- معنى فقه التيسير والفرق بين الأخذ بالرخص وتتبعها
- ضوابط فقه التيسير وأسباب النظرة السلبية على منتهجيه

- أبرز ملامح فقه التيسير

عثمان عثمان
 
يوسف القرضاوي

عثمان عثمان: السلام عليكم مشاهدينا الكرام وأهلا ومرحبا بكم على الهواء مباشرة في هذه الحلقة الجديدة من برنامج الشريعة والحياة. يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز {..يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ..}[البقرة:185] شريعة الإسلام بنيت على اليسر ورفع الحرج، فما مفهوم اليسر في الإسلام؟ وما ملامح منهج التيسير على الناس؟ وما الموقف من تتبع الرخص وترك العزائم؟ "فقه التيسير" موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة شيخنا العلامة الدكتور يوسف القرضاوي. مرحبا بكم سيدي.

يوسف القرضاوي: مرحبا بكم يا أخ عثمان.

معنى فقه التيسير والفرق بين الأخذ بالرخص وتتبعها

عثمان عثمان: بداية فضيلة الدكتور ما المقصود بفقه التيسير؟

يوسف القرضاوي: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا وإمامنا وأسوتنا وحبيبنا ومعلمنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه وبعد، فهناك فقه التيسير وفقه التعسير والنبي صلى الله عليه وسلم أمرنا بالتيسير ونهانا عن التعسير، فحينما بعث أبا موسى الأشعري ومعاذ بن جبل إلى اليمن أوصاهما بوصية جامعة مركزة قال "يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا وتطاوعا ولا تختلفا" وروى عنه صاحبه وخادمه أنس هذا الحديث المتفق عليه، قال للأمة جميعا "يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا" وحينما دخل أحد الأعراب المسجد وبال في المسجد هاج عليه الصحابة فقال النبي صلى الله عليه وسلم " لا تزرموه، لا تقطعوا عليه بولته، دعوه وصبوا عليه ذنوبا من ماء" دلو من ماء، المسجد لم يكن مفروشا بالسجاد مثل مساجدنا أو بالموكيت، حصباء، فقال لهم المسألة دواؤها بسيط، هاتوا دلوا من ماء وصبوا على هذا الماء وتتركوه حيث تروح الريحة وينشف ويجف "فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين" فهذا هو المنهج، منهج التيسير، هو منهج نبوي حينما نيسر على الناس في فتاوانا، نحن نتبع المنهج المحمدي بل نتبع المنهج القرآني، لأن القرآن نفسه بين لنا أن الله سبحانه وتعالى ربط أحكامه كلها بالتيسير باليسر، حينما تحدث عن الصيام وذكر رخص الصيام مثل رخص المفطر، المسافر من حقه أن يفطر والمريض وهكذا قال {..يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ..} وكذلك في أحكام الطهارة وفي التيمم وهذه قال {..مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}[المائدة:6] وقال بعض أحكام المحرمات في النكاح وهذه الأشياء {يُرِيدُ اللّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}[النساء:26] إلى أن قال {يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً}[النساء:28] التخفيف مراعات للضعف البشري، الإنسان في حاجة إلى هذا التيسير في كل العبادات وفي كل المعاملات والرسول عليه الصلاة والسلام جاء بمنهج التخفيف، يعني صفة الرسول عند أهل الكتاب في التوراة والإنجيل قال {..يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ..}[الأعراف:157] جاء يرفع الآصار، التكاليف الشاقة التي كانت على أهل الكتاب لم تعد فيه هذا الدين بل من دعاء المسلمين الذي علمه الله للمؤمنين أن يدعوا به كما في خواتيم سورة البقرة، وجاء في الحديث الصحيح أن الله استجاب هذا الدعاء، قال {..رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا..}[البقرة:286] التكاليف الشاقة التي كانت على الناس من قبلنا احملها عنا وخفف عنا، ولذلك ربنا قال{..رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا..} ولذلك رفع الله عن هذه الأمة الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه، كل هذه مخففات عن هذه الأمة، فهذا المنهج نحن مأمورون به يعني لسنا نبتدعه ابتداعا أو نأتي به من عند أنفسنا، هذا ما أمرنا الله به ورسوله، علينا أن ننهج هذا النهج في التيسير، في عدم العناد، اليسر معناه إيه، اليسر معناه السهولة والسماحة والسعة وعكسه العسر، عسر الشيء يعني صعب وضاق وشق ومعنى اتباع التيسير يعني اتباع التسهيل والتوسعة على الناس ورفع الحرج عنهم والبعض عن المشقة، فالناس فيهم من ييسر وفيهم من يعسر، المتبع للمنهج القرآني والمنهج النبوي أيهما المشدد على الناس والمعسر على الناس ولا المسهل والميسر لهم؟ من ييسر هو المتبع للمنهج القرآني والنبوي، ولكن ما معنى التيسير والتسهيل ما معناه أن يحل الحرام ويسقط الفرائض عن الناس، ليس هذا المقصود.

عثمان عثمان: البعض ربما يفهم أن التيسير أو فقه التيسير يعني تتبع الرخص، الأخذ بالأيسر والأخف من الأقوال.

يوسف القرضاوي: ليس هذا هو المقصود، أولا تتبع الرخص -الأخذ بالرخص ليس ممنوعا- فكلمة تتبع الرخص شيء إنما الأخذ بالرخص شيء، من ضمن منهج التيسير أن الإنسان يفتي بالرخص لا يخفي عن الناس الرخص، في هناك واحد يفتي بالعزائم دائما بالتشديد على الناس، الناس كلها عنده سواء، لكن لا، هناك ناس تحتاج إلى الرخص، النبي عليه الصلاة والسلام لما رأى رجلا ساندينه من على اليمين وعلى الشمال ويرشوا عليه ماء وظالين عليه، قال لهم ما هذا؟ قالوا له صائم يا رسول الله، قال "ليس من البر الصيام في السفر" يعني بمثل هذا السفر الشاق ليه يصوم؟ حتى لو كان فرض يعني يحق له أن يفطر، إن الله غني عن هذا، ولما شاف واحد في الحج ومتعب جدا وكذا، قال إيه.. قالوا نذر أن يحج ماشيا، قال "إن الله عن تعذيب هذا نفسه لغني" والقرآن يقول {..وَلَوْ شَاء اللّهُ لأعْنَتَكُمْ..}[البقرة:220] ولكن لا يحب لنا الإعنات والنبي عليه الصلاة والسلام لا يحب لنا العسر حتى في التعامل يحب الإنسان يتعامل برفق، "رحم الله امرءا سمحا إذا باع سمحا إذا اشترى سمحا إذا قضى سمحا إذا اقتضى" لا يحب العسر في أي شيء، فالأخذ بالرخص مطلوب والحديث يقول "إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته، وكما يحب أن تؤتى عزائمه" وخصوصا من يحتاج إلى الرخصة، إذا كان واحد ضعيف يعني نراعي ضعفه، افتيه بالرخصة، واحد مسافر محتاج إلى الرخصة واحد شيخ كبير واحدة امرأة حامل أو معها طفلها يعني ينبغي أن ييسر الإنسان خصوصا الفقيه والمفتي عندما يسأله سائل إذا كان رآه في حالة ضعف ويحتاج أن.. افتي له الرخصة، لا تشدد على الناس باستمرار.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور ذكرتم أن هناك العزيمة وهناك الرخصة، يعني أيهما أولى، الأخذ بالعزيمة أم اتباع الرخص؟ هل يختلف الأمر من شخص بذاته أم مع الآخرين؟

يوسف القرضاوي: كلمة تتبع الرخص لها معنى غير، تتبع الرخص يعني واحد يبحث عن الأسهل في المذاهب، فيبحث عن، يعني جايز يقول لك مثلا إيه؟ أهل مكة متساهلين في الصرف يعني يبيع الدرهم بالدرهم والدينار بالدينار، أهل المدينة مترخصين متساهلين في أمر الغناء، أهل العراق متساهلين في أمر النبيذ يعني يحطوا التمر في الماء والحاجات زي كده ويسيبوه ساعات يبقى قارب أن يسكر عندهم تساهل في هذا الأمر، فيقول لك ما تروحش بقى تأخذ أسوأ ما عند أهل مكة وأسوأ ما عند أهل المدينة وأسوأ ما عند أهل الكوفة، يقول لك من تتبع الرخص يعني الأشياء التي بعضهم يعتبر هذه من زلات العلماء كأنه بيجمع زلات العلماء، هذا هو المذموم تتبع الرخص فقد فسق، إنما اللي يأخذ بالرخص اللي هي معناه التيسير وخصوصا إذا كان الناس في حاجة إلى التيسير ما المانع، وخوصا في عصرنا يجب على العالم أن يعرف طبيعة عصره، إن هذا العصر رق فيه الدين وقل فيه اليقين وأصبحت مشاكل الدنيا كثيرة والمغريات بالشر كثيرة والمعوقات عن الخير أكثر، فلا بد أن يراعي هذا الزمن وييسر على الناس ما أمكنه، فالتيسير مطلوب باستمرار ولكنه أكثر ما يكون طلبا في مثل هذا العصر.

عثمان عثمان: يعني الأخ حمود ولد محمد من موريتانيا يقول هل لإشاعة فقه التيسير علاقة بحال المسلمين اليوم وضغوطات العصر وكثرة الفتن أم هو كالأخذ بالعزيمة مطلوب أصلا؟ وهل يختلف هذا الفقه من مجتمع لآخر يعني هل يمكن أن نيسر على مجتمع أو على ناس في مكان ما ولا يكون هذا الأمر ذاته على مجتمع آخر؟

يوسف القرضاوي: التيسير مطلوب كمنهج دائم، "يسروا ولا تعسروا" مش خاص ببلد ولا خاص بزمن، ولكن هناك ناس أحق بهذا التيسير وألزم لهم التيسير من غيرهم، المجتمع اللي دينه قليل غير المجتمع اللي هو متمسك بالدين، المسلمون في بلاد الأقليات هم قلة يعني محتاجين إلى التيسير، المسلمين الأقليات في أوروبا وفي أميركا وفي الشرق الأقصى هؤلاء محتاجين أن نيسر عليهم لذلك أنشأنا مجلسا اسمه "المجلس الأوروبي للافتاء" واحد يقول يعني هو أنتم حتجيبوا دين مخصوص للأوروبيين؟! لا، ولكن هؤلاء محتاجون إلى التخفيف أكثر من غيرهم، فالضعيف يحتاج إلى أن نرخص له أكثر من غيره، فالمجتمعات تختلف من حيث الشدة، شدة الحاجة إلى الرخص وإلى التيسير أكثر من غيره.

عثمان عثمان: ولكن فضيلة الدكتور هناك من فهم أن فقه التيسير يخالف ويناقض فقه الدليل أو الراجح من الأقوال كيف ترون الأمر؟

يوسف القرضاوي: لا، هو كل قائم على الدليل، أنا لا أعني بفقه التيسير أنك تبحث عن الأسهل في المذاهب وتأخذ أخف شيء، لا، بل أتبع الدليل ولكن هناك إنسان طبيعته أنه ميسر وواحد طبيعته أنه مشدد، إحنا المطلوب منا اتباع التيسير لعموم الناس يعني مثلا سيدنا عبد الله بن عباس كان من الميسيرين وسيدنا عبد الله بن عمر كان من المشددين وأول ما يشدد عليه على نفسه، فلذلك حينما أمر أبو جعفر المنصور الإمام مالكا رضي الله عنه أن يكتب كتابا يعني ييسر فيه العلم للمسلمين وقال له فيه تجنب شدائد ابن عمر ورخص ابن عباس وشواذ ابن مسعود ووطئه للناس توطيئا إلى آخره، فيعني ابن عمر معروف بالشدائد كان يبعد الأطفال عنه يعني حتى ما تنزلش عليه لعابهم والريالة بتاعهم وبتاع، وابن عباس يضمهم إليه ويقول إنما هي رياحين نشمها، ابن عمر يضع الماء داخل عينه، يعني يرى أن غسل الوجه لازم.. وابن عباس يحط الماء عليه وخلاص، يعني حتى عمي ابن عمر، فالتيسير روح، في واحد يرحم الناس، النبي عليه الصلاة والسلام كان يدخل الصلاة فيقول "أريد أن أطيلها فأسمع بكاء الصبي في صلاتي فأتجوز فيها -أخففها- لما أعلم من وجد أمه عليه" الطفل وهو بيبكي أمه مهمومة عليه وملهوفة عليه فحتى لا يزعجها يخفف الصلاة، هو يراعي يعني ظروف الناس عنده رحمة عنده عاطفة والرسول كان رحيما {..بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ}[التوبة:128] إنما أنا رحمة مهداة، {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}[الأنبياء:107] ولذلك أنا أقول ومن منهج التيسير أنه إذا كان هناك قولان متكافئان أو متقاربان في الدليل ولكن أحدهما أحوط والآخر أيسر، فبماذا آخذ؟ أنا أقول أفتي عموم الناس بالأيسر، عموم الناس أفتيهم بالأيسر، هناك ناس أقوياء وعزائمهم قوية ومؤمنين يعني يصوموا ويقوموا هذا ممكن أشدد عليهم، إنما العموم أفتيهم بالأيسر ولما سألني بعض الإخوان طيب إيه دليلك على كذا؟ قلت عندي دليلان، الدليل الأول ما روته عائشة "أن النبي صلى الله عليه وسلم ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما" فالأيسر والأحوط، والدليل الثاني أن النبي عليه الصلاة والسلام غضب على الذين يطيلون الصلاة بالناس، معاذ ابن جبل كان يقرأ السور الطوال وبعض الناس يعني تألموا من هذا وبعض الناس بقى يتركوا الصلاة وراءه شغل، فالنبي عليه الصلاة والسلام مع أنه يحب معاذ وقال له والله إني لأحبك وأنه كذا قال "أفتان أنت يا معاذ، أفتان أنت يا معاذ أفتان أنت" يعني اشتد عليه حتى لا يرهق الناس ويشق على الناس، أبي بن كعب وهو الذي قال النبي صلى عليه وسلم "ليهنك العلم يا فلان" لما قال له أي آية في كتاب الله أعظم؟ فقال له آية الكرسي فقال له ليهنك، ولكن لما طول بالناس وجاؤوا اشتكوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال الصحابي راوي الحديث فما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم غضب في موقف مثل غضبه هذا اليوم، وقال "إن منكم منفرين، من أم في الناس فليتجوز أو فليخفف فإن وراءكم الكبير والضعيف وذا الحاجة" الشيخ كبير ما يتحمل الصلاة الطولة والضعيف المريض وذو الحاجة، واحد عايز يسافر حتى أفوت عليه الطائرة يعني مسجد جانب المطار ويقعد يطول على الناس وبعض الناس يكون عايز يصلي ويروح يلحق الطائرة يضيع عليه الطائرة، فالنبي عليه الصلاة والسلام تشديده في هذا يدل على أنه يحب التيسير على عباد الله.

ضوابط فقه التيسير وأسباب النظرة السلبية على منتهجيه

عثمان عثمان: سيدي يعني تبارك علي، علاء، سيد ولد عيسى يسألون عن حدود التيسير، عن شروط التيسير، عن ضوابط الضرورة التي تجلب التيسير.

يوسف القرضاوي: التيسير أنه يقول بالرخص ولا يقتصر على العزائم، أنه يقلل من التكاليف على عباد الله، ما يزودش على الناس، ولذلك من الأشياء المهمة القرآن نزل يقول {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ..}[المائدة:101] فعلشان ما يكثرش الناس السؤال وكلما أكثروا السؤال زادت عليهم الكاليف، بني إسرائيل ربنا قال {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً..}[البقرة:67] لو ذهبوا إلى بقرة واشتروها من السوق كانت تجزيهم إنما لأنهم متعنتين بطبيعتهم قعدوا يسألوا {قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لّنَا مَا هِيَ..}[البقرة:68] سنها قد إيه؟ شابة ولا عجوزة ولا بتاع {..قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ..}[البقرة:68] طيب {قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاء فَاقِعٌ لَّوْنُهَا..}[البقرة:69] قالو ادع لنا ربك.. {قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلاَ تَسْقِي الْحَرْثَ..}[البقرة:71] كلما يسألهم يجي عليهم تشديد، فهؤلاء بطبيعتهم مشددين، الإسلام يكره هذا اللون ولذلك كان قال "إن قوما شددوا فشدد الله عليهم" منهم بني إسرائيل ومنهم النصارى حينما اخترعوا الرهبانية {..وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا..}[الحديد:27] فحرموا على أنفسهم ما أحل الله وضيقوا على أنفسهم ما وسع الله، لا يريد الإسلام أن نتبع هؤلاء، فدي كلها نضع السعة والسماحة في موضعها فهذا تقليل المحرمات تضييق في التحريم، تضييق في الإيجاب، يعني مذهب أبي حنيفة ومذهب مالك يشددون في أنه لا يحل أن نحرم على الناس إلا إذا كان معنا دليل قطعي أو دليل لا شبهة فيه، من هنا كان السلف لا يقولون شيء حرام أو فرض إلا إذا كان معهم دليل قوي، يقول لك يعجبني كذا يسرني كذا لا يعجبني كذا أكره كذا إلا ما كان حراما وفيه الدليل الجازم يقولون ولذلك ابن تيمية يستدل يقول إن السلف لم يكونوا يطلقون على الأمر أنه حرام إلا ما كان فيه دليل حاسم ولذلك الصحابة رغم نزول قوله تعالى {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا..}[البقرة:219] ونزول قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ..}[النساء:43] رغم هذا ظل بعضهم يشرب الخمر ويقولوا الله مبين لنا في الخمر بيانا شافيا إلى أن نزلت الآية الحاسمة في سورة المائدة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}[المائدة:90] فالبيان الشافي اللي مافيش أي شبهة ولا أي إشكال هو الذي نأخذ منه الوجوب والتحريم.

عثمان عثمان: رغم كل ما ذكرتم مولانا من أن الإسلام دين يسر وفقه التيسير له الأولوية في الإفتاء نرى بعض الناس ربما يعيبون ما يسمى بمنهج التيسير ومنهج هذا التيسير على الناس أين الخلل؟ لماذا هذا الموقف السلبي من التيسير؟

يوسف القرضاوي: هم طبيعتم مشددون، المشددون يكرهوا الميسرين، فواحد مشدد ما يحبش أي واحد ييسر، فإنما نحن لا نعدو الدليل أبدا، يعني دعاة التيسير ليس معناه أن يسهل للناس يحلل لهم الحرام أو يشرع لهم من الدين ما لم يأذن به الله، ليس هذا معنى التيسير، التيسير ليس معناه التهاون في الدين، بعض الناس يظن في التيسير.. هذا لوكان واحد بيبحث عن الأسهل ويقول له خذ، لا، نحن ليس هذا هو المنهج الذي أقصده، لا بد أن تتبع الدليل ولكن في واحد لأن هو روحه ميسرة، روحه محمدية مخففة، يضع عنهم الآصار والأغلال التي كانت عليهم هو بيبحث عن التيسير، هو يلمح دليل التيسير ولا يلمحه المشدد أبدا، فالدليل هو يعني معتمد الجميع الميسر وكله، ولكن في واحد يعني يبقى أمامه دليل التيسير ولا ينظر إليه ولا يهتم به ولكن أصحاب التيسير المنهج النبوي يسروا ولا تعسروا يلمح أدلة التيسير ويجمعها ويفتي بها ويعرف من هم أهل التيسير ممن يستفتونه من الناس إنما ليس معنى أنه يحلل للناس ما حرم الله، بعض الناس يقولوا يا أخي أنت يعني معروف بالتيسير ولكن في بعض المواقف متشدد زي مواقف تحريم الربا، مثل موقف التدخين، تحرم التدخين، قلت لهم والله ساقني إلى ذلك الدليل، لم أجد دليلا يسمح لي أن أقول إن التدخين حلال، لأنني أرى التدخين إذا نظرنا إلى القرآن {..وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ..}[البقرة:195] {..وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً}[النساء:29] التدخين هو انتحار بطيء، قتل للنفس فأنا لا أفتي بهذا، هو إضاعة للمال وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال وهو إضرار بالنفس وإضرار بالغير لأن اللي بيدخن بيجبر الذي يجلس معه أو راكب مع السيارة أو كذا يجبره أن يستنشق التدخين فده بيسموه تدخين قسري، فهو يضر النفس ويضر الغير ولو نظرنا إلى الكليات الخمس يعني المحافظة على الدين والمحافظة على النفس والمحافظة على العقل والمحافظة على المال والمحافظة على النسل نجد التدخين يضر كل الضروريات يضرك ويضر نسلك ويضر مالك ويضر عقلك ويضر دينك فأنا لا أجد وجها لأن أقول لأنني ميسر التدخين مكروه فقط وليس حراما، لا، أنا أفتي بالحرمة، فحيث يسوقني الدليل إلى التشديد أشدد.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور ذكرتم أن فقه التيسير هو منهج نبوي عن النبي عليه الصلاة والسلام "ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما" أبرز ملامح هذا الفقه أسمع الإجابة إن شاء الله بعد وقفة قصيرة فابقوا معنا مشاهدينا الكرام نعود إليكم بإذن الله بعد الفاصل.

[فاصل إعلاني]

أبرز ملامح فقه التيسير

عثمان عثمان: مشاهدينا الكرام أهلا ومرحبا بكم من جديد إلى حلقة هذا الأسبوع من برنامج الشريعة والحياة والتي نتحدث فيها عن فقه التيسير مع فضيلة شيخنا العلامة الدكتور يوسف القرضاوي. مولانا أبرز ملامح فقط التيسير الذي هو منهج نبوي أصيل؟

يوسف القرضاوي: نعم هو منهج نبوي من غير شك، أكثر الناس تيسيرا على عباد الله هو النبي صلى الله عليه وسلم، وأنا أضرب مثلا بقصة حدثت في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، الرجل الذي جاءه في شهر رمضان وقال يا رسول الله هلكت وأهلكت ماذا فعلت؟ قال له جامعت امرأة في نهار رمضان، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال له "عليك أن تعتق رقبة" تحرير رقبة، قال له من أين يا رسول الله؟ لا تجد بين لابتي هذا، لابتي المدينة أفقر مني، قال له طيب "صم شهرين متتابعين" قال له وهل أصابني ما أصابني إلا من الصيام! أنا في رمضان ما قدرتش أن أصوم رمضان حأصوم شهرين متتابعين! قال له طيب "أطعم ستين مسكينا" قال له والله يا رسول الله لا تجد ما بين لابتيها أفقر مني وأحوج مني حأطعم مين ده أنا المحتاج إلى الطعام، فالنبي عليه الصلاة والسلام أعطاه عذقا من سباطة تمر يعني خذها وأطعم أهلك. فشوف يعني الرجل يعني اللي عمل العملة ولا صام ولا أعتق رقبة ولا صام شهرين ولا أطعم ستين مسكينا وأخذ التمر في النهاية له ولأهله، هذا هو التيسير والصحابة كانوا أكثر الناس تيسيرا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، خصوصا فقهاء الصحابة، فقهاء الصحابة ابن مسعود وابن عباس وابن عمر ومعاذ ابن جبل، والمفتون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر، هؤلاء الناس كانوا أكثر الناس تيسيرا، ولذلك كلما نزلت في العصور تجد التشديد يزداد شيئا فشيئا لأنه بعدما كانوا يأخذوا بالأيسر ده يقول لك نأخذ الأحوط كذا، كل عصر يضيف بعض الأحوطيات على العصر الذي قبله إلى أن جئنا في العصور الأخيرة تجمعت هذه الأحوطيات وكل أحوط معناه إيه؟ أشد وأثقل، أحوط يعني أشد على الإنسان وأثقل عليه، فتجمعت الأحوطيات فأصبحت آصارا وأغلالا، إنما المنهج النبوي هو التيسير في هذه الأمور كلها، في العبادات في المعاملات برعاية حق ذي الحق، ضعف الضعيف، المرأة والشيخ والناس أصحاب العاهات وأصحاب الأمراض الرسول عليه الصلاة والسلام ييسر عليهم باستمرار، وكما قلنا معنى التيسير أنه يفتيهم للرخصة حينما يحتاجون إلى الرخصة، يعني يقلل التكاليف عليهم حتى لا تكثر التكاليف وقال من ضمن ما قال "إن من أشد المسلمين، من أكبر المسلمين إثما رجل سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته" ما كانش الشيء حرام إنما هو ظل بالأسئلة يتابع الأسئلة لحد ما حرم، لذلك مش مطلوب منا وخصوصا في عهد الوحي، تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبدى لكم، أنه ما يسألش عن هذه الأسئلة ويتركها، فلا يفعل ما فعل بنوا إسرائيل، بنو إسرائيل شددوا فشدد الله عليهم، وأيضا كذلك النصارى شددوا فشدد الله عليهم فتلك بقاياهم في الصوامع والديار، الأديرة والصوامع التي يتعبد فيها الرهبان اعتزلوا الحياة أو اعتزوا النساء أو حتى اعتبروا المرأة كأنها رجس من عمل الشيطان حتى كان يفر من ظل المرأة حتى لا يلقى أمه ولا أخته لأن جنس النساء، فهذا تشديد، هذه هي الملامح العامة لهذا التيسير الذي كان هو منهج النبي وهو الذي أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم.

عثمان عثمان: اسمح لنا سيدي أن نأخذ بعض المشاركات من السادة المشاهدين، خطره ولد الحبيب من أنغولا، السلام عليكم.

خطره ولد الحبيب/ أنغولا: حياكم الله. الشيخ العلامة، نحن في أرض كفر ولم نجد ترخيصا لبناء مسجد وبنيناه بدون ترخيص رسمي وهدمته السلطات أكثر من مرة بدعوى عدم الترخيص، فهل يجوز لنا إقامة الجمعة في كوخ حتى نحصل على إذن؟

عثمان عثمان: واضح سؤالك أخي الكريم بارك الله فيك، الأخ إبراهيم عبد الله من السعودية، تفضل.

إبراهيم عبد الله/ السعودية: السلام عليكم. بمناسبة فقه التيسير نطالب فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي بتبني دعوة خطية جامعة لجميع فقهاء الأمة الإسلامية ومناقشتها علنا وذلك بأن يتم تعديل قانون مجمع الفقه الإسلامي في جدة بحيث يتم استبداله بقانون تعيين رئيس المجمع وأعضاء المجمع الفقهي من قبل الحكام العرب والحكام المسلمين واستبداله بقانون ترشيح مجموعات الفقهاء في العالم الإسلامي لرئيس وأعضاء مجمع الفقه الإسلامي وطرحه للتصويت العام بين الفقهاء من دون الحكام، بمعنى استبدال قانون التعيين من قبل الحكام بقانون الترشيح والانتخاب.

عثمان عثمان: واضح سؤالك. هل هناك سؤال آخر؟

إبراهيم عبد الله: نعم، لأن هو هذا أهم شيء ييسر للأمة الإسلامية أمورها، مجمع الفقه الإسلامي في جدة.

عثمان عثمان: شكرا الأخ إبراهيم عبد الله من السعودية الأخت دلال علي من قطر.

دلال علي/ قطر: السلام عليكم. شيخنا هناك دول كثيرة لها من الغلو في التزمت يعني متزمتة بطريقة حتى يصير الإنسان المسلم فيها كافر، وهناك دول ميسرة لأمور الدين لغاية أنها صارت وكأنها تشبه الغرب، نحن إشكالنا في الدول الإسلامية حتى الغرب صار يحتاروا فينا، يعني أصبحوا لا يعرفون أين هو الدين الإسلامي الحقيقي، هل هو هذا الدين المتزمت الذي يكرهونه لأنه يحرم كل شيء ولا يعرفون حلاله من حرامه أم هذا هو الميسر الذي ييسر كل شيء حتى أصبحت يعني حقيقة الإسلامي يعني حقيقة الإسلام يعني مغلوطة عند الكثير، فأصبح حتى الإنسان الذين يسلم لا يعرف أي اتجاه يتبع، هل يتبع هذا المتزمت أم يبتع هذا، يعني الغلو في كل شيء. نحن..

عثمان عثمان (مقاطعا): واضحة هذه المسألة، هل هناك سؤال آخر أخت دلال؟

دلال علي: نعم، نعم، أنا أؤيد الأستاذ أن ينشر من الكتب الوسطية هذه كثير محتاجينها للشباب، هي الوسطية في كل شيء، في حياتنا، هذه تيسر الكثير من الأمور وشكرا.

عثمان عثمان: شكرا جزيلا. الأخ جمال من مصر.. يبدو أن الأخ جمال لم يعد على الهاتف. محمد الثاني إدريس تفضل.

محمد الثاني إدريس/ نيجيريا: السلام عليكم ورحمة الله. الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي صراحة نشكركم على كتبكم الكثيرة التي استفدنا بها هنا في نيجيريا وأصبحنا الحمد لله من شيعكم من دعاة التيسير، لكن لا أدري ما هي الدوافع الآن التي تجعل الناس كثيرا يذمون الذين يسيرون بهذا وينهجون هذا المنهج، ما هي الأمور التي يجب على الإنسان أن يقوم بها ليكافح التشديد والتطرف لأنني أجد في بعض الأوقات أنها نزعة في النفس ربما النفس توحي إليك بأنك إذا لم تفعل الأحوط أو إذا لم تفعل كذا وكذا ومن بعده أن يشدد عليك وأن يشدد على الآخرين ربما هذا كفر وربما هذه يوصلك إلى أعمال أخرى، يعني ما دواء هذه النزعات والنفسية التي تدور..

عثمان عثمان (مقاطعا): سؤال واضح أخ محمد شكرا جزيلا لك. سيدي لم يتبق معي إلى عشرة دقائق فقط، طبعا الأخ إبراهيم من السعودية يدعو أن يتم اختيار أعضاء المجامع الفقهية على أساس علمي لا أن يعينوا تعيينا من السلطات، مجمع الفقه الإسلامي الدولي

يوسف القرضاوي: المجامع العلمية لا يعين من السلطات، يعني بعضهم يمثل بلده، كل بلد بتختار عنها واحد، فأحيانا يختار عالم فعلا وأحيانا يختار أي واحد من غير عناية أو أقرب واحد إلى الوزير أو أقرب واحد إلى الرئيس فهذا واقع فعلا، وبعضهم يختاره المجمع، يعني المجمع بيختار أحيانا أفراد غير الذين يمثلون بلادهم، هؤلاء يختارهم العلماء فهؤلاء يعني يأتون بعلماء حقيقيين ولكن موجود كده في كل مجمع أو المجامع التي تمثل البلاد هذه، دائما فيها هذه الآفة، أنه واحد يختار أقرب الناس إلى الرئيس أو الوزير أو شيء من هذا.

عثمان عثمان: سيدي في عندنا الأخت دلال علي من قطر تقول هناك بعض المجتمعات فيها غلو وتشدد بشكل كبير، مجتمعات أخرى فيها تيسيير إلى حد التساهل بأحكام الدين، الغربي أو غير المسلم ربما ينظر بحيرة إلى هذا الواقع أيهما الدين الصحيح، هل هذا التيسير، هل هذا الغلو والتشديد؟

يوسف القرضاوي: هو المنهج الوسطي الذي اخترناه منهجا لنا، هو المنهج الوسطي هو الذي ينهج نهج التيسير لأنه كما قلت التيسير ليس الإنسان مختارا فيه، هذا منهج القرآن ومنهج السنة، هو المنهج النبوي، فأنا عندما ألفت كتاب "الحلال والحرام" في أواخر الخمسينيات، يعني ذكرت أننا أمام صنفين من الناس، صنف الذين ينظرون إلى الغرب ويريدون أن يغربوا المجتمع فيريدون أن يحلوا كل شيء، مافيش حرام، التبرج حلال والخمر حلال، حتى الخمر يريدون أن يستدلوا أنها حلال، الربا حلال كل شيء حلال، وهناك آخرون مقابلهم يريدون أن يحرموا كل شيء، نسألهم عن أي شيء، حرام، أقرب شيء إلى لسانهم هو حرام، منهجنا في التحليل والتحريم هو المنهج الوسطي، لا نحرم إلا بدليل ودليل قاطع ودليل حاسم ولا نفرض على الناس ولا نوجب عليهم إلا بدليل، فالمنهج الوسطي هو الحل لهذا الإشكال، لا نتبع المتشددين بغير حق ولا الميسرين بغير حق إنما هو المنهج الوسطي الذي وصف الله به هذه الأمة، وكذلك جعلناكم أمة وسطا.

عثمان عثمان: الأخ حيدر الزيادي من اليمن يقول هل من الواجب على المسلم أن يلتزم مذهبا واحدا وهل يجوز أخذ الرخص في المذاهب غير مذهبه ويعتبر هذا من باب التيسير؟

يوسف القرضاوي: العامي لي له مذهب، إنما مذهبه مذهب من يفتيه، ويجوز للجماهير التي تعتبر من العوام في البلاد الإسلامية المختلفة أن تتبع مذاهبها، يعني هذا في اليمن مذهب شافعي أو زيدي وإذا كان في المغرب مذهبه مالكي وإذا كان يعني في بعض البلاد في ماليزيا وأندونيسا مذهب شافعي لا حرج عليه، لكن لا يتعصب لمذهبه، لو فرض مسألة وفي عالم يعني ثقة قال له والله مذهبك ضعيف في هذه المسألة وأرى أنك تتبع كذا لأن السنة النبوية جاءت فيها الأحاديث وكذا واقتنع بكلامه لا مانع أن يترك، افرض واحد قال له يعني مذهب مالك يعني بيبدأ على طول يدخل الصلاة الله أكبر بسم الله الرحمن الرحيم -مافيش بسم الله الرحمن الرحيم - الحمد لله رب العالمين، حتى البسملة والاستعاذة ودعاء الاستفتاح، فافرض أنه واحد جاء لي وأنا مالكي وقال لي يا أخي ده البخاري ومسلم وكتب السنن والدواوين كلها جاءت بأنه في دعاء الاستفتاح وأنه في الاستعادة من الشيطان الرجيم {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ}[النحل:98] وفي البسملة واقتنعت بي، لا مانع، مالك مش حيزعل مني، فيدع العصبية وإذا كان من أهل العلم عليه أن يقوي نفسه ويتضلع من العلم حتى يصبح من أهل النظر والاستدلال بدل ما يصبح مقلدا حتى يموت، لا، يخرج من هذا التقليد من سجن التقليد، إلى سعة الدليل.

عثمان عثمان: نأخذ الأخت مها من بريطانيا..

يوسف القرضاوي (مقاطعا): في واحد تكلم في الأول ما اسمعتوش.

عثمان عثمان: نعم هو المتحدث الأول نعود إليه إن شاء الله بعد أن نأخذ هذا الاتصال. أخت مها من بريطانيا السلام عليكم.

مها عناني/ بريطانيا: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وتحية طيبة وعظيمة وجليلة لشيخ الإسلام الشيخ القرضاوي الذي نعول عليه أن يهدي هذه الأمة شبه الضالة. سؤالي هو أن الأمور نسبية فما هو عسير عليك قد يكون يسيرا بالنسبة إلي والعكس صحيح، والفضيلة هي في الوسط ولكن كيف نعرف كل ذلك؟ يعني {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً}[الشرح:5، 6] فالأمور مترابطة والله هو الهادي وبالتالي نحن نخوض معركة عقائدية ومعركة فكرية ومعركة حضارية، فمن أين نبتدئ ومن هو الموجه الحقيقي، أين هي البوصلة؟

عثمان عثمان: شكرا جزيلا أخت مها من بريطانيا. الأخت مها تتحدث اليوم أنه كيف نستطيع أن نرجح بأن هذا هو الوسط، يعني هناك الأمور نسبية هناك ما يكون علي يسيرا يكون على الآخرين عسيرا، كيف نستطيع أن نبين الحكم الوسطي المبني على الدليل؟

يوسف القرضاوي: في قدر مشترك لا يختلف فيه الناس يمثل الاعتدال والتوازن، فالاعتدال والتوازن هو الوسط، لا يميل ميلا شديدا {..وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً}[النساء:27] الميل العظيم ما حدش يقول عنه في الوسط أبدا، وهناك أشياء تقع في الوسط دائما، مش لأنه نحن بس بنيجي نقسمها ناحية يمين ونقف في الوسط، لا هو بالدليل، نجد أن هذا الأمر الراجح والقوي بالأدلة نجده دائما هو أوسط الأشياء، هذا ما جربناه، أوسط الأشياء ما قام عليه الدليل، ونبدأ إذا أردنا أن ندخل نبدأ بالعقيدة، في الوسط نجد أن الإسلام وسط بين اليهودية والنصرانية نجد الإسلام وسط بين الجبرية والمعتزلة يعني المنهج السليم في كل شيء نجد الإسلام، وبعدين نبدأ في العمل في الشريعة نجد أن في التعليم أول شيء نبدأ بالتعليم، الرسول بيقول "علموا ويسروا ولا تعسروا" يعني نبدأ من التعليم، فتجد أن في التعليم يبدأ بالمنهج الأرفق والأيسر على الناس كما بعث سيدنا معاز وقال له "إنك تأتي قوما أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وما تبدأش بالفروع، ابدأ بالأصول، أصل، التوحيد أولا، وبعدين ابدأ بالعبادات الكبرى ثم ادعوهم إلى الصلاة وبعدين ادعوهم إلى الزكاة أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم ترد على فقرائهم، وحتى في التعليم لازم نعلمهم تعليما ميسرا يعني الأعرابي كان يأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم من البادية ويجلس في المدينة يومين ولا ثلاثة ويرجع وقد تعلم دينه يعلم قومه، إحنا الآن نقعد علشان ندرس للناس كيف يتوضأ نقعد كذا يوم ولا نعرفوش الوضوء، ليه؟ لأنه يقول لك {..فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ..}[المائدة:6] حد ما يعرف يغسل وجهه! إنما نيجي في الفقه نقول ما هو الوجه؟ الوجه هو ما بين الجبهة منبت الشعر إلى أسفل الذقن طولا وبين شحمتي، طيب لو واحد أصلع تعمل له إيه؟ لو واحد نازل شعره، نعقد الأمور، نحن لازم نرجع إلى معدن السهولة ونعلم الناس كما كان يعلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، نبدأ التيسير في العلم والتيسير في العمل.

عثمان عثمان: أشكركم سيدي فضيلة الدكتور العلامة يوسف القرضاوي على هذه الإفاضة الطيبة كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة، أعتذر من الذين لم نستطع الإجابة على أسئلتهم وخاصة على الإيميل وصفحة الـ facebook إلى اللقاء في الأسبوع القادم، وقبل ذلك أنقل لكم تحيات معدّ البرنامج معتز الخطيب، دمتم بأمان الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.