- معنى الاستقامة وإمكانية تحققها في حياة المسلم
- العلاقة بين الاستقامة والأخلاق الدينية والمجتمع

- المعينات على الاستقامة وسبل مواجهة المعيقات

عثمان عثمان
يوسف القرضاوي
عثمان عثمان: مشاهدينا الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلا ومرحبا بكم على الهواء مباشرة في هذه الحلقة الجديدة من برنامج الشريعة والحياة. يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}[الأحقاف:13] ويقول سبحانه وتعالى أيضا {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ}[فصلت:30]، من منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الاستقامة فالمطلوب من العبد الاستقامة وهي السداد فإن لم يقدر عليها فالمقاربة فإن نزل عنها فالتفريط والإضاعة. فما حقيقة الاستقامة؟ وما طرائقها؟ وما تطبيقاتها في الفرد والمجتمع والدولة؟ الاستقامة موضوع حلقتنا لهذا اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة شيخنا العلامة الدكتور يوسف القرضاوي. مرحبا بكم سيدي.

يوسف القرضاوي: يا مرحبا أخ عثمان.

معنى الاستقامة وإمكانية تحققها في حياة المسلم

عثمان عثمان: خطاب الله تعالى إلى النبي عليه الصلاة والسلام الأمر بالاستقامة {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ..}[هود:112] بداية يعني ما الاستقامة وما الطريقة التي أمر الله تعالى بها في هذه الاستقامة؟

يوسف القرضاوي: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا وإمامنا وأسوتنا وحبيبنا ومعلمنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه وبعد، فقد علم الله المسلمين منذ فرض عليهم فاتحة الكتاب أن يقرؤوها في كل يوم 17 مرة إذا اقتصروا على صلاة الفرائض فإن زادوا نوافل زادت قراءة الفاتحة، وفي الفاتحة يسأل المؤمن ربه هذا الدعاء {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ}[الفاتحة:6، 7] فالسير إلى الهدف في طريق مستقيم رسمه الله لعباده هو الاستقامة، الاستقامة أن تسير في الطريق الموصل إلى رضوان الله تعالى ومثوبته إلى الهدف، الهدف هو إيه؟ السعادة في الدنيا والسعادة في الآخرة، الفلاح في الآخرة {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ}[المؤمنون:1] ما هو الفلاح؟ الفلاح أن تفوز بكل ما تحب وأن تنجو من كل ما تكره هذا هو الفلاح يعني أو القرآن يسميه الفوز {..فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ..}[آل عمران:185] والفوز الأبدي الفوز في الآخرة هو الفوز الحقيقي والفلاح في الآخرة هو الفلاح الحقيقي، ما قيمة أن تنجح في الدنيا يعني الناس عندهم من الأشياء المهمة كلمة النجاح يقول لك فلان ناجح يعني ناجح يعني استطاع يكسب الناس حتى ولو بالفهلوة ولو بغير الحقيقة ولو بغير الطريق المستقيم، لا، مش هذه الاستقامة، الاستقامة أن تصل إلى هدفك عن طريق مستقيم، ضد الاستقامة الأشياء تعرف بضدها وبضدها تتمايز الأشياء، ضد الاستقامة إيه؟ الاعوجاج والانحراف، فهناك إنسان مستقيم وهناك إنسان منحرف هناك طريق قويم وطريق أعوج، والله سبحانه وتعالى يحب الاستقامة في كل شيء حتى ربنا وصف نفسه {..إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}[هود:56] فالله سبحانه وتعالى على صراط، والإنسان السوي هو على صراط، هل يستوي هو ومن يأمره بالعدل وهو على صراط مستقيم؟ والشيطان يعني حلف أنه حيقف ضد سلوك الصراط المستقيم {قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ، ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ}[الأعراف:16، 17] فالشيطان واقف على هذا الصراط المستقيم يبعد الناس عنه ليسلكوا السبل المتعرجة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم وهو يعلم أصحابه كان يعلمهم بوسائل الإيضاح الوسائل بيسموها في علم التربية الوسائل المعينة وسائل سمعية وبصرية فكانت وسيلة الإيضاح عنده الرمل ما فيش لا سبورة ولا..

عثمان عثمان: الرمل والقضيب.

يوسف القرضاوي: فالرمل ويخط على الرمل، فراح خط خطا كده قال هذا صراط الله مستقيما أو سبيل الله مستقيما ثم خط عن يمينه وعن شماله خطوطا متعرجة ملتوية وقال هذه سبل على رأس كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، ثم تلا قول الله تعالى {وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ..}[الأنعام:153]، فالاستقامة هي لزوم هذا الصراط المستقيم الذي أمرنا الله أن ندعوه للهداية إليه والذي يهدي إليه الله ورسوله ولذلك سمي صراط الله، يقول الله لرسوله {..وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ، صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ..}[الشورى52، 53] هو ينسب إلى الله لأن هو الغاية أن تصل إلى الله وإلى مثوبة الله وإلى رضوان الله وإلى الحق الذي أنزله الله وأمر به فهو غاية والرسول هو أيضا ينسب إليه هذا {..وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ..} وينسب إلى السالكين كما قال الله تعالى {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ..} من هم الذين أنعم الله عليهم؟ أنعم عليهم بالهداية وأنعم عليهم بالإيمان وأنعم عليهم بعمل الصالحات وأنعم عليهم بالدعوة إلى الحق هم المذكورون في قوله تعالى {وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقاً}[النساء:69] فهو صراط الله وصراط رسول الله وصراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.

عثمان عثمان: {..إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}[هود:56] كيف نفهم هذه الآية فضيلة الدكتور؟

يوسف القرضاوي: يعني أن الله سبحانه وتعالى له الكمالات العليا في كل شيء في ذاته وفي صفاته وفي أفعاله ليس فيها أي عوج ولا انحراف كلها حق وكلها خير وكلها كمال وكلها جمال ولذلك الله تعالى له أسماء الكمال وأسماء الجمال وأسماء الجلال يعني ربك ذو الجلال والإكرام، في أسماء الرحمن الرحيم، أسماء الجمال وفي أسماء {إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ}[البروج:12]، {..وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ}[الرعد:6] ولكن كل اسم من هذه الأسماء يعني يؤدي عمله، لا يظلم ربك أحدا لا يعاقب من لا يستحق العقاب لا يأخذ عمل إنسان ويعطيه لغيره ولذلك يعني الإنسان المؤمن بالله لا يخاف ظلما ولا هضما، لا يهضم لا تهضم حسناته وطاعاته وتعطى لغيره ولا يظلم يحمل وزر غيره، لا ما فيش يعني فهذا هو الصراط المستقيم الذي عليه سبحانه وتعالى في العدل وفوق العدل حتى يعني ومن فضل الله تعالى إن أمور السيئات يعاملنا فيها بالعدل وأمور الحسنات يعاملنا فيها بالفضل، من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها، مش بس عشر أمثالها إلى سبعمئة ضعف إلى ما شاء الله لأنه قال {مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ..}[البقرة:261] في أكثر من السبعمئة أيضا أشياء لا يحيط بها إلا الله كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي "كل عمل ابن آدم له -قال الله تعالى- إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به" يجزي به قد إيه؟ سبعمئة، ألف، الله أعلم لأن الكريم إذا أعطى أجزل فكيف بأكرم الأكرمين؟ فربنا يعاملنا بالعدل وبالفضل في الحسنات يعامل بالفضل، أنا أيضا كما جاء في بعض الأحاديث "الحسنة عندي بعشر أمثالها أو أزيد والسيئة عندي بواحدة أو أعفو"..

عثمان عثمان: هذا من فضل الله عز وجل على عباده المؤمنين.

يوسف القرضاوي: هذا من فضل الله وهذا هو الصراط المستقيم.

عثمان عثمان: بالعودة إلى هذا الموضوع بالذات النبي عليه الصلاة والسلام يقول "استقيموا ولن تحصوا" هل يعني هذا بشكل من الأشكال بحال من الأحوال أن الاستقامة صعبة التحقق أو مستحيلة التحقق في حياة الناس؟

يوسف القرضاوي: لا، صعبة التحقق ولذلك ربنا أثنى على أصحابها فقال {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} كما قال إن أولياء الله لا خوف عليهم و.. وهم أولياء الله يعني الأولياء مش اللي لابس عمة خضراء أو.. هم الذين استقاموا، استقاموا يعني إيه؟ يعني ثبتوا على التوحيد يعني كما قال سيدنا أبو بكر بقوا إلى الموت على لا إله إلا الله لم ينحرفوا عن هذه الكلمة ولم يرتدوا عنها ولكن أعطوا لها حقها، سيدنا عمر يقول استقاموا يعني لم يروغوا روغان الثعالب، استقامة شديدة ولذلك يعني قالوا الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم يا رسول الله أسرع إليك الشيب يعني النبي عليه الصلاة والسلام توفي وهو عمره 63 سنة فبيقولوا له الشيب أسرع إليك فقال لهم شيبتني هود وأخواتها، قال بعض العلماء إنه رؤي النبي في المنام فقيل يا رسول الله ماذا شيبك في هود، سورة هود؟ فقال لهم شيبني قوله تعالى {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ، وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ..}[هود112، 113]، استقم كما أمرت كما أمرك الله لا تحد يمينا ولا شمالا كما أمرت، كما قال في آية الشورى {فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ..}[الشورى:15] استقم كما أمرت ومن تاب معك والمؤمنون اللي معه، ولا تطغوا، الطغيان تجاوز الحدود، لاتتجاوز الحد أنت لك حد معين لا تتجاوزه أنت بشر لست إلها. ولذلك حرص النبي عليه الصلاة والسلام أن يقف في مقام العبودية تماما يقول لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم لكن قولوا عبد الله ورسوله ولما جاء بعض الناس يقول أنت سيدنا وابن سيدنا قال لهم لا يستهوينكم الشيطان إنما أنا عبد الله ورسوله، ونهى الناس أن يغلو في شخصه، يقولون السيد قال لهم إنما السيد هو الله، فيريد كل شيء ينضبط بضوابطه وبقواعده فيقول {..وَلاَ تَطْغَوْاْ..} وبعدين {وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ..} لا تظلموا ولا تميلوا إلى الظالمين ولذلك بعض السلف يقول الدين بين هاتين اللاءين، لا تطغوا ولا تركنوا، فهكذا. ولما سئل النبي صلى الله عليه وسلم سأله سفيان بن عبد الله الثقفي كما جاء في صحيح مسلم وغيره، يا رسول الله إني أسألك سؤالا في الإسلام لا أريد أن أسأل أحدا بعدك..

عثمان عثمان: لا أسأل به أحدا غيرك.

يوسف القرضاوي: آه، عرفني الإسلام تعريفا لا أسأل أحدا بعده، فقال له "قل آمنت بالله ثم استقم". هذا يعني كما يقول الإمام النووي من جوامع الكلم ولذلك جعل هذا الحديث من الأحاديث الأربعين النبوية التي جمعت الكلمات المعاني الكثيرة في الكلمات القليلة، هذا معنى جوامع الكلم التي أوتيها النبي صلى الله عليه وسلم، قل آمنت بالله. وفي رواية للترمذي وغيره "قل ربي الله ثم استقم على ما جاء في القرآن"، قل ربي الله ثم.. ربي الله يعني إيه؟ يعني صحة العقيدة، أول شيء أن تبني على أساس متين الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر هذه هي العقيدة وهذه معنى ربي الله، ومعنى ربي الله يعني لا إله إلا الله يعني ألا تتخذ غير الله ربا ولا تتخذ غير الله وليا ولا تبتغي غير الله حكما، هذا هو التوحيد الحقيقي أي بمعنى ربي الله وتتحمل في سبيلها كما يعني قال الرجل المؤمن من آل فرعون {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ}[غافر:26] هنا قام رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه يدافع عن سيدنا موسى يقول {..أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ..}[غافر:28] من أجل أنه يقول ربي الله تقتلونه؟ من أجل كلمة حق؟ ربي الله، ليس هناك كلمة أصدق من هذه الكلمة أن الله ربنا وربكم ورب العالمين ورب كل شيء، أتقتلون الرجل.. والله سبحانه وتعالى حينما شرع للمسلمين القتال أول آية نزلت في الإذن بالقتال {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ، الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ..}[الحج:39، 40] هذا هو ذنبهم أنهم يقولون، من أجل هذا يعني تركوا أوطانهم وهجروا أموالهم وهجروا أهلهم من أجل.. فكلمة ربنا الله، بعدين تقول ربنا الله أو آمنت بالله وبعدين تستقيم مش بس كلمة قلتها لا هذه لها التزاماتها ولها ثمراتها في جانب الأمر وفي جانب النهي وفي سائر الأحكام وهذا معنى الاستقامة فالاستقامة شديدة فعلا ولذلك قال "ولن تحصوا" يعني إيه؟ يعني علم أن لن تحصوه يعني لن تقدروا عليه وتقوموا بحقه حق القيام، مش حتقدروا تقوموا فسددوا وقاربوا يعني سدد حاول تصيب الهدف تسدد الهدف إذا ما قدرتش تسدد الهدف يبقى صب بالقرب منه ما تبعدش يبقى الهدف في الشرق وأنت بتضرب في الغرب، فسدد قارب يعني حاول أن تقترب من المطلوب منك شيئا فشيئا مش تترك كل شيء، لا، حاول أن تصل إلى هدفك فسددوا وقاربوا، فهذا ما أمرنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسألة الاستقامة.

عثمان عثمان: مولانا الاستقامة تتعلق بالأفعال تتعلق بالأحوال بالنيات تتعلق أيضا بالأقوال، البعض تحدث عن الاستقامة في السرائر كالنية التوكل الإخلاص والتقوى وغير ذلك يعني هي إذاً كلمة جامعة لسائر الطاعات والعبادات، ما الفرق بين الاستقامة وهذه الأخلاق ما العلاقة بينها؟ نسمع الإجابة إن شاء الله بعد أن نذهب إلى فاصل قصير، فابقوا معنا مشاهدينا الكرام نعود إليكم بإذن الله بعد الفاصل.

[فاصل إعلاني]

العلاقة بين الاستقامة والأخلاق الدينية والمجتمع

عثمان عثمان: أهلا وسهلا بكم مشاهدينا الكرام من جديد إلى حلقة هذا الأسبوع من برنامج الشريعة والحياة والتي نتحدث فيها عن الاستقامة مع فضيلة شيخنا العلامة الدكتور يوسف القرضاوي. سيدي إذاً الاستقامة كلمة جامعة لكثير من المنازل، ما العلاقة بين الاستقامة وهذه الأخلاق الدينية العظيمة؟

يوسف القرضاوي: الاستقامة كما أشرت هي كلمة جامعة والكلمات الجامعة مثل كلمة التقوى، التقوى كلمة جامعة مثل كلمة البر كلمة يعني جامعة مثل كلمة الإيمان كلمة جامعة فكلمة الاستقامة كلمة جامعة، الاستقامة في الأقوال الاستقامة في الأفعال الاستقامة في الأخلاق الاستقامة في السرائر الاستقامة في الظواهر كل هذه مطلوب فيها الاستقامة، الإنسان أول ما يطلب من الإنسان قلبه أن يكون قلبه كما قال الله تعالى على لسان سيدنا إبراهيم {وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ، يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ، إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}[الشعراء:87- 89] فالقلب السليم هو القلب المستقيم مش القلب المعوج، ربنا يكره كل شيء أعوج ولذلك وصف القرآن قال {قُرآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ..}[الزمر:28] القرآن كتاب مستقيم، الله سبحانه يكره ويريد كل شيء.. {وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ..}[البقرة:43] معنى أقيموا الصلاة يعني أدوها قائمة مستوية معتدلة مش معوجة، أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه، كل شيء يحب أن يكون يعني مستقيما. فقلب الإنسان يجب أن يكون مستقيما وكما جاء في الحديث "لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه" اللسان ولذلك علماء السلوك ذكروا يعني في كتبهم شيئا سموه آفات اللسان، الإمام الغزالي جعل في كتابه الإحياء في ربع المهلكات آفات اللسان وذكر عشرين آفة من آفات اللسان. والعلامة عبد الغني النابلسي من علماء الأحناف ومن ذوي الاتجاه الصوفي ذكر في آفات اللسان 72 آفة، ما أجمله الإمام الغزالي فصله 72 آفة من آفات اللسان ولذلك يقول إن الأعضاء إذا أصبحت قالوا للسان أيها اللسان اتق الله فينا فإنك إذا استقمت استقمنا وإذا اعوججت اعوججنا. اللسان ما يلفظه من قول إلا لديه رقيب عتيد، فالكلمة يجب الإنسان أن يبدأ يراقب نفسه يراقب قلبه بحيث يكون قلبه مستقيما. في واحد ظاهره جميل وباطنه سيئ لأن باطنه الكبر باطنه العجب يعجب بأي عمل يقدمه يتهيأ له أن ما فيش حد أحسن منه، الإنسان قد يعمل الصالحات ولكنه يحبطها بإعجابه بها كما قال سيدنا علي "سيئة تسوؤك خير عند الله من حسنة تعجبك" حسنة تعجبك تقول من مثلي! أقام الليل أو صام يوم الاثنين والخميس أو بذل من ماله كذا أو يعني فيبقى معجبا، ابن مسعود رضي الله عنه يقول "خصلتان مهلكتان، العجب والقنوط" اليأس، قال شرح هذا الإمام الغزالي قال لأن السعادة لا تنال إلا بالعمل والتعب، والمعجب لا يعمل لأن أمثاله وصل خلاص حيعمل ليه، والقانط اليائس لا يعمل لأن ما فيش فائدة من العمل فيعمل ليه ولذلك قال العجب فهذه من آفات القلوب أمراض القلوب العجب الغرور الكبر الحقد الحسد الرياء حب الدنيا حب الجاه حب المال يعني كل هذه أشياء دي أمراض القلوب، أمراض القلوب ومعاصي القلوب أشد من معاصي الجوارح ولذلك كانت معصية سيدنا آدم معصية جارحة ومعصية إبليس معصية قلب لأنه أبى واستكبر، الكبر ده من أعمال القلوب فلذلك لم يتب منه، سيدنا آدم سرعان ما تاب منه {..وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى، ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى}[طه:121، 122]، {قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}[الأعراف:23] فالاستقامة تشمل أعمال الظاهر وأعمال الباطن أعمال الجوارح وأعمال القلوب أعمال القلوب وأعمال الألسنة، تشمل يعني المأمورات..

عثمان عثمان: وتشمل المنهيات أيضا.

يوسف القرضاوي: والمنهيات، تشمل القول والعمل والنية لأن النية مهمة جدا، لا يسجل لك عند الله عمل صالح إلا إذا كان لك فيه نية والنية تقصد بها وجه الله سبحانه وتعالى {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء..}[البينة:5]، "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" المطلوب من المؤمن أن يكون مستقيما في هذا كله في أقواله وفي أعماله وفي نياته وفي ظاهره وفي باطنه، كله على استقامة على أمر الله عز وجل.

عثمان عثمان: نأخذ بعض المشاركات من السادة المشاهدين، عائشة بنت أحمد موريتانيا السلام عليكم.

عائشة بنت أحمد/ موريتانيا: السلام عليكم. نريد الشيخ يجاوبني على الحديث اللي فيه أن الجنين تدخله.. 120 يوما ولكن بعض النساء قالت إنها يتحرك فيها الولد في أقل من ذلك فلماذا هذا الأشهر وإن نريد الشيخ يسأل..

عثمان عثمان: أخت عائشة أريد منك لو سمحت أخت عائشة ومن السادة المشاهدين أن تكون الأسئلة محصورة فقط في الحلقة. آخذ الأخ جمال الطواب من مصر.

جمال الطواب/ مصر: السلام عليكم، ممكن تأذن لي أخ عثمان بكلمة موجزة قبل طرح السؤال؟

عثمان عثمان: الوقت ضيق لا، يعني اعذرني أريد السؤال مباشرة.

جمال الطواب: طيب لماذا المنحرفون يقدسون الاستقامة ويمقتون الرذيلة؟ شكرا وبارك الله فيكم.

عثمان عثمان: شكرا جزيلا. الأخ ناجي علوش، لبنان.

ناجي علوش/ لبنان: السلام عليكم. أولا أحيي فضيلة الدكتور أحيي الأخ عثمان وأتمنى على فضيلة الدكتور وهو الأستاذ المعروف وأتمنى لو أن يعني يتم الكلام حول الاستقامة الفكرية.

عثمان عثمان: نعم، شكرا جزيلا. الأخ جمال الطواب يسأل لماذا المنحرفون يقدسون الاستقامة ويمقتون الرذيلة؟

يوسف القرضاوي: المنحرفون؟

عثمان عثمان: هكذا قال، نعم.

يوسف القرضاوي: يعني هو في قدر من الفطرة الإنسانية أن الإنسان حتى وإن انحرف يعني يود أن يكون مستقيما، إذا بقي فيه يعني شيء من الفطرة الإنسانية ينحرف ويكره الانحراف ويدعو الله تعالى أن يهديه للاستقامة إنما لو طمس الله على بصيرته يعني يرى الحقائق منقلبة يسمي الانحراف استقامة ويسمي.. كما قال الله تعالى عن المنافقين {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ، أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَـكِن لاَّ يَشْعُرُونَ}[البقرة:11، 12] فإذا بقي في الإنسان بعض سلامة الفطرة حتى وإن هو يعني كان يمارس بعض الانحرافات يمارسها وهو يكرهها ويتمنى لو كان مع أهل الاستقامة ويدعو الله أن يتوب عليه وهذا يعني يرجى له الخير فهي درجات فمن أسوأ الدرجات أن الإنسان يكون على الانحراف وعلى الاعوجاج ويظن نفسه مستقيما والعياذ بالله.

عثمان عثمان: الأخ مجاهد يسأل هل القول بأن استقامة الحاكم هي الأساس لاستقامة الرعية؟ وهل يجوز طاعته في حال اعوجاجه؟ ربما هذا يقودنا إلى أن نتوسع في المسألة يعني ما هي مواصفات الدولة المستقيمة؟ ما هي مواصفات الحاكم المستقيم الذي يستقيم باستقامته سائر الناس؟

يوسف القرضاوي: الحاكم المستقيم هو الذي يقيم العدل وأول العدل هو إقامة التوحيد لأن الشرك ظلم عظيم وإقامة دين الله في الأرض كما وصف الله تعالى الممكنين في الأرض بقوله {..وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ، الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ..}[الحج:40، 41] هذا هو الحاكم المستقيم وإذا استقام هذا الحاكم تأثر به الرعية وخصوصا في عصرنا الحاكم في يده الإعلام والتعليم والتوجيه والثقافة يستطيع أن يضلل الأمة ويستطيع أن يرشد الأمة، الحاكم القدوة يؤثر في الناس ولذلك قال أحد الرعية لسيدنا عمر يعني استقمت فاستقمنا ولو رتعت لرتعنا، لو أنت قعدت تأكل أموال الناس بالباطل وتجمع الأموال وتدي لأقاربك حنكون نحن نعمل يعني مثلك ومن هنا كان يوم من إمام عادل خير من عبادة ستين سنة، لأن في اليوم الواحد ده يعطي من الحقوق ويزيل من المظالم ويؤسس من قواعد الخير ما يكون أفضل من عبادة بعض الأفراد ستين سنة أو أكثر من ستين سنة.

عثمان عثمان: في ظل الفساد الذي يستشري في الحكومات وعند الحكام أيضا الأخ أحمد عزت من مصر يسأل كيف يحافظ المسلم على استقامته في ظل إغراءات الحياة وفساد الحكومات وضعف الدخل وانتشار الفساد في مؤسسات الدولة بشكل جعل الفساد شيئا شبه عادي؟

يوسف القرضاوي: هنا يكون أجر القابض على دينه المستمسك بحدود الله عز وجل أكثر من أجر من يعيش في زمن يعين على الصالحات وهذا النبي يسميه أن القابض على دينه كالقابض على الجمر، يعني كأنه حاطط الجمر بيده شوف بقى القابض على الجمر هنا من يكون في حالة من الحالات بحيث يعني كل واحد يقول يا نفسي لا يؤمر بمعروف ولا ينهى عن منكر ولا كذا فقال لهم للعامل في دينه في مثل هذه الأيام أجر خمسين، قالوا منا أو منهم يا رسول الله؟ قال بل منكم. يعني أجر خمسين من بعض الصحابة مش السابقين من.. لأن الكلام ده في أواخر حياة النبي عليه الصلاة والسلام، مثل السابقين الأولين لا يلحق بهم أحد إنما الصحابة اللي أسلموا ممكن يبقى واحد إذا كان مستمسكا بدينه في أيام الفتن وأيام المغريات بالشر والمعوقات عن الخير يكون يعني له من الأجر أجر مثل خمسين من الصحابة المتأخرين، وفي بعض الروايات يعني "تجدون على الخير أعوانا ولا يجدون على الخير أعوانا" في بعض الحديث أن الرسول عليه الصلاة والسلام خرج إلى بعض الصحابة يوما وقال أي الخلق أعجب إليكم إيمانا؟ قالوا الملائكة، قال وما لهم لا يؤمنون وهم عند ربهم؟! -عند الله ليس عندهم غرائز ولا مغريات ولا أشياء مما في الدنيا- قالوا فالأنبياء، قال وما لهم لا يؤمنون والوحي ينزل عليهم؟! قالوا فنحن، قال وما لكم لا تؤمنون ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهركم؟ قالوا فمن؟ قال أعجب الخلق إيمانا قوم يأتون من بعدكم يجدون كتابا بين لوحين مصحف بين دفتين يؤمنون به ويعملون بما فيه أولئك أعظم أجرا. فالذي يعمل في عصور الفتن وفي عصور الظلمات له أجر عظيم.



المعينات على الاستقامة وسبل مواجهة المعيقات

عثمان عثمان: نأخذ الأخ أحمد أبو سيف من مصر، تفضل أخ أحمد السلام عليكم.

أحمد أبو سيف/ مصر: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أستاذنا الكريم تحياتنا لأستاذنا الدكتور يوسف القرضاوي نعتز طبعا أستاذنا الدكتور مصري يعني نفتخر بأنه معنا علشان..

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور للعالم الإسلامي كله، تفضل بسؤالك أخ أحمد.

أحمد أبو سيف: طبعا يا افندم طبعا. أستاذنا الدكتور المعينات في ظل هذا الجو الذي نعيشه من المعاصي والأشياء التي نتعرض لها في هذا العالم الصعب جدا كما يقول الرسول صلى الله "يأتي زمان على أمتي الماسك فيها على دينه كالماسك على جمرة من نار"، المعينات على الاستقامة؟ جزاكم الله خيرا.

عثمان عثمان: شكرا جزيلا، إذاً المعينات على الاستقامة في ظل التحديات التي تواجه الشباب والمجتمع اليوم.

يوسف القرضاوي: المعينات.

عثمان عثمان: نعم ولكن قبل أن تجيب مولانا نأخذ الآن الأخ علي موحاد من الجزائر، تفضل أخ علي.

علي موحاد/ الجزائر: السلام عليكم. الأخ الاستقامة هل تخص الأشخاص أم لها علاقة بالمجموع أم لا؟

عثمان عثمان: شكرا جزيلا، الأخ محمد المعتصم من السعودية.

محمد المعتصم/ السعودية: السلام عليكم. أسأل من يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وهو غير مستقيم حكمه شنو؟ والسؤال الثاني الناس الذين يهاجرون إلى هذه البلاد غير المستقيمة بما فيها وبما نعلم؟ ولكم جزيل الشكر.

عثمان عثمان: شكرا جزيلا. نبدأ بالأخ أحمد أبو سيف، المعينات على الاستقامة في ظل التحديات التي تواجه الشباب تواجه كل المجتمع على مختلف يعني التحديات من رشوة وفساد وإغراءات وإعلام فاسد وغير ذلك.

يوسف القرضاوي: أول معين للإنسان هو الله سبحانه وتعالى {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}[الفاتحة:5] يعني يدعو الله سبحانه وتعالى أن يوفقه ويتوكل على الله ويعتصم بحبل الله. وثاني معين هو الإرادة أن يكون شخصا عنده إرادة يعني قوية ولا يسلم نفسه إلى الآخرين الذي يبيعونه للشيطان، ثم يبحث عن الأخ الصالح والجليس الصالح هذا يعني من أعظم المعينات يبحث عن أهل الخير يضع يده يعني في أيديهم، أن يبحث عن هاد صالح شيخ صالح يتعلم على يديه ويتتلمذ يعني على يديه، يشغل نفسه بعمل خير لا يترك نفسه في فراغ لأن إذا تبطل الشيطان مش حيسبه بطالا حيشغله في المعاصي وفي الشرور عنده فيشغل نفسه هو في الخير يشتغل يشوف جمعية خيرية جمعية دينية جمعية إسلامية ويشتغل فيها فهذا يبعده بقدر الإمكان عن الاعوجاج ويحفزه على الاستقامة.

عثمان عثمان: النفس إن لم نشغلها بالطاعة شغلتنا بالمعصية. الأخ..

يوسف القرضاوي: إذا لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل.

عثمان عثمان: الأخ علي موحاد من الجزائر يسأل هل الاستقامة هي يعني أمر فردي أم أمر جماعي؟

يوسف القرضاوي: هي عمل فردي وجماعي يبدأ بالفرد ولكن لكي تحسن الاستقامة لازم تستعين علشان كده بيقول لك لازم تشوف صاحب لك تشوف جمعية تشتغل فيها لأن المرء قليل بنفسه كثير بإخوانه ضعيف بمفرده قوي بجماعته ولذلك إذا كنت تريد أن تخدم الإسلام، الإسلام الآن ضعيف والأمة الإسلامية ضائعة وحقوق الأمة الإسلامية مهضومة ومأكولة كيف نعيد للأمة؟ مش بالعمل الفردي لازم بالعمل الجماعي فاستعن بغيرك وضع يدك في يد الآخرين وقل يا رب انصرنا وأعنا.

عثمان عثمان: الأخ محمد المعتصم يقول هناك من يشهدون أن لا إله إلا الله ربما يقيمون الصلاة وغير ذلك ولكنهم في نفس الوقت ينحرفون عن خط الاستقامة.

يوسف القرضاوي: هؤلاء عصاة، إذا كان يشعر بأنه عاص يبقى قريب يعني لأنه معناها أنه يشتاق إلى التوبة شوقه إلى التوبة هذا دليل على أن في بقايا خير إنما إذا مات قلبه وأصبح راضيا عما هو في هذه المصيبة لأنه من أين يحس؟ ما فيش إلا جاءت له بقى يقظة من الله سبحانه وتعالى، فهناك الاستقامة درجات يعني كما يعني نجد أن الله تعالى يقول {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ..}[فاطر:32] وفي أصحاب اليمين والمقربين السابقون السابقون أولئك هم المقربون، فالإنسان يبدأ بالخطوة الأولى ويحاول أن يرقي نفسه، الواحد مش حيفضل في الابتدائي على طول يحاول يطلع إعدادي وبعدين ثانوي وبعدين جامعي وبعدين يأخذ دكتوراه أيضا عمل الخيرات والاستقامة والصالحات هي مراتب ودرجات قابلة للترقي.

عثمان عثمان: سلام تسأل هل استقامة الفكر والسلوك رهينة بالوضع الاجتماعي والمادي؟ وربما هذا أيضا يجعلنا نتوسع قليلا فيما طرحه الأخ ناجي علوش من لبنان، أهمية الاستقامة في الفكر والسلوك وانعكاس هذه الاستقامة في حياتنا اليومية؟

يوسف القرضاوي: استقامة الفكر سابقة على استقامة السلوك ولا يمكن أن يستقيم سلوك الإنسان إذا لم يكن فكره مستقيما وشر ما تصاب به مجتمعاتنا هو هذا الغزو الفكري الذي لبس علينا الحقائق بالأباطيل فأصبح هناك أناس واخدين فكرة عن الإسلام أن الإسلام ده دين رجعي دين تخلف دين كذا فيه ناس يظلم بعضهم بعضا ويعتبر هذا من الإسلام يأكل حقوق الآخرين ويظلم العمال اللي عنده بعدين يروح يحج الحجة العشرين أو يروح يعتمر في رمضان وهو واكل أموال الناس بالباطل يظلم المرأة ولا يعطيها حقوقها يظلم اليتامى والضعفاء، هذا هناك فكر معوج يجب نسعى إلى استقامة الفكر، تقويم الفكر إحنا قبل هذا قلنا في حلقة سابقة العلم قبل العمل كما قال معاذ بن جبل العلم أمام والعمل تابعه، فلا بد أن نصلح العلم ونصلح الفكر قبل أن نصلح الأعمال.. أو هو مقدمة ضرورية لصلاح الأعمال واستقامة الطريق.

عثمان عثمان: العلم الذي يتبعه أيضا فهم. الأخ محمد المعتصم أيضا طرح سؤالا آخر، هناك بعض الناس الذين يزعمون الاستقامة أو هم فعلا مستقيمون ولكنهم يهاجرون إلى بلدان تسري فيها الرذيلة بلاد غير مستقيمة.

يوسف القرضاوي: هو قد يكون مضطرا لهذا لأنه أحيانا بلاد فيها الرذيلة ولكن فيها الحرية فهو لأن مش لاقي في بلده الحرية يذهب يبحث عن الحرية أو لا يجد الأمن مهدد أن تأتيه كلاب الصيد زوار ما بعد نصف الليل يأتوه في أي وقت ولا يأمن على نفسه هذا أحيانا يضطر اضطرارا إلى أن يهاجر من بلاد أخرى، ليس هينا على الإنسان أن يترك بلده كل إنسان بلده عزيزة عليه

بلادي وإن جارت علي عزيزة

ولو أنني أعرى بها وأجوع

ولكن أحيانا بعض الناس يلجأ إلى هذا. ولكن أنا أقول باستمرار إذا هاجر الإنسان إلى بلد وجد هذا البلد فيه خطر على دينه أو دين ذريته وأولاده يجب أن يرحل من الغد ولا يضيع دينه من أجل دنياه، ما قيمة أن يخسر الأولاد ويجمع الأموال؟ ولذلك أنا أول ما ذهبت إلى أميركا وقلت للإخوة هذا بعضهم يعني قال إحنا ليس لنا بقاء هنا وقابلني أحد الإخوة في القاهرة وقال لي أنا فلان الفلان تذكرني؟ قلت له والله لا أذكرك، قال أنت زرتنا في نيوجرسي وقلت لنا إذا لم تستطيعوا أن تحافظوا على دينكم ودين ذرياتكم فابدؤوا رحلة العودة، فقال أنا لم أستطع أن أحافظ على دين ذريتي خصوصا على بناتي وعلى دين بناتي فرحلت وفتح الله علي..

عثمان عثمان: ربما هذا حال الكثيرين من المسلمين الذين هاجروا لتلك الديار.

يوسف القرضاوي: يعني يضطر إلى أن يهاجر لا يجوز أن يضحي بدينه من أجل دنياه، يجي ويقاوم في بلده مع المقاومين حتى يفتح الله عليهم.

عثمان عثمان: الاستقامة مولانا لها انعكاس إيجابي في الحياة الدنيا لها مردود إيجابي في الحياة الآخرة، الفوز عند الله عز وجل. لو أردنا أن نتحدث في الحياة الدنيا رب العالمين يقول {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقاً }[الجن:16]، ما علاقة الاستقامة على الطريقة بنزول المطر والخيرات؟ في دقيقتين فقط.

يوسف القرضاوي: الاستقامة لها أهمية جدا في إنشاء الحياة الطيبة، القرآن يقول {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً..}[النحل:97] ويقول {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ..}[الأعراف:96] مش بس المطر والمطر هو من ضمن الأشياء {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً، يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً، وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ..}[نوح:10- 12] من عهد سيدنا نوح وعهد سيدنا هود يرسل السماء عليكم مدرارا ويزيدكم قوة إلى قوتكم، من عهد سيدنا آدم حينما أنزل الله آدم وحواء من الجنة {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى}[طه:123] لا يضل في الدين ولا يشقى في الدنيا {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى}[طه:124] إذا أعرض عن ذكر الله وعن منهج الله ومشى وراء خطوات الشيطان فيصاب بالضنك في الدنيا ضيق المعيشة وضيق الحياة وبعدين في الآخرة يحشر أعمى {قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً، قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى}[طه:125، 126] فمن اتبع منهج الله هيأ الله له أسباب الخير والفلاح في الدنيا {..وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ..}[الطلاق:2،3] و {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُواْ وَاتَّقَوْاْ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ، وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم..}[المائدة:65، 66] يعني تكون الحياة يعني موسعة عليهم والرزق طيب بفضل اتباع منهج الله لأن منهج الله هو الذي يقيم العدل ويوثق الروابط بين الناس ويسد أبواب الجرائم والشرور ويفتح أبواب الخيرات على مصاريعها ويعين الناس على البر والتقوى.

عثمان عثمان: في الختام أشكركم مولانا فضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي على هذه الإفاضة الطيبة، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة لكم تحيات معد البرنامج معتز الخطيب والمخرج منصور الطلافيح وسائر فريق العمل، دمتم بأمان الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.