- تعريف الدين وخصائصه ومرجعية تحديد وظائفه
- وظائف الدين من حيث الهداية والسعادة والعمران

- الوظائف الأخلاقية والاجتماعية والسياسية

- مخاطر توظيف الدين وأسباب تعطل بعض وظائفه


عثمان عثمان
أحمد الريسوني

عثمان عثمان: مشاهدينا الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلا ومرحبا بكم على الهواء مباشرة في حلقة جديدة من برنامج الشريعة والحياة، يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز {..فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى}[طه:123] الدين أحد مقومات الحياة الإنسانية بل قد اعتبره الكثيرون غريزة فطرية، فكيف نفهم الدين؟ وهل تعطلت بعض وظائفه اليوم؟ وكيف نعيد التفكير فيه وتجسيده في عالم حافل بالمتغيرات؟ وظائف الدين موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة الدكتور أحمد الريسوني الخبير في مجمع الفقه الإسلامي الدولي، مرحبا بكم فضيلة الدكتور.

أحمد الريسوني: مرحبا حياكم الله.

تعريف الدين وخصائصه ومرجعية تحديد وظائفه

عثمان عثمان: يعني قبل أنت نتحدث عن وظائف الدين لا بد لنا من تحديد هذا الدين الذي نتحدث عن وظائفه.

أحمد الريسوني: بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين أما بعد، فكلمة الدين في اللغة تعني الطاعة والانقياد ولكن عن طواعية واختيار لأن الإنسان قد يخضع خضوعا تاما ولكن يكون مكرها، هذا ليس من الدين في شيء، فالإنسان حينما يخضع والخضوع هنا عادة لله تعالى حينما يخضع لله تعالى راغبا ومقتنعا وبإرادته فهذا هو الدين بمعناه اللغوي، فهو الخضوع والطاعة مع الإرادة. المعنى الاصطلاحي للدين الذي ورد في القرآن وفي غيره وفي التاريخ مصطلح الدين تعرفه جميع الشعوب لا يخرج عن هذا بل من ها هنا أخذ معنى الدين وهو الخضوع لله تعالى وفق الرسالات التي أنزلها وبعث بها رسله عليهم الصلاة والسلام، فإذاً الدين في النهاية سواء اصطلاحا أو لغة هو خضوع هو طاعة هو انضباط لله تعالى عن إرادة ومحبة واقتناع، هذا هو الدين.

عثمان عثمان: هل هذا ينطبق على مطلق دين أم على دين مخصوص؟

أحمد الريسوني:  لا، هذا تعريف ينطبق على جميع الأديان، لكن بطبيعة الحال الأديان التي أنزلها الله منها ما بقي وهو الإسلام على أصله وسلامته ومنها ما تعرض لعوادي التحريف والاختلاف ومنها ديانات تقريبا لم يبق منها إلا آثار قليلة وأصبح الغالب عليها انحرافات ووثنيات ولكنها يظن أصحابها ويعتقد أصحابها أنهم يتقربون إلى الله ويطيعون الله ويخضعون لله تعالى فإذاً هذا دين يسمى دين لكن الدين الحق ما هو؟ الدين المستقيم ما هو؟ هذا موضوع آخر، فبطبيعة الحال لا شك أن الدين الحق الذي يمكن أن نتحدث عنه هو الإسلام ولكن هذا لا ينفي أن كلمة الدين تشمل بقية الأديان والله تعالى قال حتى للمشركين {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ}[الكافرون:6] وقال تعالى {..مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ..}[يوسف:76] فإذاً هناك أديان متعددة في أصلها وفكرتها وغرضها تقريبا نفس الأساس لكن ما الذي بقي منها صافيا سليما وما الذي أصابه ما أصابه من تحريف قليل أو كثير هذا موضوع آخر.

عثمان عثمان: في موضوع الدين الإسلامي فضيلة الدكتور هناك من يرى أن الأحكام الشرعية تؤخذ مباشرة يعني مجرد امتثال لأوامر ونواهي وغير ذلك وهناك لا بد من التفكير في هذه الأحكام والعبادات، ما أهمية التفكر في الدين نفسه؟

أحمد الريسوني: أهمية التفكر في الدين أولا لأن الله تعالى أمر بها وحث علها وجاءت الأحاديث النبوية بالتفقه في الدين "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين"، {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا}[محمد:24] فإذاً التدبر مأمور به، التدبر في آيات الله المتلوة وآيات الله في الكون، التدبر في أحكام الله التدبر في أسرار الشرع كل هذا جاءت به نصوص كثيرة وعليه جماهير العلماء بل يعد التفقه في الدين والتفكير في الدين وفي كل أحكامه وآياته من أرقى درجات التعبد لله سبحانه وتعالى، فإذاً ليس هناك أحد في الإسلام أظن يقول إن أحكام الله تعالى تؤخذ بدون تفكر، فإذا أخذت بدون تفكر معناه أخذت بنوع من العماية والجهالة وهذا لا يقول به أحد فإذاً التفكر في الدين والتفقه في الدين والتعمق في الدين والتأمل في الدين هذا مطلوب بالقرآن والسنة وإجماع علماء الإسلام.

عثمان عثمان: الأخ حسين العسقلاني على الـ facebook يسأل عن حديث النبي عليه الصلاة والسلام "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين" ويسأل هل الفقه هنا هو فقه العبادات من صلاة وصيام وغير ذلك؟

أحمد الريسوني: لا، الحديث واضح، يفقهه في الدين، كل ما يدخل في مسمى الدين عقيدة وعبادة ومعاملة وأخلاقا وآدابا، التفقه فيه ومعرفته ومعرفة أحكامه على حقيقتها ومقاصدها وحكمتها كل هذا من التفقه في الدين بدون استثناء وليس لأحد أن يخصص لفظا من ألفاظ الشرع إذا جاءت عامة في القرآن والسنة، فإذاً الدين هنا هو كل الدين.

عثمان عثمان: نعم، حينما نتحدث فضيلة الدكتور عن وظائف الدين هل يعني ذلك أن الدين له منفعة يعني هو ذو طبيعة عملية نفعية وهل يؤثر ذلك على صفاء الإيمان ونقائه؟

أحمد الريسوني: لا، هو لو لم يكن للدين منفعة ولو لم يكن الدين نفعيا ومنفعيا لكان عبثا وتعالى الله عن العبث وتعالى دينه وشريعته عن العبث فالدين له منفعة لكن ما الذي يثير هذه الحساسية أو هذا الإشكال؟ هو أن بعض الناس تتبادر إلى ذهنهم حينما نقول كلمة منفعة، المنفعة بمعناها الدنيوي بمعناها الاجتماعي وفلان منفعي أو هذه الفكرة منفعية بمعنى أن الإنسان يريد بها أن يصل إلى منفعته الشخصية أو القريبة أو العاجلة، لا، الدين منفعة بكل معاني الكلمة فالله تعالى هو بنفسه هو الذي ينفع وهو الذي يضر فإذاً دينه منفعة ودينه مصلحة للدنيا والآخرة، ما من منفعة تتصور وما من مصلحة وما من خير يتصور للفرد أو للمجموعة أو للبشرية أو للإنس أو الجن أو الطير إلا وفي الدين ما يرشد إليه وما يحققه وما يدفع إليه وما يعلمه للناس، فإذاً أن يكون الدين نفعيا أن تكون للدين وظائف أن تكون للدين فوائد هذا هو الوضع السوي وهذا هو الوضع الطبيعي والبدهي.

عثمان عثمان: طبعا هنا يدخل قول "الشريعة مصلحة كلها وعدل كلها" ربما.

أحمد الريسوني: نعم.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور يعني أيضا الدين له وظائف متعددة ومتنوعة تطال مجمل نواحي الحياة، ما المستند الذي يمكن الاعتماد عليه لتحديد وظائف الدين؟

أحمد الريسوني:  طبعا المستند هو الدين نفسه لأن الدين ليس شئيا غامضا ولا مجملا ولا سرا، الدين هو القرآن الكريم الدين هو السنة النبوية، وفي زمن الأنبياء الآخرين الدين هو التوارة الدين هو الإنجيل الدين هو الزبور الدين هو ألواح موسى الدين هو صحف إبراهيم، فإذاً الدين حينما نتحدث عن الدين في أي زمان هناك نص مرجعي وهناك نصوص مرجعية فإذاً نرجع إلى القرآن والسنة ونرجع إلى القرآن بالدرجة الأولى وبطبيعة الحال فيحدد لنا جوهر الدين ووظيفة الدين ولماذا أنزل الدين ولماذا بعث الرسل، فيعني مثلا من ذلك قول الله تبارك وتعالى {وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً..} الدين هنا كلمة الدين نفسها {وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ..}[النساء:125] إذاً هذه واحدة من خصائص الدين ووظائفه أن يستسلم الإنسان لله وأن يحسن، هذا أحسن دين وأرقى درجات التدين هو أن يسلم الإنسان وجههه لله أن يكون دخوله في الدين أن تكون حياته كما قال تعالى {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}[الأنعام:162] فإذاً أن يجعل الإنسان نفسه تحت تصرف ربه سبحانه وتعالى هذا أول وجه من وجود الدين وأولى وظائف الدين، وهو محسن إذاً الإحسان في كل شيء، وهذه الكلمة أن يسلم الإنسان وجهه لله ويكون محسنا هي التي تكررت في آيات وأحاديث عديدة يعني منها {آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ} وهذه تكررت عشرات المرات {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا..}[فصلت:30] فإذاً الوظيفة الأساسية والجوهرية ولب الدين والتدين إيمان بالله وعمل صالح، إيمان بالله واستقامة، إسلام الوجه لله ثم الإحسان وهذه هي الكلمات التي تتفرع بعد ذلك. أحد كبار العلماء العز بن عبد السلام ألف كتابا فرعه عن هذه الكلمة وهي أن يحسن الإنسان وهو كتاب "شجرة المعارف والأحوال" جعل كل الدين هو تفرع عن الإحسان الذي ورد في هذه الآية وورد في آيات أخرى كقوله تعالى {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ..}[النحل:90] هذا مختصر الدين.

عثمان عثمان: إذاً هكذا يقدم القرآن الكريم الصورة ويوضح وظيفة الدين ولكن ماذا فضيلة الدكتور عن فكرة مقاصد الشريعة، هل يمكن أن تشكل أيضا مستندا ومرجعية لتحديد وظائف الدين؟

أحمد الريسوني:  نعم، مقاصد الشريعة هي تعبير آخر عن الدين وهي كشف آخر لغرض الدين ووظيفته إذا.. ونحن بطبيعة الحال لا نستطيع أن نتوسع في الأمور كثيرا، مقاصد الشريعة إذا استحضرنا على سبيل المثال أنها تختصر عند العلماء في حفظ الكليات الخمس، الكليات الخمس نفسها تنبئ عن وظائف الدين، الكليات الخمس التي جاءت الشرائع كلها أي الدين كله من أول نبي إلى خاتم الأنبياء صلى الله عليه وعلى الأنبياء جميعا وسلم، هذه الكليات التي اتفق العلماء أنها محفوظة في جميع الملل ومنزلة في جميع الملل هي حفظ الدين، حفظ النفس، حفظ العقل، حفظ النسل، حفظ المال، إذاً هذه كلها وظائف للدين أن يحفظها الناس كما يقول الإمام الغزالي رحمه الله "ومقاصد الشرع هي أن يحفظ على الخلق دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم" هذه كلها وظائف كبرى، هذه الوظائف الكبرى التي تندرج فيها وتتفرع عنها أحكام الشريعة كلها.



وظائف الدين من حيث الهداية والسعادة والعمران

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور يعني بالعودة إلى الآية التي افتتحنا بها هذه الحلقة {..فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى} ربما فيها إشارة إلى وظيفة عظيمة من وظائف هذا الدين وهي الهداية، يعني ما حقيقة الهداية وكيف تتحقق؟

أحمد الريسوني:  أولا هذا من الوظائف الجوهرية التي سبقت الإشارة إليها ثم نعود إليها، الهداية، ما هي الهداية؟ الهداية هي أن يرتبط الإنسان بربه ويهتدي بهداه لأن الإنسان بدون دين قد يأكل ويشرب ويلبس ويبني كما قال الله تعالى {أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ، وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ}[الشعراء:128، 129] لكنه يكون خلقا أو يكون كيانا ضائعا تائها عبثيا فالإنسان لكي تكون لحياته معنى لا بد أن يرتبط بربه وأن يؤمن بربه وأن يعبد ربه هذا هو الارتباط بالله تبارك وتعالى، فإذاً هذه هي الهداية، الهداية ليس هناك غلط أكبر ولا ضلال أكبر من أن ينقطع الإنسان وينبت عن ربه تبارك وتعالى فيصير يعني تصير الحصى أفضل منه لأنها لم تفعل، هذا الإنسان إذا ارتبط بربه صار للحياة معنى ولون معين ومذاق معين، إذا انفصل عن ربه وانقطع وتاه في هذا الكون صار عبثا وصار ضلالا وصار ظلاما مهما فعل إلى آخره، فهذا من معاني الهداية وبعد ذلك يتبع ما أمره به، يرتبط به.. هذه هي الهداية والآية الكريمة فيها معنى آخر بالإضافة إلى قضية الهداية، الآية التي افتتحتم بها هذه الحلقة وهي قوله تبارك وتعالى {..فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى، وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى}[طه:123، 124] استنبط العلماء والأمر واضح أن الأمر هنا في هذه الآية يتعلق بالدينا والآخرة معا..

عثمان عثمان: تحقيق السعادة في الدنيا والآخرة.

أحمد الريسوني:  في الدنيا والآخرة، لأنه أولا قال {..فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ..} أي في الدنيا، يعيش على بصيرة وعلى هدى وعلى نور، وهناك آيات كثيرة تصف القرآن والتوراة والإنجيل بأن هذه الكتب نور وأنزلت نورا، فإذاً {..فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ..} لأنه يسير في نور ويسير في بصيرة ويسير في ضوء ونور بينما من فقد هذا النور سار في الظلام وتخبط خبط عشواء، {..فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى..} أي في الآخرة، ما يؤكد هذا أنه عكس في الصورة الأخرى { وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً..} وسماها المعيشة وهي معيشة الدنيا {..وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ..} إذاً هناك مقابلة من حيث من اتبع لا يضل في الدنيا ولا يشقى، ولا يضل هنا بأوسع معانيها أي يسير على هدى ومن لم يتبع هدى الله ضل وتخبط.

عثمان عثمان: هنا فضيلة الدكتور قد نجد هناك بعض المسلمين ومن يلتزمون بالإسلام يعيشون ربما حياة فيها ضنك فيها تعب فيها مشقة، هل تتعارض هذه الحياة مع وظيفة السعادة التي يجب أن يحققها الدين في حياة المسلم؟

أحمد الريسوني: هذا يتوقف أولا على أن نعرف ما هي السعادة، هذا إشكال فلسفي كبير جدا وقديم جدا وفي جميع المذاهب والشرائع والقوانين والفلسفات، ما هي السعادة؟ السعادة في الحقيقة السعادة توجد في باطن الإنسان وهذا الشيء إذا اختبرنا الأمور ومحصناها وفحصناها سنجد أن لا سعادة إلا في باطن الإنسان، ولذلك الفقر قد يكون مع السعادة والتعب قد يكون مع السعادة والغنى قد يكون مع الشقاوة والراحة قد تكون مع الشقاوة والسلطان والجاه قد يكون مع الشقاوة وعدمهما قد تكون معه السعادة، فإذا اعتبرنا أن السعادة حالة نفسية وقلبية وذهنية تعطي للإنسان طمأنينة واستقرارا وانسجاما في حياته وبصيرة فمعنى هذا يقينا وحتى بعض البحوث أجريت مؤخرا وسمعت نتيجتها في الإعلان أن أكثر الناس اطمئنانا وهدوءا وانسجاما داخليا في أنفسهم وضمائرهم هم الأكثر تدينا والأعمق إيمانا.

عثمان عثمان: ولو كانوا فقراء أو مساكين.

أحمد الريسوني:  إيه بطبيعة الحال، بطبيعة الحال. مع العلم أن القرآن لا يقول للناس لا كونوا فقراء ولا كونوا مساكين، بالعكس.

عثمان عثمان: طبيعة الحياة أن يكون هناك الغني وأن يكون هناك الفقير.

أحمد الريسوني:  نعم.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور يعني وظائف الدين تتنوع في الحياة وتتوزع يعني على الفرد على المجتمع بشكل كامل على مستوى الفرد ربما تطرقنا إلى جانب معين كيف يقدم الدين الحياة والسعادة للمسلم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكن على مستوى الأمة وعلى مستوى العمران ما الذي يحققه الدين في هذا المجال؟

أحمد الريسوني: أولا على مستوى الفرد نحن لم نستوف، نحن مررنا ببعض الأمور يمكن أن أشير على سبيل المثال إلى وظيفة كبيرة جدا تكررت الآيات المتحدثة عنها وهي وظيفة تذكية الإنسان، الله تبارك وتعالى يقول {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ..}[الجمعة:2] وهذه الآية تكررت ومعانيها {قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى}[الأعلى:14] فإذاً تزكية الإنسان والارتقاء به باستمرار هذا وجه من وجوه وظائف الدين وهذا وجه من وجوه الابتلاء والخلق، الإنسان خلق في هذه الحياة ليتزكى من ولادته إلى وفاته، البشرية تتزكى من يوم آدم إلى نهاية الساعة كل هذا مطلوب، فإذاً تزكية الإنسان وترقيته في نفسه وأخلاقه وسلوكه ومعاشه هذا مقصد كبير وهذه وظيفة كذلك، وهناك وظائف أخرى بالنسبة للفرد كذلك لا يتسع المقام للإفاضة فيها لكن..

عثمان عثمان (مقاطعا): في موضوع التزكية ربما هو هدف رئيسي وأساسي ووظيفة رئيسية من وظائف الدين، كيف يمكن تحقيق هذه التزكية؟

أحمد الريسوني:  طبعا التزكية أولا تبدأ بالإيمان ثم أخلاق الإيمان ثم الأعمال والعبادات التي.. نحن نعرف جميع العبادات على سبيل المثال كعناوين بارزة في الدين وفي أي دين لأن العبادات الرئيسية موجودة في جميع الأديان، الصلاة والزكاة والصوم والحج كل هذا سابق وعمل به في الأديان وخاصة الصلاة والصيام والزكاة كما هو مذكور في القرآن، فإذاً هذه الصلوات، الزكاة مثلا قد تبدو أنها إنفاق مالي لا أقل ولا أكثر لكن الله تبارك وتعالى يقول {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ..} أول شيء قبل أن يقول تغنيهم أو ترفع حاجتهم وخلتهم قال تطهرهم {.. وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ..}[التوبة:103] كل هذه تزكية، الإنسان الذي يزكي يتزكى قبل أن يغني غيره وقبل أن يسعف غيره هو نفسه يتزكى، أما الصلاة فكونه تزكي هذا شيء أوضح من أن يوضح الله تعالى يقول {..وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ..}[العنكبوت:45] وفي الصيام قال {..لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}[البقرة:183] فإذاً جميع العبادات فضلا عن الأخلاق والعقائد والآداب كلها معرفتها والتفقه فيها والاجتهاد في التحلي بها كل هذا يؤدي إلى التزكية.

عثمان عثمان: {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا}[الشمس:9] بالعودة إلى السؤال فضيلة الدكتور يعني من وظائف الدين أن يكون هناك عمران في الأرض يعني ما علاقة الدين بالعمران؟ كيف يؤثر الدين على العمران؟

أحمد الريسوني:  يجب أن نعرف أن الدين هو أصل الحضارات وأصل العمران وأصل الاجتماع البشري، الحقيقة كما يقال الإنسان كائن اجتماعي ولكن في الحقيقة أن جميع الكائنات الحية اجتماعية، لا ميزة للإنسان في هذا إلا بالوعي والخلق والتشريع الذي يجعله اجتماعيا من طراز رفيع وإلا فالنمل اجتماعي والنحل اجتماعي والغنم اجتماعي كل الكائنات في الحقيقة اجتماعية فإين تتجلى ميزة الإنسان؟ هو أنه اجتماعي بوعي واجتماعي بإرادة واجتماعي بخلق، هذه الأمور إنما جاءت من الدين وقد نبه العلماء قديما وحديثا إلى أن كل ما تعرفه البشرية من أخلاق ونظم وأسس ولو تجردت من الدين ولو تجردت من كلمة الدين وأبعدت كلمة الدين، إذا نظرنا في أصولها كيف جاءت إلى البشرية كيف انغرست في البشرية أصولها كلها من الدين فلذلك الحضارة والعمران والارتقاء والاجتماع المنظم الاجتماع يعني الحياة الاجتماعية المنظمة كل هذا أصله من الدين، فلذلك كل عمران وكل حضارة حتى لو تجردت في حقبة معينة، الآن الحضارة الغربية يعني تستنكف أن تنسب إلى الدين وتتنزه لأن هناك عقدة لا يتسع ربما الوقت لبحثها أو للنظر فيها، هناك عقدة لدى التجربة الغربية الحضارية المعاصرة.

عثمان عثمان: نذكرها باختصار فضيلة الدكتور.

أحمد الريسوني:  باختصار أن هناك حساسية من الدين وأن نهضتهم جاءت على أنقاض الدين ولكن أي دين؟ هي في الحقيقة جاءت على أنقاض الدين الكنسي المصطنع المحرف فلذلك صار عندهم أن التقدم هو نقيض الدين وأن التقدم جاء على أنقاض الدين ولكن الذي يدرس حقيقة الآن مثلا خذ العمل الإنساني، العمل الإنساني من أين جاء؟ العمل الإنساني من الدين من أخلاق الدين ومن أمره بالإحسان والبر والرفق وما إلى ذلك، هذه الأخلاق أول ما نجدها وأقدم ما نجدها وأعمق ما نجدها نجدها في الأديان، الآن يكفي أن نقول مثلا حينما نذكر العمل الإنساني والعمل الخيري في العالم كله نذكر الصليب الأحمر ونذكر الهلال الأحمر، إذاً العمل الخيري كله يرجع إلى الدين، الصليب الأحمر المسيحية والهلال الأحمر الإسلام، فإذاً ما زالت كل العناصر الخيرة التي تبني عمرانا وحضارة وخلقا وحقوق إنسان كلها مرجعها إلى الدين ومستندها من الدين وجذورها من الدين ولو في بعض الفترات بعض الناس قد يعني يتحرجون من أن يظهروا نسبة ذلك إلى الدين.

عثمان عثمان: اسمح لي هنا أن أذكر ما أورده الماوردي "الأدب أدبان أدب شريعة وأدب سياسة، فأدب الشريعة ما أدى الفرض وأدب السياسة ما عمر الأرض وكلاهما يرجع إلى العدل الذي به سلامة السلطان وعمارة البلدان لأن من ترك الفرض فقد ظلم نفسه ومن خرب الأرض فقد ظلم غيره". نتابع فضيلة الدكتور في وظائف الدين ولكن بعد الفاصل، فابقوا معنا مشاهدينا الكرام نعود إليكم بإذن الله بعد الفاصل.



[فاصل إعلاني]

الوظائف الأخلاقية والاجتماعية والسياسية

عثمان عثمان: أهلا بكم مشاهدينا الكرام من جديد إلى حلقة هذا الأسبوع من برنامج الشريعة والحياة والتي هي بعنوان وظائف الدين مع فضيلة الدكتور أحمد الريسوني الخبير في مجمع الفقه الإسلامي الدولي. فضيلة الدكتور نتابع عندما نتحدث عن وظائف الدين لا بد أن نذكر يعني وظيفة الدين في القيم والأخلاق، ما دور الدين في هذه المنظومة الأخلاقية والقيمية؟

أحمد الريسوني:  نعم، لا بد أن ننوه بالكلمة الجميلة التي قرأتها علينا وهي من كلام الماوردي وهو مفكر كبير وفقيه وقاض ومن كبار العلماء ووردت هذه الكلمة فيما أذكر في كتابه "أدب الدنيا والدين" وهو كتاب قيم وضع فيه تجربته وخلاصة فكره وأنا لا أفتأ أرجع إليه من حين لآخر كتاب نفيس، وقد اختصر كما نقل عن بعض الحكماء أن الدين يتلخص في إقامة الفرض وعمارة الأرض وهذا شيء جميل جدا وصادق جدا، أما الدين والأخلاق فلا مبالغة أن نقول إن الأخلاق ليس لها أصل ولا سند ولا مرجعية إلا الدين، إذا نظرنا في الديانات إذا نظرنا القرآن الكريم إذا نظرنا في السنة النبوية إذا نظرنا في كلمة واحدة قالها خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" هذا يختصر فعلا أن رسالة الأنبياء وأن الدين من وظائفه الكبرى والجامعة الدين، والله تعالى حينما مدح رسوله صلى الله عليه وسلم أعظم مدح وأوجز مدح قال {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ }[القلم:4]، وإذا قرأنا القرآن، إذا قرأنا أبواب السنة إذا قرأنا كتب الحديث نجد أبواب الأخلاق وأحاديث الأخلاق، ما من خلق إلا وأصله في الدين، وأصله في الدين قبل القرآن والسنة أيضا، قبل القرآن قبل رسالة سيدنا محمد صلى الله عليهم وسلم، فالرسالات كلها قائمة على الأخلاق والأخلاق لا مصدر لها على التحقيق لا مصدر لها ولا منبع لها ولا سند لها إلا الدين، ولذلك الآن يمكن أن نقول إن الحماية الحقيقية للأخلاق ولمنظومة الأخلاق والقيم إنما تكون بحماية الدين وبالثقافة الدينية، فالاستمداد للأخلاق والترسيخ لهذه الأخلاق والترسيخ الفعلي للأخلاق لأن الناس يأخذون بالأخلاق أكثر ما يأخذون حينما تكون دينا وحينما تكون تدينا تكون أرسخ وأعمق ولذلك هذه المطاقة لا نبالغ إذا قلنا الدين خلق وقديما قيل في بعض الحكماء وبعض العلماء وبعض الصوفية قالوا "إنما الدين الخلق فمن زاد عليك في الخلق فقد زاد عليك في الدين" إذاً يختصرون أيضا الدين في أنه الخلق، إذا أردت أن تعرف هل هو متدين بدرجة كبيرة فانظر إلى أخلاقه هل هي جيدة وحسنة، إذا كانت أخلاقه متدنية فمعناها أن تدينه ضعيف وأن تدينه خفيف ورقيق، فمعيار الخلق هو المعيار الحقيقي للدين، التدين الحقيقي ليس بكثرة الصلاة، كثرة الصلاة جيدة وكثرة الصيام.. لكن الخلق ميزان الخلق هذا هو الميزان الحقيقي للتدين، فالإنسان متدين بدرجة ممتازة إذا كانت أخلاقه ممتازة، متدين بدرجة ضعيفة أو مغشوشة أو رديئة إذا كانت أخلاقه سيئة أو رديئة.

عثمان عثمان: والخلق كما يقول البعض ربما بسمة وكلمة طيبة في وجه الآخر. اسمح لنا دكتور أن نأخذ الدكتور سمير بودينار رئيس مركز الدراسات والبحوث الاجتماعية من وجدة من المغرب. السلام عليكم دكتور.

سمير بودينار/ رئيس مركز الدراسات والبحوث الاجتماعية-المغرب: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

عثمان عثمان: دكتور كما تعلم من أبرز الوظائف وظائف الدين الوظيفة الاجتماعية، ما أبرز ملامح هذه الوظيفة؟

سمير بو دينار: شكرا، أحيي أولا ضيفكم الكريم الدكتور أحمد الريسوني، الواقع أن الوظائف الاجتماعية للدين وظائف متعددة، والقضية أن التراث الفكري الإسلامي عند علماء اجتماع المسلمين أو غيرهم اهتم بدراسة الموضوع اهتماما كبيرا بدراسة الآثار الاجتماعية للدين أو دراسة الدين انطلاقا من واقع المجتمع، نجد ذلك عند ابن خلدون مثلا في إشارته في "المقدمة" بصدد دراسة العمران البشري والملك وحاجته إلى النبوة والدين أي وجوب النبوات كما يقول بالدليل العقلي والنقلي، ونجد ذلك كذلك في التراث الفكري الغربي كذلك عند دوركهايم حينما درس المجتمعات المختلفة ووجد أن أفراد الجماعة البشرية يرتبطون ببعضهم البعض من خلال الشعائر الدينية ومن خلال الممارسة الجماعية إلى غير ذلك واعتبر أن تأثير الدين سيبلغ بالإنسان أن يتجلى أو تتجلى آثاره في حياته في سلوكه العام، سلوكاته العامة وفي حياته الاجتماعية ورغم أن هذا الفريق كان يعتقد في فترة أن الدين سينحسر لصالح التفكير العلمي فإن حتى الدراسات والنظريات الاجتماعية الحديثة تؤكد على مركزية الدين في الحياة الاجتماعية وعلى دوره المركزي، دراسات كثيرة جدا في هذا السياق. أنا أعتقد أن علم الاجتماع في الواقع يمكن أن يمثل مفتاحا في شرح وتفسير عدد من الظواهر في المجتمعات خاصة فيما يتعلق بالجانب الديني، خذ على سبيل المثال مفهوم السياق، السياق الاجتماعي السياق المادي والثقافي وحتى السياق تجاه الفكر الديني بمعنى دراسة التجارب الدينية، دراسة الواقع الاجتماعي أو الديني في سياق تاريخي، فنحن نعرف على سبيل المثال أن حتى الدراسات الحديثة البنيوية وتحليل الإنسان طور مفهومه الخاص للسياق. الخلاصة هنا هي أنه لا ننسى أن الإسلام في النهاية إلى جانب كونه دينا وعقيدة فهو حضارة وتجربة اجتماعية ونمط للاجتماع الإنساني وطريقة معينة للحياة وهذه الحاجات المختلفة التي تطرح على المجتمع والتي يحتاج فيها إلى الدين والتي تتنزل فيها قيم الدين وأحكامه لا تتجلى في أبعادها الكاملة إلا بدراسة عميقة للمجتمع ومساره وحاجته والمخاطر التي تتهدده..

عثمان عثمان (مقاطعا): اسمح لي دكتور هنا أن أسألك عن المقدرة الوظيفية التوحيدية للدين؟

سمير بودينار: المجتمعات على الأقل في تجربتها الراهنة أصبحت الحاجة أو دراستها تبين الحاجة الماسة كما تفضلتم إلى الجانب الأخلاقي وأصبح هناك اهتمام كبير بمنظومة القيم بما في ذلك في دراسات الفكر الغربي الحديث التي اهتمت بموضوع القيم الأخلاقية وأعطتها دورا هاما في قيام المؤسسات ومراقبة المجتمع إلى غير ذلك، إن إحدى أهم النظريات الاجتماعية الحديثة لروبن ترى إن المعايير الأخلاقية هي جوهر الآليات المثبتة لنظام التفاعلات الاجتماعية إلى غير ذلك. فقضية منظومات القيم هذه لا بد لها من مرجعية نهائية بمعنى أننا ونحن نحاول أن نبني منظومة القيم أو نستوعب منظومة القيم التي تحكم المجتمع فنحتاج هنا إلى أن نفهم موقع المرجعية، موقع الدين باعتباره النسق باعتباره جوهر هذا النسق من المنظومة القيمية التي تحكمه وتوجهه وترقيه إلى غير ذلك، هذا الأمر قد يتجلى في بعض القضايا الراهنة، الملفات التي تتهدد أو المخاطر التي تتهدد المجتمعات، قضايا التنمية المستدامة والأخطار المختلفة التي تواجه الإنسان ومستقبل الإنسان لا يمكن فهمها إلا في ظل فهم طبيعة منظومة القيم التي تحكمها..

عثمان عثمان (مقاطعا): شكرا دكتور سمير بودينار رئيس مركز الدراسات والبحوث الاجتماعية كنت معنا من وجدة من المغرب. فضيلة الدكتور هناك من يتحدث عن وظيفة الدين بمنطق أنها وظيفة تقدمية، البعض يقول بأنها وظيفة رجعية، ما رأيكم بهذه التوصيفات؟

أحمد الريسوني:  أولا أشكر الأستاذ بودينار على هذه التأملات والإضاءات..

عثمان عثمان: مغربي.

أحمد الريسوني:  نعم، من شرق المغرب. فيما يخص هذه التوصيفات الحقيقة يمكن أن نسأل أي دين إذا كانت الوظيفة التقدمية للدين أي دين؟ والوظيفة الرجعية للدين أي دين وأي تقدمية وأي رجعية؟ نحن نعرف أنه في وقت من الأوقات ولمدة طويلة كانت بعض التيارات السياسية والفلسفية والمذهبية تقول الدين أفيون الشعوب، فعن أي دين يتحدثون مثلا؟ فإذاً قد يكون هناك فعلا في بعض الحالات يكون الدين بغض النظر عما هو هذا الدين وأي دين وفي أي بيئة، قد يكون الدين عنصرا رجعيا وقد يكون عكس ذلك. ثم ما المقصود بالرجعية والتقدمية؟ إذا كانت التقدمية هي تقدم الإنسان وتحضره ورقيه فالدين أبدا مع التقدمية وهو صانعها وهو مؤسسها من أول الزمان وليس الآن لأن الآن قد تأتي بعض الأفكار وبعض الفلاسفة وبعض المدارس ولكن دعنا نتحدث عن عشرات القرون ومئات القرون يعني كيف كانت من الذي قاد البشرية حتى وصلت إلى ما وصلت إليه؟ إنما قادها الدين فالتقدم البشري من أول يوم على الأرض إلى الآن الذي يقود التقدم البشري والتحضر البشري هو الدين والقيم الدينية والعقيدة الدينية والأخلاق الدينية والشرائع المنزلة، لكن هذا لا يمنع كما قلت من أن يكون هناك دين يسمى دينا عند أصحابه ويكون هو عائقا وهذا موجود على كل حال في التاريخ.

عثمان عثمان: يعني عندما نتحدث عن وظائف الدين فضيلة الدكتور لا بد أن نتحدث عن الوظيفة السياسية للدين، ما ملامح هذه الوظيفة السياسية؟

أحمد الريسوني: هي وظائف الدين لا تنفك بعضها عن بعض، أساسا وظائف الدين الأساسية هي ما تحدثنا عنه، وظيفة أخلاقية وظيفة تزكية وظيفة إعادة الإنسان إلى أصله وإلى ربه وإلى أن يعرف معنى الحياة وما بعد الحياة، هذه القضايا الكبرى هذه القضايا الأساسية التي تعطي للحياة معنى وتعطيها توجها وتعطيها خلقا هذه هي الأسس الرئيسية، ثم هذه الأسس وهذه الوظائف الأساسية تنعكس لأن الدين سواء الإسلام أو غيره لم يأت بنظم مفصلة لانتخابات ولطريقة اختيار الحكام لكن جاء بالقيم والآداب والأخلاق التي تضمن العدالة تضمن الشورى تضمن رضا الناس تضمن أن يحكم الناس أفضلهم، أن تكون الأمور وفق المرجعية الشرعية لأن اليوم يتحدثون عن دولة القانون عن سلطة القانون، أول من يأتي بسلطة القانون هو الدين لأن الدين كان يأتي على أساس أنه سلطة فوق الحاكم وفوق الزعيم وفوق الغني وفوق القوي هذا لم يأت به إلا الدين وإلا دائما كان الأقوياء فوق القانون وهم الذين يصنعونه  إن شاؤوا ويلغونه إن شاؤوا، من الذي أتى بفكرة القانون وفكرة علو القانون ورفعة القانون فوق الحاكم وفوق الإمبراطور وفوق هرقل وكسرى وغير ذلك؟ الذي أتى بهذا هو الدين، فالدين هو الذي يؤسس الأسس التي تسمح بل تحتم بناء نظام سياسي وحياة سياسية عادلة بما فيها من شورى بما فيها من عدل بما فيها من قانون يعلو ولا يعلى عليه، ولكن بطبيعة الحال التفاصيل تترك للاجتهادات والتقلبات والإبداعات البشرية.



مخاطر توظيف الدين وأسباب تعطل بعض وظائفه

عثمان عثمان: ولكن فضيلة الدكتور يعني البعض يرى أن وظيفة الدين، سأقرأ يعني كما هو وارد، "وظيفة الدين الأساسية هي تنظيم العلاقة التعبدية بين الإنسان وربه إلا أن الأيديولوجيا الإسلامية في سعيها للسلطة أضافت إلى الدين وظائف كثيرة لا تتفق معرفيا مع طبيعته بهدف احتكار العلم والمعرفة في جميع مجالات الحياة باسم الدين" توظيف الدين، ما رأيكم بهذه الانتقادات؟

أحمد الريسوني:  أولا أنا أحسب أن هذه الأفكار عادة يأتي بها من يعيش في نموذج آخر في ثقافته واهتماماته ونفسيته فيأتي فيضع هذا وينزله على المسلمين أو يسقطه كما يقال على الإسلام وعلى المسلمين..

عثمان عثمان (مقاطعا): لكن ألا ترون أن هناك وظيفة للدين وهناك توظيف للدين؟

أحمد الريسوني:  نأتي إلى الوظيفة والتوظيف، فأولا نحن لا أحد يحق له أن ينسب إلى الدين أي وظيفة ليست فيه، لأن الإسلام والقرآن الكريم هو الذي أتى بالشعار الذي يمكن دائما أن يكون سندا للنهضة العلمية وللتفكير العلمي {..قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}[النمل:64] فإذاً كل من يقول وظيفة الدين كذا وكذا ونتهمه بأن هذه مجرد أيديولوجيا بيننا وبينه أن يأتينا بالقرآن أن يأتينا بالحديث الصحيح أن يأتينا بسيرة رسول الله، فإذا ثبت أن شيئا فعله الرسول صلى الله عليه وسلم وإذا ثبت أن شيئا منصوصا عليه في القرآن ومأمورا به في القرآن وإذا ثبت أن حكم شيء موجود في الشريعة ومسلم ولا غبار عليه، فحينئذ لا يبقى معنى لهذه الاتهامات وكما قلت إنما هي اتهامات تؤخذ من جهات معينة وتاريخ معين فيتم إسقاطها. لكن أنا لا أنفي أن يتقول على الدين وأن يوظف الدين وأن يساء استغلال الدين هذا نأتي إليه وورد في السؤال، أنا لا أنفي هذا، أن أي دين بما في ذلك الإسلام كل دين إلا وقد وجد من حاول استغلاله أو استغلوه بالفعل أو عاشوا به أو تعيشوا أو تمعشوا به أو تكسبوا به أو ظلموا به أو تسلطوا به كل هذا موجود في الإسلام وفي غير الإسلام، وبطبيعة الحال أنا أظن يقينا أنه في الإسلام أقل شيء لكنه على كل حال موجود ويجب على علماء الإسلام ودعاة الإسلام والمناصرين حقيقة للدين أن يحاربوا هذا الاستغلال وهذا التوظيف السيء بقدر ما يهتمون بتدينهم وبنشر دينهم وبالدفاع عن دينهم لأن الإساءة إلى الدين قد تقضي عليه لأنه ما الذي قضى على المسيحية أو كاد؟ هو أنها استغلت بشكل بشع على مدى قرون وقرون، استغلت إلى أبعد الحدود وحرفت إلى أبعد الحدود وتم التلاعب بها إلى أبعد الحدود حتى كرهها الناس، وعبارة "الدين أفيون الشعوب" ليست خاطئة تماما بل هي لها قدر من الصواب وتنطبق بنسب متفاوتة على جميع الأديان قد تستعمل، واستعمال الأديان وكثرة استعمالها السيء هو دليل على مكانتها ورسوخها..

عثمان عثمان: هذا كلام خطير فضيلة الدكتور.

أحمد الريسوني:  ما هو الخطير؟

عثمان عثمان: الدين أفيون الشعوب، يعني هذا ينطبق على مجمل الأديان؟

أحمد الريسوني:  لا، بنسب متفاوتة، ينطبق على جميع الأديان بنسب متفاوتة، أي أن الدين يمكن أن يستعمل أفيونا ويمكن أن يستعمل عصا غليظة ويمكن أن يستعمل وسيلة تسلط كل هذا يحصل كل هذا..

عثمان عثمان (مقاطعا): ولكن في حقيقته وجوهره هو حياة الشعوب.

أحمد الريسوني:  جيد أن تنبهني، نحن الآن نتحدث عن دين استعمل بكيفية معينة. نحن نحمد الله تعالى أنه عندنا القرآن الكريم محفوظ حفظا تاما وعندنا السنة النبوية صحيحها محفوظ حفظا تاما، إذاً لا يستطيع التقول والتحريف أن يذهب بعيدا، يستطيع أن يستغل جهل الجاهلين يستغل الناس فترة من الزمن ولكن دائما يأتي العلماء ويأتي الناس أنفسهم حتى عامة الناس فيرجعون إلى القرآن فيجدون كذا وكذا، فيجدون أنه لا مكان للتسلط وأمرهم شورى بينهم فيجدون أنه لا معنى للتسلط لأن الله تعالى قال لنبيه {لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ}[الغاشية:22] فإذاً تبقى النصوص الحاكمة، ولكن أن يأتي أحد فقيه أو صوفي أو حاكم أو أمير أو زعيم قبلي فيكذب على الناس ويحرف ويؤول هذا يوجد بنسب متفاوتة في جميع الأديان وهذا يدل على مكانة الأديان لأن استغلالها معناه أن لها في النفوس شأنا عظيما، لا يستغل الناس بشيء إلا إذا كان له في نفوسهم رسوخ وكان له في نفوسهم قدسية ومكانة قوية ولكن مع ذلك لا ينبغي أن نترك أحدا لأن توظيف الدين أو التوظيف السيء للدين واستغلال الدين السيء هو أسوأ من الجهل بالدين، أن يكون الناس جاهلين بالدين هذا سيء ولكن أسوأ منه أن يأتي من يستغل الدين ويشوهه ويحرفه لأن هذا كاد يقضي عليه، موجة الإلحاد التي عرفها حتى العالم الإسلامي في الخمسينيات والستينيات كانت مرجعها أنه أتي إلى هؤلاء الشباب فصورت لهم مظاهر ومشاهد وجوانب من تاريخنا وواقعنا للاستغلال البشع للدين وقيل لهم هذا الدين.

عثمان عثمان: ولذلك يعني أول من تسعر بهم النار يوم القيامة العلماء والمقصود بهم علماء السوء.

أحمد الريسوني:  أحسنت، نعم.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور يعني هناك وظائف متنوعة ومتعددة للدين تطال كل مناحي الحياة لماذا تعطلت هذه الوظائف أو تعطل بعضها اليوم؟ لماذا لم يعد الدين ينتج تلك الوظائف مجتمعة؟

أحمد الريسوني:  الذي لا شك فيه وأظن لا يختلف فيه ولا يخالف فيه أي منصف أن الدين راسخ في حياة البشرية أبد الدهر وهذا مما يؤكد ما ورد في تقديمكم من أنه شيء فطري فهذا لا شكل فيه، لا شك أنه فطري بنص القرآن لا شك أنه فطري بهذه الشهادة، لأنه إذا أردنا أن نمتحن شيئا هل هو فطري أم ليس فطريا هل هو فطري أو مختلق هل هو فطري أو مكتسب أو مصطنع نرى ما إن كان.. ما يوجد في جميع العصور ويوجد في جميع الأمم وفي جميع الظروف وفي جميع الطبقات هذا حتما فطري، ما يوجد في وقت دون وقت، الماركسية أو الشيوعية كانت موجة عارمة حتى ظن أنه لن يبقى في العالم بلد إلا وسيصير شيوعيا وسيصير كذا وكذا وأن الدين انتهى وانتهت هذه الدعايات وهذه التيارات وعاد الدين، فالدين راسخ ولكن الدين هناك مد وجذر هذا بدون شك. فإذاً الآن يمكن أن نقول، الآن نحن أنا أعتقد أننا الآن نشهد مدا وليس جذرا، أما الجذر فقد عشناه من القرن التاسع عشر والقرن العشرين إلى منتصف القرن العشرين إلى وقت قريب كان هناك تراجع وانحسار لعوامل كثيرة تاريخية وخاصة أن النموذج الغربي تعميمه بحكم حركة الاستعمال العالمية، فتراجع الدين فعلا لكن الآن هناك العكس، فإذاً الدين هناك مد وجذر ووظائف الدين أيضا فيها مد وجذر بعضها يعود بقوة وبعضها ما زال ضعيفا وبعضها محارب، هذه مسألة أخرى مسألة تاريخية ومسألة تكوينية أيضا أي في قدر الله وتكوينه لهذه الحياة وهذه التجربة البشرية على وجه الأرض لكن الذي نعتز به ونتمسك به أن وظائف الدين في الإسلام خاصة محفوظة ثابتة بحفظ الكتاب والسنة وأنها الآن في تزايد وانتعاش، وعبارة الصحوة لم تأت عبثا، التعبير بالصحوة الإسلامية المعاصرة هذا لم يأت عبثا، فهذه الصحوة ما زالت تعيش وما زالت تستمر وما زالت تترسخ وإن كان مع ذلك لا ننكر أن هناك وظائف الآن متراجعة.

عثمان عثمان: ربما وفي أقل من دقيقة نشاهد عثمان بن المليح على الـ facebook  يقول "يتجلى تعطل وظائف الدين اليوم في عدم إقامة حدود الله في القضاء كحد السرقة في غالبية الدول الإسلامية"، ربما تحدث عن غياب وظائف الدين في المعنى السياسي، في المعنى القضائي وإلى غير ذلك، يسأل عن السبب، وباختصار شديد.

أحمد الريسوني:  أولا قبل السبب لا بد أن ننبه إلى أنه نحن نرى الأمور في شموليتها، حدود الإسلام أولا هي عموم أحكامه وهي الآن ترجع ولا تتراجع أما إن أردنا معنى ضيقا أي العقوبات الإسلامية غير المعمول بها أو كذا، هذا راجع كما ذكرت قبل قليل الموجة العالمية الآن التي ما زالت تحكم العالم هي الفلسفة الغربية التي امتدت مع الاستعمار بالجيوش المقاتلة وبجيوش المثقفين وجيوش المبشرين وجيوش المسشرقين فهي الآن هي السائدة وهي السبب في تراجع أو انحسار الوظيفة السياسية بالتحديد للدين.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور طبعا الموضوع يحتاج إلى مزيد بحث لكن الوقت انتهى، أشكركم فضيلة الدكتور أحمد الريسوني الخبير في مجمع الفقه الإسلامي الدولي على حضوركم معنا في هذه الحلقة، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة، لكم تحيات معد البرنامج معتز الخطيب والمخرج منصور الطلافيح وسائر فريق العمل وهذا عثمان عثمان يترككم بأمان الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.