- نشأة المذاهب الفقهية وأسباب الالتزام بها والدعوة لهجرها
- دور الحركة الإسلامية في كسر حدة التمذهب

- حول الاجتهادات الفقهية والفقه المقارن ومستقبل المذاهب

 
عثمان عثمان
 وهبة الزحيلي
 مصطفى بن حمزة

عثمان عثمان: مشاهدينا الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلا ومرحبا بكم في هذه الحلقة الجديدة من برنامج الشريعة والحياة والتي تأتيكم على الهواء مباشرة من العاصمة السورية دمشق. لماذا خفت حدة الانتماء إلى المذاهب الفقهية؟ وما آثار ذلك على الفقه والمتفقهين؟ وإلى أي مدى ساهمت السلفية والحركة الإسلامية في تهميش التقليد المذهبي؟ المذاهب الفقهية ومصائرها موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة الدكتور وهبة الزحيلي عميد كلية الشريعة في جامعة دمشق سابقا وعضو المجامع الفقهية والشيخ مصطفى بن حمزة عضو المجلس العلمي الأعلى في الرباط، مرحبا بكم دكتور كما أرحب بضيفنا من المغرب.

نشأة المذاهب الفقهية وأسباب الالتزام بها والدعوة لهجرها

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور يعني المذاهب الفقهية كثيرة عبر التاريخ الإسلامي اندثر معظمها وبقي منها المذاهب الأربعة المعروفة، بداية كيف نشأت هذه المذاهب الفقهية؟

وهبة الزحيلي: بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، مشاهدي الكرام هذا الموضوع يعد حديث الساعة ومحور هذه القضايا الاجتماعية المتجددة في البحث والنقاش والحوار في كل مكان وفي كل زمان، والقضية أخف وأهون من كل ما يثار حول هذه القضية من مشكلات لأن قضية المذاهب الإسلامية ما هي إلا امتداد لحركة الاجتهاد من بعد عهد الرسالة في عهد الصحابة رضوان الله عليهم والتابعين لهم بإحسان، وذلك لأن هذه المذاهب لم تكن مصنعة وليست موجهة وليس هناك حرص من أئمتها لأن يكون لهم هذا الوضع الذي استقر في العالم الإسلامي على مدى هذه القرون الـ 14 ونيف وإنما كانت هذه المذاهب استجابة للحاجة والضغوط العملية في معرفة أحكام شرع الله ودينه لأن أغلب الناس لا يعرفون تفاصيل هذه الأحكام وكيفية استنباطها من أصولها الكتاب والسنة وما عليه سلف هذه الأمة، فكانت هذه الحاجة الملحة والتي مصدرها الإلزام الشرعي في قول الله جل جلاله {..فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}[النحل:43] وقول الله سبحانه {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}[التوبة:122] إذاً هم مبلغون هذه الرسالة بالنيابة عن النبي المصطفى صلوات الله وسلامه عليه وكذلك كان الصحابة الكرام ليس كلهم مجتهدين وإنما المجتهدون أصحاب الرأي والإفتاء هم قلة، وكان أغلب الصحابة يسألون هؤلاء القمة وهؤلاء المجتهدين ليتعرفوا على حكم الله وشرعه وكان ذلك هو الظاهر العام، ازدادت هذه القضية والحاجة في عصر نشوء في القرن الثاني الهجري إلى القرن الثالث ونهاية القرن الرابع حاجة لأسباب متعددة أولها انتشار ظاهرة العلوم المختلفة والثقافات المتنوعة وتدوين العلوم وحرية الرأي وكثرة الجدل وعناية الخلفاء العباسيين بالفقه والفقهاء على نحو يغاير ما كان عليه الوضع في العهد الأموي فكان هؤلاء الخلفاء يعتلون بهذه الظاهرة ويتابعونها بأنفسهم مما أوجد حركة فقهية واجتهادية عظيمة وكان أئمة هذه المذاهب في الواقع هم الذين يلبون طموحات هذه الأمة ويحققون مآربهم في التعرف على شرع الله ودينه ولم يكن أحد يطمح أن ينسب إليه بأنه إمام مذهب وإنما هو شخص موثوق وعالم متقن ومتفوق في مجال فهم هذه النصوص وأسس الاجتهاد والاستنباط فوثق الناس به واكتملت هذه المذاهب في هذه القرون الثلاثة من القرن الثاني إلى القرن الرابع لأنها شملت كل أطياف الأحكام الشرعية بدءا من الطهارات إلى المواريث.

عثمان عثمان: بطبيعة الحال فضيلة الدكتور يعني استقرت المذاهب الفقهية على أربعة مذاهب، المذهب الحنفي الشافعي الحنبلي المالكي. يعني أنتقل إلى الدكتور مصطفى بن حمزة الذي ينضم إلينا من المغرب وأرحب به من جديد. دكتور استقرت هذه المذاهب الأربعة كل دولة تبنت مذهبا معينا صدرت فتاوى بوجود التزام مذهب معين، يعني كيف تم ذلك؟ ما الأسس التي انبنى عليها؟

مصطفى بن حمزة: بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. لا شك أن ميلاد هذه المذاهب هو ميلاد طبيعي والمذهب الفقهي شأنه شأن أي مذهب يأتي في الحقل المعرفي ليصنف الناس حسب الأصول التي يعتمدونها إلى أطياف تسمى مذاهب وقد تسمى مدارس، المهم أن جميع حقول المعرفة تعرف هذه الظاهرة وهذا أمر ليس خاصا بالفقه ففي كل الحقول المعرفية مذاهب سواء في الإنسانيات أو في الأدب أو في أي حقل معرفي لأن المذهب هو خلاصة بحوث سابقة وتراكم لبحوث سابقة تجتمع بعدها تشكل أطيافا سابقة تجتمع لتكون فيما بعد مذاهبا ولكن لم يكن القصد هو تشكيل مذهبى من المذاهب مطلقا وإلا فإن ممارسة الاجتهاد بطبيعتها تفضي إلى الاختلاف والاختلاف يؤدي إلى التنوع إلى تكوين قطاعات إلى تكوين مجموعات وهذه المجموعات التي تؤول في نهاية المطاف إلى أن تشكل مذهبا، لا أريد أن أتوقف عند هذا أكثر مما ذكرت وإنما أقول إنه حينما لجأت بعض الدول في تاريخ المسلمين إلى اعتماد مذهب من المذاهب الفقهية وإلى الوصاية بأن الافتاء يجب أن يكون به فهذا السؤال في الحقيقة يرتبط بأهمية الفقه وبمكانة الفقه في المجتمع، فحينما نريد أن نجعل الفقه قانونا يحكم نظام المجتمع حينما نريد أن نجعله قانونا يحكم ويقضى به في المحاكم هل يصح بعد ذلك أن يختلف القضاة فيحكم كل واحد بما شاء فيصبح الناس في حيرة حينما يحكم بينهم في النازلة الواحدة قاض من المذهب الفلاني أو من المذهب الفلاني وأن يرى فلان أنه ظلم لأنه حوكم إلى مذهب آخر، لا شك أن طبيعة الدولة تقتضي تجميع الناس حول قانون موحد، الفقه لم يكن فقه عبادة فقط بل كان نظام حياة وكان من الطبيعي أن تعتمد الدولة كما هو الآن في كل الدول أن الدول لا تترك فراغا ولا تترك للقضاة أن يحكموا بما يشاؤون بل هم ملتزمون بنصوص معينة، القضاء كان..

عثمان عثمان (مقاطعا): شرعا شرعا فضيلة الشيخ، هل يصح للدولة أن تلزم الناس باتباع مذهب فقهي معين؟

مصطفى بن حمزة: طبعا أنا ذكرت لك أن مأتى هذا الأمر هو السبب أن هذا الفقه ليس فقها فقط يمارس في المساجد، هو فقه في الحياة، إذا كان القضاة قضاة وهم مدعوون إلى أن ينفذوا أحكام هذا الفقه فهل يصح أن كل قاض يختار من المذاهب ما يشاء؟ إننا حينما نصل عند هذه العتبة نقول لا بد أن المواطنين سيحكمون بأحكام متباينة ومختلفة، فنظام الدولة يقتضي بالضرورة أن يكون الفقه موحدا على مستوى الدولة، الناس في خواص أنفسهم إما أن يكونوا مجتهدين في درجة الاجتهاد فهؤلاء لا يلزمون بشيء وإنما هم يختارون من خلال قراءتهم ومن خلال ترجيح الأدلة وإما أن يكون الناس عامة وحينما يكون الناس عامة فهناك واقع آخر، نحن حينما نتحدث الآن عن مباشرة التعامل مع النصوص بالنسبة لجماهير المسلمين أرى أن هذا القول فيه مثالية كبيرة، إنه حينما نتحدث عن دول الآن نصف سكانها لا تقرأ ولا تكتب، عن دول لا تعرف اللغة العربية وهي أغلب الدول الإسلامية هل بعد هذا يصح أن نقول إن كل واحد يجب أن يتحلل من أي مذهب وأن يباشر التعامل مع النصوص؟ هذا لا شك أنه شيء غير قابل للتحقق وبالتالي فإن هذه المذاهب تبقى..

عثمان عثمان (مقاطعا): نعم فضيلة الشيخ أنتقل إلى فضيلة الدكتور وهبة الزحيلي يعني لماذا صدرت الفتاوى بعدم الخروج عن المذاهب الأربعة؟

وهبة الزحيلي: كما تفضل الدكتور مصطفى هذه ضرورة واقعية لأن القانون في كل بلد ينبغي أن يكون موحدا والفقه يمثل القانون في هذه الشريعة ولذلك اضطربت أحكام القضاة وكانت كل بلد يحكم فيها قاض بحسب ما يجتهد فوقعت مشكلات كثيرة وأحكام متغايرة ومتناقضة مما دفع الدولة لأن تصدر نظاما موحدا وهو اتباع مذهب معين وهذا ما حدث في عهد جلالة الملك فيصل رحمه الله حينما وجد ظاهرة التصادم والتلاطم بين المواطنين في المملكة أوصى بأن يلتزموا بالمذهب الحنبلي وهكذا كان الشأن في التزام بالمذهب الحنفي في الخلافة العثمانية وكذلك المذهب الشافعي في الخلافة الأيوبية وما تبعها وكذلك أيضا الفقه المالكي في الأندلس الذي بقي عدة قرون مطبقا ثم في شمال المغرب العربي كل هذا ضرورات الحياة تقتضي أن يكون هناك نظام موحد وهذا النظام الموحد هو الذي كان يتضمنه الفقه الإسلامي العظيم الذي شمل كل نواحي الحياة المختلفة.

عثمان عثمان: ولكن فضيلة الدكتور نلاحظ في الربع الأخير في القرن الماضي ظهور دعوات إلى هجر المذاهب الفقهية إلى هجر التمذهب بشكل عام بدعوى اتباع الكتاب والسنة وسلف هذه الأمة، يعني ما الصدى الذي تركته مثل هذه الدعوات وما الأثر الذي تركته أيضا على موضوع التمذهب؟

وهبة الزحيلي: في حقيقة الأمر التقليد أمر تمليه ضرورات الواقع وأنه لا بد منه في مجال الفقه، أما في مجال العقائد فقد ندد القرآن الكريم بأولئك الذين يتبعون آباءهم في الشرك والوثنية لأنهم عطلوا عقولهم وأفكارهم لأن قضية العقيدة أساس في قلب كل إنسان ينبغي أن تصدر عن قناعة منه، أما الفقه فهناك بضاعة جاهزة يقدمها أئمة المذاهب وفقهاؤهم، فهذه الظاهرة التي حدثت أريد أن أسأل هناك أولا فرق بين التقليد وبين الاتباع، التقليد هو أمر وظاهرة موجودة في كل نواحي الحياة، الصناعيون والعباقرة والأدباء والفلاسفة يقلد الناس آراءهم ويتبنونها وهذا كان شأن الفقه الإسلامي، فهذه الظاهرة التي حدثت محاولة تفكيك عروة هذه المذاهب وهيمنتها على الناس الحقيقة أدت إلى أمر إيجابي واحد وهو الحد من العصبية المذهبية وهذه ظاهرة طيبة وأنا مع أولئك الذين يطالبون بالاجتهاد لكن بشرط أن تتوفر الأهلية في هؤلاء المجتهدين لا أن تكون الاجتهادات بمعنى اتباع الآراء الشاذة والوقوع في الانفلات من أحكام هذه الشريعة فلذلك أفلست وخسرت هذه الظاهرة ولم تستطع أن تقتلع جذور المذهبية من قلوب الناس وظلت هذه المذاهب مستقرة في أوساط العالم الإسلامي لأن واقع الناس يتطلب مثل هذا التقليد لهؤلاء الأئمة الذين شهدت لهم الأئمة القبول والتفوق والنبوغ في كل مجالات الحياة استطاعوا أن يبنوا مذهبا متكاملا في كل القضايا فتقبل الناس أفكارهم وآراءهم وظلت هذه الهيمنة هي السائدة ولكن لم تستطع هذه الحركات والدعوات الحديثة النيل من حاكمية المذاهب على المجتمع الإسلامي.

عثمان عثمان: فضيلة الشيخ مصطفى من المغرب يعني ظهرت كتابات عدة، الإمام الكوثري كتب "اللامذهبية قنطرة اللادينية"، فضيلة الشيخ الدكتور البوطي كتب "اللامذهبية أخطر بدعة تهدد الشريعة الإسلامية"، فضيلة الشيخ محمد الحامد رحمه الله أيضا كتب "لزوم اتباع المذاهب حسما للفوضى الدينية"، هل تجاوز الواقع اليوم هذه المقولات؟

مصطفى بن حمزة: هذه دعوات ونداءات قالها علماء أولا وهم عارفون بما يقولون وهم حينما يتحدثون عن هذا بناء على خبرتهم ومعرفتهم بما يؤديه الفقه للناس من انسجام، هذا الانفصال عن المذاهب لا بد أن نترقب أنه يؤدي إلى نتائج معينة فإما أن نكون أمام فقه أو تعامل مع النصوص لا ينضبط بأي ضابط، نحن حينما نتحدث عن المذهب، ما هو المذهب؟ المذهب ليس هو الأقوال الفرعية، ليس هناك تنميط داخل المذهب، المذهب داخل المذهب هناك حركة دؤوب هناك نقاش داخل كل المذاهب وهناك انفتاح ما بين مذهب ومذهب ولكن ما من مذهب إلا وهو يعتمد أصول معينة في الاستنباط، فنحن نطالب كل من يريد أن ينفتح على هذا ويمارس الاجتهاد وأن يتجاوز المذاهب أن يعطي أولا وقبل كل شيء منهجه في النظر للنصوص، متى يتعامل مع الظاهر؟ كيف يتعامل مع مفهوم الموافقة؟ لذلك جميع الفقهاء قدموا لأعمالهم هذه ببيان منهجهم في الاستنباط فكان المذهب المالكي يقوم على نحو 16 أصلا والمذهب الشافعي نحو من ذلك، والمذاهب كلها على كل أبرزت مصادرها وبعض المصادر الاستنباطية قد لا تكون واضحة وإنما تكون خبيئة وتكتشف من خلال أقوال الأئمة. إن الذي يريد أن يتعامل مع النصوص يمكنه أن يتعامل مع النصوص ولكن بهذه الشريطة أن يعرف أن هذه النصوص لها مكانتها وقداستها فحين يتعامل من موقعه، تعامله من موقع إعمال هذه المصادر الاجتهادية ممكن أن ننتظر شيئا، أما أن نتجاوز المذاهب فقط في غمرة الدعوة إلى تجاوز هذ المذاهب ليس إلا فهذا لا شك عمل لا يؤدي الكثير وربما نحن الآن نعيش بعض آثار هذا في مجالات متعددة ربما تعاني الأمة الإسلامية الآن الكثير من أثر هذا الاختلاف وهذا التضارب بحيث أن المذاهب ستصير حينئذ بعدد أنفاس البشر.

دور الحركة الإسلامية في كسر حدة التمذهب

عثمان عثمان: طيب فضيلة الدكتور الحركة الإسلامية أيضا ساهمت في تجاوز المذهبية الجمع بين المذاهب الأربعة كما فعل سيد سابق فقيه الإخوان، كما فعل الآن الشيخ القرضاوي، أيضا مؤسس حركة الإخوان المسلمين حسن البنا بارك هذا التوجه بداية، يعني أيضا ما المدى الذي ساهمت فيه الحركة الإسلامية في كسر حدة التمذهب؟

وهبة الزحيلي: في حقيقة الأمر أنا أبارك هذا التوجه وإنني من المطالبين دائما بتجديد الاجتهاد ولكن ضمن ضوابطه وأصوله، فهذه الأفكار الجديدة في حقيقة الأمر لم تستطع أن تزعزع أركان انتشار المذاهب في كل بلد من البلدان لأن هؤلاء الذين يدعون إلى تجاوزها إذا صحت هذه الدعوة هم في حقيقة الأمر لم يعدوا الآليات التي توجد البدائل عن هذه المذاهب وإنما أدى الأمر إلى نوع من الفوضى والتفلت، ومما لا شك فيه أننا نحن مع التجديد والاجتهاد ضمن ضوابطه بحيث لا نتجاوز النصوص الشرعية ولا نتبع الآراء الضعيفة ولا الأفكار الشاذة ولا ما يصادم النصوص القطعية فهذا في حقيقة الأمر أدى إلى إشكالات لأن التجديد له أصوله وله ضوابطه وله غاياته وأهدافه نحن نرحب بالتجديد والاجتهاد ولا نأخذ كل شيء كان موجودا في هذه المذاهب لأن بعض هذه الآراء وهي فرعيات تمثل رعاية مصلحة من المصالح أو عرفا من الأعراف أو تقليدا من التقاليد فراعته في وقتها والآن تغير وجه العرف ووجه المصلحة ولم يعد من المناسب أن نتبع أعرافا سابقة وهذا ما أقرته مصادر هذه الشريعة، فلذلك هذه الدعوة في حقيقة الأمر يعني هم يشكرون عليها ولكنها لم تستطع بحال من الأحوال أن تقف في مواجهة هذه المذاهب المعمقة والشاملة والضابطة والتي هي تمثل الشريعة. وأنا أريد أن أسأل لماذا نحن دائما نحاول أن نعادي تاريخنا؟ الغرب إلى الآن وكبار فقهاء القانون أصدروا في عدة مناسبات أن الشريعة الإسلامية شريعة حياة صالحة مرنة صالحة لكل زمان ومكان والشريعة تعني الفقه.

عثمان عثمان: هذه الحيوية وهذه المرونة في الشريعة الإسلامية ألا تقتضي التجديد في الفقه؟ هناك من يأخذ على الفقهاء أنهم ربما نشأت مذاهبهم في وقت لم تكن الأحاديث قد جمعت ورتبت وعرف ضعيفها من صحيحها من متواترها إلى ما هنالك.

وهبة الزحيلي: حدثت ترجيحات في دائرة كل مذهب رؤية هذه الظروف وهذه الأوضاع ونحن مع التجديد ومع التغيير والتبديل ولكن ضمن الضوابط الشرعية، ليس كل ما قد يدعيه هؤلاء يكون صحيحا لأن هذه المذاهب ما تزال في غاية النمو والوجاهة والنصاعة وتحقيق الأهداف العليا لأن أغلب ما فيها إنما هو يعتمد على المصادر الشرعية المعروفة والمقبولة في كل زمان ومكان.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور أريد أيضا أن أسمع رأي فضيلة الشيخ مصطفى بن حمزة في هذا الموضوع في دور الحركة الإسلامية في كسر حدة التمذهب والتقليد المذهبي ولكن بعد أن نذهب إلى فاصل قصير فابقوا معنا مشاهدينا الكرام نعود إليكم بإذن الله بعد الفاصل.

[فاصل إعلاني]

عثمان عثمان: أهلا وسهلا بكم مشاهدينا الكرام من جديد إلى حلقة هذا الأسبوع من برنامج الشريعة والحياة والتي تأتيكم على الهواء مباشرة من دمشق، ومعنا في هذه الحلقة فضيلة الدكتور وهبة الزحيلي عضو المجامع الفقهية الإسلامية وعميد كلية الشريعة سابقا في جامعة دمشق وينضم إلينا أيضا من المغرب فضيلة الشيخ مصطفى بن حمزة عضو المجلس العلمي الأعلى في الرباط. فضيلة الشيخ مصطفى يعني أنا أكرر السؤال الحركة الإسلامية خطت خطوات جادة في تجاوز المذهبية والجمع بين المذاهب، ما المدى الذي وصلت إليه هذه الخطوات في كسر حدة التمذهب؟

مصطفى بن حمزة: أريد أن أقول كلمة عما سبق أن ذكرتموه من أن المذاهب ربما تشكلت في زمن لم تكن النصوص قد جمعت وغابت عن المذاهب النصوص، أقول إن المذهب الفقهي هو مذهب حي يتجدد فإذا كان رواد المذاهب قد فاتهم شيء فإن المذاهب عبر التاريخ كانت دائما تضيف إلى نفسها وكان يظهر فيها علماء ونبغاء فهي كانت تتابع نفسها، فالمذهب المالكي الآن ليس هو المذاهب المالكي في زمن مالك، وبالتالي هذا الكلام ربما فيه نظر. الحركات الإسلامية في اعتبار أنها قامت بما قامت به في زمن كان الناس قد اغتربوا عن الفقه وربما حاولت أن تجعله ثقافة عامة ولكن ثقافة شعبية ولكنها مع ذلك بذلك الأسلوب لم تتمكن من أن تعمق الفقه وأن تصيره تخصصا فلذلك ظلت الجامعات والمؤسسات العلمية هي المؤتمنة على الفقه وهي التي ظلت تخرج العلماء وتكونهم فربما من باب توسيع قاعدة المستفيدين من الفقه تم ذلك. تحدثتم عن كتاب هو كتاب سيد سابق وهو الذي كان حاضرا وهو كتاب حاول أن يجمع الأقوال بتجاوز المذاهب ولكن هو مع ذلك أحدث هو في نفسه أشياء أخرى فصار موضعا لمتابعات أخرى فكتب بعضهم "تمام المنة في الرد على فقه السنة" كما تعرفون، وقال البعض بأنهم يتعقبون عليه ثمانين خطأ فقهيا إلى غير ذلك، فهذا الأمر لم يحسم النزاع فعدنا من جديد إلى الخط السابق، فلذلك لا بد من إعطاء الفقه موضعه ومكانته من الثقافة الإسلامية ومن البحث ولا بد من إرجاع الفقه الذي نسميه فقها إلى المختصين إلى المثابات العلمية التي أنتجت الفقه وحينذاك سوف يظل هذا الفقه قادرا على تأطير الحياة وعلى الإشراف عليها، سوف يجتنب هذا الفقه كثيرا من المزالق ونحن نتخوف في بعض المرات أن تكون المزالق في الفقه ليست مزالق في العبادات بل في أشياء أخرى حياتية يمكن أن تؤدي إلى احتكاك إلى احتراب داخلي ولذلك الفقه له هذه المكانة من حيث هو تخصص معمق ومن حيث إنه أقوال مؤصلة تعود إلى مصادرها وإلى أصولها، أما الثقافة الفقهية العامة فهذا يمكن أن يفعله كثير من الناس.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور لم يعد الكثيرون الآن يفتخرون بالانتماء إلى المذاهب الفقهية، لم يعد يتعصب إلى هذه المذاهب الكثيرون أيضا كما كان في السابق كنا نعلم أن الحنفي لا يتزوج شافعية والعكس صحيح، هل ترى يعني هذه الظاهرة الآن لها أثر إيجابي أم سلبي؟

وهبة الزحيلي: في الحقيقة هذه الظاهرة حققت شيئا من الأهداف وهذه تعد سلبيات نحن لا نقرها ولا يحمدها لهم أحد من العلماء، قضية اقتداء الشافعي خلف الحنفي أو بالعكس وزواج بنت الحنفي للشافعي كل هذه في الحقيقة طويت ولم يعد لها وجود في حقيقة الأمر لأن هذه تعد فعلا من السلبيات التي تضر ولا تنفع ولا تحقق فائدة، نحن أمة ندعو إلى الوحدة وندعو إلى الخير وندعو إلى جمع الصف ولذلك هذا الاتجاه في واقع الأم هو اتجاه غير سليم وليس من الإسلام {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ}[الأنبياء:92] صحيح لم تكن هذه المذاهب موجودة في العهد النبوي ولكن هي ظهرت بحسب تطورات الزمان والمكان والأوضاع والأعراف والعادات والتقاليد وحققت وجودا فاعلا في الحياة، فأما وجود بعض هذه الآراء الجزئية في الحقيقة طويت ولم يعد لها وجود وهذا من تأثير هؤلاء الدعاة الذين يدعون إلى التحرر من المذهبية والتخلص من التعصب المذهبي وإلى هذا الحد يكون هذا عملا طيبا ومباركا ولكن ليس معمما على كل جزئيات المذهب وعطاءات المذهب فهذا في حقيقة الأمر الحكم على بعض المسائل وأنها لم تعد مقبولة لا يعني إهمال كل ما جاء من حسنات في سجلات هذه المذاهب الإسلامية المعمقة، وأما الافتخار فما يزال ولله الحمد موجودا في كل البلاد، أهل المغرب لا يقدمون شيئا على مذهب الإمام المالكي، الأعاجم لا يقدمون شيئا على مذهب الإمام أبي حنيفة وهكذا في مصر وبلاد الشام الفقه الشافعي، وكذلك الفقه الحنبلي في المملكة العربية السعودية فهذا في واقع الأمر ظاهرة طيبة لكن السلبيات محصورة ضمن نطاق محدد ولا يعني استغلال مثل هذه الأمثلة الشنيعة أن المذهب يهمل ويترك لوجود أشياء غير مناسبة جاءت من تفريعات تابعي المذهب وليس من أئمة المذهب بحال من الأحوال.

عثمان عثمان: نعم. فضيلة الشيخ مصطفى يعني بات مألوفا اليوم الخروج على المذاهب الفقهية المزاوجة بينها أو التوفيق بينها في مختلف الحالات، ما رأيكم بهذا الواقع الجديد؟

مصطفى بن حمزة: يبدو أن الخروج عن المذاهب وإنشاء فقه جديد بالصورة التي نراها الآن فيه خلل ولا شك كبير، أولا من حيث المضمون، إن الفقه الذي نتحدث عنه وهو الفقه الإسلامي هو فقه واسع شاسع وقد تناول أكثر قضايا الإنسان، نحن نرى الآن ما يمثل الفقه المعاصر إنما هو فقه خاص يتناول بعض جوانب العبادات ويقع الخلاف حولها ويقع الآن تقع المناكفة حولها، لكننا في هذا الفقه الجديد لم نر من يتحدث عن قضية البيئة التي ضمنها الفقه الماضي حينما تحدث عن الحريب، حريب البئر وحريب الماء ونحن الآن نعيش في مجتمع يحتاج إلى أن يبين الفقهاء موقفهم الإسلامي من قضية البيئة واحترام البيئة، هناك قضايا متعددة قضايا مثلا السياسة الشرعية قضايا التعامل مع الأغيار، كتاب السير الآن لم يكتب في هذا الموضوع ما يسمى فقها مثلا ينسي الناس في السير الكبير، إلى غير ذلك من القضايا التي تناولها الفقه القديم بجدارة واستوعبها ولكن فقهنا الآن وإن كان يحاول أن يطرح البديل ولكنه بديل قاصر يهمل الكثير من القضايا التي عالجها الفقه الماضي، ثم نحن الآن أمام حالات، إما أننا سوف نفتح هذا المجال مجال النظر إلى كل من يريد أن يقتحم هذا المجال من غير أن نسأله عن أصوله عن مقدرته العلمية عن استدلالاته كيف وإنما نعطيه النصوص وهؤلاء يظنون وهذه القضية لا بد من الانتباه إليها وهي أن هناك من يرى أن الدليل الشرعي إنما هو محصور في دليلين في الكتاب والسنة فباقي الأدلة هي أدلة ملغاة والعلماء حينما تحدثوا عن القياس أو المصالح أصلوا ذلك من خلال الوقائع الشرعية التي استفادوها منها أن القياس دليل شرعي، لكن هؤلاء لا شك أنهم ربما يهملون هذا الجانب وبالتالي فإن النظرة التي ستنتج عن هذا الفقه لا بد أن تكون نظرة من نوع معين ولا بد أن تكون مخالفة تماما للفقه الذي نشرف به ونعتز به ونرى أنه فقه يطاول كل أنواع الفقه أو القوانين التي أنتجها الإنسان.

حول الاجتهادات الفقهية والفقه المقارن ومستقبل المذاهب

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور يعني بعض الفقهاء تجاوز اليوم المذاهب الفقهية إلى فقه الصحابة والتابعين، هناك اجتهادات فقهية أيضا حديثة تجاوزت المذاهب الفقهية الأربعة، ما موقفكم من هذا التوجه؟

وهبة الزحيلي: يعني هذا السؤال في غاية الحيوية، هذه أولا القضايا الفقهية منها ما هي قضايا مستجدة لم تكن في الماضي فيحق للعلماء في الوقت الحاضر أن ينظروا ضمن لواء مقاصد الشريعة في تحقيق مصالح الأمة في الزمان والمكان في قضايا الطب والهندسة وفقه العمران ومختلف القضايا الطبية والاقتصادية والاجتماعية فهذا في واقع الأمر تناولته الدراسات الحديثة ونحن معهم في هذا الاتجاه، أما الفقه الذي يعد قديما ما يزال ناصعا لأنه يشكل الأغلبية الساحقة من ساحة الفقه العملية وأنه أصل بأدلة معترف بها ولا يستطيع أحد تجاوزها بحال من الأحوال.

عثمان عثمان: ولكن هناك من يرى فضيلة الدكتور اليوم أن هذه المذاهب التي نشأت ربما هي طارئة، الأصل أن نعود إلى فقه الصحابة والتابعين وأن نأخذ فتاوى من مواقفهم في بعض القضايا أو في كثير من القضايا.

وهبة الزحيلي: أؤكد لك أن كل المذاهب الأربعة وغيرها تلتزم بما عليه فقه الصحابة والتابعين وليست هذه الدعوة إلى العودة إلى فقه الصحابة والتابعين جديدة وإنما رآها فقهاؤنا وأخذوا بآراء للصحابة والتابعين وحققوها ودونوها، أما إذا لم يثبت أن الصحابي كان قد قال هذا القول فمن حقنا أن نتوقف أما إذا ثبت أن الصحابي قال قولا فإننا نحترمه، وكل المذاهب وأئمة المذاهب كلهم يأخذون بمذهب الصحابي حتى الإمام الشافعي يقدم قول الصحابي على غيره من الأقوال فإذا هذه المقولة بأن الدعة إلى تجاوز المذاهب وإلى فقه الصحابة والتابعين، هذا ليس صحيحا فهي متضمنة..

عثمان عثمان (مقاطعا): ولكن لو كانت هناك فتاوى صحيحة ربما ناقضت..

وهبة الزحيلي: متضمنة، متضمنة.

عثمان عثمان: نعم. دكتور هناك فتاوى عن بعض الصحابة والتابعين ربما ناقضت فتاوى الأئمة الأربعة أو المذاهب الأربعة يمكن الأخذ بها.

وهبة الزحيلي: هذا في واقع الأمر يكون محل نظر ومقارنة وترجيح وتأمل، هناك أدلة أخرى، الصحابة اختلفوا في هذا فمن الطبيعي أن نجد أيضا إذا وجد رأي وصادمته آراء أخرى الصحابة لم يكونوا مطلعين على كل الأحاديث النبوية بسبب تفرقهم في الأمصار والأقطار وعيشهم في بيئات تختلف عن بيئة المدينة المنورة، فلذلك حينما يأتي المتأخرون وأئمة المذاهب ولا يأخذون برأي صحابي معناه أن هناك دليلا أقوى يتجاوز هذا الرأي فمن حقنا دائما العمل بالدليل الراجح.

عثمان عثمان: لا بد من البحث والتدقيق إذاً.

وهبة الزحيلي: البحث والتدقيق والتحقق من صحة النقل عن هذا الصحابي، فنحن لا نهمل إطلاقا آراء الصحابة والتابعين حتى يقال إننا ينبغي أن نتجاوز هذه المذاهب ونأخذ بهذه الآراء، هذه الآراء كلها ما دامت ثابتة معمول بها ومرعية في سجل كل مذهب من المذاهب.

عثمان عثمان: فضيلة الشيخ مصطفى هل لكم رأي آخر في هذا الموضوع؟

مصطفى بن حمزة: لا شك أن هذا الكلام هو كلام فيه عموم بالتأكيد لأن الفقهاء الذين اشتغلوا، اشتغلوا أساسا على متن الكتاب والسنة ولم يهملوا أقوال واجتهادات الصحابة وإنما كانوا يقفون في موقف الموازنة، مثلا حينما يختلف صحابيان في الوضوء مما مست النار فأبو هريرة يرى الوضوء من مسة النار والحديث موجود لديه وهو موجود في صحيح مسلم، ولكن زيد بن ثابت لم يكن ير ذلك وكلاهما له سند أن زيد بن ثابت رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل شيئا مما مسته النار ثم توضأ ولم يصل، إذاً فهذا الخلاف هو الذي تدخل به الفقهاء ليحسموا ويرجحوا. أبو حنيفة كان له منهج كبير جدا وبعض الناس الآن ربما قد يستغرقون مدة لفهم منهج أبي حنيفة في قبول خبر الآحاد فيما أسماه هو بالانقطاع المعنوي، دعنا من الانقطاع الصوري، الانقطاع المعنوي، فهذه العمليات عمليات موازنة وقراءة النصوص وقراءة فتاوى الصحابة، الصحابة اختلفوا في.. ابن عباس مثلا وزيد بن ثابت اختلفا في قضية عدة الحامل المتوفى عنها فكان ابن عباس يرى أنها تعتد إلى أقصى الأجلين، ولكن الفقه المعروف الآن أنها لا تعتد إلى أقصى الأجلين وإنما تعتد بوضع الحمل وإن آية {..وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ..}[الطلاق:4] هي التي خصصت فهذا خلاف وقع بين الصحابة وهذا مشهور ومكتوب فيه، إذاً فميزة الفقهاء أنهم جمعوا هذا الرصيد كله وأنهم تعاملوا معه وأنهم رجحوا وأنهم أعملوا عمليات دقيقة علمية لا من أجل الفرار من هذه بل من أجل الفهم الحسن ودرء كل فهم سيء من أجل أن يقدموا للأمة خلاصة فهومهم لهذه النصوص.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور يعني في العقود الأخيرة ساد ما يسمى بالفقه المقارن في كليات الشريعة والمعاهد الدينية يعني إلى أي مدى أيضا ساهم هذا الفقه الجديد في التقارب بين المذاهب وفي كسر حدة التمذهب؟

وهبة الزحيلي: أقول بكل صراحة وجرأة إن الفقه المقارن الآن هو أحسن منهج يعبر عن حيوية الفكر الإسلامي ويبين الرأي الراجح من المرجوح وهذه الظاهرة الطيبة ليست فقط في فقهنا وإنما حتى في القوانين أحدثت كراسي للدراسات القانونية المقارنة ونحن حينما نرحب بالفقه المقارن وجمع أدلة المذاهب وبيان الراجح منها من المرجوح هو في الحقيقة أدى إليه الفقه المقارن وبالتالي حقق أثرا طيبا وهو انتشال وانتزاع العصبية المذهبية لأن الانغلاق على مذهب واحد أدى إلى ضيق الأفق وضيق الفكر وأما الفقه المقارن أطلعه على آراء أخرى مما سلب عنده هذه العصبية المذهبية وحقق التطور والانتقال إلى عالم أفضل وهو ما يحقق مصلحة الأمة ويكون متفقا مع الدليل الراجح وهذا ما حققه الفقه المقارن في الدراسات الجامعية ونحن نؤكد أن هذا الفقه من أحسن ما ينبغي العناية به لنتخلص من دائرة التعصب.

عثمان عثمان: نعم. فضيلة الشيخ مصطفى أيضا المجامع الفقهية الإسلامية اليوم تجاوز الإطار المذهبي بسبب وجود يعني تخصصات كثيرة مذاهب متعددة، ما الدور الذي لعبته أيضا هذه المجامع الفقهية في كسر حدة التمذهب؟

مصطفى بن حمزة: لا شك أن الذين يشكلون عضوية هذه المجامع هم علماء والعلماء يستحضرون كل الأقوال وشواهد الأقوال وأدلة الأقول وبالتالي فهم يتصرفون وهم يأخذون بالأوفق والأصلح، فهذا الأمر لا غبار عليه حينما يتعلق الأمر بفعل العلماء ولا شك أن المجامع الفقهية الآن قدمت الفقه الإسلامي الآن تقديما شيقا وجميلا وما يطبع الآن من مجلات البحوث الفقهية هو شيء مهم جدا ويمكن للمسلم أن يقرأه الآن وفيه عمق وفيه استدلال ومجموع تقريبا أو أكثر المجلات الفقهية المتخصصة تقدم هذا النموذج الجيد، فأعمال المجامع الفقهية أعمال متخصصة وأنا ماذا أقول؟ أقول إن المذاهب الفقهية القديمة هي مجامع قديمة، مجامع صغيرة قديمة ثم شاء الله تعال أن يأتي الآن هذا الظرف الذي تجتمع فيه هذه المجامع في كتلة واسعة لتتبادل الآراء ولتخرج بالآراء التي ترها مناسبة لروح العصر ولمقتضيات هذه المرحلة.

عثمان عثمان: نعم. فضيلة الدكتور يعني المذاهب كانت كثيرة ومتعددة لم يبق منها الآن إلا أربعة مذاهب هل ترون أنه سيصيبها ما أصاب المذاهب الأخرى من اندثار؟

وهبة الزحيلي: أولا أؤكد لكم أن هذه القضية المتعلقة بالفقه المقارن وما حققه من آثار طبية وما تفضل به فضيلة الدكتور مصطفى بن حمزة في واقع الأمر حقق نتاجا طيبا وأؤكد أنني عضو في كل هذه المجامع الفقهية، هم يقدمون أبحاثا لا تخرج عن المذاهب على الإطلاق وإنما ظهرت ظاهرة جديدة وهي الاجتهاد الجماعي وهذا الاجتهاد الجماعي من خلال المناقشة والموازنة ويظل البحث محل رد وأخذ حتى نصل إلى ما هو الأفضل وإلى ما يحقق مصلحة الأمة، فإذاً وجود هذه المذاهب هي في الأصل تنطلق من المذاهب الإسلامية، فقضية السؤال الذي طرحته..

عثمان عثمان (مقاطعا): يعني في دقيقة واحدة فضيلة الدكتور مستقبل هذه المذاهب هل ستندثر كما اندثر غيرها؟

وهبة الزحيلي: على الإطلاق هذه المذاهب ما تزال لها مكانتها وهيمنتها ولا يمكن أن تندثر بحال من الأحوال وهي نعمة وليست نقمة ولم يقدم الجدد ولا المعاصرون لا من أساتذتنا الكبار ولا من غيرهم بدائل عن هذه المذاهب، فإذاً أريد أن أؤكد لك أن هذه المذاهب هي خير والاختلاف فيه رحمة ويحقق مصلحة الأمة وقد يضيق الإنسان برأي مذهبي معين فيقلد ومسموح له شرعا أن يقلد مذهبا آخر فيما يحق الضرورة أو الحاجة له وهذا من ثمرات هذه المذاهب ووجود الاختلافات فيها فحيث انقطع الوحي ولم نعد نعرف ما هو الرأي الصائب فحينئذ يكون تقليد كل إمام فيما لا يقول به الآخر هو تقليد مشروع ومأذون به شرعا.

عثمان عثمان: فضيلة الشيخ مصطفى يعني هل ترون أن مسألة المذاهب الفقهية مستقبل هذا التمذهب سيقتصر على الجامعات والدراسات الأكاديمية كجزء من تاريخ الفقه الإسلامي؟

مصطفى بن حمزة: يبدو لي أن المذاهب الفقهية مرشحة الآن للبروز من جديد لأن مرحلة الخمول انتهت، فلذلك ستعود هذه المذاهب من جديد بواقع الضرورة لأن هذا الاختلاف وما أدى إليه لا بد أن يعيد الناس للمذاهب وهذه المذاهب لا بد أن تعاد من خلال بيان الأصول الاجتهادية من أجل أن يفهم الناس كيف نشأت الأقوال من أجل أن يحترم الناس الأقوال الأخرى من أجل أن يتعاونوا على البر والتقوى.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور كلمة أخيرة في ثلاثين ثانية.

وهبة الزحيلي: الكلمة الأخيرة أننا ينبغي أن تكون منصفين لقول الله جل جلاله {..وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ..}[الأعراف:85] فما قدمه أئمة المذاهب لن تخلفهم الدنيا ولن يكون هناك واحد مهما ادعى وإلى الآن لم نجد واحدا من كبار أعلام العصر قد حقق مثلما حققه أحد أئمة المذاهب فلذلك تقتضي الحكمة والوفاء والالتزام بما يحقق الخير لهذه الأمة أن نبقى في دائرة هذه المذاهب بشرط أن ننفتح على الجديد وأن نحقق طموحات هذه الأمة وألا ننغلق عليها لأن الحياة الحديثة تقذف بعشرات ومئات المسائل الجديدة ولا يمكن حلها بحال من الأحوال إلا بطريق هذا التجديد وهذا الاجتهاد الذي يغطي حاجات الأمة في كل زمان ومكان.

عثمان عثمان: أشكركم فضيلة الشيخ الدكتور وهبة الزحيلي عضو المجامع الفقهية الإسلامية، كما أشكركم أيضا فضيلة الشيخ مصطفى بن حمزة كنت معنا من المغرب، أشكركم جميعا على حضوركم معنا، يعني أيضا نشكر فريقي عمل هذا البرنامج في مكتب دمشق وفي الدوحة أيضا، لكم مشاهدينا الكرام تحية معد البرنامج معتز الخطيب وسائر فريق العمل دمتم بأمان الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.