- ماهية العقل القرآني ووظائفه
- التفاعل بين الدين والفلسفة وأثره في تعريف العقل

- أهمية ومنهجية إعادة الاعتبار للعقل القرآني

- العلاقة بين العقل والإيمان وبين العقل والنقل


عثمان عثمان
أحمد نوفل

عثمان عثمان: مشاهدينا الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلا ومرحبا بكم على الهواء مباشرة في هذه الحلقة الجديدة من برنامج الشريعة والحياة. يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ}[الأنفال:22] ويقول عز وجل {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ }[الحج:46]، فأي عقلية ينشئها القرآن الكريم؟ وما الآثار التي ترتبت على النزعة العقلية القرآنية؟ وما المسالك التي تعطل وظيفة العقل؟ العقل القرآني موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة الدكتور أحمد نوفل أستاذ التفسير في الجامعة الأردنية، ونشير هنا إلى أنه كان من المقرر أن يكون معنا في هذه الحلقة الدكتور عدنان زرزور إلا أنه لأسباب خاصة لم يستطع الحضور. السلام عليكم فضيلة الدكتور.

أحمد نوفل: عليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

ماهية العقل القرآني ووظائفه

عثمان عثمان: دكتور، 49 آية من القرآن الكريم ذكرت العقل باللفظ، ما يقارب الثلاثمئة من آيات القرآن الكريم ذكرت مرادفات العقل، هذا الإكثار من ذكر العقل في القرآن الكريم ما دلالته؟

أحمد نوفل: بسم الله والحمد لله والصلاة على رسول الله واسمح لي في البداية أن أحيي قناة الجزيرة والمستوى الذي نقلت الإعلام العربي إليه، هذا واحد، ثم نحيي الذين يجتهدون ويحاولون كسر الحصار عن أهلنا وأحبتنا في غزة، ثم ثالثا أوجه التحية للدكتور عدنان زرزور زميلنا في التدريس منذ أربعين سنة تقريبا، أسأل الله أن يكون المانع ليس صحيا يعني أن تكون صحته بخير، والحقيقة يعني بديل ضعيف عن أستاذ كثيف الثقافة غزير العلم لكن يعني أن نسد مسدا بسيطا عن أخينا وأستاذنا الدكتور عدنان زرزور. رقم أربعة ندخل في الموضوع إذا أذنتم. الحقيقة القرآن ما في الدنيا كتاب أعلى من شأن العقل مثلما أعلى القرآن الكريم من شأن العقل، ما من دين ما من ملة ما من منهج أعطى العقل دورا عظيما مثلما أعطى هذا الدين العظيم. مثلما تفضلت أخي، 49 مرة صيغ العقل المختلفة، ثمانمئة مرة تقريبا، أنا أتكلم عن الأرقام بس علشان نأخذ فكرة عن كثافة الطرح، ما هذه الكثافة إلا لأهمية هذه الأداة في ديننا العظيم، العقل، الحقيقة إذا سقط العقل سقط التكليف، ما عاد في حمل لأمانة الدين، أنا أقول إن هذا الدين ربما كانت صورته في الذهن مظلومة بموقفه من العقل وموقف العقل من هذا الدين وعلينا أن نجلي الحقيقة ونجلي الصورة الجميلة لهذا الدين وموقفه من العقل، هل الدين والعقل..

عثمان عثمان (مقاطعا): دكتور يعني هناك حديث عن عقل عربي عقل يوناني عقل فلسفي، عندما يكثر القرآن الكريم من الحديث عن العقل عن أي عقل يتحدث بالتحديد؟.. سمعتني دكتور؟

أحمد نوفل: الجزء الأخير من السؤال لم يصلني، الجزء الأول وصلني اللي هو القرآن..

عثمان عثمان: ما العقل الذي يتحدث عنه القرآن الكريم؟ هناك أنواع متعددة من العقول، عندنا العقل العربي العقل اليوناني العقل الفلسفي إلى ما هنالك، ما العقل الذي يتحدث عنه كتاب الله عز وجل؟

أحمد نوفل: الحقيقة يعني مرة أخرى القسم الأخير من السؤال غاب يعني أنت أعدت لي الذي سمعته، لا بأس. يعني هناك في القسم الأخير بيحصل دائما خلل ما أدري إيش الحكاية. على كل حال، عن أي عقل؟ أجاوب على اللي سمعته من سؤالك.

عثمان عثمان: نعم تفضل، هذا هو السؤال بالضبط دكتور تفضل.

أحمد نوفل: عن أي عقل يتحدث القرآن العظيم؟ ما فيش شيء اسمه العقل العربي والعقل الياباني والعقل الإفريقي والعقل الأوروبي إطلاقا، العقل واحد، الله تعالى خلق الجميع بعقل واحد إنما تثقيف هذا العقل تربية هذا العقل صياغة هذا العقل تختلف من منهج إلى منهج من ثقافة إلى ثقافة من بيئة إلى بيئة، مصطلحكم الحقيقة العقل القرآني في هذه الحلقة عنوان في اعتقادي موفق ومصطلح دقيق وجميل ومطابق، ولعل أول من أطلقه في حدود ما أعلم حسين القوتلي هذا الكاتب والمحقق الذي حقق ودرس كتاب العقل وفهم القرآن للحارث المحاسبي منذ أربعين سنة أطلق هذا المصطلح "العقل القرآني"، العقل يفهم القرآن والقرآن يسدد العقل ويرشد العقل، في الحقيقة لو جئنا نتكلم عن الفلسفة ما كانت نظرتها إلى العقل، الفلسفة تعتبر العقل يعني هو سند نفسه والعقل هو مصدر يقين ذاته فهو يعني المصحح والمصحح له وهذا الحقيقة خلل، ولذلك العقل الفلسفي أوغل في التجريد والنظرية، أول من قعد فلسفة العقل سقراط ثم أفلاطون ثم أرسطو المدرسة السفسطائية كما يقولون ثم دخلنا في العقل الذي غلبت عليه التصوفية الشرقية، الغنوص الشرقي ثم دخلت الأفلاطونية حيثما دخلت الفلسفة التشاؤمية في أوروبا إذاً تبدلت الفلسفة والعقل دخل في أطوار مرة متشائم مرة متدين مرة ملحد، الحقيقة إذا جعلنا العقل هو الأول والآخر وقعنا في خطأ منهجي قاتل لكن عظمة القرآن العظيم أنه أعطى العقل دورا لكن تحت سقف النقل، العقل يفهم القرآن والقرآن يرشد العقل ويضبط حركته فلا ينفلت في متاهات الفلسفة اليونانية، الحقيقة الفلسفة الإسلامية -من أسف- خاضت في مستنقعات وحاولت أن تجمع ما لا يتجمع، الفلسفة اليونانية مع النظرة القرآنية مع الغنوص..

عثمان عثمان (مقاطعا): نعم دكتور نبقى مع العقل القرآني، القرآن الكريم تحدث عن العقل بصيغ متعددة، تحدث عن التفكر تحدث عن أولي الألباب عن النظر التدبر التبصر التفقه، ما العلاقة بين كل هذه المصطلحات التي ذكرها القرآن الكريم؟

أحمد نوفل: هو حديث القرآن مثلما تفضلت كان يشير إلى العقل الوظيفي أو وظائف العقل، عمر القرآن ما طرح كلمة العقل هكذا بالاسم..

عثمان عثمان (مقاطعا): ما هي وظائف العقل إذاً؟

أحمد نوفل: يعني المستشرقون اتخذوها نقطة ضد القرآن، طبعا لا، القرآن ذكر العقل من حيث الوظيفة لكن ما قبلش أن يطلق مصطلح العقل ليه؟ لأن هناك اللي تفضلت فيه أنت في المقدمة، عندي العقل الفلسفي عندي العقل الخرافي عندي العقل التقليدي عندي العقل المبدع، عقول، عن أيها نتكلم؟ ولذلك فإن القرآن يتكلم عن العقل في حالة الحركة in action كما يقولون، العقل في حالة العمل والوظيفة ولذلك جاء يعقلون، تعقلون، تتفكرون، يتدبرون القرآن، انظروا، وذكر القنوات التي تصب المعرفة وتتلقاها ثم تخزنها في هذا العقل {.. إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً}[الإسراء:36] جمع السمع والبصر والفؤاد في ستة مواطن مختلفة من القرآن العظيم بدءا من سورة الإسراء إلى الجزء المفصل وهو يتكلم عن قنوات هذا العقل، إذاً ذكر العقل في وظائفه اللي أرقاها -فيما أعتقد- الحكمة، الرشد {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ..}[لقمان:12]  آتينا داود الحكمة وهكذا، إذاً ممكن العقل يبدأ بتعقل الأشياء إدراك الأشياء دخولها في منطقة الوعي ثم استرجاع المعلومة وظيفة أخرى، التذكر، ثم العبرة بمعنى أن تنقل الفائدة من ضفة التاريخ إلى ضفة الواقع ثم استنباط قوانين الكون واكتشاف قوانين الكون ثم تسخير هذه القوانين. الحقيقة وظائف العقل مثلما حددها القرآن العظيم عديدة جدا عظيمة جدا هائلة الأبعاد جدا، وأمرنا أن نفعّل قنوات هذا العقل من سمع وبصر وفؤاد فندرب الأذن وتعيها أذن واعية، ندرب البصر على النظر ومعرفة العلل وراء الأشياء، أن ندرب الفؤاد في التقاط المعلومة وإدارتها وتقليب المعلومة على وجوهها حتى نصل إلى حقائق الأشياء ولا نتوقف عند سطوح الأشياء وظواهر الأشياء، إذاً حدثنا القرآن العظيم..

عثمان عثمان (مقاطعا): نعم حدثنا القرآن الكريم بكثرة عن العقل ولكن فضيلة الدكتور يعني ثمة في تراثنا الديني هناك خوف من العقل هناك تشكيك بهذا العقل ربما وصل البعض إلى حد تحقير هذا العقل بخلاف ما يقدم القرآن الكريم العقل، كيف تفسرون هذه الظاهرة؟

أحمد نوفل: تمام، يعني يمر المسلمون بحالات من المد الحضاري والتقدم ويمرون بحالات من الجزر والحسر الحضاري ومن أسف أنه أحيانا حالة الجزر -أو التخلف سمها إن شئت- تحسب على الإسلام ذاته وتحمل على الإسلام ذاته وحاشا يعني إحنا الآن أمتنا للأسف حاطة العقل والنقل أو القرآن العظيم في موقف التضاد للأسف وعمره ما كان العقل والنقل إلا متلازمين مع بعض يعني عمرهما ما كانا ضدين ولا هماش أيضا ندّين يعني مش ندية ما بين العقل والنقل، ولذلك ابن تيمية العبقري العظيم هذا العالم الذي قال "موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول" العقل يدرك هذا لكن القرآن والنقل عموما بيضبط حركة هذا العقل، المتخلفون للأسف حاولوا أن يجعلوا العقل مهمشا وكأن العقل بدعة من البدع أو ضلالة من الضلالات أو رجس من عمل الشيطان وحاشا، يعني بم كان شرف الإنسان أصلا بمكانة؟ ميزة الإنسان لما ربنا قال {..وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ..}[الأحزاب:72] الأمانة، حملها الإنسان بإيه؟ لو ما كانش بالعقل والفطرة ما مؤهلات حمل الرسالة والأمانة والدين؟ هذه الحقيقة الجوهرة العظيمة التي أبدعها وأودعها الله في هذا الإنسان أعظم جهاز في الوجود هذا العقل، طبعا الروح أعظم مش قضية الآن المقارنة بينهما، لكن هذا العقل يحتاج إلى تفعيل، وجود الضدية هذا وهم واختلاق وموقف ينم عن جهل ولا ينم عن إدراك لطبيعة القرآن وموقفه من العقل..

عثمان عثمان (مقاطعا): طيب دكتور اسمح لنا أن نأخذ الدكتور عبد الحميد مدكور أستاذ الفلسفة الإسلامية في كلية دار العلوم بالقاهرة، السلام عليكم دكتور.

عبد الحميد مدكور/ أستاذ الفلسفة الإسلامية في كلية دار العلوم بالقاهرة: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

عثمان عثمان: تفضل دكتور.

عبد الحميد مدكور: بسم الله الرحمن الرحيم، السلام عليكم يا أستاذ عثمان والسلام على الضيف الكريم الدكتور أحمد نوفل ومرحبا بكم في هذا اللقاء الذي يعالج مسألة شديدة الأهمية تحتاج إلى بيان وإيضاح وبرهان. مسألة العقل دار حولها لغط قديم جديد وثار من حولها اتهامات للإسلام وللقرآن وللعقل المسلم الذي أحب أن أتفق مع أستاذي الكريم على أن أسميه العقل القرآني أو العقل الإنساني بصفة عامة، وفي حقيقة الأمر فإن العقل لا ينبغي أن ينظر إليه على أنه ذو سلطان مطلق أو على أنه يؤله تأليها بحيث يكون صاحب الأمر والنهي في النظر في الأمور كلها، العقل ملكة أو قوة أو هبة أو منحة إلهية تقدم للإنسان الذي هو مستخلف من الله عز وجل في هذا الوجود ومن ثم فإنه يحكم ما أعطاه الله من القوى، القوى النفسية والقوى الحسية والقوى التي تمكنه من النظر في الكون والنظر في الوجود والنظر في الطبيعة والنظر في التاريخ وهو محكوم بأنه على هذا النحو يستطيع أن يفعل لكنه لا ينبغي أن ينظر إليه على أنه مؤله كما كان الشأن في الفلسفة اليونانية..

عثمان عثمان (مقاطعا): دكتور دعنا نحدد أكثر يعني لو أردنا أن نوصف العقل القرآني ما هي أبرز مواصفاته ما هي أبرز أدواره؟

عبد الحميد مدكور: العقل الذي جاء به القرآن والذي دعا المسلمين إلى الالتزام به والاستسلام له والاعتماد عليه في نظرهم إلى هذا الوجود هو عقل يبحث في مجالات يمكن له أن يقدم فيها عطاء نافعا من غير الدخول في جدالات أو في جدل عقيم لا يمكنه من الوصول إلى حقائق، عقل ينظر في الكون ويدرك أسراره ويكتشف قوانينه ويلاحظ ظواهره ويتوصل إلى كشف المجهول فيه وينظر في الإنسان من حيث سائر ما يتعلق بهذا الإنسان فردا وجماعة في ظاهره وباطنه في حاضره ومستقبله في آماله وفي تطلعاته، يرتبط بالواقع ارتباطا أكيدا وينظر في هذا الواقع عن طريق الفكر العالي والعميق الذي يقوم على الملاحظة وعلى التجربة وعلى النظر وعلى الاعتبار وينظر في التاريخ لكشف القوانين الكونية التي جعلها الله في الوجود وينظر في المجتمعات..

عثمان عثمان (مقاطعا): بإيجاز شديد لو سمحتم دكتور.

عبد الحميد مدكور (متابعا): من أجل أن يتوصل إلى سننها أيضا لأن المسائل الاجتماعية والظواهر الاجتماعية فيها سنن وقوانين كالسنن التي يجري عليها الكون نفسه.



التفاعل بين الدين والفلسفة وأثره في تعريف العقل

عثمان عثمان: شكرا دكتور عبد الحميد مدكور أستاذ الفلسفة الإسلامية في كلية دار العلوم من القاهرة شكرا جزيلا لك. دكتور يحيل الكثير من الدارسين النهضة الإسلامية الأولى إلى حركة الترجمة التي جرت في عهد المأمون، هل كان للمنحى العقلي القرآني أثر مباشر في ذلك وكيف؟

أحمد نوفل: الحقبة التي يعدونها منقبة أو مفخرة الحقيقة أدخلت علينا خلطا كثيرا والحقيقة جرت علينا مشكلات وويلات، يعني صحيح الاطلاع على ثقافة الآخرين جميل والتلاقح والتثاقف مسألة مطلوبة لكن الفلسفة اليونانية الفلسفة السفسطائية الفلسفة المشائية -كما يقول- الفلسفة اللي خاضت في مناطق يعني الغيب والعقل، ما موقف العقل من الغيب، أينكره ويجحده لأنه لا يقع تحت الحواس مثلا أو يخمن فيه تخمينا ليس عليه برهان ولا دليل؟ العقل هنا يحار، والغيب جزء قطعا من تكويننا الغيب جزء مهم جدا في هذا الكون، فصلنا عن الغيب تحول الإنسان إلى حيوان، إذاً باختصار شديد ترجمتنا للفسلفة اليونانية جعلت كثيرا من الفلاسفة المسلمين الفارابي والكندي وابن سينا وغيرهم يتبنون كثيرا من مقولات الفلسفة بل دخلت مصطلحاتهم في كتب علم الكلام وكتب العقيدة والتوحيد أصبحت مفعمة بالمصطلحات الفلسفية، الحقيقة كنا في غنى، من هنا اضطر الغزالي أن يكتب "تهافت الفلاسفة" اللي رد عليه ابن رشد بـ"تهافت التهافت" وسارت معركة فكرية وجدلية، في الحقيقة المأمون ما كانش ينتقي ما ينبغي أن يترجم إنما كان يترجم الغث والسمين، أنا أعتقد أن حضارتنا وثقافتنا تحتاج إلى إعادة نظر من جديد وتقويم جديد نشوف ما الذي ينفعنا وما الذي لم ينفعنا ولم يكن ينفعنا في ما بعد..

عثمان عثمان (مقاطعا): في تلك الحقبة دكتور التي ذكرتها في عهد المأمون عهد الترجمة وما إلى ذلك يعني نتحدث عن التأثير المباشر للعقل القرآني في تلك المرحلة، ما الأثر الذي تركه؟

أحمد نوفل: يعني الحقيقة الترجمة مثلما قلت يعني حاول المسلمون الفلاسفة المسلمون حاولوا أن يوفقوا ووقعنا هنا في أخاليط يعني ابن سينا والفارابي أوقعونا في متاهات فلسفية وتأثر بهم كثير من المدارس الإسلامية الحقيقة يعني الترجمة جرت علينا باختصار -أنا فيما أعتقد- شرا كبيرا، مش ضد الترجمة -معاذ الله- ولا ضد التواصل الثقافي بين الأمم والشعوب لكن الفلسفة بالذات حملت لنا تراثا مختلطا لم ينسجم معنا ولا مع قيمنا ولا مع العقل القرآني المنضبط بحدود النقل، عندهم العقل الفلسفي اليوناني الحقيقة اللي هم قعد الفلسفة اللي فلاسفاتنا متأثرون بها ويعدون سقراط وأرسطو المعلم الأول بيعدوهم وهم كانوا يقبسون منهم اقتباس التلميذ من الأستاذ، نعم أقول هذا أثر على تجلية العقل القرآني ما هو وعلى المفاهيم التي أصلها القرآن العظيم، هذا الخلط شوش وشوه وما خدمش قضية الفلسفة الإسلامية -بين قوسين- لأن ما هياش تمثل حقيقة الإسلام ما سمي الفلسفة الإسلامية لا ابن رشد ولا ابن سينا ولا الفارابي.

عثمان عثمان: لكن الفلسفة تم تحريمها بعد ذلك وخرجت معضلة العقل والنقل وتصادما في أطروحات الكثيرين من داخل التراث الإسلامي حتى ظهرت تلك المحاولات التوفيقية على النحو الذي قام به ابن رشد، هل ترون أن ذلك كان انتكاسا للعقل القرآني؟

أحمد نوفل: أنا أعتقد أنه نعم محاولة التوفيق بين ما لا يتفق يعني أنا أقول لك نجعل من المنطق والفلسفة أدوات نستفيد مناهج ما عنديش مشكلة لكن المنهج في العقيدة عندنا مثلما يقول صاحب "الظلال" الله يرحمه المنهج والعقيدة لا فكاك يعني التحما التحاما لا ينفك، لكن لما جاءتنا الفلسفة صارت العقيدة تعرض بمنهج فلسفي، واجب الوجود والدور والتسلسل والما صدق والعرض والجوهر وحكاية، دخلنا في متاهة المصطلحات دخلنا في متاهة المناهج فقدنا أصالة المنهج. أنا أعتقد أنه كان خطأ وخطرا الخلط ما بين الفلسفة والدين وتوفيق ما لا يتفق، مش ما يتفق مع المنطق ومع التفكير -معاذ الله- ما حدش يفهم كلامنا غلط، المنطق من حيث هو أداة تفكير نعما والفلسفة من حيث هي يعني أدوات ومناهج ما عندناش مشكلة لكن عندنا مشكلة صارت البلاغة فلسفة صارت أصول الفقه فلسفة صار النحو فلسفة صار يعني كثير من أشيائنا، التفسير غلب عليه الطابع الفلسفي كالرازي، يعني للأسف انبهارنا بالفلسفة اليونانية أفقدنا لحقبة من الوقت أصالة المنهج ونقاء المنهج، الحقيقة آن أن ننقي هذا التراث من لوثة التفلسف ومحاولة التوفيق ما بين النظرة القرآنية للعقل والفلسفة اليونانية وموقفها من العقل..

عثمان عثمان (مقاطعا): اسمح لنا دكتور أن نأخذ الدكتور أبو يعرب المرزوقي أستاذ الفلسفة في الجامعة التونسية، السلام عليكم دكتور.

أبو يعرب المرزوقي/ أستاذ الفلسفة في الجامعة التونسية: أهلا مرحبا كيف الأحوال؟

عثمان عثمان: دكتور هل يمكن الحديث عن عقل قرآني؟

أبو يعرب المرزوقي: إذا كان القصد بمفهوم العقل التعريف الفلسفي الذي استمعت الآن ذمه فلا يمكن، ولكن العقل أوسع من التعريف الفلسفي الذي كان في ذلك الوقت معمولا به، بهذا المعنى العقل من حيث هو قدرة إنسانية على فهم الآفاق والأنفس على فهم الوجود يمكن أن نعتبر القرآن نفسه عقلا بهذا المعنى.

عثمان عثمان: وماذا بشأن الفلسفة؟

أبو يعرب المرزوقي: الآن استمعت إلى هجوم على الفلسفة وهي التي أفسدت فكرنا وثقافتنا، أعتقد أن الذي ربما يتهم بهذا ليس الفلسفة من حيث هي فعل وإنما أحد أشكالها الذي كان سائدا في ذلك الوقت، أما فعل التفلسف بمعنى البحث عن الحقيقة فهو مشترك بين الفكر العقلي والفكر الديني.

عثمان عثمان: نعم، شكرا الدكتور أبو يعرب المرزوقي أستاذ الفلسفة في الجامعة التونسية. دكتور لو أردنا أن نتحدث اليوم في غياب العقل القرآني، مخالفة المسلمين الآن لما قدمه القرآن الكريم في قيمة العقل، ما أهمية الاعتبار الآن للعقل القرآني؟

أحمد نوفل: لو تعطيني السؤال موجزا لأن الصوت كان ضعيفا جدا.

عثمان عثمان: أهمية إعادة الاعتبار للعقل القرآني اليوم؟

أحمد نوفل:  تمام. أولا أنا ما شنيت يعني حملة على الفلسفة مثلما قال الدكتور أبو يعرب المرزوقي، الحقيقة أنا شنيت حملة على فلاسفتنا الذين نقلوا نقل مسطرة الفلسفة اليونانية، نحن في غنى عنها، هذا الكلام، وأنا متفق معه أنه من حيث هو فعل عقلي التفلسف ما فيش مشكلة لكن من حيث هو مقاييس وموازين ومعايير وضوابط ومنهج في التفكير غير منضبط بدين ولا بغيره كالفلسفة اليونانية أنا مختلف عنهم تماما فالخلط ما بين هذه الأشياء ينبغي أن ينتهي، هذا اللي أنا قلته لكن الفلسفة من حيث هي أداة لتثقيف العقل من حيث هي منطق يضبط حركة العقل ما عندناش مشكلة، من حيث هي مقولات، طيب عندي الفلسفة التشاؤمية شبنغلر وغيره مثلا، أنا أتبنى مثل هذه الفلسفة؟ عندي الفلسفة الوجودية التي جعلت الإنسان مرة في الأعلى مرة في الحضيض، أنا أتبنى مثل هذه الفلسفة؟ أنا أتكلم عن التفلسف من حيث هو عمل عقلي ما فيش مشكلة. على كل حال..

عثمان عثمان: دكتور يعني ما أهمية إعادة الاعتبار إلى العقل؟ أسمع الإجابة إن شاء الله بعد وقفة قصيرة فابقوا معنا مشاهدينا الكرام.



[فاصل إعلاني]

أهمية ومنهجية إعادة الاعتبار للعقل القرآني

عثمان عثمان: أهلا وسهلا بكم مشاهدينا الكرام من جديد إلى حلقة هذا الأسبوع من برنامج الشريعة والحياة والتي نتحدث فيها عن العقل القرآني مع فضيلة الدكتور أحمد نوفل أستاذ التفسير في الجامعة الأردنية. دكتور يبقى السؤال قائما عن أهمية إعادة الاعتبار إلى العقل القرآني اليوم؟

أحمد نوفل: نعم يا أخي، إعادة الاعتبار للعقل وجعله في المنزلة التي أعطاه الله تبارك وتعالى لهذا العقل، يعني إحنا مش عاوزين نتفلسف ولا عاوزين نبتدع شيئا القرآن لم يأت به إنما نعيد العقل إلى الوضع اللي القرآن حطه فيه ونعيد للعقل المنزلة التي أعطاه الله تعالى إياها، أن نرجع الأمور إلى نصابها فقط تجديد الفهم الديني فحسب ولسنا نبتدع شيئا ولا نضيف على الدين شيئا، الدين من فضل الله كامل وموقفه من العقل لا أروع، وجميل أن يقرأ في هذه المناسبة كتاب العقاد "التفكير فريضة إسلامية". يا مسلمون، الله تعالى أمركم أمرا بالتدبر والتعقل والتفكر، هذا الدين، كيف جعل المسلمين أوان وزمان أوقفوا فيه الاجتهاد؟ منتهى التخلف أن نوقف التفكير، فقدنا إنسانيتنا إذاً، أنا أفكر إذاً أنا موجود، هذه حقيقة. على كل حال إعادة الاعتبار يكفي ان نستحضر أن أول دفعة من الوحي -يا مسلمون- كانت اقرأ، {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ}[العلق:1، 2] اقرأ مرة ثانية {اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ}[العلق:3- 5] دي الدفعة الأولى من الوحي، إذا حللنا الكلمات حنلاقي كلها عن الإنسان اللي هو أداة هذا العلم وحامل هذا العقل ثم اقرأ اللي هي فعل هذا العقل ثم تعليم وهكذا، إذاً لا بد أن نعيد الاعتبار ومهم جدا إعادة الاعتبار وتنحية كل ما علق بالنظرة الإسلامية نحو العقل من زراية أو من تأخر موقعه كل هذا الكلام نبعده ونزيحه ونعيد للعقل فضله ومنزلته واعتباره مثلما الله تعالى أراده مثلما القرآن أعطاه هذه المنزلة..

عثمان عثمان (مقاطعا): ما المنهجية دكتور، ما المنهجية التي يرسيها القرآن الكريم في إعادة الاعتبار إلى العقل في بناء العقل والتعقل في شتى مجالات الحياة يعني المجالات الحياتية الإيمانية الفكرية وغير ذلك؟

أحمد نوفل: أوجز لي الله يكرمك لأنه ضعيف هنا الصوت، أوجز لي السؤال مرة أخرى، سامحني.

عثمان عثمان: لا بد أن هناك منهجية قرآنية في بناء العقل والتعقل، ما هي هذه المنهجية؟

أحمد نوفل: تمام، الله يكرمك. أولا نسقط كل معيقات العقل أو معوقات العقل من خرافة من أسطورية من تفكير خوارقي ولا غيره كل هذا الكلام الذي كان يعرقل العقل نزيحه ثم نفتّح الملكات، نزيح الغفلة نزيح الركام الذي كان موجودا ويجعل العقل مؤطرا في إطار هذا الركام ويتحرك ضمن هذا الركام، الآن القرآن أزاح كل هذه الأغلال والقيود وقال {..انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ..}[يونس:101]، يعني القرآن كلام الله، الكون كتابه الثاني، ونقرأ الكتاب المسطور ونقرأ الكتاب المنظور فنكتشف قوانين الكون ونكتشف السنن الموجودة في القرآن ونجمع ما بين الاثنين حنلاقيهم منسجمين مع بعض تمام الانسجام، يعني هذا جزء من خطة القرآن في إعادة الاعتبار إلى العقل. جزء آخر أن العلم وطلب العلم، والنبي الكريم مهمته كلها لخصها القرآن في خمس مهمات كلها تعليم {.. يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ }[البقرة:151] التعليم إذاً تدريب العقل على التفكير تدريب العقل على تنضيد المعلومات وعلى نبذ كل ما لا يعقل ولا يتصور ولا يليق، طبعا الغيب نؤمن به لأنه قام عليه الدليل بل إن المحاسبي اللي ذكرناه قبل شوية يقول "لا يتقبل الله عملا إذا لم يدرك صاحبه ما يفعل" يعني بمعنى أن العمل شرط صحته العقل، وعلماء العقيدة عندنا قالوا "لا تصح عقيدة المقلد"، لا بد أن تقوم العقيدة على نظر وعلى استدلال. أحبابنا الكرام يعني هذه بديهية جدا أن هذا الدين أعلى من شأن العقل وأعاد له الاعتبار وحطه في مركز الصدارة وإلا قل لي كيف نفهم القرآن الكريم؟ بم نتدبر بم نستنبط كنوز القرآن الكريم إن لم نفعّل العقل؟ إذاً القرآن أوجد البيئة المتعلمة التي هذه البيئة أوجدت مناخا صحيا للتفكير، وضعت الأغلال والقيود التي كانت تعوق حركة العقل، عمره ما كان عندنا محاكم تفتيش على العقل ومحاكمة للعقلاء وما يعقلون وللمبدعين وما يبدعون، عمره ما كان عندنا في الدين هذا الكلام إطلاقا. إذاً أعطى العقل حرية النظر، طبعا ضمن ضوابط القرآن ضمن ضوابط النقل جعل له إطارا ينظم حركته مثلما عملنا للطائرات مدرجا، من غير مدرج تتحطم الطائرة ومن غير منهج يتحطم العقل، فالقرآن أعطانا منهجا مثلما إحنا وضعنا للطيران مدرجا فالمدرج في خدمة..

عثمان عثمان (مقاطعا): نأخذ الأخ أحمد الراوي الذي يقول "هل يمكننا القول بأن العقلية التي ينشئها القرآن الكريم هي التي تقرأ كتاب الله المنظور وهو الكون وكتاب الله المقروء وهو القرآن الكريم ويراد للمؤمن أن يتفكر في هذا الكون ليكتشف أسراره؟" يعني كما ذكرتم منذ قليل. اسمح لنا دكتور أن نأخذ الدكتور محمود نفيسة مدير المعهد المتوسط للعلوم الشرعية والعربية من دمشق، السلام عليكم دكتور.

محمود نفيسة/ مدير المعهد المتوسط للعلوم الشرعية والعربية- دمشق: وعليكم السلام ورحمة الله.

عثمان عثمان: دكتور وردت صيغ متعددة في القرآن الكريم تستنكر يعني تعطيل العقل، أفلا تعقلون، أفلا تذكرون، أفلا يتدبرون، أفلا تبصرون، إلى آخر الآيات، فضلا عن تشبيه معطلي العقل بأنهم كالأنعام بل هم أضل، هل توضحون موقف القرآن الكريم من موضوع تعطيل العقل؟

محمود نفيسة: اسمح لي بداية أن أغتنم الفرصة لأعبر عن شكري لقناة الجزيرة على هذا البرنامج المتميز وأشكر أيضا المعد والمقدم وجميع العاملين..

عثمان عثمان: مرحبا بك دكتور، تفضل، شكرا جزيلا.

محمود نفيسة: الله يبارك فيك. بالحقيقة يعني تعطيل العقل في الحضارة الإسلامية هذا أمر وارد ولكن علينا أن نضع القضية في مساقها الصحيح صحيح فأي حضارة من الحضارات كما أشار ابن خلدون تمر بأطوار مختلفة وحالات متعددة من التقدم إلى الانحدار ومن الانحدار إلى القوة مجددا، وفي طور الانحدار تميل الحضارة إلى التقهقر في مختلف المجالات منها ما هو علمي أو تجريبي أو فكري أو ما إلى ذلك فلا نستطيع أن نعمم القول بأن هناك ترد في تعطيل العقل في الحضارة الإسلامية رغم وجود آيات قرآنية كثيرة لا مجال أو يعني لا داعي لسردها فهي حاضرة في أذهان الجميع، فتعطيل العقل في طور معين من أطوار الحضارة الإسلامية وليس في الحضارة الإسلامية عموما، طبعا هناك أجد أن هناك أسبابا إذا أردنا أن نقرأ في التاريخ أو في تاريخ الفكر هناك أسباب معينة يعني شكلت رؤية عامة أو موقفا من العقل، أولا من المعلوم للجميع أن الحضارة الإسلامية حضارة نص نشأت وترعرعت في أحضان الوحي الإلهي ولكن بالمقابل نشأت هناك فرق متعددة وقفت في مقابل النص وهذه ادعت أنها عقلانية وإلى الآن تنسب إلى العقل من قبل جميع من يدرسون هذه الفرق كمثلا المعتزلة أو الغنوصية أو الفلسفة المشائية في مقابل النصيين أو الوحي الإلهي، فالحضارة الإسلامية حضارة وحي إلهي يعني نحن مثلا إذا نظرنا إلى الأشاعرة وهي الفرقة الأكثر اتساعا في العالم الإسلامي هي لم تستنكر العقل وإنما وضعته في مساقه الصحيح ووضعته في خدمة النقل، فالحضارة الإسلامية عموما هي حضارة وحي نص إلهي مقدس، نحن يعني إذا أردنا أن نقرأ أيضا -اسمح لي أن أضيف شيئا- يعني في طور الضعف في طور ضعف الأمة الإسلامية سادت بعض المفاهيم الخاطئة في عصور الانحدار فمثلا وضعت شروط يصعب أو يستحيل تحققها بالنسبة للمجتهد وأغلق باب الاجتهاد وفتح باب التقليد على مصراعيه فانتشرت مقولات من قلد عن ومن لقي الله سالما وليس بالإمكان أبدع مما كان ولم يترك المتقدمون للمتأخرين شيئا، في مقابل تهميش مفاهيم أخرى كان ينبغي أن توضع وتفعّل أيضا منها..



العلاقة بين العقل والإيمان وبين العقل والنقل

عثمان عثمان (مقاطعا): شكرا الدكتور محمود نفيسة مدير المعهد المتوسط للعلوم الشرعية والعربية كنت معنا من دمشق. دكتور الإيمان بلا عقل يؤدي إلى الخرافة، قد حاول القرآن الكريم سد منافذ الخرافة، حرم الكهانة والسحر والشعوذة وادعاء الغيب وما إلى ذلك يعني كيف فتح القرآن الكريم منافذ العقل على مصاريعها؟

أحمد نوفل: نعم يا أخي يعني أولا جعله معتمد التعامل مع القرآن والكون في آن وجعله أساس التعبد لله عز وجل وأساس التدين وحمل الرسالة، حرره من كل المعيقات مثلما قلنا، منعه من التقليد منعه من التبعية العمياء، {..إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ}[الزخرف:22]، منعه من سيطرة الخرافة والأساطير اللي راجت قرونا طويلة جدا وحضارات قامت على خرافات للأسف، كل هذا الكلام القرآن أوقفه، وهناك الإسرائيليات اللي أيضا عطلت العقل، القرآن والسنة كان حربا على هذه الإسرائيليات يعني لما أقول ألخص الكلام أقول بنو إسرائيل احتلوا أرضنا والإسرائيليات احتلت عقلنا وآن نتحرر من الاثنين إن شاء الله تعالى. إذاً أولا أزاح كل العقبات والمعيقات من طريق العقل ثم قال له تحت سقف النقل أبدع أيها العقل بلا حدود، تحت سقف النقل طبعا، أبدع وافهم وتدبر وانظر واكتشف قوانين الكون، إذاً حرضه وحضه وشجعه وأوجد له البيئة الصالحة والمجتمع الصالح ثم جعل لنا كتابا بعدما كنا أمة أمية صرنا أمة كتاب وجعل الرسول أعظم معلم لنا، يعني إذاً مناخ شامل كامل متكامل من شأنه أن يفعّل العقل، ثم البيئة كلها تعليم وتعلم وتلاقح فكري وثقافي ثم شورى، الشورى إيش هي؟ اللي هو أمرهم كله سياسي واقتصادي واجتماعي وإعلامي وعسكري وكله شورى يعني العقول تبدع وتفكر، إذاً المناخ وفي حرية مطلقة حرية التفكير حرية التعبير هذا المناخ الصحي من نبذ الخرافة أيضا اللي هي التخلية بعدين التحلية ثم إيجاد المنهج للتفكير المنهج السليم ثم الإعمال الأقصى للعقل وتفعيل الأدوات، إزاحة ستار الغفلة عن الملكات اللي كانت متبلدة السمع والبصر والفؤاد، قال له انظر ماذا في السموات، لما العقل هذا جعلناه عقلا مؤمنا اختزلنا كثيرا من المجهود والوقت يعني بدل ما العقل يقعد مشغولا طول وقته من خلقني؟ من أوجدني؟ إلى أين المسير إلى أين المصير؟ الأسئلة الوجودية الخطيرة جدا والتي لا يمكن أن تهدأ النفس والملكات ولا القلب ولا الروح ولا العقل..

عثمان عثمان (مقاطعا): يعني هنا السؤال دكتور، في بعض الأوقات يتم تعطيل العقل باسم الإيمان ويوضع العقل والإيمان على طرفي نقيض، العلاقة بين العقل والإيمان كما يقدمها القرآن الكريم كيف تكون؟

أحمد نوفل: أخي الكريم، العقل والإيمان، لا يمكن نصل للإيمان إلا عبر قناة العقل يعني هذا وضع العربة أمام الحصان هذا مشكل الحقيقة وليس المشكل في القرآن أو في الدين -معاذ الله- إنما المشكل في الناس اللي عم تعبر والناس يمكن اللي غالت في العقل فقمنا إحنا تطرف يقابله تطرف مضاد، نبذنا العقل وأهملنا العقل وهجرنا العقل ونسبنا له كل مصيبة، يعني قال لك المعتزلة خربوا بيتنا، ليه؟ لأنهم فعّلوا العقل، لا يا عم، عمر تفعيل العقل ما بيجيب خراب ديار إنما تعطيل العقل هو اللي بيجيب خراب الديار هو اللي بيجيب الويلات، إذاً باختصار، الإيمان طريقه أصلا الإيمان التفكر، التفكر هو تفعيل طاقة العقل، انظر، تفكروا، أولم يتفكروا، إذاً ما طريق الإيمان؟ أن تنظر ويعني كان يصاغ هذا الكلام بأن يعني الآثار تدل على المؤثر والشيء يدل على المشيئ وهكذا يعني أستطيع من خلال هذا الكون دقته إحكامه انضباطه، {..هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ}[الملك:3]، القرآن يقول لي {..انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ..}[يونس:101]، {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا..}[الأنبياء:22]، وإبراهيم أبو الأنبياء عليهم جميعا الصلوات يفعّل طاقة الحوار وطاقة الجدال مع قومه من أجل أن يصل بهم إلى بر الأمان وإلى شاطئ الإيمان وإلى الحقيقة فينظر لهم -ينظر لهم لا له- في النجوم فيقول هذا الكوكب ربي؟ ثم يأفل الكوكب فيقول {..لا أُحِبُّ الآفِلِينَ}[الأنعام:76] وهكذا يكسر الأصنام مش علشان يكسر الأصنام علشان يزيل الخرافة من العقل فيكسر الأصنام مش من باب أنني عاوز أزيل الأصنام المادية أنا عاوز أزيل الأصنام من الداخل، ولما موسى يقول لقومه اذبحوا بقرة هو عاوز يزيح البقرة اللي تتربست في القلوب والعقول، إذاً الدين كان ثورة على الجمود ثورة على التقليد ثورة على الآبائية ثورة على الخرافة والأساطير وتعطيل العقل. إذاً أعزتنا مشاهدينا إخوانا، هذا الدين العظيم ينبغي أن نتوازن، إذا قوم غالوا في العقل ما أقومش أنا أغالي في الطرف المضاد فأنبذ العقل فأعطل أداة فهم القرآن زي ما بأكون عطلت القرآن ذاته لأن..

عثمان عثمان (مقاطعا): في موضوع تعطيل العقول أيضا دكتور يعني غالبا ما يعطل العقل أيضا باسم النقل يعني القرآن الكريم هل رسم العلاقة بين العقل والنقل بشكل مباشر؟

أحمد نوفل: صحيح، صحيح، يعني القرآن فعلا حدد هذه العلاقة ورسم معالم هذه العلاقة، مهمة العقل التفكر في النص، التفكر في الكون في الكتابين، طبعا السنة جزء من المنظومة يعني التفكر في كتاب الكون والتفكر في كتاب الخلود القرآن العظيم بالتدبر بالفهم بالاستنباط بالقياس بالمقارنة بالنظر الدقيق والعميق، استخراج ما كنز في هذا القرآن وفي الكون من كنوز، إذاً نعم أطر القرآن العلاقة ووضعها في أجمل توافق وانسجام وقال طريق الإيمان هو طريق أن العقل، كيف عرفنا الله عز وجل إن لم يكن بالعقل؟ ما سلمناش تسليما لأن أباءنا كانوا مؤمنين إطلاقا، إنما آمنا بالله عز وجل لأننا نظرنا في الكون فعرفنا أن للكون مكونا، رأينا الحكمة رأينا القدرة رأينا العلم رأينا اللطف رأينا التدبير والتقدير فلينظر الإنسان مم خلق  {أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ}[الغاشية:17]، {إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ..}[الأعراف:54] وهكذا من خلال هذه الآيات المبينات يعني مئات الآيات كلمتنا عن حقائق الكون العلمية، طيب ليه؟ علشان نكتشف قوانين الكون من أجل أن نصل من خلال هذه القوانين إلى الذي قننها، من خلال الكون إلى المكون لهذا الكون. نعم أخي الكريم، وضع القرآن إطارا للعلاقة بل تفاصيل هذه العلاقة وقال للعقل يا أيها العقل انطلق وأبدع، الكون مفتوح أمامك ونصوص القرآن العظيم مفتوحة أمامك لكنها تضبط حركتك، ما فيش داعي أنني أبدأ من المربع الأول دائما من الصفر، أفترض فرضيات مثلما طه حسين كان عاوز يبدأنا بمنهج الشك، دائما نبدأ من المربع الأول، هذا مش تفكير إطلاقا هذا نسف لما بناه العقل، ليست عقلنة العقل أن نبدأ من الصفر، إطلاقا، لكن عقلنة العقل أنا عندي تراث..

عثمان عثمان (مقاطعا): اسمح لي دكتور أيضا يعني أن آخذ سؤالا من الفيس بوك من الأخ عزام أحمد يقول ما هو المقدم، العقل أم النقل عند الاختلاف؟

أحمد نوفل: العقل والنقل إن شاء الله لن يختلفا، إطلاقا إطلاقا لكن..

عثمان عثمان: اختلاف ظاهري قد يكون.

أحمد نوفل: ما أنا حأقول لك، القرآن العظيم قطعي الثبوت لكن من حيث الدلالة ممكن يحمل دلالة تفهم أنت النص وأفهم أنا النص يفهم ثالث ورابع النص فالمقدم طبعا النقل لكن إذا كان النقل هو حديث مثلا هذا الحديث ضعيف أو حديث قد يكون موضوعا ولكنه رائج فأقدم العقل عليه قطعا، أقدم العقل على فهم قاله القرطبي ولا سين من المفسرين فهم خاطئ للآيات أقدم العقل على الفهم الخاطئ للآيات مش أقدم العقل على الآيات -معاذ الله- إذاً في حالة الاختلاف لن يختلف القرآن والعقل والنقل لن يختلف إنما يختلف العقل مع فهم للقرآن، نعم يختلف العقل مع بعض مرويات الحديث بتكون ضعيفة بتكون موضوعة بتكون متسرب إليها شيء من الإسرائيليات، وبعض التابعين وغير التابعين رووا إسرائيليات فدي ضد العقل وضد قانون الكون، يعني لما يقول لي إن الأرض خلقت في ستة أيام ورب العالمين يقول في يومين فيعني كأنه هنا أنا مطلوب مني أن أعيد النص إلى الواقع والحقيقة، فأقدم العقل على فهم خاطئ للآيات أو على روايات ضعيفة للأحاديث.

عثمان عثمان: شكرا الدكتور أحمد نوفل أستاذ التفسير في الجامعة الأردنية كنت معنا من عمان، شكرا على حضورك معنا، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة لكم تحيات معد البرنامج معتز الخطيب وسائر فريق العمل، دمتم بأمان الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.