى إن بعضا وإن يكن قلة من العلماء قالوا إن الإيمان الذي يحصل لدى الإنسان غير ناشئ من الاستدلال العقلي كأن يكون ناشئا بالوراثة مثلا ليس بإيمان، أكثر العلماء يقول إنه إيمان ولكنه في الدرجة العليا من سلم القيم الإيمانية، والبعض اعتبره لاغيا أصلا وإن كانوا قلة. إذاً فإن الإيمان مبني على التأمل العقلي فأين التناقض حينئذ؟! ثم بعد ذلك لما يحصل الإيمان بالعقل فإن هذا العقل يستعمل أيضا في تأكيد وفي تقوية هذا الإيمان لأن الإيمان يقوى وبالتعبير الكلامي أو العلمي في علم العقيدة يزيد ويقوى باستعمال العقل، بالمزيد من التأمل بالمزيد من التدبر في آيات الكون وفي النفس الإنسانية فيتدعم الإيمان ويقوى، وليس في العقل أصلا ومطلقا ما يمكن أن يكون مناقضا أو خادشا في الإيمان بل إن العقل كله وبمناهجه وبطرقه القرآنية إنما هو مؤكد للإيمان ومقو للإيمان دائما وأبدا، فهذه المقولة إذاً لا أصل لها في ثقافتنا الإسلامية.

حدود العقل ومعطلاته

عثمان عثمان: دكتور يعني هل هناك حدود يقف العقل عندها؟ يعني ورد النهي عن التفكر في ذات الله، هل العقل يقف أمام الغيبيات ولا يعمل في هذا المجال؟

حسن الشافعي:الحدود يعني التي حذر الشرع بشأنها سواء كان كتابا أو سنة تتعلق بما لا يمكن للعقل أن يتوصل إليه، يعني هناك ليست ضد العقل ولكن فوق العقل، فكل ما هو ضد العقل لا يقبله شرع الإسلام، لا بد من أن تكون الأمور مقبولة أساسا عقليا كما اتفقنا لأن.. هو النظر والتأمل والسلطان الحقيقي على حياة الإنسان ولكن يجب أن يعرف الإنسان أنه في النهاية محدود القوى وأنه كما أن قواه المادية محدودة فكذلك قواه الإدراكية محدودة، فالقرآن والنبي صلى الله عليه وسلم حذر مثلا من التفكر في ذات الله، يعني محاولة معرفة -كما تعبر بعض الأديان الأخرى- الشخصية الإلهية من الداخل، هذا ما لا يمكن أن نعرف أو ما إذا كان هناك ماهية لله تعالى وعناصر مكونة للفكرة الإلهية أو للذات الألهية، ولذلك التعبير الإسلامي الذات الإلهية وليس الشخصية الإلهية لأن الشخصية عناصر، فهذا ما نهى عنه. شيء آخر، القدر حكمة القدر، الواقع أن كل شيء يمكن أن نلتمس له حكمة سواء في أحكام الله تعالى -وهذا موضوع إجماع المسلمين- أو في أفعاله تعالى ولكن في بعض الأفعال، كل واحد يتأثر عادة بما يعود عليه بالنفع ولذلك فقد ينظر إلى مصلحته وضرره ومن ثم يحكم على الأشياء بالحسن والقبح أو يحكم بأنها موافقة للحكمة أو مخالفة للحكمة، ولكن الحكمة الكونية الكلية للوجود هذه أشد صعوبة ولا يستطيع أن يدركها إلا إله، فلذلك محاولة معرفة الحكمة التفصيلية في كل حادث من أحداث الكون أو معرفة الحقائق الإلهية كمعرفة الذات الإلهية هذا فقط هو ما حذر الوحي منه، ولكن ما سواء ذلك للعقل كامل.. بل واجبه، لا يجوز، طريقة العلماء المسلمين في التوصل إلى العقيدة هو العالم حتى إنهم قالوا في محاولة تقريبة إن العالم علامة على وجود خالقه فهو كما قلنا في الأحكام الشرعية الفقهية من المنهج الجزئي الذي ينتقل إلى الكليات والقياس كذلك في باب العقيدة فإنهم يتخذون من الواقع الكوني دليلا على وجود الله عز وجل..

عثمان عثمان: وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد.

حسن الشافعي: على أنه الواحد، وهذا هو صميم المنهج العقلي الحقيقي مع الاعتراف بحدود هذا العقل.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور يعني من تعطيل العقل كذلك تقليد الآباء والكبراء والأجداد تقديسهم، القرآن ذم ذلك، كيف توضحون هذه المسألة؟

عبد المجيد النجار: هذا يندرج ضمن التوجيه القرآني للمنهجية العقلية التي ينبغي أن يسلكها المسلم والإنسان بصفة عامة لكي ينتهي إلى الحقيقة، فالقرآن الكريم لم يكتف أن وجه الناس إلى أن يستعملوا العقل وإنما وجههم إلى أن يستعملوا العقل ووجههم إلى الطريقة وإلى المنهجية التي يستعملون بها هذا العقل، ومن أبرز ما جاء في القرآن الكريم من تنبيه إلى معطلات العقل نجد أمرين اثنين،ا الأمر الأول هو أن يكون هذا العقل معطل بالتقليد، تقليد الآباء والأجداد في عاداتهم وفي تقاليدهم الموروثة، هذه العادات والتقاليد الموروثة قد تكون أحيانا بل هي في كثير من الأحيان شبه مصادرة على العقل في أن يكون له حركة حرة في النظر تفضي به تفاعلا مع معطيات الواقع إلى أن يدرك الحقيقة بصفة موضوعية وإنما تكون هذه العادات موجهة للعقل توجيها مسبقا إلى هذه الناحية أو إلى هذه الناحية فينتهي العقل إلى ضلال أو إلى أن ينتهي إلى الباطل ولا ينتهي إلى الحقيقة، ومن هنا جاء القرآن يؤكد تأكيدا متكررا في مواضع كثيرة من آياته إلى ألا يتبع الإنسان هذه العادات والتقاليد التي تفعل في العقل هذا الفعل الموجه المصادر لحرية النظر. والأمر الثاني الذي نبه إليه القرآن تنبيها مؤكدا ومكررا أيضا محذرا من الاستعمال غير الرشيد للعقل هو سيطرة الهوى على العقل، الإنسان له شهوات وغرائز كثيرة طعام وشراب وهوى حب الأقارب وكره الأعداء وغير ذلك من الأهواء وهذه الأهواء كثيرا جدا ما تسطو على العقل فيكون لها سلطان على هذا العقل تحجب عنه الحقيقة بل توجهه إلى وجهة تنتهي به إلى الباطل ولهذا جاء القرآن ينبه المسلم وينبه الإنسان إلى التحرر من هذا الهوى ويذم من جعل إلهه هواه، وهذا ما شرحه الإمام محمد عبده شرحا جميلا جدا حينما قال في بعض أصناف من الناس إنك حينما تحدثهم وتجادلهم يجعلون أصابعهم في آذانهم حذر أن يخالط الدليل أذهانهم لأن هذه المخالطة تمنعهم من الشهوات ومن تحقيق الشهوات التي توجه العقول توجيها نحو نتيجة معروفة ومرسومة مسبقا، فهذا هو التوجيه القرآني في هذا الشأن.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور يعني تارة يتم تعطيل العقل أيضا باسم النقل، مشكلة النقل والعقل مشكلة عويصة تمتد عمقا في التاريخ وهي ما زالت مستمرة ربما إلى حد ما إلى يومنا الحاضر، كيف يمكن التعامل مع هذه المسألة، هل العقل حاكم على النقل أم النقل حاكم على العقل؟ كيف يمكن التوفيق والتوازن؟

حسن الشافعي: لا بد من التوفيق وفي الحقيقة كما تفضلتم تنوعت أو تعددت صور التعامل مع الوحي أو مع النص فكان هناك من يتشبثون بالحرية وعرفوا في تاريخنا بالحشوية يعني هؤلاء الذين لا يحكمون العقل ولكن يفهمون النصوص فهما حرفيا دون التأمل في دلالاتها، وهناك على الصعيد الآخر من تنصلوا من الوحي وتمسحوا في معاني لا تؤدي إليها اللغة العربية ولا تؤدي إليها قوانين الدلالات، فقالوا بالتأويل الباطني المطلق وأصبح الحج نوعا من الولاء للحاكم وأصبحت الصلاة ضربا من التفكير فيه، وأصبحت الزكاة نفقة تقدم للطائفة أو للفرقة وليس للمحتاجين إلى غير ذلك من التأويلات. الواقع إن العلاج إنما يأتي من اتباع مقياسين، مقياس اللغة العربية لأن الكتاب والسنة نزل أو تلي بالعربية أول الأمر، الشيء الثاني قواعد علم أصول الفقه..

عثمان عثمان (مقاطعا): وربما هذا يحتاج إلى شرح آخر فضيلة الدكتور، انتهى الوقت، أشكركم فضيلة الدكتور حسن الشافعي أستاذ الفلسفة الإسلامية في كلية دار العلوم وعضو مجمع اللغة العربية بالقاهرة، كما أشكركم فضيلة الدكتور عبد المجيد النجار الأمين العام المساعد للمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، أشكركما على وجودكما معنا في هذه الحلقة. كما أشكركم أيضا مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة، لكم تحيات معد البرنامج معتز الخطيب والمخرج منصور الطلافيح وسائر فريق العمل وهذا عثمان عثمان يستودعكم، دمتم بأمان الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.