- أنواع الأنفس والتغير فيها حسب القرآن الكريم
- وجوه الارتباط بين الإيمان والصحة النفسية

- دور البيئة في تشكل الشخصية وعوامل تحقق الطمأنينة


عثمان عثمان
مالك بدري
عثمان عثمان: السلام عليكم مشاهدينا الكرام وأهلا ومرحبا بكم إلى حلقة جديدة من برنامج الشريعة والحياة. يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَاراً}[الإسراء:82]، نعى أحد علماء النفس على فرويد أنه لم يفهم المصدر الحقيقي للعواطف الدينية التي هي شعور عن شيء بلا حدود، غير أن علماء النفس اضطروا إلى الإقرار بكون الدين عاملا مساعدا للصحة النفسية والجسدية بعد أن تجاهلوه وقللوا من قيمته وهذا مثل نقطة تحول مهمة في علم النفس، بل إن علم النفس المعاصر يعتبر الدين عاملا مهما في إعادة الطمأنينة إلى النفس، فما وجه الشفاء الذي يقدمه القرآن؟ وكيف تعامل القرآن الكريم مع النفس البشرية وأنماط الناس؟ وأي أثر يتركه الإيمان على النفس؟ الأبعاد النفسية للقرآن الكريم موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع الدكتور مالك بدري أستاذ علم النفس في الجامعة الإسلامية العالمية في ماليزيا. مرحبا بكم دكتور.

مالك بدري: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

أنواع الأنفس والتغير فيها حسب القرآن الكريم

عثمان عثمان: بداية دكتور ماذا نعني بالأبعاد النفسية للقرآن الكريم؟

مالك بدري:  نعم، هذا الاصطلاح الأبعاد النفسية يدخلنا في تعريف النفس وهنا أريد أن أتحدث عن اصطلاح النفس، كثير من الإسلاميين وحتى بعض العلماء في رأيي يخلطون بين النفس والروح، الروح في القرآن الكريم لا تأتي إلا بالمدح لها سواء كان الروح بمعنى جبريل أو الروح بمعنى النفخة الإلهية في آدم والتي انتقلت إلى جميع البشر، هذه الروح. أما النفس فهي المسؤولة هي التي جاء بها الله سبحانه وتعالى جاء بكل النفوس قبل أن تنزل إلى الأرض وواجهها بالسؤال المشهود {..أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ}[الأعراف:172] فالنفس في القرآن تأتي في مجال الذم وتأتي في مجال المدح {..أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ}[الأنعام:93] ومن ناحية أخرى {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً، فَادْخُلِي فِي عِبَادِي، وَادْخُلِي جَنَّتِي}[الفجر:27-30] فإذاً النفس غير الروح. الروح إذا قرأنا القرآن من أوله لآخره لا تجد الروح ذكرت في مذمة، فالنفس الإنسانية هي المكلفة وهي التي عرض الله عليها الأمانة التي رفضت السموات والأرض والجبال أن يحملنها، فالله سبحانه وتعالى حريص على هدي الأنفس ولكن الأنفس هي التي تتمرد وتختار غير طريق الحق.

عثمان عثمان: إذاً القرآن الكريم تحدث عن أنواع من الأنفس، النفس اللوامة، النفس المطمئنة، هل في علم النفس الحديث ما يقابل هذه الأنواع؟

مالك بدري:  هذا سؤال وجيه، وكثير أيضا من إخواننا يخلطون بين علم النفس وبين ما ذكر في القرآن من هذه الأنفس الثلاث، ففرويد يتحدث عن ثلاثة أنفس، لا يتحدث عن أنفس في الحقيقة إنما يتحدث عن مكونات الشخصية الإنسانية هذه المكونات هي الذات الدنيا والذات والذات العليا اللي هم في الإنجليزي يسمونهم the ego, the ego, and the super ego هذه مكونات تصور لما يكون الشخصية الإنسانية. أما القرآن يتحدث عن أنفس، النفس لطيفة روحية وأما فرويد يتحدث عن مكون لشخصية الإنسان كأن تقول مثلا هذه الغرفة مكونة من إسمنت وزجاج وخشب، هذه المكونات التي تكونت منها الغرفة، هو يعتقد أن الشخصية الإنسانية personality مكونة من هذه الأشياء الثلاثة، فليس هناك صلة بين الاثنين ولعل أول من بدأ يرى هذا التشابه الظاهري ويتحدث على أن ما يتحدث عنه القرآن هو ما تحدث عليه فرويد لعل من أوائل من لمح لهذا كان العالم العلامة العقاد ثم تبعه كثير من الناس، فالقرآن عندما يتحدث عن النفس الأمّارة هي النفس ككلها تصبح أمّارة يعني كما يقولون في لغة علم النفس Ego State يعني كل النفس تصبح حيوانية أمارة بالسوء أمارة بالإسراف في الأكل بالإسراف في الجنس الحرام وغيره هذه النفس الحيوانية الأمارة، ثم إذا ندم الإنسان على ما فعل..

عثمان عثمان: تتحدث عن النفس اللوامة.

مالك بدري:  تصبح النفس اللوامة، فإذا قام بتنظيف نفسه روحيا بالعبادة والاستغفار والتوبة يصبح إلى مرحلة النفس المطمئنة وثم بعد ذلك النفوس الأخرى، وهنا أشعر بأن هناك تشابها بن النفس التي وصلت درجة الطمأنينة النفس المطمئنة وبين الشخص الذي لقح ضد مرض من الأمراض.

عثمان عثمان: اشرح لنا هذه النظرية دكتور.

مالك بدري:  نعم، الشخص إذا كان تلقى لقاحا ضد مرض من الأمراض، إذا جاءت جرثومة ودخلت في جسمه بعد أن تلقى اللقاح كل الجسم ينتفض ويحاربها، كذلك الشخص إذا وصل درجة النفس المطمئنة ثم جاء الشيطان وطاف على قلبه {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ}[لأعراف:201] فهم بيكونوا وصلوا درجة من الحساسية حتى لو الشيطان يعني طيف من الشيطان أظن في قراءة طيف هذا الطيف يعني كأنه مر مرورا أو حاول أن يدخل إلى القلب ثم بسرعة جدا يتنبه ذلك الذي وصل إلى هذه الدرجة العاليا فيمحو تأثير الشيطان.

عثمان عثمان: دكتور عندما نتحدث عن هذه النفس الأمارة بالسوء النفس التي تنتقل إلى اللوامة، الأمارة بالسوء، رب العالمين ربما تحدث هنا عن التغيير الذي يمكن أن يقع على هذه النفس، يعني لو أردنا أن نتحدث عن هذا التغيير ما حقيقته كيف يتم، كيف يكون؟

مالك بدري:  هذا التغيير وأظن أنه أنا استمعت في محاضرة من قبل عن موضوع التغيير، كثير من الناس يقرأ الآية {..إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ..}[الرعد:11] الحقيقة هنا التغيير دائما في اللغة العربية يقصد به النزول، الانحطاط، أو الفساد تقول تغير الطعام يعني أصبح طعمه غير مستساغ، فحقيقة الآن هذه {..إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ..} الحقيقة تفسرها الآية الأخرى، أن الله يعني لا ينزع من قوم نعمة أنعمها عليهم حتى يغيروا ما بأنفسهم، فإذاً لعل الكلمة اللي بتستخدم هنا لعلها التبديل، يبدل {..فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ..}[الفرقان:70] يعني كانت سيئات ثم بدلت إلى حسنات ارتفاع يعني ناحية إيجابية، أما التغيير فهو.. قصد بالتغيير هنا بالتبديل بمعنى تحسين الأوضاع فلا شك أن القرآن فيه جوانب يعني متفائلة ما يمكن لشخص أن يرتكب من الذنوب ويشعر بأنه يعني بأن الله سوف لا يغفر له أو أن الله قد تركه أو أن رحمة الله قد ابتعدت عنه، لأن الإحساس بهذا أو الاعتقاد بأنه لا يغفر له قد يدخله في ذنب أكبر من الذنب الذي ارتكبه لأنه فيه سوء ظن بالله سبحانه وتعالى، ومن الأشياء الجميلة دائما في القرآن تعطي الإنسان نوعا من التفاؤل وعدم اليأس هي أن يتبع يعني الواحد يتبع السيئة الحسنة فتمحوها.

عثمان عثمان: نعم. فضيلة الدكتور تحدث أو تدرج في موضوع تحريم الخمر {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ..}[النساء:43] إلى آخر الآية ثم جاء ولا، يعني عدم الاقتراب من الخمر، يعني {..فَاجْتَنِبُوهُ..}[المائدة:90] يعني الفقهاء أيضا تحدثوا في موضوع التدرج في الأحكام الفقهية، ماذا عن التدرج في الحالات أو في علم النفس؟

مالك بدري:  هذا الذي تم في المدينة المنورة، التدرج الذي تم حتى نزلت الآية {..إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ..}[المائدة:90] ثم اجتنب الناس الخمر هذه لم تحدث في تاريخ البشرية إلا في المدينة المنورة وهي الحقيقة من المعجزات الكبرى للإسلام، التدرج الذي حدث هو شيء يعني علم المسلمين يعني استفاد منه كثير من علماء المسلمين في تطبيقه في مجالات أخرى، فهذه عملية تحريم الخمر بالتدريج التي بدأت بلمسة خفيفة {وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}[النحل:67] بمعنى أن السَكر غير الرزق الحسن، لمسة خفيفة ثم بعد ذلك جاءت {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا..}[البقرة:219] ضغطة شوية أكثر، ثم {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ..}[النساء:43] فحتى وصلنا إلى {..فَاجْتَنِبُوهُ..} هذا إعجاز كبير، أولا المؤمنين على الخمر وكان العرب مؤكد في ذلك الوقت وصلوا درجة الإدمان، كانوا يعتبرون شرب الخمر كده مفخرة ورجولة وكذا فما كان من الممكن أن تمنع الخمر فجأة، هذه الخطوات كانت في سبيل أن يقلل المؤمن من شرب الخمر بالتدريج وليس هناك حل الآن، الشخص الذي أدمن على الكحول إذا وقف فجأة يصاب بما يسمى بأعراض الانقطاع التي قد تأتي بنوع من الأعراض تشبه الصرع وقد تؤذي بحياته، لذلك فالإعجاز هنا في أن كمية الخمر التي يشربها الشخص تقل بالتدريج حتى وصلت إلى{..لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى..} خمسة أوقات يصليها الشخص، متى يكون سكران وما يستطيع يصلي، من الصبح بعد شوية يشتغل شوية جاء الظهر، الظهر بعد قليل العصر ثم المغرب ثم العشاء، الفترة الوحيدة هي بين العشاء وبين الفجر، وإذا ازداد أخذ شرب بكمية كبيرة فإنه لا يستطيع أن يذهب إلى صلاة الفجر ودي كانت مصيبة بالنسبة للشخص، فما في شك أن هذا الأمر كان له يعني أنا أعتبره من أكبر المعجزات التي حدثت.

عثمان عثمان: يعني هل يمكن أن نقيس على ذلك بعض الأمراض التي تقع في مجتمعاتنا اليوم كالتدخين وغيره، أن يتم التدرج وفق ما كان التدرج في موضوع الخمر؟

مالك بدري: لكن الأهم من ذلك أنا في رأيي هو أن علماء المسلمين الأول استفادوا، أخذوا يعني، أصبح القرآن استخدامه بهذا التدرج استفادوا منه حتى في علاج الأشخاص العاديين اللي عندهم مشاكل في الإدمان أو حتى مشاكل أخرى وهنا يعني يعجبني أبو حامد الغزالي الذي يقول إنه إذا وجد الشيخ تلميذه يعمل عملا سيئا جدا فلا يحاول أن يفطمه على هذا العمل بسرعة، ينقله من عمل سيء جدا إلى عمل سيء ثم بعد ذلك من العمل هذا السيء الأخف إلى أن يتركه ويضرب مثالا بذلك القميص، إذا كان الشخص يلبس قميصا واتسخ بالدم يقول الماء لا يغسل الدم لكن إذا استخدم البول، البول يحلل الدم في الأول ثم يستخدم الماء ليغسل البول والدم.

وجوه الارتباط بين الإيمان والصحة النفسية

عثمان عثمان: يعني انطلاقا من هنا دكتور هل تجدون مفارقة بين المنطق الإسلامي ومنطق علم النفس في التعامل مع هذه النفس البشرية؟

مالك بدري:  نعم، الحقيقة علم النفس الغربي علم يقوم على تصور للإنسان مادي كما ذكرت في حلقة سابقة هنا أن علماء النفس بنوا نظرياتهم سواء كان فرويد قد بناها على أن الإنسان عبارة عن حيوان تتحكم فيه دوافعه الجنسية والعدوانية وأن الإنسان بطبعه أناني وشرير، ثم أتت السلوكية لتقول إن هذا غير صحيح ولكنها أتت بمفهوم آخر وهو أن الإنسان لا طبيعة له وأنه البيئة هي التي تشكله، وجاء أصحاب الفكر ما يسمى بعلم النفس الإنساني Humanistic Psychology وقالوا بأن الإنسان له طبيعة خيرة ولكن هذه الطبيعة الخيرة هي.. وأنه يجب ألا يتدخل المعالج في اعتقادات الشخص الذي أتى له للعلاج، هذا الكلام يردد كثيرا من.. وخصوصا تجنب الجوانب الروحية والدينية في العلاج، هذا الكلام غير صحيح لأن المعالج الذي يقوم بأسلوب الإرشاد الغربي إذا ارتكب الشخص جريمة مثلا جريمة سرقة يعني إذا واحد جاء وقال أنا أريد أن أحقق نفسي كفنان كويس جدا يمشي، فحتى إن كان هذا الفن فيه جوانب داعرة ليس هناك مانع، لكن إذا قال إنه يريد أن يتخصص في فن النشل لا يوافق عليه، إذا قال يتخصص في الفن مثلا في الرسم مقبول أما أن يأتي ليقوم بوضع دولار بفئة مائة دولار وينقله تماما لكي يغش به أبدا لا يقبل لأن هذه قد تخالف المدنية الغربية والفكر الأخلاقي الغربي، فأنا الذي أريد أن أقوله هنا إن هذه الأفكار عن الإنسان فيها اختلاف كبير بينها وبين نظرة الإسلام للإنسان كممتحن في هذه الأرض وبأن في عنده ناحية روحية من نفخة الروح في هذا الطين، فالإنسان يجمع بين الاثنين ولا يسعد الإنسان إلا إذا استخدم معه الأسلوب الذي يسمو بروحه ويجعل مصائبه في الدنيا ينظر لها من قبل وجهة نظر القدر ومن وجهة نظر أن هذا ما يشعر به من آلام وأتعاب هي سيجازى بها في اليوم الآخر.

عثمان عثمان: ربما هنا بعض الدراسات ربطت بين الإيمان وبين الصحة النفسية، ما وجه العلاقة هنا؟

مالك بدري: الآن بعض علماء النفس وحتى الأطباء في الغرب بدؤوا يهتمون بالناحية الروحية للإنسان والناحية الأخلاقية ومن أشهر هؤلاء العالم المسمى بينستون وبينستون هذا تحدث عن أن الإيمان بالله شيء مغروس في الجنس البشري وأن الإيمان بالله من أكثر الجوانب التي من أكثر.. هو الاعتقاد الأساسي الذي يعطي الإنسان سعادة ويشفيه من الأمراض الجسمية والنفسية، وتحدث في هذا الأمر في عدد من كتبه ولكن بشكل عام هؤلاء أقلية، أما الأكثرية الساحقة ما زالت هي تتبع المدارس النفسية التي تتحدث عن الإنسان على أنه حيوان وأن ليس للجوانب الروحية أهمية حتى ليس هذا فحسب بل السلوكية حتى كانت ترفض الإحساس بالوعي وترفض الناحية الروحية ولا تركز إلا على ناحية المثير والاستجابة كما ذكرت في حلقة سابقة، لذلك أنا في اعتقادي أن الإنسان حقيقة لا يمكن أن يسعد بدون إيمان وبدون إيمان بآخرة وبدون إيمان بالقضاء والقدر.

عثمان عثمان: ولكن هناك فضيلة الدكتور من يتحدث عن أنواع من التدين ربما تسبب عقدا نفسية تنشئ شخصية مضطربة، هل توافقون على مثل هذا القول وإن وافقتم فلماذا؟ أسمع الإجابة بعد أن نأخذ فاصلا قصيرا، فابقوا معنا مشاهدينا الكرام نعود إليكم بعد الفاصل مباشرة.

[فاصل إعلاني]

عثمان عثمان: أهلا وسهلا بكم مشاهدينا الكرام من جديد إلى حلقة هذا الأسبوع من برنامج الشريعة والحياة والتي هي بعنوان الأبعاد النفسية للقرآن الكريم مع الدكتور مالك بدري. دكتور كنا نتحدث أن هناك من يقول إن هناك أنماطا من التدين ربما تسبب عقدا نفسية وتنشئ شخصيات مضطربة غير متوازنة، هل توافقون أولا على مثل هذا القول؟

مالك بدري:  لا أوافق على هذا القول، الحقيقة الشخص من الأول بيكون عنده اضطرابات نفسية ثم تجده يفتش في الإسلام وفي غير الإسلام على الجوانب التي تتماشى مع تصوره المرضي، وأؤكد لك أن كثيرا من الأشخاص الذين مثلا يذهبون إلى التطرف في الحركات الإسلامية أو أولئك الذين يعني يسخطون على البشر أغلبهم لو لم يذهبوا إلى هذا الاتجاه الإسلامي لو ذهبوا مثلا إلى اتجاه شيوعي أو غيره أيضا حيكونوا متطرفين، فالإنسان الحقيقة الفكر الاضطراب النفسي هو الذي يجعل الإنسان إذا اعتنق أي مبدأ من المبادئ يكون فيه غير مستقر، ويحضرني في هذا الأمر مثال ضربه يعني تحدث عنه أخ كريم كنا في الرياض في السبعينيات وهو كان المسؤول عن مستشفى الأمراض النفسية التي كنت أعمل فيها وقال لي إني أرى بعض الناس، أتوقع يعني هو يتصور الإسلام كمثلث، بعض الناس هذا المثلث في قلوبهم على رأسه لذلك غير مرتاح يعني الإسلام نفسه غير مرتاح في القلب، وفي ناس الإسلام المثلث يكون على القاعدة في القلب فتشعر على أن الإسلام جاء بإحساس بالهدوء وبالسعادة وبالطمأنينة، فحقيقة هو أي شخص يعتنق يعني يكون هو مسلما ومسلم كما يقال هذه الأيام حركي ثم تراه ساخطا وتراه شقيا في حياته تأكد من أن الإسلام غير مرتاح في قلبه.

عثمان عثمان: اسمح لنا دكتور أن نأخذ الدكتور عمرو أبو خليل استشاري أمراض نفسية من القاهرة. السلام عليكم دكتور.

عمرو أبو خليل/ استشاري أمراض نفسية-القاهرة: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

عثمان عثمان: بالتوازي مع ما ذكره الدكتور منذ بعض الوقت هناك من يتهم بعض الخطاب الإسلامي وبعض أساليب الدعوة بأنها بدل أن تخرج متدينين تخرج مرضى، هل توافقون على ذلك؟

عمرو أبو خليل: للأسف الشديد نعم، لأنها في الواقع الحقيقة أنا في عيادتي النفسية أنا أستقبل ضحايا كثيرين لهذا الخطاب الحقيقة الإسلامي الممرض الذي انتشر في الآونة الأخيرة والذي يحدث حالة من التأثير النفسي السلبي على الإنسان وذلك لأنه في الحقيقة لا يستحضر التوازن الموجود في الخطاب القرآني أو خطاب النبي صلى الله عليه وسلم بين الخوف والرجاء بشكل الحقيقة طبيعي وإنساني، فأجد هناك كثيرا من حالات الخوف والقلق وحالات الوسواس وحالات الرهاب التي تأتي نتيجة هذا الخطاب الذي يصعد لغة الترهيب بشكل الحقيقة مرضي لأنه يأتي بما يتنافى مع الخطاب القرآني والنماذج الحقيقة يعني ربما آخرها كان رجل عاش في حالة تدين طبيعية لفترة ثم مع سماعه للخطاب -أو بعض الخطاب علشان نبقى دقيقين- الذي يحدث هذا الحديث بدأ يشعر بحالات من القلق واضطراب في النوم وكذا وكذا نتيجة لهذا الخطاب لأنه لم يعد يشعر بحالة السكينة بل وحالة الاطمئنان {..أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}[الرعد:28] وذكر الله المقصود به كل الذكر المتوازن الذي جاء في القرآن الكريم وفي سنة النبي صلى الله عليه وسلم وفي الحقيقة الصحابة فلا نرى حالة التفزيع الغسل والقبر الذي يلفظ صاحبه يعني الواحد يسمع بعض هذا الخطاب فيحدث حالة من.. أو الحالة الطقوسية الشديدة اللي بتعتمد على الطقس التي تدخل الإنسان في حالة من الوسواس القهري وأمراض وحالات كثيرة جاءتني في الحقيقة في العيادة تعاني بعد سماعها لبعض الشرائط أو لبعض الدروس التي تحمل هذا الخطاب الممرض أو المرضي، فللأسف الشديد في الفترة الأخيرة وجدنا هذا الأثر نتيجة للبعد عن المنهج السوي القرآني والخطاب المعتدل الذي يساوي بين الخوف والرجاء والذي يحمل الأمن ويحمل الطمأنينة للنفس البشرية.

عثمان عثمان: شكرا جزيلا الدكتور عمرو أبو خليل كنت معنا من القاهرة. دكتور سمعتم ما قال، يعني هناك بعض الخطاب يركز فقط على الترهيب على التخويف ويبعد بشكل أو بآخر الترغيب يعني التوازن بين الخوف والرجاء ربما يفتقده بعض الخطاب فيسبب أمراضا نفسية.

مالك بدري:  الحقيقة هو كلام الدكتور صحيح وهذا يجعلنا نرى ناحيتين، الناحية الأولى قد يكون هناك شذوذ في الحركة نفسها أو في التنظيم أو في الدعوة وهناك أشخاص بطبعهم ميالون لمثل هذا الاتجاه، فهذا الاتجاه الخاطئ أنا في رأيي الكثير من الأشياء أسبابها أيضا من الطفولة، يعني حقيقة في التربية الآن في العالم الإسلامي يعني ليس هناك تركيز منذ الطفولة على المحبة، حتى محبة الله سبحانه وتعالى ومحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني منذ الصغر دائما الأطفال وهم صغار والأشياء التي ترسخ في الذهن في الطفولة من الصعب التخلص منها..

عثمان عثمان (مقاطعا): يعني في أي مرحلة عمرية تتحدث؟

مالك بدري (متابعا): شوف يا ابني، شوف اسمع هنا يا ابني إذا ما تسمع كلام أمك ربنا حيرميك في النار. أسلوب من الترهيب فعندما تتكرر هذه الأشياء الطفل يبدأ يشعر على أن الله سبحانه وتعالى ما عنده شغل غير أنه ينتظره علشان يرتكب خطأ ويرميه في النار. فحقيقة يعني نحن محتاجون إلى تغيير نوع التربية في البيوت وفي المدارس حتى يعني الإنسان يشعر بمحبة لله سبحانه وتعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم، فهذه هي اللي تمنع الإنسان في مستقبله من أن ينحرف إلى حد كبير.

عثمان عثمان: يعني كما قالت رابعة العدوية "لا أعبدك خوفا من نارك ولا طمعا في جنتك ولكن حبا فيك". دكتور بعض القصص الشعبية تتحدث عن بعض الأمراض التي شفيت بالإيمان، هل لذلك بعد أو حقيقة علمية؟

مالك بدري:  نعم. الحقيقة في كثير من القصص التي استمعت إليها والتي شاهدتها بعيني أتت بمثل هذه النتائج التي تتحدث عنها، مثلا أقول لك إنه في مرحلة من المراحل كنت في.. اخترت لأن أكون في لجنة في هيئة الصحة العالمية تقوم بدراسة عن العلاج النفسي التقليدي في إفريقيا ومنها السودان ففتشنا على الشيوخ اللي بيعالجوا علاجا نفسيا وكذا فأذكر أنا ذهبت إلى شيخ في منطقة نائية في السودان وقلت أحاول أن أدرس بالضبط ماذا يفعل، فدخلت مع الأشخاص الذين أتوا إلى هذا المسجد الكبير ومنزله ولبست الجلابية السودانية العادية ثم ذهبت مع بقية الأفراد ونمنا في غرفة كبيرة لكن بعد قليل جاء أشخاص شخصان وعرفوني دكتور مالك دكتور مالك وإذا بهم كانوا من الأشخاص اللي فشلنا في علاجهم في المستشفى واعتبروا على أنهم هم أمراض مزمنة وما في طريقة لعلاجهم، جاؤوا إلى هذا الشيخ وتغيرت أنفسهم أصبحوا يعني يشتركون في الصلوات الخمس في الجماعة وبدؤوا يستمعون إلى كلام طيب وروحاني فشفوا.

دور البيئة في تشكل الشخصية وعوامل تحقق الطمأنينة

عثمان عثمان: ربما هنا نتحدث عن البيئة التي تشكل الشخصية، يعني جاء في القرآن الكريم {فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً..}[القصص:8] عن موسى عليه السلام، يعني ماذا نقرأ في هذه الواقعة وسر أن يتربى موسى عليه السلام في البيئة الفرعونية؟ فرعون الذي قال أنا ربكم الأعلى.

مالك بدري:  شكرا جزيلا، هذا سؤال طيب ومرتبط بما تحدثنا عنه في البيئة، الحقيقة القرآن الكريم ليس كتابا في علم النفس ولكن المبادئ النفسية الموجودة في القرآن يستمد منها الناس خصوصا العلماء والمعالجون النفسانيون خصوصا في الأزمان السابقة في أساليب علاجهم وفي فهم السلوك ودوافعه، فما في شك كما يقول علم النفس أن النواحي الأساسية التي تؤثر على الشخصية وتكونها هي نواحي بيولوجية جسمية ونواحي نفسية، التربية في البيت وفي المدرسة وغيره ونواحي حضارية اجتماعية لكن نزيد على ذلك الناحية الإيمانية الروحية وتلخص هنا في ما يقول بتأثير البيئة والوراثة. سيدنا موسى ويعني هنا الواحد يرى كيف أن الله سبحانه وتعالى قال في القرآن عن سيدنا موسى {وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي}[طه:41] معناها هو رباه بالطريقة التي يقوم فيها بالمهمة الشاقة للوقوف أمام أكبر طاغية وأكبر دكتاتور وأكبر مفتري في الدنيا فرعون، لكن كيف؟ إذا تربى موسى مع أمه وأبيه وهم كانوا يعني محتقرين في ذلك الوقت أو الإسرائيليين ما في شك كان يصعب عليه أن يقوم بالمهمة التي أوكلت له، لكن الله أراد أن يغير البيئة التي عاش فيها فنقله وهو في طفولته إلى قصر فرعون، ماذا يرى موسى عندما يتربى هناك؟ فرعون عندما يأتي للقوم في أبهة وفي لبسه وأنا ربكم الأعلى ولكن موسى يراه وهو في ملابسه الداخلية ويراه يدخل في الحمام ويخرج ويراه كأب يعني ليس هو الإله..

عثمان عثمان: الضعف البشري.

مالك بدري:  نعم، نعم. أيضا المراني الضخمة التي كانت لفرعون لو كان موسى تربى يعني إسرائيليا في فقره وفي كوخه ثم يأتي لهذا القصر لعله كان يكون.. أما الآن هو أصبح مهندسا وبنى بعض الأشياء لفرعون، ولكن أيضا يعني أنا هذا في رأيي الشخصي أن موسى أيضا كان ربنا أعطاه من الناحية البيولوجية، أنا تحدثت عن البيئة وعن الناحية الوراثية والجسمية فأعطي يعني بسطة في الجسم وأعطي ناحية انفعالية قوية، لاحظ القرآن عندما يتحدث عنه عندما حدث الصراع بين المصري والإسرائيلي يعني {..فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ..}[القصص:15] يعني محمد علي كلاي دلوقت لو ضرب واحدا مش حيقتله من وكزة يعني، فموسى يعني كان قويا، ربنا من الناحية البيولوجية أعطاء قوة من الناحية البيئية رباه في قصر فرعون وأيضا أعطاه هذه القوة الانفعالية، والذي يقرأ في القرآن عن سيدنا موسى عندما تحدث عن نفسه، يضيق صدري ولا ينطلق لسان، يعني دي صورة بتاعة شخص عندما ينفعل يكون في حالة من التوتر الشديد، أيضا نقرأ أنه يعني بعد أن أخبره الله سبحانه وتعالى أن قومه ارتدوا من بعده أخذ الألواح ألقى بها وأخذ برأس أخيه يجره إليه، يعني سيدنا هارون حتى يعني استعمل لفظا لطيفا جدا {قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي..}[طه:94] فموسى كان اجتمعت فيه هذه الأشياء ليقوم بهذه المهمة، وأنا أفتكر نحن محتاجون لدراسة حقيقة في القصص القرآني من الناحية النفسية لنر النواحي النفسية والبيئية والبيولوجية وغيرها التي أتت بالنسبة للأنبياء.

عثمان عثمان: دكتور يعني أريد الإضاءة أكثر على موضوع المحضن البيئي الذي تربى فيه موسى عليه السلام، كيف انعكس على تشكيل شخصيته ليكون نبيا؟

مالك بدري:  يعني هذا المحضن هو طبعا محضن فرعون يعني هو تربى في القصر، أنت تقصد أين تربى وكيف تربى؟

عثمان عثمان: انعكاس هذه التربية وهذه النشأة وهذه البيئة على شخصية موسى عليه السلام؟

مالك بدري:  يعني هو أصبح عنده شخص ما عنده الإحساس بالذل والخوف والرعب اللي كان موجودا عند الإسرائيليين في وقتها وإلا لما وكز الرجل وكان في اليوم الثاني حيفعل نفس الشيء بالشخص الآخر.

عثمان عثمان: دائما في القرآن الكريم دكتور..

مالك بدري:  ونرى هنا أنا أتحدث عن الناحية النفسية لسيدنا موسى، يعني عندما قال له فرعون {..إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُوراً}[الإسراء:101] رد عليه {قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَـؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَونُ مَثْبُوراً}[الإسراء:102] ما في حد ممكن يكون في حياة فرعون كله قال له كلاما من هذا القبيل، فهذه العزة وهذه القوة ليست فقط من الناحية يعني لأنه يشعر بالوحي والإيمان.

عثمان عثمان: دكتور بالقرآن الكريم أيضا هناك الآية التي تقول {الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ}[الأنعام:82] يعني الإيمان كيف يحقق الأمن النفسي والطمأنينة؟

مالك بدري:  هذه النفس الإنسانية لها جوانب مختلفة وحقيقة الطمأنينة تأتي بالثقة في الله سبحانه وتعالى، إذا الشخص وصل الطور الذي يشعر بأن الله سبحانه وتعالى هو المسؤول وهو الذي يسير كل ذرة في هذا الكون وأن رزقه محسوب وأن ما أصابه من سوء سيجازى عليه في الآخرة، يعني كيف هذا الشخص إذا وصل هذه الدرجة يشعر بخوف واضطراب؟ والحقيقة يعني الأنبياء تتكرر الآية أنه يقول لقومه من الكفار يعني يقول لهم إذا أردتم أن تقتلوني فافعلوا ذلك، {..مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا..}[هود:56] يعني ما في حتى خوف من الموت أو خوف من أن يقتل أو خوف من كذا، لا يخاف النبي إلا من الأشياء التي يخاف منها كبشر، مثل سيدنا موسى لما شاف العصا انقلبت إلى حية وتحركت خاف وهرب لكن ده خوف.. تكوينه كبشر. الخوف من الثعابين الآن في دراسات تؤكد أنه موروث أما الخوف الذي يكون نسميه خوفا معرفيا أن شخصا عاقل ويتأكد ماذا سيصيبه وهو بكامل وعيه، لا يخاف النبي لأن الطمأنينة تكون كاملة من ناحية الخوف على الرزق من ناحية الخوف من المخاطر التي تلتف حوله.

عثمان عثمان: يعني حالة الخوف التي شعر بها موسى عليه السلام عندما رأى العصا تتحول إلى حية ذهبت بالخطاب القرآني، ونعود أيضا إلى الإيمان في هذه القضية. دكتور، الله عز وجل أيضا يقول {الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}[الرعد:28] يعني الطمأنينة مطلب أساسي ومهم للحياة الإنسانية الهادئة والمستقرة، عن أي ذكر نتحدث هنا؟

مالك بدري:  ذكر الله سبحانه وتعالى وأظن أن المؤمن العابد يجب أن تكون الغاية الأساسية لهذه العبادة هي معرفة الله سبحانه وتعالى وإذا تمت المعرفة فستأتي الطمأنينة، وحقيقة أعلى درجات الطمأنينة تأتي بمعرفة الله سبحانه وتعالى، أن الإنسان يصل درجة من الخوف الشديد من الله سبحانه فقط من الله "أنا أعرفكم بالله وأخوفكم له" فهذه الطمأنينة لا تضاد الخوف من الله بل هي الخوف من الله يؤدي إلى الطمأنينة.

عثمان عثمان: دكتور أيضا في القرآن الكريم حديث عن أن القرآن يشفي، {..وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ..}[يونس:57]، ما طبيعة هذا الشفاء القرآني هل هو شفاء نفسي؟

مالك بدري:  نعم. الشفاء لما في الصدور يعني هو الحقيقة ده موضوع يحتاج إلى تفسير للقرآن وأنا لست بذلك الشخص الذي أستطيع أن أدخل في جانب التفسير وأنا يعني قد كرمتني إدارة الجزيرة بأن أجلس في كرسي شيخنا الدكتور القرضاوي، فأنا في الحقيقة لست في وضع أن أفسر ولكن أنا أعرف أن كثيرا من الحالات المرضية التي أنا شفيتها وعالجتها، يعني بمجرد ما يبدأ الشخص يطمئن لذكر الله يشفى من اضطرابه، كثير من الحالات التي فشلت فشل فيها العلاج العقاقيري والعلاج بالصدمات الكهربائية وغيرها، عندما يأتي الشخص وتواجهه بالجانب الإيماني إذا به بسرعة جدا يشفى. فهذه في رأيي هي الطمأنينة التي نفتش عليها.

عثمان عثمان: دكتور نحن أيضا تحدثنا عن النفس اللوامة التي تلوم صاحبها إذا فعل معصية وعاد إلى الله عز وجل، يعني نتحدث هنا عن الندم على المعصية البعض سماها شؤم المعصية أيضا، يعني كيف يمكن لهذا الندم ألا يتحول إلى عقدة نفسية عند التائبين؟

مالك بدري:  هذا الندم يتحول إلى عقدة أو إلى مشكلة نفسية إذا ارتبط باليأس من رحمة الله {..وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ}[يوسف:87] فإذاً ناحية الندم لأن هنا الأخ الدكتور عمرو عندما تحدث تحدث عن الخوف والرجاء وهما كما قال أحد العلماء هما كجناحي طائر يعني لازم يكون في توازن بينهما، فإذا كان الندم الخوف وصل الدرجة أن يقلل من إمكانية الرجاء فيسقط الطائر لا يستطيع أن يحتفظ بتوازنه، وكذلك الناحية النفسية، يعني حقيقة هذا الكلام قيل بأسلوب جميل لا أذكره الآن لأنه أنا لفترة طويلة أدرس باللغة الإنجليزية والواحد نسي الكثير من الجوانب العربية والشعر العربي واللي كان ممكن يستشهد به، فالحقيقة فكرة جناحي الطائر أنه إذا كان الجناح واحدا أصبح أطول من الثاني يسقط الطائر على الأرض.

عثمان عثمان: دائما نتحدث عن التوازن بين الخوف والرجاء والذي يؤمن الراحة والاطمئنان النفسي. أشكركم الدكتور مالك بدري أستاذ علم النفس في الجامعة الإسلامية العالمية في ماليزيا على حضوركم معنا في هذه الحلقة، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة لكم تحيات معد البرنامج معتز الخطيب وسائر فريق العمل، دمتم بأمان الله، إلى اللقاء في الأسبوع القادم بمشيئة الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.