- دوافع ومساوئ التبرير وفضيلة الاعتراف بالخطأ
- المدخل العقدي وازدواجية المعايير في ثقافة التبرير
- جوانب العقاب والابتلاء في المحنة
- حول فقه الحيل والخلاف الفقهي وأهمية التوبة


عثمان عثمان
يوسف القرضاوي

عثمان عثمان: مشاهدينا الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلا ومرحبا بكم على الهواء مباشرة في هذه الحلقة الجديدة من برنامج الشريعة والحياة. يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز {..وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}[الأنبياء:35]، ويقول عز من قائل {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيراً}[النساء:97] فمتى تكون المحنة ابتلاء ومتى تكون عقابا؟ وكيف يمكن وضع حد لاستغلال النصوص لتبرير مختلف الأهواء والأخطاء؟ ثقافة التبرير ومداخلها موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة شيخنا العلامة الدكتور يوسف القرضاوي. مرحبا بكم سيدي.

يوسف القرضاوي: مرحبا بكم يا أخ عثمان.

دوافع ومساوئ التبرير وفضيلة الاعتراف بالخطأ

عثمان عثمان: التبرير فضيلة الدكتور أصبح ثقافة لكثير من الأفراد والجماعات وربما الدول، لماذا يلجأ الإنسان إلى ثقافة التبرير؟

يوسف القرضاوي: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا وإمامنا وأسوتنا وحبيبنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه، ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، نحمدك اللهم على كل حال ونعوذ بك من حال أهل النار. ثقافة التبرير هذه متصلة بتربية الشخصية التربية الإسلامية الحقة تعلم المسلم أن يعترف بالخطأ إذا أخطأ ويعترف للآخرين بالإحسان إذا أحسنوا ولكن إذا ساءت التربية وساء الفهم وساء التوجيه فإن الإنسان لا يعترف لغيره بإحسان إذا أحسن يريد أن يغطي على إحسانه ولا يعترف له بفضل ويريد هو ألا يعترف بأي خطأ أو خطيئة، أي خطأ في الرأي أو أي خطيئة في السلوك دائما هو يعني الإنسان الذي فوق الشبهات والذي لا يخطئ وكأنه معصوم كأنه نبي معصوم أو ملك مطهر مع أن الأنبياء فقط هم المعصومون ومع هذا القرآن نسب إلى بعض الأنبياء أنهم أذنبوا من باب يعني حسنات الأبرار سيئات المقربين، فالملائكة هم المطهرون الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ}[الأنبياء:28] أما الناس جميعا فقد خلقوا من طين أو من تراب والطين لا يخلو من الكدر الطبيعي فهذا هو يعني سوء التربية أو عظة للتربية التي تجعل الإنسان على هذه الوتيرة، لا يعترف على نفسه بخطأ ولا يعترف للآخرين بفضل، وهذا بئس المسلك.

عثمان عثمان: وربما هذا نستطيع أن نقول عبارة عن تنزيه الذات، إظهار النفس دائما أنه يعني هو في موقع المصيب..

يوسف القرضاوي: والقرآن بسميها تزكية النفس، يعني يزكي نفسه يمدح نفسه، قيل لبعض الحكماء ما الصدق القبيح؟ قال ثناء المرء على نفسه، يعني حتى لو كان هو كما يدعي إنما الإنسان ما يمدحش نفسه ما يقولش أنا أحسن عالم وأنا أفضل كذا، المفروض الإنسان يكون متواضعا باستمرار، كما يقول الإمام الغزالي المفروض الواحد لو كان هو شاب يقول والله الشيوخ دول أفضل مني لأنهم أطاعوا الله قبلي وعملوا الحسنات قبلي وإذا كان هو العكس يقول هؤلاء الشباب والله أمامهم فرصة أن يتداركوا أن يتوبوا وأنا شبت ولم أتب، يعني دائما يجعل نفسه هو الأقل. فأما تزكية النفس فالله تعالى يقول {..فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى}[النجم:32]، قال نحن شعب الله المختار ونحن أبناء الله وأحباؤه، فربنا قال {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً}[النساء:49] ومن هذا هذه التزكية للنفس وتنزيه الذات هي يعني من أسباب الهلاك، النبي عليه الصلاة والسلام يقول ثلاث مهلكات "شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه" يتبع هواه ويعجب بنفسه، الغرور، العجب كما قال القرآن {..وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً..}[التوبة:25] الإعجاب مدعاه الهلاك، وسيدنا عبد الله بن مسعود يقول "اثنتان مهلكتان، العجب والقنوط" اليأس، لأن اليائس لا يسعى، يعتقد أن الأمر مستحيل يسعى ليه ويتعب؟ والمعجب هو حصل كل شيء حيسعى ليه؟ فهاتان هما آفتان مهلكتان، فالإعجاب بالنفس والغرور بالذات هو من أسباب التبرير، سيادة مبدأ التبرير وفكرة التبرير وثقافة التبرير.

عثمان عثمان: يعني في مواجهة الإعجاب بالنفس الغرور نتحدث عن الاعتراف بالخطأ يعني ما فضيلة الاعتراف بالخطأ؟ ما فضيلة مواجهة هذا الخطأ؟

يوسف القرضاوي: الاعتراف كما قال أحد الحكماء يقول لك "الاعتراف يهدم الاقتراف" يعني إذا اقترفت ذنبا أو خطأ أو خطيئة واعترفت به هذا الاعتراف يمحو مثل التوبة، والاعتراف هو بداية التوبة "والتائب من الذنب كمن لا ذنب له" وعندنا نموذجان، نموذج إبليس ونموذج آدم كلاهما عصا ولكن ما أبعد الفرق بين المعصيتين، معصية آدم كانت معصية شهوة ضعفت إرادته ونسي الأمر الإلهي أمام إغراء الشهوة كما قال القرآن {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً}[طه:115] ولكن إبليس كان معصيته معصية رفض، رفض أوامر الله عز وجل، لذلك زي ما يكون دي معصية جارحة ودي معصية قلب وفرق كبير بين معصية القلوب ومعصية الجوارح وبين طاعات القلوب وطاعات الجوارح، آدم سرعان ما اعترف بخطئه وقال هو وزوجه {قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}[الأعراف:23] فهذه كانت محاء، محت الذنب تماما ولذلك القرآن يقول {..وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى، ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى}[طه:121، 122]، {فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}[البقرة:37] أما إبليس لا، إبليس كان مغرورا وظل يبرر خطأه {..قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ}[الأعراف:12] إزاي أنا أسجد له وأنا أفضل منه؟ خلقتني من نار وخلقته من طين، هو بيعترف أن الله خالق كل شيء ولكن لا يكفي أن تعترف أن الله هو الخالق إذا لم تعترف أنه من حقه أن يأمر وأن ينهى وأن تطيع أمره وتنتهي عن نهيه، إبليس رفض ذلك {..قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} ورفض أن يعترف بذنبه فقال القرآن {..إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ}[البقرة:34] فهذه الثقافة اللي عند آدم كانت ثقافة الاعتراف والإقرار بالخطأ أو الخطيئة أما إبليس فهو يبرر أنه من حقه ألا يسجد لآدم لأنه أفضل من آدم، إزاي المخلوق من الطين ده أسجد له أنا!

عثمان عثمان: دكتور يعني ثقافة التبرير التي أصبحت شائعة ربما تهدد محاولات الإصلاح على مستوى الأفراد وعلى مستوى الجماعات وعلى مستوى الدول، كيف يمكن أن نشيع هذه الثقافة لتصبح واقعا في حياة الناس؟

يوسف القرضاوي: ثقافة الاعتراف؟

عثمان عثمان: نعم.

يوسف القرضاوي: آه، هذا يتعلق بأسلوب الدعوة من ناحية على الدعاة أن يوعوا الناس بالواجب عليهم، بحقيقة الدين لأن كثيرا ما يتعلق الناس بقشور من الدين وفاهم وقاعد يقول سبحان الله سبحان الله سبحان الله وكذا وهو نفسيته يعني سيئة نفسيته رديئة لا يعترف لإنسان بشيء ولا يعترف على نفسه بشيء، هذه الدعوة والتربية يعني لازم الدعاة يحسنوا الدعوة ولازم المربون يحسنوا التربية، المربون في المدارس المربون في الجماعات، المربون في الأسر، يعني تبدأ من حياة الأسرة، إذا كانت الأسرة ما حدش يعترف منها بشيء ابتداء من الأب والأم وكذا ما حدش يعترف أنه أخطأ أبدا، إنما الأم لما يعني تحسن فهمها لدينها وتحسن سلوكها وتحسن تربية أبنائها نجد هذه الثقافة هي السائدة إنما للأسف العالم لا يعترف أنه أخطأ في وقت من الأوقات ويمكن يعني يستفتى ويفتي ولكن تكون فتواه خطأ، خصوصا في عصرنا هذا عصر الفضائيات الواحد يستفتى على الهواء وما أسرع، هو عنده إجابة لكل سؤال وحل لكل مشكلة ولا يقول يوما لا أدري، يعني الإمام مالك سئل أربعين سؤالا فقال في 36 منها لا أدري، وعلماؤنا قالوا من قديم من قال لا أدري فقد أجاب، وقال ابن عباس من أخطأ لا أدري أصيبت من قاتله، اللي يخطئ هذه الكلمة وتستنكف أن يقول لا أدري أصيب في مقتل لأن كل واحد يعرف شيئا ويجهل شيئا، كما قال الشاعر حفظت شيئا وغابت عنك أشياء، وكما قال الله تعالى {..وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً}[الإسراء:85] وحتى النبي صلى الله عليه وسلم كان يسأل بعض الأسئلة يقول لم يجئني شيء ما نزلش علي وحي، ما أقدرش أجيب في هذا الأمر. ولكن هناك من يستطيع أن يجيب عن كل شيء ولا يقول في شيء انتظر والله حتى أراجع هذا الأمر، هذا سؤال يحتاج إلى مراجعة إلى مشاورة إخواني من العلماء، لا يستطيع للأسف بعض الناس أن يقول هذا، هو مفتي العالم وشيخ الإسلام والمجيب عن كل صغيرة وكبيرة! وكان السلف يفخرون بأنهم يقولون لا أدري، فلما سئل بعضهم فقال أنت تقول لا أدري قال له ولماذا لا أقول؟ الملائكة سئلوا فقالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، والإمام مالك جاء واحد يسأله سؤالا قال له والله هذه لا أحسنها، قال له هذه مسألة بسيطة وخفيفة، قال له ليس في العلم شيء خفيف، إن الله تعالى يقول {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً}[المزمل:5] وبعضهم قال له أنا جئت إليك من بلاد كذا وكذا أسألك أرجع أقول للناس إيه؟ قال له ارجع قل لهم إن مالكا لا يحسن هذه العملية، فبعض شيوخ مالك قال له والله يا بني ما كنت في يوم أنبل منك هذا اليوم، أنك قلت لا أدري لا أحسن، ارجع قل لهم ما يعرفش مالك هذه القضية، هذه الثقافة التي يجب أن تسود.



المدخل العقدي وازدواجية المعايير في ثقافة التبرير

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور هناك مداخل عدة للتبرير منها ما هو فقهي منها ما هو فكري منها ما هو عقدي، يعني في الموضوع العقدي الأخ رأفت بلعاوي يقول ما علاقة قضية الابتلاء والتبرير بقضية أساسية في علم الكلام والعقيدة وهي قضية خلق الأفعال والتخيير والجبر؟

يوسف القرضاوي: هو نحن نؤمن بالقدر وبعقيدة القدر، إن الله قدر كل شيء {..وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً}[الفرقان:2] ومعنى القدر أن الله قبل أن يخلق الأشياء علم بها، يعني ما فيش شيء.. وأرادها بإرادته وكتبها كما قال الله عز وجل {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ}[الحديد:22] ربنا كتب هذا، ولكن الله يكتب الأشياء كما تحدث، يعني الإنسان ربنا وهب له الإرادة والاختيار والقدرة فهو بيستعمل هذه القوى التي هي من الله له وهبها الله له يستعمل وربنا بيحاسبه على هذا الأساس، فليس مجبورا قط {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا..}[فصلت:46]،  {..فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا..}[يونس:108]، {لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ}[المدثر:37] {إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَاء اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً}[المزمل:19]، جعل شيئا.. ولكن هذا كله بقدر الله، ونحن نؤمن بالقدر ولا نحتج بالقدر، المشركون حاولوا يحتجوا بالقدر قالوا  {..لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ..}[الأنعام:148] ربنا اللي شاء هذا، من أين عرفت أن ربنا شاء هذا؟! فالمؤمن يؤمن بالقدر، المسلم يؤمن بقدر الله ولا يحتج به كما قال الفيلسوف المسلم والشاعر شاعر الإسلام في الهند الدكتور محمد إقبال له كلمة من الكلمات الحكيمة القوية، يقول المؤمن الضعيف يحتج بقضاء الله وقدره والمؤمن القوي يعتقد أنه قضاء الله الذي لا يرد وقدره الذي لا يغلب. يعتقد أنه قدر الله وده مروي عن الصحابة، المغيرة بن شعبة من الصحابة سأله أحد قواد الفرس يقول له أنتم إيه؟ جايين لنا من أين؟ من أنتم؟ فقال له، نحن قدر الله ابتلاكم الله بنا وابتلانا بكم، فلو كنتم في سحابة لرفعنا إليكم أو لهبطتم إلينا، نحن قدر الله. فهذا هو المؤمن القوي إنما المؤمن الضعيف يقول ربنا قدر عليّ كذا، ربنا قدر.. ولذلك يقولون إن أحد الناس يعني أدرك معصية عمل معصية وقعد يقول يا رب أنت قدرت علي، أنت قضيت أنت حكمت، فسمع صوتا يقول له، هذا أدب الربوبية فأين أدب العبودية؟ فقال يا رب أنا أذنبت أنا أخطأت أنا ظلمت نفسي أنا أطلب المغفرة، فهذا هو الذين يستحق أن يغفر له، بالتالي ما يقول أنت اللي حكمت علي بالمعصية وأنت اللي.. هذا ليس من أدب العبودية، ولذلك القرآن يذكر لنا أن الإنسان المفروض يعتقد أن ما أصابه من سيئة فمن نفسه {مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ..}[النساء:79]،  {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ}[الشورى:30]، القرآن يقول {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا..}[الروم:41] يعني ما بيعاقبهمش على كل ما عملوه {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ..}[فاطر:45] ويعفو عن كثير {..لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}[الروم:41] وليه بيصيبهم بهذا؟ مش انتقام منهم، ده ليرجعهم إليه، لتنكسر أنفسهم ويحسوا بالعبودية إلى الله ويحسوا بالافتقار إلى الله ويقول ربي ويدعو بالتوبة وبالمغفرة، فهذا هو القرآن ذكر لنا هؤلاء الربيون من أتباع الأنبياء {وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ، وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}[آل عمران:146، 147] قبل ما يطلبوا التثبيت والنصر قالوا يعني ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا، نحن يعني أذنبنا وأسرفنا فعوقبنا بالهزيمة فيا رب اغفر لنا وهكذا. فالإنسان حينما تصيبه المحنة لازم يرجع إلى نفسه ويقول أنا عملت إيه حتى أصابني هذا ويستغفر الله، سيدنا ذو النون يونس عليه السلام حينما غاضب قومه وذهب ناحية البحر وركب سفينة وهاجت بهم السفينة وكان لا بد حد ينزل من السفينة يعني نرمي بعضنا من السفينة نعمل إيه؟ قالوا قرعة، فعملوا قرعة طلع يونس، أعادوا القرعة طلع هو، بتاع خلاص فشل أن.. يرموه في البحر {فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ}[الصافات:142] حوت كبير التقمه يعني لقمة هو يعني لقمة بالنسبة للحوت، التقمه الحوت فكان هو في ظلمات ثلاث ظلمة البحر وظلمة الليل وظلمة بطن الحوت {..فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}[الأنبياء:87] شوف هذه الكلمة فيها ثلاثة معان كبار، المعنى الأول التوحيد لا إله إلا أنت، المعنى الثاني التنزيه ، سبحانك، أنت منزه أن تظلم أحدا، والمعنى الثالث الاعتراف إني كنت من الظالمين، لا إله إلا أنت سبحانك ولذلك {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ}[الأنبياء:88]. والحديث النبوي يقول "دعوة أخي ذي النون ما دعا به مكروب إلا فرج الله عنه" لأن {..وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ} مش دي خاصة لذي النون وحده، لو كل مكروب يلجأ إلى الله ويعوذ به ويعتصم بحبله ويناديه يعني نداء العاجز المفتقر إلى ربه ينجيه الله من كل شدة ومن كل كرب.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور نبقى في ثقافة التبرير، يعني أحيانا كثيرة تفسر المحل لصالح المسلمين، المصيبة تصيب الكافر فنقول هذا عقاب من الله عز وجل لكفره أما إذا أصابت المؤمن فنقول هذا ابتلاء من الله عز وجل، أليس في هذا المعنى وفي هذا المفهوم ازدواجية في المعايير؟

يوسف القرضاوي: نعم، هو في ازدواجية في المعايير، المفروض يعني نعترف على أنفسنا إذا أخطأنا، القرآن علمنا ذلك في غزوة أحد، غزوة أحد أصاب المسلمين فيها بلاء كبير لأنه أصيب سبعون من المسلمين يعني استشهدوا من أمثال حمزة بن عبد المطلب، مصعب بن عمير، عبد الله بن جحش، أنس بن النطر اللي نزل فيهم قوله تعالى {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ..}[الأحزاب:23] القرآن نزل في سورة آل عمران قسم كبير من سورة آل عمران كان تعقيبا على غزوة أحد وقال لهم {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ، وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِين}[آل عمران:140 ،141] وبعدين قال لهم {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَـذَا..}[آل عمران:165] من أين جاء لنا ده؟ أصبتم مثليها يعني المصيبة دي أنتم فقدتم سبعين من رجالكم، وفي غزوة بدر قتلوا سبعين من صناديد قريش وأسروا سبعين، فبيقولوا قد أصبتم مثليها، يعني هذه المحنة قبلها يعني جاءتكم محنة ضعف هذه المحنة {..قُلْتُمْ أَنَّى هَـذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}[آل عمران:165] لأنه أنتم الرسول قال لكم ابقوا في هذا المكان واحموا ظهركم بالجبل ولا تتركوا هذا المكان ولو تخطفتنا الطير، فهم للأسف لما كانت الجولة الأولى لصالح المسلمين وظنوا أنه خلاص المعركة انتهت نزلوا من فوق الجبل سال لعابهم إلى الغنائم، الشاطر الذي يأخذ فانكشف ظهرهم، أدرك هذا القائد العبقري خالد بن الوليد وكان لا يزال على الشرك وعلى خيالة المشركين، انتهز الفرصة والتف على المسلمين من الخلف وأعملوا فيهم السيوف واختلط الحابل بالنابل وقالوا قتل رسول الله وفت في عضد الناس، فالمهم أن القرآن يعلمهم هذا {..قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ..} لازم ترجعوا لنفسكم، ما تخدعوش نفسكم، شوفوا أنتم غلطتم في إيه {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ..} بالسيوف {..حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّون..َ} أراكم النصر في أول المعركة {..مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ..} مثل الذين نزلوا من أجل الغنائم الدنيا هي اللي.. سيدنا عبد الله بن مسعود يعقب على هذا يقول ما كنت أعلم أن فينا من يريد الدنيا حتى نزلت هذه الآية، وفهم أنهم يعني كلهم صفاء مطلق وما حدش بيفكر إلا في الآخرة إنما في الضعف الإنساني حتى مع بعض المؤمنين {.. ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ}[آل عمران:152] فصرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم، لأنه من شأن المؤمنين الخطأ لا يستمرون فيه، يتداركون هذا الخطأ ويستدركون على أنفسهم ولذلك في نفس السورة يقول {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ..} فروا، الكثير من الصحابة فروا {.. إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا اللّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ}[آل عمران:155] وكان سيدنا عثمان من الذين فروا يوم أحد ولما جاؤوا يحاسبوه قال لهم بقى ربنا عفا عني وأنتم جايين.. قال ولقد عفا عنكم، فهذا شأن يخطئ خطأ يعني ولا يتكرر يعني كل واحد، لكل جواد كبوة ولكل عالم هفوة ولكل سيف نبوة، هذه تحدث.

عثمان عثمان: نعم. فضيلة الدكتور في موضوع الابتلاء والمحن، الإخوة مجاهد عثمان، علاء أطلب، أحمد الراوي يسألون نفس السؤال تقريبا يعني متى تكون المحنة ابتلاء ومتى تكون عقابا؟ أسمع الإجابة إن شاء الله على هذا السؤال بعد وقفة قصيرة، فابقوا معنا مشاهدينا الكرام نعود إليكم بإذن الله بعد الفاصل.



[فاصل إعلاني]

جوانب العقاب والابتلاء في المحنة

عثمان عثمان: أهلا وسهلا بكم مشاهدينا الكرام من جديد إلى حلقة هذا الأسبوع من برنامج الشريعة والحياة التي هي بعنوان ثقافة التبرير ومداخلها مع فضيلة شيخنا العلامة الدكتور يوسف القرضاوي، فضيلة الدكتور يعني السؤال المحنة متى تكون ابتلاء ومتى تكون عقابا من الله عز وجل؟

يوسف القرضاوي: هذا مبني على تصرف الإنسان في المحنة، ممكن الإنسان يقابل المحنة بالصبر والاحتساب ويتعلم منها ويرجع إلى الله يعني كما قلنا إن المحنة.. ما معنى محنة؟ المحنة يعني اختبار، فالله بيختبر الإنسان بيعاملهم بما يحدث منهم لا بعلمه السابق، هو عارف حيعملوا إيه إنما بيحاسبهم على ما يقع منهم من فعل {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ}[محمد:31] فينزل فالشخص يستفيد من المحنة يأخذ منها دروسا هي لبعض الناس تطهير، إن المؤمن تصيبه المصيبة كما تدخل الحديدة النار فيذهب خبثها ويبقى طيبها، لما تصهر الحديدة في النار كل الأشياء التي دخلت على الحديد تطلع من نار وتبقى الحديدة الصافية أو الذهب يطلع المغشوش الذهب ويبقى الذهب الصافي، فهو المحنة تصهره {وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً}[الأحزاب:22] فبعض الناس المحنة تفيده وبعض الناس المحنة والعياذ بالله يمكن يكفر، يسخط على القضاء، يقول أنا كنت عملت إيه وأنا مش عارف إيه، ما رجعش على نفسه ويقول لازم في غلط، لازم في شيء، يمكن ما عملش شيئا وربنا يريد أن يزيد من حسناته ويرفع من درجاته، ليس كل المصائب بسبب الذنوب، هو الغالب، كان في واحد من علماء مصر كان عمل حزبا اسمه حتى شكة الشوكة، حتى شكة الشوكة، يعني بيقول إن ما يصيب الناس من بلاء هو بسبب معاصيهم حتى الشوكة، وفي الحديث اللي بيقول "ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا غم ولا هم ولا أذى حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه"، فحزب شكة الشوكة، مسمينه حزب شكة الشوكة فهذا صحيح، إنما أحيانا الأنبياء يعني أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على قدر دينه، أول النبي عليه الصلاة والسلام ما نزل الوحي وذهبت به خديجة إلى ابن عمها ورقة بن نوفل قال له ما جاء أحد قط بمثل ما جئت به إلا عودي، ينصب له العداء. القرآن ذكر لنا قصة في سورة البروج، قصة المؤمنين وأصحاب الأخدود {قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ، النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ، إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ، وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ، وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ}[البروج:4- 8] ما عملوا شيئا إلا الإيمان، هذا ذنبهم، القرآن يقول عن الصحابة {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ، الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ..}[الحج:39، 40] هذا ذنبهم، إلا أن يقولوا ربنا الله، سيدنا موسى لما هدده فرعون بالقتل {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ}[غافر:26]، {وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ..} [غافر:28] كل ذنبه أنه قال ربي الله، لأنه يقول ربي الله تريدون أن تقتلوه، فليس كل إنسان أصيب بمحنة يكون يعني بسبب ذنوبه ولكن يعني قد يكون هذا ابتلاء من الله وإذا صبر عليه واحتسب كما احتسب المؤمنون في سورة البروج هؤلاء الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات فهؤلاء لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون، ولكن في ناس للأسف لا يتعلمون من المحنة، القرآن يقول {مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ..}[آل عمران:179] يظهر المنافق من المؤمن الصادق، فالمحنة تكشف زيف هؤلاء وأنها كانت دعوة {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِن جَاء نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ، وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ}[العنكبوت:10، 11].

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور يعني في موضوع ابتلاء الأنبياء والدعاة والعاملين في الحقل الإسلامي، الأخ رأفت بلعاوي يسأل ما رأي فضيلة الشيخ القرضاوي في قضية الفكر الذي تربينا عليه ونحن في بداية الدعوة في أن الابتلاء والمحن قاعدة أساسية في صدق الدعوة، هل صحيح أن الشيخ أو الداعية الذي لا يبتلى أو الفكرة التي لا تضطهد ليست على المسار الصحيح؟

يوسف القرضاوي: هو يعني هذا القرآن بيتكلم عن سنة من السنن، بطبيعة الحياة وبطبيعة تكوين الناس وخلق الناس الذي خلق إبليس والذي خلق إبراهيم خلق النمرود، واللي خلق موسى خلق فرعون واللي خلق محمد خلق أبا جهل وأبا لهب، فلازم يصطدم هؤلاء، الحق لا بد أن يصطدم بالباطل والشر لا بد أن يصطدم بالخير وكما قال تعالى {..وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ..}[الفرقان:20] فهذه الفتنة هي الابتلاء طبيعة الحياة ما يظنش الإنسان أن يدخل الجنة كده وردة بلا شوك ويأخذها غنيمة يعني خالصة كده وبيضة مقشورة كما يقول غنيمة باردة وبيضة مقشورة {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ}[البقرة:214] فيعني طبيعة الحياة. أنا أذكر كنت في الجزائر فكان في خلاف بين جماعة الإنقاذ الجبهة الإسلامية للإنقاذ وبين الإخوة اللي هم تيار الإخوان المسلمين الشيخ محفوظ نحنح وكذا فكانوا يتجادلون مع بعض، هم الإخوان يقولون المحنة لا بد منها والثانيين يقولون مش ضروري لأنه كان أمامهم النصر إيه؟ يعني قريبا وواضحا وكسبوا الانتخابات وكذا، وبعدين تبين أنه في التيار اللي بيقول لا بد من محنة إن حتى هؤلاء ورغم كسبهم الانتخابات طردوهم من الانتخابات وجاء الجيش واحتل البلد يعني كأن الانتخابات لم تحدث فدخلوا في محن ودخل منهم السجون من دخل..

عثمان عثمان (مقاطعا): إذاً هي مسألة حتمية؟

يوسف القرضاوي (متابعا): ودخل منهم الحروب من دخل وقتل منهم من قتل, ومحنة البلد كلها دخلت في محنة، فهذه سنة من سنن الله عز وجل.



حول فقه الحيل والخلاف الفقهي وأهمية التوبة

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور أيضا هناك عندنا في التراث الفقهي ما يسمى بفقه الحيل البعض يراه مدخلا من مداخل التبرير.

يوسف القرضاوي: نعم هناك من يدخل من.. القرآن نفسه يعني تيجي تقول لواحد يعني يا أخي أنت عملت كذا وعملت يقول لك يا أخي الله غفور رحيم، الله غفور رحيم طيب ما تذكر {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَ أَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمَ}[الحجر:49، 50]، {..وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ}[الرعد:6]، {غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ..}[غافر:3] لا بد تنظر إلى هذا وتنظر إلى هذا إنما تذكر ناحية وتعمل هذا هو تبرير، الحيل، الحيل معناها أنك ماتمشيش دغري، لا، تمشي في الملتويات والمنعرجات، يعني بدل ما تواجه الأمر بالاستقامة تعمل زي اليهود ما عملوا لما حرم عليهم الصيد يوم السبت قعدوا عملوا حيلا علشان يصطادوا الأسماك في يوم الجمعة وبعدين يعملوها يوم السبت وهكذا، ففي الحديث "لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل" زي الحيلة اللي عملوها حينما يطلق الرجل المرأة بطلاق بائن بينونة كبرى يعني ثلاث طلقات، ثلاث طلقات حقيقية، مش طلقة الغضبان أو طلقة اليمين، عليّ الطلاق كذا، لا، طلقات تقع، هنا تحرم عليه حتى تنكح زوجا غيره، فيجي بعض الناس يعني لا تنكح زوجا غيره، يجي يستأجر واحد يعني ويدخل بها دخولا صوريا وأحيانا ما يدخلش حتى يقول مذهب السعيدين، سعيد بن النسيب وسعيد بن الزبير، أنه يكفي العقد، مع أن الحديث الآخر الصحيح المتفق عليه "حتى تذوق عسيلته ويذوق عسيلتها" يعني لا بد يدخل دخولا حقيقيا وده الحديث سمى هذا اللي بيسموه المحلل، النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن المحلل فقال "هو التيس المستعار لعن الله المحلل والمحلل له"، في حيل تبيح الربا، تدخل على الربا وهو لا يريد بيعا ولا حاجة إنما يعني صورة البيع، هذه كلها لا تصلح، بعضهم كان يسقط الزكاة يعني شوف أحيانا الحيل على المحرم حتى يباح أو على الفرض حتى يسقط، فواحد يكون يعني قبل يعني المفروض الزكاة حولية يعني إذا طلعت الزكاة بعد سنة قمرية يجب عليك الزكاة، يجي هو قبل السنة ما تنتهي بأسبوع أو حاجة ويهب هذا المال لابنه لامرأته، يقول لها أنا وهبتك هذا المال، يعني خلاص رسميا يعني ظاهريا أنه ما حال عليه الحول وبعد كم يوم يرجعوه له ثاني، هذا كذب على الله وبعضهم بيقول إن أبو يوسف كان بيعمل هذا وهذا غير صحيح، أبو يوسف نص في كتابه "الخراج" أن الزكاة لا يجوز التهرب منها ولا الفرار منها بأي حيلة ولا سبب ويحرم ذلك، فليس هذا من عمل أبو يوسف.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور ربما الوقت ضاق، يعني هناك أيضا الخلاف الفقهي في القضية الفقهية الواحدة بين الفقهاء، هناك أيضا من يستغل هذا الخلاف الفقهي ليدخل منه إلى موضوع الرخص،كيف يمكن التعامل مع هذه القضية الشائكة؟

يوسف القرضاوي: الذي يجب على المسلم إذا كان مقلدا أن يسأل عالما يثق به ويثق بعلمه وبدينه وورعه بحيث إن الشخص لا يبيع دينه بدنيا الآخرين ولا بدنياه، فيسأله ومذهبه مذهب من يفتيه، وإذا كان من أهل العلم ويستطيع أن يرجح ويقرأ القضية ويشوف أرجح الأدلة مع أي قول في أقوال، مش يأخذ اللي أسهل عليه، لا، يأخذ الأرجح دليلا والأهدى سبيلا وهذا هو الأقوم قيلا، يعني يشوف أي الأقوال أقوى وإذا كان بيسأل عالما وعنده إدراك يقدر وسأل عدة علماء واختلفوا يشوف أيضا أيهم قلبه يطمئن إليه وإلى قوة دليله إنما ما يتبعش هواه، يشوف الأسهل يأخذه لا ليس هذا يعني مما يجوز.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور أيضا هناك من يحتج بالأحداث التاريخية يعني اليوم نرى صراعات بين بعض الجماعات الإسلامية على الساحة، هناك يعني إذا كان الحديث معهم يقولون في التاريخ حصل قتال بين الصحابة، إذا كان هناك تقصير من أحد الأبناء وهو ابن لأحد الدعاة الكبار يقول ابن نوح مثلا لم يكن مؤمنا، يعني هذا التعلق بهذه الثقافة لتبرير الخطأ كيف يمكن مواجهته أيضا؟

يوسف القرضاوي: بتصحيح المفاهيم، يعني إذا ظل الناس يقلب الأمور ويعوجها ويسلك بها الطريق غير الطبيعي وغير السوي ستظل هذه الثقافة سائدة، ولكن لا ينبغي أنه إحنا يعني نستسلم لهذه الثقافة العرجاء والعوجاء، لازم نقوم الأعوج ولازم نصحح السقيم هذا يعني أمر يعني فريضة من الله على المسلمين وإلا سنظل يعني ندور يعني كما يدور الثور في الطاحون يسير ويسير والمكان الذي ابتدأ منه هو الذي انتهى إليه لأنه في حلقة مفرغة، لا بد من تربية صحيحة ولا بد من توجيه سليم ولا بد أن نعلم الناس أن الخطأ خطأ والصواب صواب وهذا ليس فيه لعب، إن دين الله لا يجوز التلاعب به، كل واحد يحاول يبرر لنفسه ما يشاء كأن الناس ليس عندهم منهاج يعودون إليه وهدى يلوذون به، القرآن يقول {..فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى، وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً..}[طه:123، 124] ففي هدي، لا بد أن نرجع إلى هدي الله وهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد بين لنا الرشد من الغي {..قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ..}[البقرة:256]، {..قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ، يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}[المائدة:15، 16].

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور يعني ما أهمية التوبة كفعل إيجابي ينافي طبيعة العقلية التبريرية؟

يوسف القرضاوي: هو منهج التوبة منهج الاعتراف منهج الاستغفار هو ده المنهج الذي تواجه به الخطايا والذنوب ويواجه به الخطأ سواء كان خطأ في الرأي لا ينبغي أن نكابر، كل واحد يخطئ، ما المانع أن الإنسان يخطئ في مسألة واثنين؟ حتى الإمام ابن تيمية يقول إن العالم المكثر من الفتاوى لا مانع من أن يخطئ في فتوى واثنين وثلاثة وأربعة، أنه "إذا بلغ الماء قلتين لا يحمل الخبث" فلا مانع ليه يريد أن يظهر نفسه أنه لا يخطئ أبدا؟ ليه يريد أن يقول إنه معصوم من كل شيء؟ كل إنسان يعني من شأنه أن يقع في الخطأ وأن يقع في الخطيئة، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول "والذين نفسي بيده لو لم تذنبوا فتستغفروا لذهب الله بكم وجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم" هو اسمه الغفار واسمه العفو واسمها التواب، الله! فحيغفر لمين ويعفو عن مين ويتوب عن مين إذا لم يكن هناك ناس؟ وما دام الإنسان خلق من طين والإنسان كما عرفنا دائما فيه عنصران، عنصر من  {..مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ}[الحجر:26] وعنصر {..وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي..}[الحجر:29] فهذا العنصر الطيني ينزل به إلى الأسفل والعنصر السماوي والرباني يرقى به إلى الأعلى فهكذا شأن الإنسان، فلا بد للإنسان أن يعترف بهذا وبهذا يكون من الذين قال الله فيهم {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ،أُوْلَـئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ..}[آل عمران:135، 136].

عثمان عثمان: جزاكم الله فضيلة الدكتور مولانا على هذه الإفاضة الطيبة، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة وأنقل لكم تحيات معد البرنامج معتز الخطيب وسائر فريق العمل، دمتم بأمان الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.