- تحديات الفقه الإسلامي في الغرب
- دور الالتزام بالفقه في تميز الشخصية الإسلامية

- فقه الأقليات وأثره على مسلمي الغرب


عثمان عثمان
عبد الله بن بيه
سلمان العودة
 عبد المجيد النجار

عثمان عثمان: مشاهدينا الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أهلا ومرحبا بكم في هذه الحلقة الجديدة من برنامج الشريعة والحياة والتي تأتيكم من اسطنبول، يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز {..وَمَن يَعْتَصِم بِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}[آل عمران:101] ويقول عز من قائل {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ..}[المائدة:49] يواجه المسلمون في الغرب تعقيدات متزايدة تتطلب اجتهادا فقهيا ملائما بحيث يحافظ على استمرار سلطان الدين والتدين حتى لا يتحول الفقه إلى آصار وأغلال تشل حركة المسلم الذي يعيش في الغرب ويواجه تحديات ومغريات كثيرة، فما ضرورات الوجود الإسلامي في الغرب؟ وكيف تجاوب العلماء مع المشكلات الفقهية التي تعترض مسلمي الغرب؟ وما حقيقة فقه الأقليات؟ "تطبيقات الفقه الإسلامي في الواقع الغربي" موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة والتي نستضيف فيها كل من فضيلة الشيخ عبد الله بن بيه وفضيلة الدكتور عبد المجيد النجار وفضيلة الدكتور سلمان العودة وكلهم أعضاء في المجلس الأوروبي للافتاء والبحوث، مرحبا بكم سيدي وضيوفنا الأفاضل. فضيلة الشيخ يعني لو نبدأ معكم، الفقه الإسلام نشأ محكوما إلى تصورات وواقع وسلطة إسلامية، يعني ما هي التحديات التي تواجه الفقه الإسلامي خارج أرضه إن صح التعبير؟

تحديات الفقه الإسلامي في الغرب

عبد الله بن بيه: بسم الله الرحمن الرحيم، الله صلي وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما. التحديات يمكن أن نقول إن كل فقه وكل عمل وكل فكر يواجه دائما تحديات عندما يلتقي ببيئة أخرى وينتقل إلى مجالا آخر، خذ مثلا الفلسفة اليونانية عندما نزلت في ساحة العالم الإسلامي فإنها واجهت تحديات في علم الكلام، على أساس ملاءمته بين هذه الفلسفة وبين مقولات دينية، ثم لما انتقلت بعد ذلك الفلسفة الإسلامية إلى الغرب واجهة تحيدات أخرى لأنها انتقلت إلى بيئة لها معتقدات وخلفيات فكرية ليست هي كتلك المعتقدات والخلفيات. الفقه الإسلامي نشأ في بيئة مسلمة وبالتالي الظروف والشروط التي تحكم هذا الفقه لا شك أنها تختلف من بيئة إسلامية إلى بيئة غير إسلامية، لكن لحسن الحظ أن الفقه الإسلامي يشتمل على نوعين من الخطاب، على خطاب التكليف وخطاب الوضع، خطاب الوضع يقيد خطاب التكليف ويطلقه ويعممه ويخصصه لأنه عبارة عن الشروط والأسباب والموانع، هذه المرونة الحاصلة بمزج خطاب التكليف بخطاب الوضع تجعل الفقه الإسلامي قادرا على مواجهة كل البيئات لأن شروط تطبيق الأحكام في كل بيئة يستجيب لها الفقه، أو الموانع من التطبيق أو الأسباب الحاملة على التطبيق، لأوضح الفكرة أقول إن الأحكام معلقة حتى تجد واقعا مشخصا لتقع عليه، المهم هو مرونة الفقيه، كيف يستيطع الفقيه أن يطبق هذه الأحكام على هذا الواقع، هنا يختلف الأمر لأن الأحكام كانت تطبق في واقع آخر وبالتالي الموروث الذي يتلقاه الفقيه قد يربكه عندما يجد بيئة أخرى، لكن يبقى أن هذه الأحكام يمكن أن تطبق بشروط وأسباب وموانع، يلاحظها الفقيه عندما يجد بيئة معينة.

عثمان عثمان: في البيئة الغربية الآن هناك تحديات لا شك في موضوع تطبيقات الفقه الإسلامي، أبرز هذه التحديات.

عبد الله بن بيه: التحديات كبيرة، أولا هناك قوانين هي منافسة للفقه الإسلامي، لأن المجالات التي تنطبق فيها هذه القوانين هي نفس المجالات التي ينبغي أن ينطبق فيها الفقه، إذاً الفقه كقانون يطبقه المسلم في حياته وفي معاملاته يجد أمامه قانونا آخر ينطبق على نفس القضايا وهو يناقض أو ينافي أو لا يلائم تماما يعني بحسب درجة العلاقة بينه وبين الفقه الإسلامي، فهذا أكبر تحد، تحد ثان هو أن البيئة الغربية بيئة لا تعرف يعني فلسفتها هي أن الإنسان يشرع لنفسه وبالتالي لا يقطع في تشريعه لشيء، لما ورائي أي للتشريعات السماوية، التحدي الثالث هو الأعراف والتقاليد في هذه البلاد هي أعراف وتقاليد تختلف كليا أو جزئيا ولكن الغالب أنها تختلف بقوة عن الأعراف والتقليد في العالم الإسلامي.

عثمان عثمان: نعم، يعني هذه أبرز ثلاث تحديات تواجه الفقه الإسلامي في الواقع الغربي، فضيلة الدكتور سلمان العودة يعني لماذا الفقه الإسلامي؟ ما الوظائف المتوخاة من هذا الفقه هل هي نفسها مطلوبة في الغرب؟

سلمان العودة: بسم الله الرحمن الرحيم. هو الفقه كما هو معروف هو معركة الأحكام الشرعية من أدلتها من نصوصها، وحينما نقول الأحكام فإننا نقصد بذلك هو الموقف الشرعي من المجريات ومن الأحوال ومن النوازل ومن فعل الإسلام، فلذلك الفقه الإسلامي هو فرع عن الشريعة هو طبعا في الأصل يشمل كل المعارف الشرعية كانت فقها، ثم أصبح يطلق على الأحاكم التفصيلة على وجه الخصوص في قضية الحلال والحرام والفتوى واحتياج الناس إليها. المسلمون في الجملة عندهم قدر من الالتزام لأن كونه متدينا يعني أن عنده قدر من الالتزام بأحكام الله، لكن هناك قطاع عريض جدا من المسلمين ربما يلتزمون في قضايا تعبدية أو في كليات وكثير من التفاصيل ربما يفعلونها بمقتضى المزاج أو الذوق أو الثقافة السائدة عندهم أو الهوى أحيانا ويكون فيها الخطأ وفيها الصواب، ولذلك لا شك أن الحياة أوسع من الفقه بكثير، من حيث الفعل، وهذا الفعل الذي يعمله الناس سواء كان خطأ أو صواب له تأثير وله مردود في النهاية فمن هنا حتى في البيئات الإسلامية تجد آثارا لم يكن الفقه الإسلامي هو الذي صنعها ولكنه يحتاج إلى أن يعالجها، هي نتيجة بعض أخطاء من الناس سواء أخطاء من الحكام أو من العامة أو من التجار أو من الشباب أو من المرأة، ولكنها تحتاج إلى معالجة فإذا انتقلت إلى بيئة أخرى هي أصلا بيئة غير إسلامية وقامت على نظام غير النظام الإسلامي سواء في إدارتها السياسية أو في ثقافتها أو في الإعلام الذي أصبح يهيمن على..

عثمان عثمان:  الحياة الاجتاعية والاقتصادية حتما.

سلمان العودة: الحياة الاجتماعية أيضا وطبيعة العلاقات والعقود، الحياة الاقتصادية أيضا والنظام الاقتصادي العام، فهذه البيئات الغربية سواء في أوروبا أو في الولايات المتحدة الأميركية أو في أي مكان في العالم هي مجتمعات لها قوة ولها تيار قوي جدا، المسلمون موجودن في أوروبا، وليسوا طارئين على أوروبا، وإنما كثير منهم هم مواطنون ومن أوروبا نفسها يعني من المسلمين الأوروبيين أو من الأتراك والعرب الذين..

عثمان عثمان:  خاصة في كوسوفو والألبان..

سلمان العودة: أو من الأتراك والعرب والجنسيات التي هاجرت إلى أوروبا واستقرت هناك وأصبحت تنتمي إلى ذلك المجتمع، فمن هنا في طبيعة الحال هي تواجه وضعا مختلفا عما تواجهه في مجتمعاتها الأصلية، لأن المجتمع الأصلي حتى لو كان فيه بعض التفريط أو التقصير وهذا شيء طبيعي وأصبح مألوفا في أي مجتمع إلا أن المجتمع مثلما نجده نحن هنا في تركيا حيث تبث هذه الحلقة تسمع أصوات الآذان ترى المساجد ترى عددا من القيم الإسلامية، انتشار الحجاب إلى حد ما والقوانين تتساوق شيئا فشيئا مع رغبة الناس وطموحهم وإصرارهم وإرادتهم، لكن في الغرب قد يواجهوا مشكلات مختلفة، نجد في أوروبا قضية الحجاب، قضية النقاب، قضية أكل الحلال، في مسائل كثيرة جدا، طبعا على الصعيد الشخصي للمسلم العادي دعك من المسلم الذي لديه طموح أن يكون مؤثرا وفاعلا في تلك المجتمعات.

عثمان عثمان: وظيفة الفقه في التعامل مع مثل هذه الحالات هو ضبط هذه الحالات وفق شرع الله عز وجل.

سلمان العودة: هذا صحيح، يعني الفقه هنا سيكون هداية للمسلم الذي يريد أن يعرف الحلال والحرام لأنه في مجتمع آخر، مجتمع غير إسلامي، فهو يبحث عن الحلال في المأكل في المشرب في الدخول في الخروج في البيع في الشراء في اللباس، في أشياء كثيرة جدا يبحث عن الحلال والحرام فيها يعني.

عثمان عثمان: فضلة الدكتور عبد المجيد النجار يعني الإسلاميون بدوا حريصين في كل وقت على الانتشار الإسلامي في الدول الغربية، ما هي ضرورات هذا الانتشار، ما هي مقاصده؟

عبد المجيد النجار: بسم الله الرحمن الرحيم.يعني وجود المسلمين في البلاد الغربية وفي أوروبا خاصة لم يكن يعني وجودا مخططا بقصد مسبق، وإنما الظروف عبر سنوات وسنوات هي التي أدت إلى هذا الوجود الإسلامي سواء تمثل في المسلمين الأصيلين في البلاد مثل المسلمين الموجودين في أوروبا الشرقية أو في هجرات متتالية بأسباب مختلفة إلى أوروبا الغربية من قبل المسلمين، فهذا التراكم في وجود المسلمين في الغرب أفضى إلى حجم متزايد وربما حتى مستارع في تزايده في أوروبا فأصبح عدد المسلمين في أوروبا لا يقل عن خمسين أو ستين مليون من المسلمين.

عثمان عثمان: طبعا نتحدث أوروبا الشرقية وأوروبا الغربية.

عبد المجيد النجار: نعم. هذا الوجود كان في أول الأمر شبه وجود فردي يعيش المسلمون فرادا، ولكن بالتطور والتراكم أصبح هؤلاء المسلمون يعيشون جماعة، وأصبحت لهم حاجات جماعية سواء في عباداتهم أو في معاملاتهم، وهذا اقتضى لكي يكونوا مسلمين اقتضى منهم أن يكون لهم فقه يراعي هذه الأحوال الجديد وهذه الأوضاع التي هم فيها أقلية مسلمة كما تفضل الشيخان منذ حين باعتبار أنهم أصبحوا مسلمين يريدون أن يكونوا مسلمين في حياتهم ولكنهم يعيشون في مجتمع يحكمه سلطان القانون بل وسلطان اجتماعي وثقافي قد يختلف كثيرا أو قليلا بل قد يتناقض كثيرا أو قليلا مع مقتضيات الفقه الإسلامي والشرع الإسلامي.

عثمان عثمان: دكتور يعني حتى لا نخوض في تفاصيل هذا الموضوع إنما نؤخره لمرحلة لاحقة، ضرورة وجود الإسلام في الغرب، يعني في الأول كان الهجرة فردية أو وجود فردي الآن نتحدث عن وجود جماعات ومجتمعات يعني هل لهذا الوجود غايات ووظائف معينة؟

عبد المجيد النجار: بطبيعة الحال الوجود الإسلامي في الغرب وقد أصبح على هذه الحجم غايته أول ما تكون الغاية هو أن يكون هؤلاء المسلمون مسلمين يطبقون شريعة الله في حياتهم وفي معاملاتهم ثم بعد ذلك هؤلاء المسلمون بهذا الحجم وبهذا التمدد أصبحت لهم رسالة المسلم أينما كان فهو شاهد على الناس فما بالك إذا كان مثل هذا الحجم فهم ينبغي أن يكونوا ومن مقاصدهم التي ينبغي أن يأخذوها بعين الاعتبار أن يكونوا شهداء على الناس باعتبار وعلى معنى أن يقدموا للمجتمع الذي يعيشون فيه انموذجا حضاريا في مجالات حياتهم المختلفة يكون على مرأى ومسمع قريب من أهل البلاد الأوروبية ليعرف هؤلاء الأوروبيون هذا الإسلام عيان ومعاشرة وملاحظة قريبة عوضا أن يسمعوا به من خلال كتابات ومن خلال أقوال قد تكون ناقلة للإسلام على غير حقيقته.

عثمان عثمان: دكتور يعني أنتم في أوروبا لمدة أكثر من عقد ربما من الزمن، ما هي أبرز التحديات التي تواجه الوجود الإسلامي الآن في أوروبا؟

عبد المجيد النجار: تحديات كثيرة وكثيرة جدا، تحديات أسرية إذ الأسرة في المجتمع الغربي المجتمع الأوروبي تتعرض لتحديات في هذا المجتمع الذي قيمه وثقافته وطرقه في الحياة مخالفة لمقتضيات الأسرة الإسلامية هناك تحديات اقتصادية كبيرة إذا القانون الذين يحكم هذه الحياة الاقتصادية يقوم على الاقتصاد الغربي الذي يجد أو يكون فيه يعني تناقضات أو مناقضات كثيرة لمقتضيات الاقتصاد الإسلامي، فإينما التفت في حياة المسلم فإنك تجد تحديات ولكن بمرور الزمن كما قلت وبنضج المسلمين وبمؤسسات قامت إسلامية شرعية فقهية ترشدهم أصبحت هذه التحديات تعالج بمرور الزمن شيئا فشيئا.

دور الالتزام بالفقه في تميز الشخصية الإسلامية

عثمان عثمان: فضيلة الشيخ عبد الله بن بيه يعني يبدو من حديث الدكتور النجار أن معظم المشكلات التي يواجهها المسلمون في الغرب هي ذات طابع فقهي، هل بالفقه وحده تحيا الجماعة، هل الشخصية الإسلامية تتميز عن غيرها بالالتزام بالأحكام الفقهية؟

عبد الله بن بيه: بالتأكيد هي ذات طابع متشعب، هي شعب كثيرة، منها مشكلة البطالة، مثلا المسلمون قد لا يجدون عملا، منها مشكلات الاندماج في المجتمع والعلاقات مع المجتمع والتمييز العنصري في التوظيف، لكن الجانب الذي نتحدث عنه هنا هو الجانب الفقهي أو جانب الدين في حياة الإنسان، جانب الدين في حياة الإنسان هذا جانب له أهمية كبرى بالنسبة للمسلم وبينما في الغرب لا يقيموا وزنا لهذا الجانب، المسلم يستفتي عن كل شيء لأنه يرى أن المرء عليه ألا يعمل عملا حتى يعلم حكم الله فيه، وهو يستفتي في أحكام العبادات والصلاة والصوم والحج والزكاة لكنه يستفتي أيضا في أحكام الزواج والطلاق والعلاقة مع الأبناء والعلاقة مع الأصهار وكل هذ هالجوانب يسأل عنها كما يسأل أيضا عن المعاملات عن القضايا الربوية، كيف يتعامل مع البنوك كيف يتعامل بقضايا فيها غرر وجهالة، مفسدات العقود التي لا تقيم لها القوانين الوضعية وزنا، طبعا المشكلات كثيرة، طبعا الفقهية معناها الأحكام الشرعية، يعني الفقه هو العلم بالأحكام الشرعية الفرعية التي ترجع إلى الاجتهاد، هذا التعريف الذي رسا عليه الفقه متأخرا لأن الفقه نشأ في نهاية القرن كمدونات، يعني بعد القرن الأول بدأ تدوين الفقه مستقلا عن الحديث وعن القرآن، فهذا الفقه لحسن الحظ هو اجتهاديات، أكثره اجتهاديات القطعيات أو القواطع قليلة والاجتهاديات هذه تسمعه بتبييئه –إذا صح التعبير- في بيئات مختلفة، التكيف مع هذه البيئات، يقول ابن رشد رحمه الله تعالى إن لله أحكاما لم تكن أسبابها قائمة فإذا وجدت هذه الأسباب نزلت الأحكام عليها، ويقول كذلك عمر بن عبد العزيز تحدث للناس أقضية بحسب ما أحدثوا من الفجور، إذاً هذه القضايا على الفقيه أن يوجد حكما لها، ليس بالشرط أن يكون على الحكم في طريق التيسيير، الحكم قد يكون تيسييرا لكنه قد يكون أيضا ضد التيسيير، التيسيير يجب أن يكون منضبطا.

عثمان عثمان: الالتزام بالأحكام الفقهية فضيلة الشيخ ما دوره في إبراز الشخصية الإسلامية سواء للفرد أو للجماعة؟

عبد الله بن بيه: هو مهم جدا أن الإنسان تكون له خصائص ومقومات وقيم يؤمن بها لأنه بدون هذه القيم يفقد هويته الأصلية وبالتالي يذوب ويندمج في المجتمع اندماجا عشوائيا إذا صح التعبير، اندماجا أعمى وبالتالي الآن هناك المشكلة الاقتصادية الآن في الغرب بعض الغربيين وأظن سمعتها من الدكتور عبد المجيد الذي هو معي وقد يصحح، قال لهم أيها المسلمون احتفظوا بخصائصكم في المعاملات المالية لأن هذه أفضل، عليكم ألا تتنازلوا عنها لأن الغرب الآن مقبل على المصرفية الإسلامية على المالية الإسلامية بسبب الفلس الذي وقع في الأزمة الاقتصادية الكبرى والتي مردها إلى بيع الديون ومردها إلى الغرر والجهالة، القمار، ومردها إلى الربا، هذه كلها هي المفسدات التي وضعها الشارع وقال هذه لا يجوز التعامل بها، الغربيون الآن أفاقوا ووجدوا أنفسهم في اقتصاد لا يمكن أن يكون بسبب هذه العيوب وبسبب هذه الأمراض، فبدأ بعضهم عقلاء أو رجال فكر أو رجال اقتصاد بدؤوا يلجؤون إلى الاقتصاد الإسلامي، محل الشاهد أن الخصائص هذه يجب ألا يتنازل عنها الإنسان، بمعنى كلما هبت ريح لا يجوز لنا أن نرمي أوراق الشجرة أو نرمي الريش إذا كان عندنا ريش، علينا أن نحاول أن نقف أمام هذه الريح ولكن بشيء من المرونة أن نميس مع هذه الرياح بشيء من المرونة، فقه الأقليات..

سلمان العودة: أصلها ثابت وفرها في السماء.

عثمان عثمان: نعم. فقه الأقليات يوفر هذه المرونة، يوفر المخارج لهذا كان فقه الأقليات حدثا هاما جدا لأنه هو فرع هذه المخارج للمسلمين وعلمهم كيف يسيرون وكيف يتعاملون فيما بينهم وكيف يتعاملون مع الآخر وبالتالي أبان لهم السبل وأوضح لهم الطريق.

سلمان العودة: أحب بس أستاذ عثمان أولا مسألة التحديات قبل ما أنسى.

عثمان عثمان: تفضل.

سلمان العودة: أعتقد أن هذا لون من التحديات ولكن في لون آخر وهي التحديات التي حملها المسلمون معهم إذا كانوا قادمين من بلاد أخرى وهذه لا تقل خطورة فأنت تجد أن كل العيوب الموجودة في البلاد الإسلامية والمجموعات الإسلامية سواء كانوا من البلاد العربية أو من الهند أو بنغلاديش أو من تركيا أو من إيران أنهم حملوا معهم عيوبهم وحملوا معهم جوانب من الثقافة السلبية الموجودة هناك، ولذلك تجد مثلا من أكثر التحديدات قضية الخلاف بين المسلمين، لما ننظر مثلا في قضية الهلال دخول رمضان وخروج رمضان، أحيانا في البلد الواحد يعني يصومون على فترات ثلاثة أيام، أو يعيدون عيد الفطر في أيام مختلفة، حتى العيد كيف يفرحون به أو العبادة كيف يؤدونها لم يصل المسلمون إلى نوع من الاتفاق بينهم، هذا فقط نموذج وطبعا في جوانب أخرى مثلا لو نظرنا في قضية الزواج، الزواج تحدي صعب جدا في الغرب، كيف يتزوج الإنسان الشباب والبنات الذين أمامهم المغيرات يعني تقول هيت لك في كل مكان، مع ذلك فكرة التزويج كيف يمكن أن تتم، يا أخي بعض المسلمين تجد أنه يخطط أنه إذا البنت بلغت يحاول أن يرجع بها إلى بلدها حتى يزوجها هناك.

عثمان عثمان: وهذه تحصل كثيرا.

سلمان العودة: أو إذا أراد الولد أن يتزوج يقول له ترجع إلى بلدك لتتزوج من بلدك. وخلال هذا يقع الكثير من الانحرافات وكثيرا من الأخطاء، فهذه نقطة، قضية التحديات التي حملها المسلمون معهم من بلادهم وربما حتى لم يستفيدوا من البيئة الأوروبية، أوروبا هنا طورت نظاما راقيا في قضية التعامل مع التعدد والاختلاف ولذلك نجحت في ضبط هذه الخلافات ولجمها وتحويلها إلى مصلحة.

عثمان عثمان: هذه النقطة الأولى فضيلة الدكتور، النقطة الثانية ربما نتابعها بعد الفاصل. فابقوا معنا مشاهدينا الكرام نعود إليكم بإذن الله بعد الفاصل.

[فاصل إعلاني]

عثمان عثمان: مشاهدينا الكرام أهلا وسهلا بكم من جديد إلى هذه الحلقة الجديدة من برنامج الشريعة والحياة والتي تأتيكم من اسطنبول وعنوانها تطبيقات الفقه الإسلامي في الواقع الغربي. فضيلة الدكتور كنتم تتحدثون عن تحديات تواجه المسلمين في الغرب، تحديات حملوها معهم. النقطة الأخرى؟

سلمان العودة: نعم. كان عندي نقطة أخرى وهي أن سماحة الشيخ عبد الله بن بيه ذكر كلمة عمر بن عبد العزيز الذي يقول يجد للناس من الأقضية بقدر ما يجد لهم من الفجور، وهذا كأنه يشير إلى عملية الردع أحيان أو المنع، منع الناس من الحمى أو الكلأ المسموم بسبب وجود الدوافع والمغريات لهم، ولكن في الوجه الآخر الذي أيضا ذكره الشيخ..

عبد الله بن بيه: كما تحدث لهم ترغيبات بحسب ما أحدثوا من الفتور.

سلمان العودة: من الفتور، أي أبو سعيد بن لب الذي هو شيخ الشاطبي

عبد الله بن بيه: نعم تمام.

سلمان العودة: يقول يحدث للناس ترغيبات بقدر ما يحدث لهم من الفتور، وهذا حقيقة ممكن أن يكون فتح في الفقه الإسلامي، أن الفقه ليس فقط ملاحقة أحوال الناس في القضايا التفصيلية بل الفقه ممكن أن يصنع دافعية للناس، الغرب عالم يضج بالابتكارات عالم الثورات التقنية المتلاحقة التي شهدتها أوروبا ثم انتقلت إلى أميركا ثم انتقلت إلى اليابان وفي الماضي تجد عبر مثلا سبعة آلاف سنة ربما يمر الناس بقرون متطاولة دون أن يكون عندهم جديد، لكن الآن كل بضع سنوات ربما يكون هناك ثورة تقنية جديدة يشهدها العالم وتغير وجه التاريخ ووجه الحياة الإنسانية في كل بلاد العالم، فالحق يقال إنني أعتقد أن مهمة الفقه لا يجب حصرها في جزئيات معينة بل ينبغي أن تتطور من أجل تصنع دافعية عند المسلم خاصة في الغرب أن يشعر بالتحدي، لا ينظر، لأن الواقع كثيرا من المسلمين ينظرون إلى الغرب على أنه ذلك الغرب الكافر، بينما في الواقع أن هذه الحضارة هي ليست حضارة كافرة، هي تراكم إنساني، هي إنتاج رائع لإبداع الإنسان عبر عصور متطاولة والعرب الفراعنة المصريون المسلمون اليونان الكل ساهم في إبداع هذه الحضارة وإنجازها فليست هي محمدة لفرد دون آخر أو شعب دون غيره، ومن هنا النظر إلى الجوانب الإيجابية في تلك الحضارة والدخول في ميدان المنافسة أعتقد أنه مهمة جسيمة من مهمات الفقه.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور يعني كان الحديث وما زال عن الأقليات الإسلامية في الغرب طبعا هذا المصطلح ربما يثير إشكالات مع الأنظمة الحاكمة في الغرب، الحديث عن فقه الأقليات والذي بشكل أو بآخر يميز المسلمين في الغرب عن غيرهم ويعكر المواطنة إذ كيف يكون المسلمون جزءا من أمة إسلامية كبيرة وفي نفس الوقت يعني هؤلاء المسلمون جزء من الدولة التي يعيشون فيها؟

سلمان العودة: هو هذه مشكلة فعلا أنا أعتقد أن الإعلام الغربي مسؤول جزئيا عن هذه القضية، في الأسبوع الماضي أو هذا الأسبوع الذي نحن فيه في أميركا في زوبعة شديدة حول فتوى تتعلق بتعامل المسلمين ومواقفهم في قضايا شخصية، بينما ربما القانون القانون نفسه يضمنها لهم من حيث الأصل لكن الإعلام أحيانا وخاصة إذا كان إعلام هوليودي أو إعلام يسيطر عليه بعض الصهاينة يحاول أن يبدو المسلمون كما لو كانوا جزيرة مستقلة في وسط هذا البحر المحيط بهم، وإلا هذه أشياء حقوق لهم تتعلق مثلا بجوان شخصية جوانب تعبدية جوانب مهمة ودينية للمسلمين يفترض أن القانون يحفظ لهم تلك الحقوق وأظن أننا حينما نتكلم عن فقه الأقليات لا يجب أن يذهب بنا الظن بعيدا أن فقه الأقليات يعني فعلا صناعة أسوار للمسلمين، بالعكس فقه الأقليات هو ذلك الفقه الذي يساعد المسلمين على التكيف وعلى الاندماج والتعايش في المجتمعات الغربية دون أن يفقدوا هويتهم الإسلامية ودون أيضا أن يتحولوا إلى حالة من الجمود والانكفاء على الذات.

فقه الأقليات وأثره على مسلمي الغرب

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور يعني هناك كما ذكرتم تحديات كثيرة تواجه المسلمين تثير مشكلات حتى مع الآخرين بفضل الخصوصيات الإسلامية يعني نتحدث عن إظهار الشعائر والرموز الإسلامية كالمآذن والخمار، نتحدث مثلا عن ازوداجية الشريعة والقانون، العمل في محلات بيع الخمور وغيره والبنوك الربوية، يعني هناك مسائل كثيرة كيف تتعاملون من خلال وجودكم في الغرب مع مثل هذه الإشكالات والمسائل؟

عبد المجيد النجار: نتعامل معها بهذا الفقه الذي نتحدث عنه والذي سميناه وسمي بفقه الأقليات فهذه أوضاع قد يجد المسلم فيها فردا أو جماعة في حرج أو في ضرورات وأحيانا في مخالفات لما تقتضيه أحكام الشرع فبالتالي لا بد من أن تكون له أحكام شرعية تعالج هذه الأوضاع وهذه الحالات ومن هنا حدث منذ بعض الزمن هذا المصطلح الذي هو مصطلح فقه الأقليات، ولا مشاحة في المصطلحات، هذا الفقه أمر ضروري وأمر مشروع بالرغم من أن البعض له احترازات من هذا المصطلح.

عثمان عثمان: هناك من سماه دينا جديدا.

عبد المجيد النجار: نعم. إلا أن هذا الفقه ينبغي أن نتصور -فقه الأقليات- أنه ليس فقها معزولا أو مبتوتا عن الفقه الإسلامي بل هو ضمن الفقه الإسلامي في مقاصده في أصوله في قواعده، ولكنه فصل من فصول هذا الفقه، كما نجد فقه المسافر وفقه المرأة الذي يعتبر ويأخذ بعين الاعتبار لحالات تتعلق بهذه الأصناف من المسلمين فإننا نجد فقه الأقليات الذي يتعلق بهؤلاء المسلمين من ذوي الخصوصيات في أوضاعهم الحياتية إلا أننا نحن الآن وربما نتحدث بعد قليل عن المجلس الأوروبي للافتاء أصبحنا نفهم ونعمل في فقه الأقليات على أنه ليس فقها يقتصر فقط على الفتوى الجزئية المتعلقة بتفاصيل صغيرة من حياة المسلمين وهي مهمة، كتفاصيل بعض العبادات أو بعض أحكام الأسرة، بل مع هذا وهو أمر ضرورية أصبحنا نفهم وندعوا ونتجه في فقه الأقليات إلى وجهة كان منذ حين يتكلم عنها فضيلة الدكتور سلمان وهي ما سميناه أحيانا بالفقه الحضاري، بمعنى أننا نريد أن نوجه المسلمين في أوروبا بفقه وبفتاوى تدفعهم لأن يكونوا شركاء حضاريين في هذا المجتمع الذي يعيشون فيه بحيث يوائموا حياتهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية مواءمة إسلامية فينتجون، فيصبحون بهذا التوجيه الافتائي أو الفقهي يصبحون منتجين ومعمرين ومشتركين مع دولة المجتمع في التنمية الحضارية والتنمية الإنسانية بأبعادها المختلفة.

عثمان عثمان: ولكن ألا ترون أن فقه الأقليات فضيلة الدكتور ربما يؤثر على عالمية الإسلام؟

عبد المجيد النجار: لا، لا يؤثر على عالمية الإسلام، الإسلام هو عالمي والفقه الإسلامي يشمل هذه العالمية بأبعادها المختلفة ولكن هذا الفقه ضمنه فروع وفصول تراعي الأوضاع التي يكون عليها المسلمون في هذا المكان أو ذاك في هذا الوضع أو في ذاك، فالعالمية قائمة ولكن بمقتضى تنوع العالمية يكون تنوع هذه الفصول من الفقه في نطاق الفقه الإسلامي العام في مقاصده في قواعده في أصوله.

عثمان عثمان: يعني فضيلة الشيخ عبد الله بن بيه طبعا نعرف أن فقه الأقليات تعرض لسهام هناك انتقادات من البعض لهذا الفقه، لو أردنا أن نؤصل المسألة علام تأسس فقه الأقليات؟ ماهي الأسس التي قام عليها والقواعد؟

عبد الله بن بيه: فقه الأقليات كما قال الإخوة هو جزء من الفقه الإسلامي لكن بناء على الإكراهات أو الضرورات الخاصة بهذه الأقليات هناك جملة من القواعد تنطبق على هذا، خذ مثلا قاعدة المشقات تجلب التيسير، خذ قاعدة الضرورات تبيح المحظورات خذ قاعدة الحاجات تنزل منزلة الضرورات، خذ قاعدة النظر في المآلات، خذ قاعدة تحقيق المناط في الأشخاص والأحوال، جملة من القواعد هذه القواعد تنطبق في كل الفقه في الأقليات والأكثريات، ولكن مساسها بحالة الأقليات إذا أردنا نجعلها تأصيلا لفقه الأقليات بمعنى أن هذه الإضافة ليست إضافة تؤدي إلى تخصيص كامل بل هي إضافة الشيء إلى ما له به علاقة، العرب يقولون

وقد يضيفون لأجلها ملتبس      
ككوكب الخرقاء لاح بقبس

شاعر يقول

يا كوكب الخرقاء لاح بسحره    
 سهيل أذاعت غزلها بالقرائب

سهيل نجم في السماء نسبه إلى زوجته الخرقاء التي لا تعرف الغزل، فسماه كوكب الخرقاء. ما هي العلاقة بين هذه المرأة.. وفي القرآن الكريم {..عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا..}[النازعات:46] أضاف العشية إلى الضحى، فلا يوجد إشكال، علينا أن نفهم أن هذا الفقه هو عبارة عن فقه إسلامي له مساس بحالات الضرورة والاضطرار وبحالات الحاجات وبحالات المشقات وهو ينقسم إلى فرقين كبيرين، فرق يتعلق بقضايا جزئية وفرق يتعلق بقضايا كلية، وبقضايا أحيانا استصلاحية، بمعنى أن تأصيل هذا الفقه يرجع إلى الأصول المعروفة التي هي الأخذ من الكتاب والسنة مقتضيات الألفاظ أو القياس والمصالح المرسلة وسد الذرائع والاستحسان والنظر في المآلات كل هذه أدلة عامة للفقه الإسلامي ولكن لها جوانب نطبقها في مجالات فقه الأقليات عندما نريد تطبيقها، والفرق الآخر أو الجانب الآخر هو فقه انتقائي بمعنى أننا ننظر إلى أقول العلماء السابقين وآراء السلف لنأخذ منها ما يناسب أحوال هؤلاء، مثلا خذ عندك المرأة تسلم وزوجها نصراني، يعني المذاهب الأربعة يقولون هذا النكاح يبطل سواء فورا أو بعد انقضاء العدة، لكن وجدنا أقوالا بما فيها أقوالا لاثنين من خلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، لعمر وعلي بن أبي طالب يقولون ببقاء هذا النكاح وأنه أصبح نكاحا جائزا وليس لازما، معنى جائزا معناه أنه يجوز لها هي أن تقطع هذا النكاح إذا شاءت، هذا هو معنى الجواز هنا، فنحن أخذنا بهذا بفقه الأقليات، إذا هذا الجانب الانتقائي أي اختيار بعض الأقوال بناء على حاجات وضرورات أقوال قد تكون في وقت من الأوقات مرجوحة ولكنها أصبحت الآن راجحة، كانت مرجوحة لا بسبب عدم الدليل لأنها ليست عالية عن الدليل ولكن بسبب توازن بين الأدلة أو ضعف في جانب من الأدلة.

عثمان عثمان: فعلا يعني هذه مسألة البعض يرى أنها تناقض فقه الدليل والراجح من الأقوال.

عبد الله بن بيه: لا، يجب، القضية هي قضية صناعة، هذا سببه الضيق، ضيق المعرفة وعدم القدرة على رؤية الخارطة الشرعية بكمالها. إذا كان الإنسان يعرف كيف يرجح، نحن عندنا ترجيح القول الضعيف بثلاثة شروط، ألا يكون ضعيفا جدا وأن تعرف نسبته إلى قائله وأن تدعو إليه حاجة، هذا عند المالكية. يعني عندنا جملة من القضايا من الصعب جدا أن أجملها لك، يعني ممكن أن ترجع إلى كتابي صناعة الفتوى وفقه الأقليات لترى هذا التأصيل الذي نعيش عليه في فقه الأقليات من سنوات منذ أنشأنا هذا المجلس ولله الحمد قمنا والضمير هنا للجميع وليس لي شخصيا، قمنا جميعا بإيجاد كثير من الآليات للتعامل مع النصوص الشرعية، سواء كانت نصوصا من الكتاب والسنة مثلا الشفق ما هو الشفق، البيضا والحمرة، الحديث كيف نفسر هذ الحديث؟ بالتعامل مع أقوال الفقهاء بالتعامل مع الأصول التي هي أوعية الاستنباط التي تستنبط منها الأحكام، هذا العمل يحتاج إلى صنعة إلى تعمد إلى أن يكون الفقيه قادرا على الاستثمار، كما يسميه أبو حامد الغزالي استثمار الأصول المثمرة، أن يكون قادرا على الاستنباط أن يكون قادرا على استخراج المسائل بدون هذا لا يستطيع هو سينكر لأنه لا يعرف هذه القضية لأنه يجهلها، هذا هو السبب الذي جعل بعضهم يرى أن هذا الفقه خارج عن الشرع ولما ناقشنا بعضهم سكتوا..

عثمان عثمان (مقاطعا): فضيلة الشيخ يعني يبدو أن الموضوع طويل وكبير جدا والوقت ضاق لم يتبق مع إلا سبعة دقائق ولذلك أريد أن أمر على المحاور والأسئلة بشكل إيجابات مختصرة.

سلمان العودة: أنا نصيبي من الوقت سأدعه لتعليق سريع في قضية نشأة فقه الأقليات، يمكن أن نقول سماحة الشيخ والدكتور أن فقه الأقليات هو أسبق من غيره في الوجود، بمعنى أن الفقه هذا مرتبط بالتمكين ومرتبط بفقه التمكين في بعض جوانبه، فقه الاستطاعة. المسلمون في مكة قبل الهجرة كانوا قلة ولذلك كان في بعض الأحكام التي نسخت ولكن في أحكام أخرى لم تنسخ وإنما يعتمد الأمر على القول بها أو القول بغيرها على وجود اعتبارات واقعية وقدرات وإمكانيات عند المسلمين وهكذا المسلمون في الحبشة كمثال حتى بعض الهجرة إلى المدينة، في أحكام كثيرة لم تبلغهم وفي أحاكم لم يكلفوا بها بحكم أنهم يعيشون في مجتمعات مختلفة، فأنا أعتقد أن فقه الأقليات هو من أعظم الأدلة على عظمة الإسلام وعلى خلود الإسلام وعلى حيوية الفقه الإسلامي وقدرته على إنتاج الحلول للمشكلات الطارئة.

عثمان عثمان: يعني نتحدث هنا بشكل موجز فضيلة الدكتور البعض يرى أن فقه الأقليات دليل على أن المسلمين غير قادرين على الاندماج في الواقع المعاصر، غير قادرين على التعايش مع غيرهم من غير المسلمين.

سلمان العودة: هو قد يكون بعض المسلمين لأن كثيرا ممن ذهبوا إلى أوروبا ذهبوا عمال في البداية، تخيل مثلا الأتراك في ألمانيا أو المغاربة في فرنسا يعني كثيرا من هؤلاء ذهبوا قبل أجيال وهم عبارة عن عمال ثم توالدوا هناك ولكن الأولاد أصبحوا أطباء وأصبحوا مهندسين وأصبح منهم مثقفون ومفكرون ولذلك أعتقد أن واقع المسلمين نحن لا نريد أن نقول إن المسلمين هم استثناء من السنن الربانية في أن الشعوب تعيش حالات من الضعف في مجتمعاتها ولما تنتقل تنقل معها هذا الضعف ولكن في تحولات إيجابية في واقع المسلمين فقه الأقليات هو يساعدهم على النهوض.

عثمان عثمان: نعم. فضيلة الدكتور لماذا الإصرار على أن المسلمين أقلية منعزلة في الغرب وفقه أقلية لهذه الفئة القليلة مع العلم أن المسلمين كما ذكر في سياق الحلقة أصبحوا جزءا لا يتجزأ من المجتمع الغربي، أصبحوا مساهمين إلى حد كبير، يعني لم يعودوا مهاجرين فارين بقدر ما أصبحوا يعني مواطنين مستقرين، لماذا الإصرار على أن هناك أقلية مسلمة في الغرب؟

عبد المجيد النجار: كون هناك أقليلة مسلمة في الغرب هذا واقع، هذا وصف لواقع، ولكن بالنسبة لفقه الأقليات هو وجد من أجل أن تكون هذه الأقليات مندمجة في المجتمع وليس العكس كما أشرت أنت منذ حين، هو فقه الأقليات هو الذي يوجد الأحكام الشرعية التي تجعل هؤلاء المسلمين يتعايشون مع المجتمع ولكن وفق حلول شرعية مقبولة مبنية على أصول وعلى أدلة، فتحل لهم هذه المشاكل التي يعانون منها أفرادا وجماعات في علاقتهم بهذا المجتمع، ففقه الأقليات دوره هو هذا، وليس دور الفقه أن يكون فقها للمسلمين فقط بل هناك خطوة أكثر من هذا، نحن نريد من فقه الأقليات في بعض الأبواب وفي بعض القضايا أن يكون فقها للمجتمع بأكمله الذي يعيش فيه المسلمون ليس للمسلمين فقط، هو نريد أن نقدم حلولا فقهية إسلامية تحل مشاكل المجتمع وأكبر دليل على هذا ما يتعلق بالأزمة الاقتصادية الآن، الفقه الإسلامي فيه أحكام كثيرة تتعلق بالاقتصاد وبالمصرفية الإسلامية فنحن الآن نريد أن يكون من هذا الفقه الاقتصادي والمصرفي أن نجعل منه حلولا للمجتمع الذي نعيش فيه في فرنسا أو في أوروبا بصفة عامة ونسهم في حل هذه المشكلة المشكلة الاقتصادية بهذا الفقه، إذاً الخلاصة هو أن هذا الفقه يساعد على اندماج المسلمين في المجتمع ولكن بحيث يكونون مسلمين ولا يذوبون ولا تذوب هويتهم في هذا الخضم الاجتماعي الذي يعيشون فيه.

عثمان عثمان: فضيلة الشيخ عبد الله بن بيه في دقيقة المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث جاء تأسيسا على فكرة فقه الأقليات، يعني ما الوظائف التي يؤديها هذا المجلس اليوم.

عبد الله بن بيه: هو كما قال الأخ، هو جاء للتوسعة عن المسلمين يعني المسلم أحيانا يكون في ضيق في دينه ويشعر بهذا الضيق وقد يأتيه مفتي من البلاد الإسلامية ويقول لا تشارك في الانتخابات لا تستوطن هذا حرام، فهو في ضيق، فقه الأقليات والمجلس يعطيه سعة لدينه يعطيه قدرة على التكيف قدرة على التوطن لأن المسلم هو إنسان عالمي جاء بالحديث الذي يرويه الإمام أحمد "البلاد بلاد الله والعباد عباد الله فحيثما أصبت خيرا فأقم" إذا ينظر إلى العالم كأنه كله، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث الآخر "جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل" كل الأرض، فالمسلم هو عالمي بطبيعته ودينه دين عالمي ولا يجوز له أن يتقوقع، هو أخرج للناس هو شاهد وليس مشاهد، يعني ليس فقط يشاهد هذه الحضارة ولكنه يشترك فيها، هذا الذي نريد من فقه الأقليات ليس هو الحرج والضق وإنما هي السعة، ولكنها سعة الإسلام وليست سعة الهوى.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور في دقيقة، هل ترون أن المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث ساهم في معالجة الكثير من قضايا المسلمين في الغرب وإشكالاتم وساهم في تيسير حياتهم أيضا.

سلمان العودة: هو الحق إن المجلس يعتبر من التجارب الناجحة بشهادة كل الناس الذي اقتربوا منه، بل حتى بعض الجامعات في أوروبا أصبحت تكل إلى طلابها رسائل ماجستير ودكتوراه في بعض إنتاجات وبحوث وفتاوى هذا المجلس، فالمجلس يعتبر من المشاريع والتجارب الناجحة عبر فترة طويلة يعني، ونموذج جيد وهذا لا يعني أنه ليس قابلا للتطوير، بل القائمون عليه كلهم يحلمون بأن يحقق قفزات في المستقبل أكبر وأن يصل إلى المستوى اللي ذكرناه قبل قليل في مسألة تحفيز المسلمين على الشهود الحضاري يعني.

عثمان عثمان: طبعا الموضوع بحاجة إلى بحث طويل، أشكركم فضيلة الشيخ عبد الله بن بيه، الدكتور عبد المجيد النجار -وإن كنت قد ظلمتك بالوقت بعض الشيء اعذرني- وفضيلة الشيخ الدكتور سلمان العودة على حضوركم معنا في هذه الحلقة. كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة أنقل لكم تحيات معد البرنامج معتز الخطيب وسائر فريق العمل دمتم بأمان الله.