- الفرق بين الغيب والمستقبل
- معنى استشراف المستقبل وأدواته الصحيحة

- الفكر الديني وأهمية الدراسات المستقبلية

- دور الحكومات والأفراد ومجالات علم المستقبليات


عثمان عثمان
محمد بريش

عثمان عثمان: مشاهدينا الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلا ومرحبا بكم على الهواء مباشرة في هذه الحلقة الجديدة من برنامج الشريعة والحياة. فرق بين التفاؤل بالمستقبل وبين معرفة المستقبل وبين الإيمان بالمستقبل وبين التخطيط بالوصول إلى هذا المستقبل والتحكم فيه، ونحن هنا في هذه الحلقة لا نتحدث عن التفاؤل ولا عن التطلع الشاعري والنفسي للمستقبل الجميل، نحن نبحث عما يتصل بالإستراتيجيا أو ما يسمى باستشراف المستقبل، وإذا كان المستقبل بيد الله تعالى كما هي عقيدة كل مسلم فهل يمنع ذلك من التطلع إلى معرفة المستقبل والتخطيط له؟ وأين المسلمون من علم المستقبليات؟ وما موقف الإسلام من الكهانة والتنجيم؟ الغيب وعلم المستقبل موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع الدكتور محمد بريش الخبير في الدراسات المستقبلية. مرحبا بكم دكتور.

محمد بريش: أهلا وسهلا.

الفرق بين الغيب والمستقبل

عثمان عثمان: لنبدأ بتبيان الفرق بين الغيب والمستقبل.

محمد بريش: بسم الله الرحمن الرحيم، طبعا عند بعض الناس هناك خلط فيما يتعلق بالغيب والمستقبل لكن هناك فرق شاسع بين ما هو غيب -استفرد الله سبحانه وتعالى بالغيب- وبين الدراسات المستقبلية والإعداد للمستقبل، فرق شاسع بين أن تخطط وتعد لمستقبل مرغوب وبين من يدعي معرفة تفاصيل مستقبل مكتوب، والفرق شاسع على مستويات ثلاثة، أولا من حيث الحدود، الغيب يشمل كافة أبعاد الزمان والمكان الغيب لا يشمل فقط المستقبل الغيب يشمل الماضي يشمل الحاضر يشمل المستقبل، الله عز وجل حينما قال {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً}[الإنسان:1] هذا ماض ما كنا لنطلع عليه أو لنعلم شيئا عنه لو لم يخبرنا الله عز وجل في وحيه بهذا، كذلك {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً..}[البقرة:30] ما كنا لنعلم ذلك لولا أن الله أخبرنا به وهو شيء ماض  {..قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا..}[البقرة:30] من أفسد؟ ما هي الأمم التي أفسدت من قبل؟ نحن لا ندري إلا أن هنالك من قبل من أفسد.

عثمان عثمان: هذا يتعلق بالماضي.

محمد بريش: فإذاً الغيب يشمل جزءا من الماضي. الغيب يشمل كذلك جزء من الحاضر، الجنة موجودة الآن، النار موجودة الآن، نحن نؤمن بها كغيب لم نرها وكذلك هنالك أشياء ستقع وهناك يوم آخر وحساب ومصير نؤمن به يشمل المستقبل، فإذاً من حيث الحدود الغيب واسع، أما المستقبل فهو أمر موكول إلى الإنسان في إطار سعيه، في إطار أعداده لغده في إطار ما هو متاح له من البصر فيما يريده فقط، من حيث المنهج نفس الشيء، الدراسات المستقبلية هي استشراف ونوع من القراءة لواضع حاضر بغية تغييره في مآل مرغوب بشروط محددة أما الغيب فشيء الله سبحانه وتعالى متحكم فيه مطلق لا مجال فيه للخطأ لا مجال فيه للنسيان كل شيء موزون كل شيء بقدر هذا يتعلق بالغيب، فإذاً كذلك من حيث المضمون يعني النطاق الذي يشمله الغيب في مضمونه هو الكون كله هو إرادة الله عز وجل وقدرته أما مضمون الإنسان فيتعلق فقط بالجانب من حياته، نعم يمكن أن ينتقل إلى الماضي بحيث إنه يدرس المستقبلات المفقودة بحيث يقف على فطرة تاريخية معينة فيدرس كيف كان سيشاهد المستقبلات لو أنه عاشها، ثم يدرس تلك المستقبلات بناء على ما هو مدون من المستقبل الذي تم فيقارن حتى يعرف ما هي المستقبلات المفقودة وما شروط إحيائها ولماذا فقدت وغير ذلك.

عثمان عثمان: الولع بمعرفة المستقبل دكتور هل يتعارض مع الإيمان بالغيب والذي هو صفة أساسية من صفات المؤمنين كما ذكر القرآن الكريم؟

محمد بريش: هو الولع بالمستقبل شيء إنساني، المستقبل هو مجال الحرية هو مجال العمل هو مجال الفعل الماضي شيء ولّى، الواقع قائم لا يتغير إلا في المستقبل المتاح، فإذا أردت أن تغير واقعك فليس أمامك إلا هذا الغد {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}[الحشر:18] فإذاً هذا الغد نعم المراد الغد الأخروي ولكن هذا الغد الأخروي لا يشتغل عليه ولا يعمل على تحسين العطاء فيه إلا بذلك الغد المتاح في الغد الدنيوي.

عثمان عثمان: المسألة ليست يعني فقط ولعا بمعرفة المستقبل، ربما هذه الفكرة نشأت لمعرفة المستقبل للتحكم فيه وللتأثير فيه أيضا، هذا ما ذكرتموه أيضا يعني، هل في هذه الفكرة أيضا مشكلة دينية؟

محمد بريش: لا، هو مشكلة دينية عندما.. ذلك هنا من رأى على أن قول الله عز وجل في آخر سورة لقمان {إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}[لقمان:34] رأى في ذلك على أن الإنسان لا يمكن أن يعرف شيئا، نعم هو لا يمكن أن يعرف شيئا حتميا لكن يمكن أن يجتهد لكي يصل إلى شيء، ففرق بين من يسعى إلى مستقبل مرغوب يريد أن تكون له غلبة الظن ومن يدعي مستقبلا حتميا سيكون كذا وكذا، الذي يقول الدولة الفلانية ستغلق بعد عشرين سنة العالم سينتهي في سنة كذا هذا ادعاء من الغيب باطل، من يقول أنا أتوق إلى أن تكون المستقبلات عندي كذا أو أرى أن تطور الواقع الحالي مستقبلاته المحتملة من سيء إلى أن يبقى ما هو عليه إلى أحسن هي كذا هذه، هذه الثلاث المستقبلات التي تحوم حولها الدراسات المستقبلية وقد تنتقل إلى خمسة في أبعد تقدير.

عثمان عثمان: لكن هو يتوقع بناء يعني بني النتائج بناء على مقدمات.

محمد بريش: آه طبعا، هو يدرس الجينات التي أفرزت هذا الواقع، بحكم أنه أمامه مستقبل مشهود كان في السابق ماضيا جينيا لم يفكر فيه التفكير الذي يرى بما يرى به الواقع الآن وجزء منه سوف يستمر إلى أن يدخل هو عوامله التي تغير ذلك الواقع مثل حركة السير في السيارة، أنت عندما تقود سيارتك تنظر إلى القادم من الطريق لكي تتبين ما هي العقبة فيه ما هي العوائق التي أو المطبات التي يمكن أن تعوق سيرك وبقدر ما تكون المسافة كبيرة بقدر ما تكون سرعتك جيدة واطمئنانك إلى السير كذلك جيد، ولكن حين تضع رجلك على الفرامل لا تتوقف بغتة بل تستمر مدة معينة إلى أن تنتهي حركة السير التي كنت عليها، كذلك بالنسبة للزمن أمامك واقع مشهود تريد أن تغيره إلى ما هو أحسن تنظر إلى الجينات التي أفرزته العوامل النشطة فيه التي تمكن من تغييره، الحركة التي سار عليها في بعد زمني محدد، الأفق الزمني الذي تريد أن تشتغل عليه ثم تنظر كيف يمكن أن توظف الإيجابيات وتمنع السلبيات لكي تنتقل إلى مرحل أحسن وأفضل، هذا الذي له مشروع مستقبلي لتغيير واقعه هو الذين يعني بالمستقبل أما الباقي فإما أن يكون نوعا من الأدب يساعد نوعا ما على الخيال أو يكون نوعا من الادعاء في معرفة ما سيصير عليه الزمان أو ما ستكون عليه الأوضاع وهذا مجرد باطل.

معنى استشراف المستقبل وأدواته الصحيحة

عثمان عثمان: دكتور يعني من المعروف أن معرفة الغيب لا تكون إلا عن طريق الوحي هذا مقرر عقديا عند المسلمين، هل استشراف المستقبل يعتبر نوعا من التنبؤ أو يعني معرفة الغيب من غير طريق الوحي؟

محمد بريش: لا، أولا ينبغي أن نعرف ما هو الغيب، الله سبحانه وتعالى حدد {مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ..}[آل عمران:179] فإذاً الغيب لا يطلع عليه أحد، في سورة الجن الله عز وجل قال {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً، إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ..}[الجن26، 27] فإذاً هناك الغيب يوحى إلى الأنبياء به وإلى الرسل به وإلى من اصطفى الله من أوليائه وأنبيائه، فإذاً يعني مسألة الغيب أن يطلع عليه أحد هذا لا يطلع عليه أحد، كون الإنسان يجتهد يعد ما استطاع ليحسن أحواله هذا شيء، فإذاً هو له رغبات وأماني وطموحات لا مجال لكي يحققها إلا في ذلك الغد، الذي أمامه، كيف سيكون ذلك الغد ما هي العقبات فيه ما هو الشكل الذي سيتجلى عليه، هذا المستقبل الحتمي لا مجال لكي يطلع عليه أحد، لكن أن يقارب الإنسان وهو يعرف أن هناك سننا {..إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً}[الكهف:30]، {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ..}[النور:55] هذه الأمور هو يعرفها فإذاً هو يعمل على أن يطور.. حتى عملنا نحن التعبدي هو عمل مستقبلي، لا أحد منا يمكن أن يجزم أنه في الجنة ولا أن يشمئز من أنه واحد من أصحاب النار لكن نحن مطلوب منا أن نعمل توقا لأن نكون في الجنة وتوخيا من أن نكون في النار، هذا ما تبنى عليه العقيدة وهو برنامج مستقبلي بأننا نتصور هذين المستقبلين المصيرين تصورا حقيقيا يساعدنا الوحي على الإيمان به بشكل كلي.

عثمان عثمان: نأخذ مشاركة من عبد العظيم من صعيد مصر "لدينا بصعيد مصر وتحت شهوة البحث عن المال من يسمون بالمشايخ يدعون معرفة العلم الغيبي بوجود آثار في باطن الأرض، أنهم يتحكمون ويسيطرون على ملوك الجن التي تعينهم على هذا الأمر فما قول الدين؟" يعني اليوم من الوسائل التي شاعت بين الناس التكهن والتنجيم، ما دور علم المستقبليات في الحد من هذه الظاهرة التي تسعى لمعرفة الغيب من طرق غير علمية؟

محمد بريش: الدراسات المستقبلية لا يمكن أن تمحو لوحدها هذه الخرافات والأساطير والأشياء التي ينتعش بها الدجالون، هذا أمر يقضي عليه الإيمان مع علم وعمل وتكون الثقافة السائدة ثقافة بنيت على إيمان خالص وعلى علم رصين وعلى الوضوح في العقيدة وفي السلوك فإذاً حينما يكون هناك ضبابية في الجانب العقدي وفي الجانب الإيماني يلج هؤلاء إلى هذه الجوانب لأن الناس تخاف من المستقبل وتخوف كذلك من المستقبل. لا تنس على أن العديد من الحكومات سواء في التاريخ القديم أو المعاصر تخوف من المستقبل حتى تستطيع أن تبقى لها نوع من البسط في السلطة وفي كذا أنه إذا ما زال سلطانها سيكون كذا إذا ما تقاسمت نوعا ما معاشها سيكون كذا إذا ما خرجت أو نما حزب كذا سيكون كذا أو إذا ما انتقل الحكم إلى أحد آخر سيكون كذا، يعني هذا الأمر يعني الناس معتادة أنها توظف المستقبلات وممن يوظفون التوظيف للمستقبل هؤلاء المشعوذون، الناس يتخوفون ويتسارعون لتكون بيدهم الأرزاق وهناك من يأتي يقول لهم في باطن الأرض خزائن نحن نعرف كيف نستخرجها، ما دمت يا أخي تعرف كيف تستخرجها لماذا لا تسارع أنت إليها؟ لأن معرفة الغيب الله سبحانه وتعالى حدد خاصيتها في قوله للنبي عليه الصلاة والسلام {..وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ..}[الأعراف:188] خاصيتان اثنان، من يعرف الغيب لا بد أن تكون له أولا أن يستكثر من الخير، ثانيا لا يمسه السوء إطلاقا، فأول دليل على الشعوذة إذا مس الإنسان السوء وإذ قل لديه الخير وهؤلاء الذين يريدون أن ينفق الناس عليهم لكي يستخرجوا لهم كنوزا هم أفقر الناس وأكبر الدجالين.

عثمان عثمان: وماذا بشأن الأبراج قراءة الأبراج؟

محمد بريش: قراءة الأبراج وقراءة الفنجان وقراءة النجوم أو الاطلاع على الكواكب هذه كلها دجل وباطل "كذب المنجمون ولو صدقوا" بنص الحديث.

عثمان عثمان: هنا السؤال وربما بعض هذه التوقعات تتحقق فعلا في المستقبل.

محمد بريش: قال النبي عليه الصلاة والسلام "ولو صدقوا" حتى ولو صادف صدفة أنهم صدقوا. يعني هناك الآن في مطلع كل سنة من يكتب على أنه سيموت الرئيس الفلاني وستقع الحادثة كذا وسيقع كذا، أنت استجمع ما في رأس كل سنة ميلادية ما يكتب وما ينشر في المجلات وكتب كبيرة جدا ضخمة تقول على أن العالم سينتهي في كذا سيقع كذا وسيقع كذا ثم انظر كم من مرة وقعت هذه الأشياء وستجد جزءا كبيرا جدا من الدخل أو نوعا من القول بأنه لا نحن لم نقصد وإنما قصدنا أنه ستكن هناك حادثة كبيرة ومصيبة عظمى.

عثمان عثمان: طبعا هذا الموضوع الشاشات العربية ما شاء الله تفتح مساحات واسعة ليلة رأس السنة الميلادية لمثل هؤلاء الناس، يعني سؤالي دكتور كيف يمكن للدراسات المستقبلية هنا أن تحد من مثل هذه الشعوذات؟

محمد بريش: الدراسات المستقبلة بحد ذاتها فن من الفنون وأداة من الأدوات لا يمكنها هي أن تحول دون انتشار هذه الأشياء، هذه الأشياء الثقافة والتعليم والإيمان هو السلاح الأمتن والأحسن لمحاربتها، الدراسات المستقبلية هي تساعد صاحب القرار هي تدرس البدائل هي تختار البديل الأنسب هي ممكن أن تدرس كيف يمكن أن نقضي على هذه الشعوذة وما هي المستقبلات المتاحة لإزالتها في أفق قريب. ممكن أن نحدد مثلا أنه من عشر سنوات ننتقل بالعقل المسلم إلى ألا يؤمن بهذه الخرافات وأن تنغلق كل هذه القنوات لا تجد لها صدى ولا تجد من يسمعها، هذا مثلا مشروع مستقبلي يمكن العمل على إنجازه، ما هي شروطه كيف ينجز، ممكن للدراسات المستقبلية أن تعطينا مخططا حول هذا الموضوع أن تدرس واقع الشعوذة والقنوات والأدوات والمراكز التي تساعد عليها وكيف يستغلون إيمان الناس وما هو الضعف وما هو البرنامج الذي يمكن.. هذا كله يمكن أن يعطينا نوعا من المشاهد للبدائل الممكنة ويختار منها البديل الأنسب حسب الأدوار وحسب الوقت المتاح لكن أن نقول إن الدراسات المستقبلية هي ستمنع الشعوذة أبدا.

عثمان عثمان: دكتور الفكر الديني متهم بأنه ينتمي إلى الماضي ويستغرق فيه، يعني يريد أن يلزم الحاضر ويقصر الحاضر على العودة إلى الماضي يعني كمثل رجل يسير إلى الأمام ورأسه إلى الخلف، ما حقيقة ذلك؟ أسمع منكم الإجابة إن شاء الله بعد أن نذهب إلى فاصل قصير، فابقوا معنا مشاهدينا الكرام نعود إليكم بعد الفاصل.

[فاصل إعلاني]

الفكر الديني وأهمية الدراسات المستقبلية

عثمان عثمان: أهلا وسهلا بكم مشاهدينا الكرام من جديد إلى حلقة هذا الأسبوع من برنامج الشريعة والحياة والتي هي بعنوان "الغيب وعلم المستقبل" مع الدكتور محمد بريش الخبير في الدراسات المستقبلية. دكتور هناك من يشبه الفكر الديني الإسلامي برجل يمشي إلى الأمام ورأسه إلى الخلف، يريد أن ندخل المستقبل في الماضي أن يكون شبيها لهذا الماضي، ما حقيقة هذا الاتهام لو صدق الكلام يعني؟

محمد بريش: هو اتهام أولا باطل لكن أحيانا قد يجد له نوعا من الحقيقة في تصرفات بعض الناس الذين يريدون أن يجعلوا الواقع الحالي شبيها بالقرن الرابع مثلا أو القرن السابع، القرن المرجعي هي القرون الأولى للإسلام هذا شيء أكيد لكن يعني إن الإسلام يدفع إلى صناعة المستقبل ويحث عليها {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}[آل عمران:139] فنحن دائما مأمورون بالعمل أيا كان نوعه، يعني نحن لا نيئس من روح الله ولا نيئس من رحمة الله، فإذا كوننا نستقي من السلف الصالح ومن الينابيع الأولى للوحي هذا شيء طبيعي ولكن لنعملها في واقعنا وليس لكي ننتقل إليها ونجلس فيها، هناك من فعلا ينتقل بفكره إلى واقع تاريخي ثم يسكنه ولا يخرج منه، لا، الإسلام يعالج الواقع الحالي بمختلف نتوءاته بمختلف مشاكله بمختلف تضاريسه وينزل الوحي عليه، ما زال الوحي غضا طريا منذ أنزل لكن علاقة الناس به هي التي تخفت، فلا ينبغي أن نقول على أنه الله سبحانه وتعالى نعم، الرعيل الأول رعيل المرجع لكن الله عز وجل قال {ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ، وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ}[الواقعة:13، 14] حتى حينما ذكر السابقين وحين ذكر أصحاب اليمين قال {..ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ، وَثُلَّةٌ مِّنَ الْآخِرِينَ}[39، 40] فإذاً هناك الخير في الأمة يقل ولا ينقطع ومستمر استمرار حياتها، فإذاً القول على أننا نحن رأسنا موجه للماضي ورجلنا تكاد تتعثر في الخطى للمستقبل هذا أمر يعني يقال عن أمة متخلفة لم تدر ما هي، نحن يعني ليس سليما أننا متجهون للماضي لا، نحن لسنا متجهين حين تخلفنا لجهة.

عثمان عثمان: دكتور ولكن فعلا هناك مشكلة الآن تحدثوا عن المستقبل سواء في الجانب العلمي في الجانب الحياتي في الجانب الاقتصادي في الجانب حتى في موضوع التحديات التي تواجه الأمة الإسلامية غالبا يشدك إلى الماضي وبيقول لك كان عندنا كذا وكان عندنا تاريخ عريق وما إلى هنالك. نأخذ بعض المشاركات لو سمحت لنا دكتور. حامل اللواء الشريف تفضل.

حامل اللواء الشريف/ تونس: بسم الله الرحمن الرحيم. السؤال، هل توافقني الرأي بأن الموجودات على ثلاثة مستويات، أولا الغيب المطلق وهو الله تعالى والملائكة والجن إلى غير ذلك، ثانيا الغيب النسبي وهو مثل الجراثيم بالعين المجردة، غيب مطلق وبالآلة تصبح للعين.. والمظهر الثالث هو عالم الشهادة، القاعدة كلما اتسع علم الإنسان قلت نسبة الغيبيات بالنسبة له، مثلا التحكم المسبق في تفسير الأمور المستقبلية باستخدام القوانين، إذاً السؤال ما العلاقة بين العلم والغيب؟ والسلام عليكم.

عثمان عثمان: شكرا جزيلا. نرجو من السادة المشاهدين أن يختصروا أيضا كما كان حامل اللواء الشريف. حسن عبد الهادي لبنان تفضل.

حسن عبد الهادي/ لبنان: السلام عليكم. سؤالي عن التلاوات القرآنية التي يقوم بها السلف..

عثمان عثمان: يبدو أن هناك خللا في الاتصال من المصدر. طارق أبو غزالة من الدوحة.

طارق أبو غزالة/ قطر: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. جزاك الله الخير على التطرق لهذا الموضوع الهام جدا. الدراسات المستقبلية أو استشراف المستقبل أصبح جزءا أساسا للتخطيط أخي لأي أمة متقدمة أو تريد التقدم، هي ترشدنا لاتخاذ قرارات في الحاضر بناء على أرقام ومعطيات اليوم وما ستؤول إليه الأوضاع في المستقبل، هناك إشارات في القرآن لعل أوضحها ما قام به العبد الصالح مع المساكين الذين يعملون في البحر، إذاً معرفة المستقبل تساعدنا في التخطيط له منذ اليوم. أضرب مثالا عن واقعنا العربي، أنا طبيب أمراض قلب استشاري في مؤسسة حمد، نضرب مثالا عن واقعنا العربي اليوم وبعد ربع قرن أو ثلاثين عاما اليوم نسبة مرضى السكري حوالي 25% من السكان في بعض الدول العربية خاصة الخليجية منها، مرض السكري يؤدي إلى مضاعفات في العين والكلية والدماغ والقلب، هذه المضاعفات الصحية تكبد الدول وتضطرها إلى الإنفاق كي تتجنبها، نستطيع اليوم بمعرفة نسبة عدد المواليد والوفيات أو متوسط العمر ونسبة الإصابة بالسكري تحديد عدد المصابين بهذا المرض لنقل بعد ربع قرن وبذلك نحدد عدد الذين سيصابون بمضاعفاته ومن هنا نستطيع تحديد مثلا عدد الأطباء اللازمين والممرضات والعاملين بالمجال الصحي والتجهيزات اللازمة لعلاج هؤلاء المرضى، هؤلاء المرضى في الولايات المتحدة اللي عدد سكانها ثلاثمئة مليون نسمة اللي هو نفس عدد سكان العالم العربي بيكلفوا في السنة 130 مليار دولار، التخطيط لهذا سيوفر على الدول الكثير من مواردها إن أحسنت التدبير. اليوم يقاس تقدم الدول برقمين وفيات حديثي الولادة ومتوسط العمر عند السكان، كثير من الأبحاث تحاول إنقاذ وفيات الأطفال حديثي الولادة وإطالة متوسط العمل، اضرب أخيرا مثال أخي دراسة في سان دييغو -هذه عن استشراف المستقبل- حيث أراد المسؤولون هناك تحديد إن كان عدد الأطباء في المدينة يكفي حاجة السكان فقسموا المدينة إلى أربع أرباع شمالي شرقي شمالي غربي جنوبي غربي جنوبي شرقي ثم حددوا عدد الأطباء في كل الاختصاصات في كل قسم وقسموه على عدد السكان فاستنتجوا التالي، أحد الأقسام شمالي غربي كان عدد الأطباء عموما الصحة العامة وكل الاختصاصات دون المتوسط اللازم وهو أقل من الشمالي الشرقي الذي عدد أطبائه كان أعلى شيء في كل الاختصاصات ولكن قرروا أنه لا حاجة لزيادة عدد أطباء الصحة العامة في المستقبل لماذا؟ لأن المريض يستطيع أن يسوق من هذا الربع إلى الربع الآخر ولكن عندما جاؤوا إلى أطباء الولادة والنساء قرروا أن هناك حاجة ملحة للزيادة لأن المرأة في حالة الوضع والمخاض لا تستطيع أن تسوق بسيارتها من ربع إلى آخر لذلك عالجوا مشكلة..

عثمان عثمان (مقاطعا): الفكرة واضحة دكتور، الفكرة واضحة شكرا لك دكتور طارق أبو غزالة من الدوحة، مراد الزوبعي من النرويج.

مراد الزوبعي/ النرويج: السلام عليكم. أخي أنا عندي سؤالان، السؤال الأول هناك أحاديث عن الملاحم والفتن القادمة، الرسول عليه الصلاة والسلام يتكلم عن الملاحم والفتن القادمة، لماذا لا ندرس هذه الأحاديث ونجعل منها إستراتيجية لمشروع إسلامي؟ هذا هو السؤال الأول، السؤال الثاني هناك أحاديث نبوية عن المستقبل تقول بكل صراحة إن الروم هم العدو فلماذا تشتغل الأمة الآن بصراعات جانبية عن الخطر الشيعي والخطر الإيراني؟ والسلام عليكم.

عثمان عثمان: شكرا. الأخ حسن عبد الهادي من لبنان.

حسن عبد الهادي/ لبنان: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أخي أنت بتعرف أن هناك شاشات تلفزيون في لبنان آخر السنة بتعمل مثل حفلات وتدعو عرافين فيتنبأ العرافون بمشاكل حتحصل مستقبلا وبيسموها بحذافيرها وبتحصل، فنأمل من أخينا الكريم ضيفك الكريم أن يوضح لنا ما الذي يحدث..

عثمان عثمان (مقاطعا): واضح أخ حسن وهذا الموضوع ناقشناه منذ قليل ويبدو أنك أتيت الآن إلى هذه الحلقة، شكرا جزيلا لك بطبيعة الحال. دكتور أعيد لك الأسئلة أم الموضوع عندك جاهز؟

محمد بريش: لا، جاهز إن شاء الله. فأولا أن هناك غيبا مطلقا وغيبا نسبيا وعالم شهادة نعم هناك.. الله سبحانه وتعالى هو عالم الغيب والشهادة وعلمه بالغيب مطلق ولا يطلع على غيبه أحدا إلا من ارتضى، الإنسان ترقى معلوماته بقدر ما يرقى علمه وترقى أدوات المعرفة لديه لواقع هو مسموح له ومفتوح له ومسخر له فإذاً هذا الكون الذي سخر له هو ربما لا يعلم عنه إلا القليل القليل والله عز وجل قال {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}[فصلت:53] فإذاً المعرفة ستتسع اتساعا إلى أن يعرف الناس أن هذا الأمر لا يمكن إلا أن يكون من عند الله، فإذاً كون المعارف تكبر أدواتها وتزداد المعلومات حولها هذا لا ينقص من إطلاقية الغيب عند الله عز وجل. ما ذكره الدكتور طارق من إحصائيات ومعلومات هذا كله يدخل فيما يسمى بالمستقبلية الاجتماعية ففيها الجانب العمراني الذي يدرس المدن ولا يمكن أن تخطط لمدينة بدون إعمال دراسات مستقبلية وتحتاج إلى أن تكون لديك مجموعة من المعلومات وكم تحتاج من عدد الأطباء وكله لكي توزع لكي تعرف ما هو التعليم المراد وما هو العمران المراد وهذه كلها جوانب من الدراسات المستقبلية بدأت بالتوقع ثم التخطيط ثم انطلقت الآن أمام هذه القطعيات والأزمات إلى أن تبني الدراسات المستقبلية مشاهدها على بدائل محددة ومعينة. الحديث عن الملاحم والفتن هذه نعم أحاديث واردة ولكن هي لا يراد منها انتظارها، هي أولا تحذر حينما يقول النبي عليه الصلاة والسلام "يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، قالوا أمن قلة نحن يا رسول الله؟ قال بلى أنتم يومئذ كثير ولكن غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله المهابة من قلوب أعدائكم وليقذفن في قلوبكم الوهن، قيل وما الوهن يا رسول الله؟ قال حب الدنيا ومخافة الموت" بمعنى أنه إذا استشرى في الأمة حب الدنيا ومخافة الموت تقاعسوا عن المقاومة تقاعسوا عن الجهاد تقاعسوا عن العمل ولوا أمورهم غيرهم وطبعا وتداعت عليهم الأمم، فبمعنى يوشك إياكم أن يتم هذا المستقبل المحتوم والمصير.

عثمان عثمان: هو الأخ مراد يقول كيف نستفيد من هذه العلوم المستقبلية أو الغيب الذي أنبأ به النبي عليه الصلاة والسلام وتوظيف ذلك في دراسات مستقبلية للارتقاء بشأن الأمة ولرد التحديات التي تواجهها؟

محمد بريش: نعم، يمكن في جوانب من الخطاب الدعوي والخطاب الطابوي أن نوظف هذا المصير الذي نبغي تجنبه بألا تستجمع شروطه، يعني أن ندرس للناس أنه إذا استجمعت هذه الشروط فالمصير والمستقبل هو كذا، مثلما حينما يقول الله عز وجل {..وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ..}[الأنفال:46] فالتنازع يؤدي حتما إلى مستقبل هو الفشل، فإذاً هذه الأحاديث كثير منها يحذر الأمة من أن تقع في ما يستجمع شروطها كي تنبثق هي لأنه حضر زمانها وتجلت شروطها، أما أننا ننتظر قابعين إلى أن تأتي أو نسلم بأنها يعني لا مجال للعمل فيها لا بل عندنا عكس ذلك، الحديث الذي يقول "إذا قامت القيامة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها" قامت القيامة يعني ليس هناك من مجال أن يعيش الإنسان بعدها ولا أن تبقى البشرية بعدها بل ستدخل في طور آخر من الحياة بعد الموت، هناك مطلوب أن هذه الفسيلة التي لا نرجو منها أن يخرج شيء أن نغرسها طمعا في رجاء أن يكون منها شيء.

عثمان عثمان: دكتور أين واقع المسلمين اليوم من علم المستقبليات ومراكز البحث الإستراتيجي وغير ذلك؟

محمد بريش: هذا الأمر يتوقف على.. نحن أحيانا نتهم الجانب العربي والإسلامي بأنه ليس فيه ذلك الازدهار الذي يعيشه الغرب والذي تعيشه الدول المتقدمة، الدول المتقدمة لا ينبغي أن ننسى أن هناك عنصرين أساسين في تنشيط الدراسات المستقبلية، أولا المقاولات الكبرى التي تريد أن تحصد مجموعة من الصفقات وأن يكون لمنتوجها رواجا فهذه تعد دراسات مستقبلية وتمولها لأنها تريد أن تعرف ما هي الفرص المتاحة ما هي التحديات القائمة ما هي العقبات في وجهها، هذه تقوم بإعداد إستراتيجية تدرس فيها مختلف البدائل لكي توظف تلك الإمكانات والفرص المتاحة وتواجه تلك التحديات والعقبات، ثم كذلك الحكومات التي لا تعيش إلا فترة زمنية معينة مثل الحكومة الأميركية التي رئيسها يعيش فترة أربع سنوات، سنتين يحاول أن يؤكد فيها أنه استجاب لجانب من الأصوات التي صوتت لصالحه وسنتين يريد أن يمكن نفسه من إعادة الترشيح أو أن يبقى حزبه هو الحاكم في الولايات التالية ومن ثم فضيق الوقت لا يمكنه من أن يقوم بكافة الدراسات فيوظف مؤسسات تشتغل معه، هذه المؤسسات فعلا هو حينما يفرض عليها أهدافه ويريد أن يقول أنا أريد البرنامج التالي هو حدد لها مستقبلها فتنشط أكثر من غيرها من الحكومات والإدارات، هذا الأمر أنعش الدراسات المستقبلية في العالم الغربي أكثر مما أنعشه في العالم العربي لضعف في قوة المقاولة ولتبعيتها كذلك في الجانب الاقتصادي ولأن الجانب الحكومي كذلك يعتبر أن بعض الأشياء لا يمكن أن يفوتها للقطاع الخاص ولا أن يستجمع لجانا حولها ليدرس المستقبل نظرا إلى ما كان من بعض القضايا الأمنية التي استجمع حولها مجموعة من المعلومات خوفا من مستقبلات لا يريدها.

دور الحكومات والأفراد ومجالات علم المستقبليات

عثمان عثمان: دكتور تتحدث الآن عن مؤسسات في أميركا وغيرها ربما المسؤولية مشتركة بين الحكومات والمؤسسات، ماذا عن الأفراد كيف يمكن لكل فرد فينا أن يخطط لهذا المستقبل أن يسهم في هذا التطوير الإستراتيجي والتخطيط لهذا المستقبل؟

محمد بريش: أولا نحن يعني هناك لا بد من الوعي الجماعي لإنجاز مشروع مستقبلي، الدول التي استطاعت من خلال نظام تعليمها ومن خلال ثقافتها ومؤسساتها الناشطة في المجال الثقافي أن تشبع أذهان مواطنيها وأفرادها بأنهم يمكن أن يخرجوا من حالتهم التي هم فيها إلى حالة أحسن وأفضل، ويمكنهم بناء مستقبل راغد، هذه الدول استطاعت أن تتجاوز مرحلتها وأن تجعل الناس فعلا تؤمن..

عثمان عثمان (مقاطعا): بالنسبة للأفراد دكتور لكل شخص.

محمد بريش: إيه. لأنه أنت ينبغي أن تلقن الفرد أن بإمكانه أن يشارك لأن هذا المشروع يعني دعك من المشاريع الفردية.

عثمان عثمان: نعم بس آخذ بعض المشاركات من السادة المشاهدين على الـ facebook ملك من مصر تقول "هل نحن مخيرون أم مسيرون، هل لذلك تأثير في موضوع التخطيط للمستقبل؟" محمد يسأل "هل الإيمان بالقدر أحد هذه الأسباب وكيف ذلك؟" أحد السادة المشاهدين أيضا علاء يربط بأن هناك مشكلة في المناهج الدراسية عندنا في البلاد العربية والإسلامية حتى لا نلج موضوع التخطيط للمستقبل.

محمد بريش: لا، أولا نجد في القرآن الكريم ما ينفي هذه القضايا الاحتجاج بالقدر، يعني الذين قالوا {..أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ..}[يس:47] يعني لا يمكن أن ينسلخ الإنسان من واجبه الحالي بل يواجه القدر بالقدر كما قال الإمام ابن القيم، فإذاً الأقدار.. وهناك أقدار يمكن الاستفادة منها لمغالبة أقدار أخرى، يعني نحن لا نخرج من دائرة القدر ولكن الفرص المتاحة في دائرة القدر وإلا لما كان تحمل الإنسان للأمانة له معنى، سندخل إلى نفس الصراع الذي كان بين القدرية والجبرية ولن نخرج بشيء، لا، نحن عندنا مسؤولية فيما أتيح لنا من الفرص نؤمن بالقدر خيره وشره ولكن نغالب القدر بالقدر، عمر بن الخطاب رضي الله عنه حينما قيل له يعني وهو أخبر بأن الوباء قد دخل إلى.. الطاعون قد دخل إلى بلدة هو يقصدها، فولى راجعا قالوا أفرارا من قدر الله؟ قال نفر من قدر الله إلى قدر الله، يعني لماذا تريد أن تخرجنا من قدر الله عز وجل؟ هذا الذي نتصرف فيه نحن هو بقدر الله واتباع لسنته واتباع لأوامره فنحن مطالبون بأن نعمل ومطالبون بأن نجتهد ومطالبون بأن نعد ما استطعنا ومطالبون بأن نكد ولا ينبغي أن نحيل ذلك على.. الإنسان -سبحان الله- يعني في قضية القضاء مع الله عز وجل لا يتصرف بنفس التصرف مع الرزق، يعرف أن الله القادر هو الله الرزاق ولكن لا يجلس في بيته يسعى لكي يكسب رزقه، والله الرزاق هو الله القادر ولكن في القدر يحيلك على أن هذه الأشياء قدرها الله عز وجل وأنا لا أستطيع أن أغالبها.

عثمان عثمان: نعم الأخ أيضا سأل عن موضوع المناهج الدراسية هي سبب رئيس ربما في موضوع الإخفاق في هذا الجانب؟

محمد بريش: هي المناهج الدراسية تحتاج إلى تطوير، يتطور مع المجتمع مع المشروع الجماعي الذي ذكرته، يعني أنت هناك لا يمكن لدرس أو محور من محاور التربية أن يشتغل على الدراسات المستقبلية بمعزل عن المسائل الأخرى، لا بد من فتح الأفق لا بد من دفع الناس إلى التفكير في مشروع لا بد من تمارين أنه بإمكاننا أن نغير واقعنا بإمكاننا أن نطور بل التعليم نفسه مشروع مستقبلي ولكن لا يمكن لهذا المشروع المستقبلي أن يتم وهو يتغير كل سنة أو ثلاث سنوات وكلما جاء وزير جديد إلا وكان اللاحق يريد أن يمحو ما أنجزه السابق أو على الأقل أن يوقف ما كان، يعني كلنا يعني مررنا من المرحلة التعليمية وعشنا فعلا قطيعات هي لها علاقة بما كان يتمخض من السياسة في واقعنا وبما كان يجري من أفكار لدى مسؤولينا فتجد أننا في الابتدائي عشنا فترة ثم عشنا فترة ثم تغيير المقرر ثم انتقلنا من كذا، لا أحد يعني بين تعليم الابتدائي إلى تعليم جامعي قضى شيئا يعني متماسكا متوازنا.

عثمان عثمان: نعم، الأخ مراد دكتور يقول، في ليلة الإسراء والمعراج قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بربط البراق بأحد أعمدة المسجد وهو يعلم أنه مخلوق غير عادي وأنه مرسل من رب العالمين إلا أن هذا العلم الغيبي اليقيني لم يمنع من انتهاج منهج العقلانية الدنيوي المتطلع إلى المستقبل، وأما غياب الدراسات المستقبلية عن واقع المسلمين فمرده إلى غياب سبل النهضة في عالمنا الإسلامي، سؤال النهضة سؤال كبير هل طرحناه هل أجبنا عنه؟

محمد بريش: لا، هو سؤال النهضة يعني يطرح بناء على استقرار واقع والاستفادة من ماض، النهضة طرحت أسئلة وما زالت هذه الأسئلة تطرح وتعاد وما زلنا نقول على أن الاستعمار هو السبب وما زلنا نقول إننا نؤمن بأننا متخلفون، لكن حينما نأتي إلى الأمر كيف نتوق إلى مستقبل منشود بإمكاننا أن نصل إليه تختلف الرؤى وتختلف التوجهات ونعود إلى نقطة الصفر أنه لا يمكن أن يتم هذا إلا بإزالة هذا ونفترق، مشروع النهضة كان مشروعا ناجحا نوعا ما ولكنه أجهض في جوانب منه وطغت المعلومات فظن الناس على أنه قد ارتقى العلم وهو العلم لم يرتق بالدرجة التي تتجانس مع كم المعلومات، ارتقت بعض الاستهلاكات التقنية والتكنولوجيا لكن بقي ذهن الإنسان قاصرا على أن يستوعب شروط النهضة ولوازمها وكيف يمكن تفعيلها لمستقبل يراد، نعم هناك نجاحات في بعض القطاعات والجهات من ناحية عمرانية ناحية اقتصادية لكن أنا أتكلم عن العمل الجماعي للأمة ما زالت الأمة لم تستطع أن تتوحد في قطاعات بسيطة جدا منها قطاعات أنا أبيع وأشتري وإياك دون حواجز، ما زلت في بعض البلدان الإسلامية حتى تسافر إلى دولة قريبة أن تمر بدولة كبرى من دول الغرب أو غيره بعيدة عنها حتى تستطع أن تصل بسرعة إلى تلك الدولة.

عثمان عثمان: نتابع دكتور مع بعض السادة المشاهدين أيضا الأخ إبراهيم خليل يقول هل يقوم علم الدراسات المستقبلية على العلوم التجريبية واستقراء الواقع؟ أخ وائل يسأل هل يدخل مفهوم الإعجاز العلمي في القرآن تحت مسمى الدراسات المستقبلية؟ باختصار دكتور.

محمد بريش: نعم، يعني هناك نوع من الإعجاز العلمي يعني أن الإنسان حينما يصادف صدق السنن يلبس حينما يشتغل على مستقبل يريده ويجتهد يلبس صدق الآيات يعني حينما يقوم بالإجابة لشروط ذلك المراد يحس فعلا بأن الله سبحانه وتعالى صادق الوعد ولم يخلفه، حينما يشعر بالتكالب عليه من شتى الجهات يقول هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله، يعني فهو يعرف على أنه يحس بنوع، حتى في القضايا التي تتعلق بالظواهر العلمية في الكون يجد صدقها في الآيات واضحا جليا سواء تعلق ذلك بعلوم الأجنة في الطب وغيره أو تعلق بالجغرافيا أو كذا هذه أمور هو يشاهدها بالاكتشافات والتوسع المستقبلي للعلوم، لكن الدراسات المستقبلية أنا كما قلت وأكرر إنها تعنى بواقع مدروس وفق أفق محدود تريد أن تستجيب لشروطي فإما أنها تطلع وهناك تكون دراسات استطلاعية ما هي المآلات وكيف يكون حظي فيها، وإما تكون مستقبلية قرارية أنه تريد الآن أن تتخذ قرارا يكون له استجابة ومستقبل واضح جلي، وهو من هنا تختلف المناهج.

عثمان عثمان: نعم، الأخ سامي عبد اللطيف يقول نرجو توضيح الرأي حول موضوع البعد الرابع وهو الزمن الذي يتحرك فيه بعض الصالحين والشيطان، شو البعد الرابع دكتور؟

محمد بريش: والله البعد الرابع يعني الذي يتحرك فيه الشيطان ويتحرك فيه الصالحون يني هناك {..إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ..}[الأعراف:27] لكن مهما كان بعده الرابع أو الخامس أو السابع فكيده ضعيف، نحن ليس لدينا في ديننا ورد نسب فيه الشيطان، لا ألف مرة ولا ثلاث مرات وإنما يكفينا أن نقول أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، فإذاً له بعد رابع أو خامس لا يهم.

عثمان عثمان: الأخت مها من إيطاليا، هناك برامج وكتب تتنبأ بقرب يوم القيامة حاطين له وقت محدد 21 ديسمبر 2012.

محمد بريش: هذا الأمر هو الذي تطاول عليه الدجالون وهو الذي لم يتح الله عز وجل لأحد أن يعرفه {إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ..}[لقمان:34]، {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللّهِ..}[الأعراف:187] يعني انظر كيف تكررت، هذا الحصر، إنما علمها عند ربي، إنما علمها عند الله، لا يجليها لوقتها إلا هو، ثقلت في السموات والأرض، لا تأتيكم إلا بغتة بمعنى أنها لا يمكن أن تستشرف إطلاقا ولم يطلع الله أحد عليها، حتى النبي عليه الصلاة والسلام في حديث جبريل الشهور سأله عن الساعة قال "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل".

عثمان عثمان: إذاً هي من علم الغيب الذي احتفظ الله تعالى به لنفسه.

محمد بريش: هي من علم الغيب الذي لم يطلع الله عليه أحدا وأكبر الكفر والتقول والباطل هو القول إنه ستكون يوم القيام بالساعة كذا يوم كذا.

عثمان عثمان: أشكركم الدكتور محمد بريش الخبير في الدراسات المستقبلية على حضوركم معنا في هذه الحلقة وعلى هذه الإفاضة الطيبة. كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة لكم تحيات معد البرنامج معتز الخطيب والمخرج منصور الطلافيح وسائر فريق العمل، دمتم بأمان الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.