- مفهوم الإسلام وأسباب الادعاء بضبابيته
- ظاهرة تفتيت الإسلام ودلائل عالميته ووحدته

- مسائل في الثوابت والمتغيرات والموروث الفقهي


عثمان عثمان
 يوسف القرضاوي

عثمان عثمان: مشاهدينا الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلا ومرحبا بكم على الهواء مباشرة في هذه الحلقة الجديدة من برنامج الشريعة والحياة. يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ..}[آل عمران:19]، ويقول عز من قائل {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}[آل عمران:85] فما حقيقة الإسلام؟ وهل هو واحد أم متعدد؟ وحينما نتحدث عن حكم الإسلام فعن أي إسلام نتحدث؟ وهل تعدد التجارب الدينية ووجود الاختلافات بين الفرق والمذاهب يبرر القول بوجود إسلامات؟ الإسلام واحد أم متعدد موضوع حلقتنا لهذا اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة شيخنا العلامة الدكتور يوسف القرضاوي، مرحبا بكم سيدي.

يوسف القرضاوي: مرحبا بكم يا أخ عثمان.

مفهوم الإسلام وأسباب الادعاء بضبابيته

عثمان عثمان: هناك ضبابية فضيلة الدكتور تثار حول مفهوم الإسلام، البعض يقول عن أي إسلام نتحدث يعني ما هو الإسلام الذي لا يقبل الله تعالى غيره من الناس؟

يوسف القرضاوي: بس أنا أنكر أن تكون هناك ضبابية، قل هناك من يقول هذا إنما تقول هناك ضبابية.

عثمان عثمان: هناك من يزعم ذلك، نعم هناك من يزعم ذلك.

يوسف القرضاوي: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا وإمامنا وأسوتنا وحبيبنا ومعلمنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه وبعد، فلا يوجد دين سمته الوضوح والبيان كالإسلام، إن مصادره تتسم بالوضوح الكامل، القرآن كتاب مبين يعني ربنا سماه نورا {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا..}[التغابن:8] والسنة مبينة {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ..}[النحل:44] ولذلك لا يوجد أوضح من الإسلام مجموع الإسلام واضح بالمسلمين في العالم يعني فطبعا لا يوضح لا يكون واضحا عند كل الناس بدرجة واحدة، العالم غير الأمي والمدني غير الريفي وكل واحد يأخذ {..فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا..}[الرعد:17] والإسلام هو دين الله الذي بعث به الرسل وأنزل به كتبه ليعبد الله وحده لا شريك له وتطاع رسله فيما أمروا ويصدقوا فيما أخبروا ويعني ليس كل عصر إيه في إسلام، هو إسلام واحد بعث الله به آدم ونوحا وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمدا، القرآن يذكر هذا يقول نوح {فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ}[يونس:72] إبراهيم {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً..}[آل عمران:67] يعقوب { وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}[البقرة:132] يوسف {..تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ}[يوسف:101] موسى {وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ}[يونس:84] السحرة {..رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ}[الأعراف:126] حواريو عيسى عليه السلام {..قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ آمَنَّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}[آل عمران:52] كل الأنبياء كلهم كانوا مسلمين فالإسلام دين الله ولذلك القرآن يقول {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ..} لا دين عند الله إلا الإسلام، كل الأنبياء كانوا مسلمين وجاؤوا بدعوة الإسلام، الاستسلام لله بالطاعة واتباع رسله فيما جاؤوا به عن الله عز وجل {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ..}[النحل:36] فهذا الإسلام هو دين الله الواحد، ما خرج عن هذا الدين لا يعتبر إسلاما ولا يقبل عند الله {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} من فضل الله علينا أنه أتم النعمة بهذا الإسلام، أتمه علينا تماما بعقائده وشرائعه وأخلاقياته وتشريعاته {..الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً..}[المائدة:3].

عثمان عثمان: ما مصدر هذه الشائعات والإثارات حول الضبابية حول مفهوم الإسلام؟

يوسف القرضاوي: يعني الضبابية حول اليهودية والنصرانية بيتكلموا عن الضبابية في هذه الأشياء واختلافهم مع بعض خلافا يكفر بعضهم بعضا، الإسلام هو دين واحد يعني لما تنظر إلى المجموع الكلي أكثر من 90% مسلمين إسلاما واحدا، ما هو الإسلام؟ الإسلام عقائد يعني الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر كما قال القرآن {..وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً}[النساء:136]، {لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ..}[البقرة:177] هذه الأصول الخمسة من ناحية الاعتقاد وفي الأركان العملية الخمسة اللي هي جاء فيها "بني الإسلام على خمس شهادة ألا إله إلا الله وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت" في أمهات الأخلاق العدل والإحسان والصدق والأمانة وهذه الأخلاق التي جاء بها الإسلام لا يختلف فيها أحد عن أحد، التشريعات في طبعا منها ما اختلف فيها المسلمون ومنها ما اتفق عليه، والإسلام قاصد هذا أن يكون فيه جزء مختلف فيه وجزء متفق عليه، الأساسيات يتفق عليها والثانية يختلف الناس وأجاز الإسلام هذا ولذلك لم يجئ الإسلام كله نصوصا قطعية الثبوت قطعية الدلالة بحيث لا يختلف، لا، جاء القرآن منه آيات محكمات {..مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ..}[آل عمران:7] لماذا؟ ليختلف الناس ويجتهدوا ليعملوا عقولهم، ويبقى في مذهب أقرب إلى الرأي ومذهب أقرب إلى الأثر واحد يعمل الظاهر واحد يعمل بالمقاصد، هذا مطلوب، أمة يعني كبيرة لتخلتف ولكن متفقون على الأساسيات وما رأيت أمة من الأمم متفقة على أصولها الدينية وشعائرها وشرائعها وآدابها كما وجدت المسلمين، والله أروح إلى إندونيسيا إلى ماليزيا إلى الأقليات الإسلامية في جنوب إفريقيا في بلاد مختلفة كلهم متفقون، هذا ما نراه حينما يؤذن المؤذن صلاة الفجر ينشق الفجر الناس تقوم إلى صلاة الفجر الصلاة خير من النوم، تزول الشمس عن كبد السماء صلاة الظهر يقوم المسلمون جميعا إلى الظهر، العصر يمكن يختلفوا في وقت العصر ولكن كلهم يصلون العصر وكلهم في وقت متقارب، إذا غربت الشمس جاء المغرب، إذا غاب الشفق الأحمر جاء العشاء، هل في خلاف على هذا؟ الصلوات الخمس في كل يوم وليلة، هل في خلاف على وجود الزكاة؟ حق الفقراء والغارمين وأبناء السبيل والمصارف التي جاءت بها سورة التوبة، هل هناك خلاف؟ هناك طبعا خلافات جزئية إنما هذه الفريضة هذا الركن الثالث من أركان الإسلام هل في خلاف على فرضيته وركنيته؟! صيام رمضان، انظر إلى المسلمين في رمضان يعني تجد أمة المغرب يؤذن في جميع أنحاء العالم، يعني صحيح المغرب هنا مش زي المغرب في آسيا مش زي المغرب في لندن ولكن عندما يؤذن المغرب الكل يفطر بعدين الكل يتسحر الكل يصلي التراويح، يعني ما تجد أمة متحدة في مثل هذا، الحج والعمرة يعني هذه الملايين التي تذهب إلى البيت الحرام وإلى البلد الحرام، يعني هل يوجد في اتفاق أكثر من هذا الاتفاق؟! يعني هل يختلف مسلم عن مسلم في أنه لا بد من الزواج الارتباط بين الرجل والمرأة وأن الزواج لا يمكن أن ينفك بصورة مغايرة للطلاق بالخلع بالكذا بكذا يعني هذه أحكام قطعية للمسلمين {..وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا..}[البقرة:275] في أحكام اقتصادية وأحكام مالية اتفق عليها المسلمون، في فضائل ورذائل اتفق عليها المسلمون، في المواريث، إن الإنسان إذا مات يرثه أولاده وأقاربه بنسب معينة وشروط معينة، كل هذه اذهب إلى أي مسلم قل له السلام عليكم يقول لك وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، يأكل ما أحل الله ويترك ما حرم الله لا يأكل الخنزير لا يشرب الخمر، هذا هو الأصل يعني ممكن واحد يعني يتبع هواه أو شهوته أو يقلد غيره أو يعمل إنما هذه الأصول العامة التي يتفق عليها المسلمون، المسلم يأكل بيمنيه ولا يأكل بشماله، كلها..

عثمان عثمان (مقاطعا): إذاً هناك اتفاق على أصول العقائد والأخلاق والشعائر الدينية يعني هنا ما أهمية التمييز مولانا بين الجوهر الثابت في مفهوم الإسلام وبين المتلون والمتغير من بعض الشعائر الدينية؟

يوسف القرضاوي: هو الإسلام جعل من مقاصده أن تكون أحكامه متفاوتة، هناك أحكام ثابتة وأحكام متغيرة، هناك دائرتان، دائرة مفتوحة ودائرة مغلقة، الدائرة المغلقة هي دائرة القطعيات التي ثبتت الأحكام فيها بنصوص قطعية الثبوت لا شك فيها مثل القرآن الكريم لا شك في ثبوته فثبت بالتواتر اليقيني يعني واليقين التاريخي هذا ويكون أيضا قطعي الدلالة، يعني دلالته لا تحتمل وجهين ولا أكثر، هي دلالة واحدة، يعني المرأة عدتها ثلاثة أشهر يبقى ثلاثة أشهر، مائة جلدة يعني مائة جلدة، مش 97 ولا.. يعني في حاجات قطعية الثبوت قطعية الدلالة، فهناك أشياء من هذا النوع اللي بتمثل الثوابت للأمة الإسلامية بحيث تجتمع عليها الأمة ودي لا تقبل الاجتهاد ولا التطوير ولا التغيير ولا هذه الأشياء وهي اللي تجسد الوحدة الفكرية الوحدة الاعتقادية الوحدة الشعورية الوحدة العملية للأمة الإسلامية وهي قليلة جدا ليست كثيرة ولكنها مهمة جدا في غاية الأهمية يعني هي اللي بيقولوا لك هي اللي بتوحد الأمة على الأساسيات فليس فيها مجال للخلاف، اللي بيخالف فيها بيبقى خرج عن الأمة وهذا اللي بيسموه المعلوم من الدين بالضرورة يعرفه الخاص والعام. ولكن هناك دائرة أخرى دائرة مفتوحة دائرة المتغيرات هذه ما ثبت بالظن ومعظم أحكام الشريعة ثبت بالظن وقليل من أحكام العقيدة أصل في أصول العقيدة وفي فروع العقيدة، أصول العقيدة هذه تكون ثبتت ثبوتا قطعيا يقينيا لأن العقائد لا تقبل الظن ولا يمكن نؤسس العقائد اللي هي أساس الدين بالظنون {..إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً..}[يونس:36] إنما الفروع العملية يمكن يكفي فيها الظن، مثلما القاضي بيحكم بالشهادة مش جايز الشهود دول يكونوا كذابين يكونوا اتفقوا مع بعض؟ إنما بنأخذ بالظاهر الناس بتزكيهم وبتقول الناس كويسين وما عليهم بنأخذ، فيكفي الظن بقى إذا ما عملت بالظن لا تسير الحياة يعني دولاب الحياة يتوقف فالإسلام أجاز أن نعمل بالظن في الأحكام العملية وفي الفروع العملية وهي أكثر أحكام الشريعة الأحكام العملية وبعض أحكام العقيدة أمور العقيدة أمور العقيدة فيها أصول وفيها فروع، الأصول لا خلاف عليها والفروع ممكن الإنسان هو اللي بيعمل أعمال نفسها واللي بيخلق أفعال نفسها واللي ربنا بيخلقها والعبد يكسب والله يخلق والخلافات هل يرى الله في الآخرة والأشياء التي تختلف فيها الفرق الإسلامية المختلفة.

عثمان عثمان: نتابع مولانا بعد الفاصل ظاهرة الإلحاح على تفتيت الإسلام. إذاً مشاهدينا الكرام نعود إليكم بعد الفاصل فابقوا معنا.

[فاصل إعلاني]

ظاهرة تفتيت الإسلام ودلائل عالميته ووحدته

عثمان عثمان: مشاهدينا الكرام أهلا ومرحبا بكم من جديد إلى حلقة هذا الأسبوع من برنامج الشريعة والحياة والتي هي بعنوان الإسلام واحد أم متعدد مع فضيلة شيخنا العلامة الدكتور يوسف القرضاوي. سيدي هناك إلحاح من البعض على أن الإسلام مفتت على تفتيت هذا الدين، بأبعاد جغرافية أبعاد دينية أبعاد ثقافية، ماذا تقرؤون في مثل هذه الظاهرة؟

يوسف القرضاوي: هو معروف أن المستشرقين يعني من قديم يلحون على هذا ويريدون تقسيم الإسلام باعتبار المكان فإسلام إفريقيا غير إسلام آسيا غير إسلام أوروبا وهكذا، وباعتبار الزمان الإسلام الراشدي والإسلام الأموي الإسلام العباسي والإسلام العثماني والإسلام الحديث، وباعتبار الاتجاهات الإسلام الصوفي وإسلام الفقهاء وإسلام المتكلمين وهذه كلها يعني أوهام لأن إسلام الأمة الإسلامية هو إسلام واحد خصوصا الإسلام المقبول عند الله. في طبعا أنواع من الإسلام تمثل أصحابها قلة من الناس مثل القاديانيين يعني إخواننا في الهند وباكستان اعتبروهم أقلية غير إسلامية مع أن بعضهم يعني قريب من أهل السنة وبعضهم في غلو وبعضهم وهناك يعني الإسلام الأميركان السود يعني اللي بعضهم يسميه الإسلام الأسود بتوع أليجا محمد لأنه كان لهم تصورات أخرى، الشيطان عندهم هو الإنسان الأبيض وعندهم تصورات ولكن عادة الكثير منهم عن طريق وارث الدين ابن أليجا محمد نفسه إلى الإسلام وبعض إخواننا يعني من بذلوا في ذلك جهدا الدكتور عز الدين إبراهيم رحمه الله والشيخ عبد الله بن علي المحمود في الشارقة وعدد من الإخوة العلماء والدعاة ساهموا في إعادة هؤلاء الناس، في طبعا الإسلام الدروز والنصيرية أو العلويين لهم فهم خاصة وعقائد خاصة يعني أنا عشت في قرى الدروز في لبنان لم أجد عندهم أي مسجد ولم أجدهم يقتنون المصاحف ولا يحفظون أبناءهم القرآن ويعني لهم أشياء فقلما يتفقون مع جمهور المسلمين إلا في صلاة الجنازة وأشياء بسيطة جدا كلما يقولون مسلمين هم تسموا بأسماء المسلمين هم محمد وعلي وحسن وحسين وهكذا، إنما هذه يعني تمثل قلة قليلة من مجموع الأمة الإسلامية ومجموع الأمة والحمد لله كلهم يؤمنون بالقرآن والسنة والأصول الخمسة في العقائد والأركان الخمسة في العبادات والحلال والحرام يحللون الحلال ويحرمون الحرام، هذه الأمة الإسلامية كما شاهدتها وأنا زرت القارات الست والحمد لله ورأيت مسلمين في جميع هذه القارات.

عثمان عثمان: اسمح لنا مولانا أن نأخذ الدكتور رضوان السيد من بيروت أستاذ الدراسات الإسلامية في الجامعة اللبنانية. السلام عليكم دكتور.

رضوان السيد/ أستاذ الدراسات الإسلامية في الجامعة اللبنانية: وعليكم السلام.

عثمان عثمان: كما ذكر فضيلة الدكتور منذ قليل وحدة الإسلام وحدة المسلمين الغالبية العظمى من المسلمين في مكان واحد وعلى أداء واحد، لماذا هذا الإصرار على تفتيت الإسلام في وقت لا نرى مستشرقا أو كاتبا عربيا أو غير عربي يتحدث عن تفتيت للديانات الأخرى؟

رضوان السيد: أنا تابعت في السنوات العشر الأخيرة محاولات بعض الكتاب العرب بالتحديد وبعض المستشرقين الجدد، وهم يعودون إلى الأزمنة التجربة التاريخية الإسلامية أيضا يحاولون تفكيكها، أفهم أن يحكم على هذا التيار أو على ذاك التيار مذهبي أو غير مذهبي بأنه تقدمي أو رجعي بمقاييسه هو، لكن أن يقول إن الإمام الشافعي أو إن ابن قتيبة أو إن الإمام أحمد مسؤول عن تيار معين في هذا الإسلام هو تيار مثلا أهل الحديث أو ما يشابه وهو إسلام رجعي وغير إسلام القرآن أو غير الإسلام الذي كان قد.. أو غير الإسلام الأصلي أو أنه مستمر منذ الشافعي إلى اليوم يعني كأنهم يريدون تخليد انقسام هم يصنعونه ثم يريدون تخليده وهذا صار موضة الآن لدى المستشرقين الجدد هؤلاء بعد الثمانينيات وأخذها عنهم بعض العرب، إنما لحسن الحظ هذا ليس له صدى لدى المسلمين ولا لدى جمهور الكتاب العرب، هذا.. أنه كيف يمكن.. الدليل على قوة وحدة الإسلام وقوة وحدة المسلمين من الناحية العقائدية أنهم يحاولون حتى اليوم أن يقولوا لا بل إنكم منقسمون في الوعي والتصرف وهذا الانقسام عمره ألف عام أو ما شابه، أنا رأيي ما قاله سماحة الشيخ بأن هذا الأمر لا حظ له لا من الواقع ولا من النظر وإنما هي محاولات ليس من الضروري أن تكون كلها من المستشرقين، ممكن أن تكون بسبب بعض المصالح الخاصة أيضا المعاصرة لدى بعض الكتاب العرب، والحمد لله أنا أرى أن هذا دليل قوة ووحدة المسلمين وليست دليل ضعف ولا تشتت.

عثمان عثمان: عمليا كيف يمكن مواجهة هذه الظاهرة؟

رضوان السيد: ينبغي ألا نسكت، يعني بمعنى أن بعض هؤلاء عنده أثارة من علم بمعنى أنه يعلم تاريخنا الفكري ويعرف تاريخنا الديني والثقافي وهو يتلمس شواهد لما يعتبره جمودا أو يعتبره تشرذما أو تقوقعا أو أصولية أو ما يسمى أصولية في الزمن الحاضر، علينا نحن فعلا الذين نعرف قوة هذه التجربة التاريخية العظيمة وقوة هذه الوحدة في الزمن الحاضر علينا ألا نسكت وعلينا أن نجيب على ذلك وأن نفضحهم وألا نقول إنه لسبب أو لآخر لا ينبغي أن نثير الحزازات، نحن لسنا من يثير الحزازات نحن نرد على خنجوانات موجودة وتحاول أن تدخل فرقة فينا، لا نفترق إن شاء الله.

عثمان عثمان: شكرا الدكتور رضوان السيد أستاذ الدراسات الإسلامية في الجامعة اللبنانية كنت معنا من جامعة بيروت. مولانا تفتيت الإسلام ربما يهدف أصحابه إلى إلغاء عالمية الشريعة، كيف توضحون لنا عالمية الإسلام اليوم؟

يوسف القرضاوي: لا شك أن الإسلام منذ أنزله الله على رسوله وهو كتاب عالمي يعني بعض المستشرقين قالوا إن عالمية الإسلام لم تظهر إلا بعد صلح الحديبية حينما بدأ النبي عليه الصلاة والسلام يرسل إلى الملوك وإلى كسرى وقيصر والأمراء بالدعوة إلى الإسلام وهذا ليس صحيحا، منذ القرآن المكي جاءت الدعوة إلى العالمية يعني قوله تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}[الأنبياء:107] وهي سورة مكية بالإجماع {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً}[الفرقان:1] وهي سورة مكية بالإجماع {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ}[ص:87] تكررت في كل السور اللي تكررت فيها مكية {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً..}[الأعراف:158] كل هذا يدل على أن الإسلام وعندما تقرأ سورة الفاتحة {الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}[الفاتحة:2] مش رب العرب ولا رب المسلمين، ده أول سورة في القرآن وآخر سورة في القرآن {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ، مَلِكِ النَّاسِ، إِلَهِ النَّاسِ} [الناس: 1-3] فالأول العالمين والثاني الناس كل الناس، فالإسلام دين عالمي من غير شك ولذلك أنزله الله بهذه الروح العالمية ليس للعرب وحدهم ولا للعجم وحدهم ولا لأهل جيل من الأجيال ولا لطبقة من الطبقات، جاء بمبادئ عالمية وقواعد وقيم عالمية وخالدة تصلح لكل زمان وتصلح لكل مكان، لم يغرق في التفصيلات التي لا تليق إلا بزمن معين وبقوم معينين وبجيل معين لا، فهذا هو ما جاء به الإسلام وما نطق به القرآن.

عثمان عثمان: يعني كما أكدتم مولانا وحدة الإسلام وأنه لا تفتيت هناك ولكن كيف نفسر تعدد المستويات داخل الإسلام، إسلام العلماء الإسلام الشعبي الإسلام النصي والمستوى البشري؟

يوسف القرضاوي:  هذا من فضل الإسلام أنه جاء يتسع لكل هؤلاء جميعا ويعني يتسع للمستويات العقلية، الإنسان الأمي يقرأ القرآن فيفهم ما تيسر له {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ}[القمر:17] ولكن الإنسان صاحب العلم الواسع وصاحب العقلية الكبيرة وصاحب الثقافة الواسعة حينما يقرأ القرآن يعني يجد فيه ما لا يجد الآخر، وكما قلت إن القرآن نزل {..مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ..} ليه؟ ليسع بآياته كل الفئات، فهذا من فضل الله، ده من الناحية العقلية ولذلك أنت حينما تقرأ يعني التفاسير تجد كل تفسير يمثل يعني ثقافة صاحبه، من كانت ثقافته لغوية وأدبية مثل الزمخشري تجد في تفسيره هذا واضحا، من كان مهتما بالفقه وأحكامه مثل القرطبي تجد هذا واضحا في تفسيره، من كان مهتما بالعقائد وعلم الكلام وكذا مثل الفخر الرازي تجد هذا وهكذا يتسع للجميع وأيضا الإسلام يتسع للمستويات السلوكية يعني القرآن يقول {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ..}[فاطر:32] فالظالم لنفسه الذي يقصر في بعض الواجبات ويرتكب بعض المنهيات هذا ظالم لنفسه، ومنهم مقتصد هو يؤدي الواجبات ويمتنع عن المحرمات ولا يزيد على ذلك هو مقتصد، ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله لا يكتفي بأداء الواجبات بل يؤدي نوافل ولا يكتفي بترك المحرمات بل يترك الشبهات والمكرهات، وكما جاء في الحديث "لا يبلغ عبد درجة المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به بأس"، في ارتقاء لا حدود له، فهذا ما جاء به الإسلام ولذلك اتسع الإسلام في الفقه للظاهري كابن حزم وداود وللأثري كابن حنبل ولصاحب الرأي مثل أبي حنيفة وأصحابه للمقاصديين وللظاهريين، اتسع الإسلام لأصحاب الروحانيات ولذلك اتسع للمتصوفة كما اتسع لغيرهم وكل هؤلاء عاشوا في الإسلام، يعني مش الإسلام حيطردهم، الإسلام وسع، الغزالي حينما كان فقيها ملء السمع والبصر وحينما اعتزل بالفقه وقال إن دي كلها مظاهر دنيوية وعمل ابتغاء وجه الناس لا وجه الله ولجأ إلى التصوف لم يطرده الإسلام، الإسلام قبل هذا وقبل هذا لأن الإسلام واسع ويقبل الجميع في رحابه.

مسائل في الثوابت والمتغيرات والموروث الفقهي

عثمان عثمان: مولانا نأخذ بعض المشاركات، عثمان ولد الإمام من الإمارات العربية المتحدة، مرحبا بكم أخ عثمان تفضل.

عثمان ولد الإمام/ الإمارات: السلام عليكم ورحمة الله. فضيلة الشيخ انطلاقا من قوله تعالى {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ..} نعلم بأن جميع الرسل كلهم دعاة إلى الإسلام فهل من الممكن أن يكون هذا الإسلام يشمل المسيحية واليهودية، وأما الفرق فقط هو في التطبيقات الدينية وأن هناك الإسلام دين، دين الإسلام؟ هذا سؤالي الأول. الثاني عندما كنت طالبا في الجامعة الإسلامية في النيجر التابعة لمنظمة المؤتمر الإسلامي كانت تضم حوالي ثلاثين..

عثمان عثمان (مقاطعا): أخ عثمان الوقت ضاق فأعتذر منك وأنتقل إلى الأخ جابر الجابري من العراق، تفضل أخ جابر.

جابر الجابري/ العراق: السلام عليك وعلى شيخك الكريم ضيف البرنامج الشيخ اللي هو القرضاوي الذي نحن في العراق نضعه في حدقات العيون، هذا الشيخ الجليل حقيقة هو نابغة إسلامية لا مثيل لها في كل العالم العربي ونحن نحييه من قطر. شيخنا الجليل ماذا ترى في الآونة الأخيرة ظهر تطرف ديني ومنها الطرقات الصوفية في السودان وفي العراق ألا هذا يشكل التباسا على السنة النبوية وعلى دين محمد؟ ثم أنت شيخ عظيم وأنت شيخ جليل فماذا تجيبني عن ذلك وشكرا لك أنا المحامي جابر الجابري من العراق.

عثمان عثمان: شكرا الأخ الجابري. الأخ  جمال الطواب مصر تفضل.

جمال الطواب/ مصر: السلام عليكم. سؤالي ما معنى الحديث الشريف "إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق"؟ وهل تأذن لي بسؤال أخير يا أخ عثمان؟

عثمان عثمان: بسرعة.

جمال الطواب: المذاهب الأربعة والأئمة الأربعة واختلاف الأربعة لماذا؟ وشكرا وبارك الله فيكم.

عثمان عثمان: شكرا جزيلا. حامل اللواء الشريف تونس.

حامل اللواء الشريف/ تونس: السلام عليكم أستاذ عثمان وعلى ضيفكم الكريم الدكتور يوسف القرضاوي، يعني عندما كنت طالبا في كلية الشريعة كنت أرى في الدكتور يوسف القرضاوي يعني يدعو إلى التجديد وإلى نقد بعض الأحاديث ولكن الآن أراه وكأنه يقبل كل قديم، معناه المسلمون يتفقون على القرآن والسنة المتواترة وتوافقهم ولكن هذه الرواية من روايات الآحاد هي التي تفرق المسلمين ألا ترى أنه يجب إعادة تدوين السنة النبوية بمقاييس جديدة تبحث في المتن وليس في السند..

عثمان عثمان (مقاطعا): شكرا جزيلا. مولانا نبدأ بالأخ حامل اللواء الشريف من تونس.

يوسف القرضاوي: لم أسمع أي شيء.

عثمان عثمان: يعني هو يقول هناك ثوابت القرآن الكريم السنة المتواترة وهناك خلاف في الموضوع يعني خبر الآحاد الخبر الظني، يعني ألا يستدعي ذلك إعادة تدوين للسنة النبوية؟

يوسف القرضاوي: ألا إيه؟

عثمان عثمان: يعني هناك ثوابت في الإسلام القرآن الكريم السنة المتواترة وهناك ما يدور حوله خلافات معينة كخبر الآحاد الظني الدلالة، يعني ألا يستدعي ذلك إعادة تدوين للسنة النبوية؟

يوسف القرضاوي: كيف ندونها؟ يعني دونت وخلاص، الآحاد مش حنقدر نحوله إلى متواتر ولا المتواتر نحوله إلى آحاد، لأن الحاجات ثبتت مش يعني التجديد في هذا لا يكون بتحول الآحاد إلى متواتر ولا المتواتر إلى آحاد ولكن التدوين جمع الصحيح بعضه إلى بعض ونوثق ما يستحق التوثيق ونضعف ما يستحق التضعيف ونعمل على حسن فهم السنة، هذا خدمة السنة تأتي من هذه النواحي، إنما ما ثبت بأنه آحاد خلاص ثبت آحاد حتعمل فيه إيه؟ ما معنى أنه ثبت بأنه آحاد؟ يعني لم يروه عدد يستحيل تواطؤهم على الكذب عادة، يعني قد يرويه واحد اثنين ثلاثة عن واحد اثنين ثلاثة ده ليس عدد المتواتر، المتواتر يجب أن يكون عددا يعني يحيل العقل على سبيل العادة أن يتواطأ الجميع على الكذب فهذا حديث الآحاد ومعظم السنة أحاديث آحاد ولكن المتواتر عدد قليل مهما توسع البعض هو عدد قليل جدا بالنسبة لباقي السنة.

عثمان عثمان: الأخ عثمان من الإمارات يقول {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ..} يعني هل يشمل الإسلام المسيحية واليهودية وأن هناك فرقا فقط في التطبيقات، تطبيقات الشعائر الدينية؟

يوسف القرضاوي: إحنا نعتقد أن اليهودية والمسيحية في أصلهما هما إسلام أيضا يعني ربنا بعث موسى بالإسلام وأنزل عليه التوراة لشرح هذا الإسلام وأنزل عيسى بالإسلام، كلهم جاؤوا بالإسلام إلا أن الله لم يضمن لهذه الكتب الحفظ كما ضمنه للقرآن إنما استحفظها أهلها كما قال {..بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء..}[المائدة:44] فاستحفظ يعني طلب من أهل التوراة أن يحفظوها فلم يحفظوها وحرفوها تحريفا لفظيا وتحريفا معنويا، وهذا بشهادة الغربيين أنفسهم وفي دراسات علمية وموثقة وكثيرة ومتنوعة عن تحريف التوراة، وللمسلمين في ذلك باع طويل قديما وحديثا، الكتب كتاب "إظهار الحق" للشيخ رحمة الله الهندي وكان عمدة إخوانا الشيخ أحمد ديدات رحمه الله وهو من الذين، فالأصل أنه هو نزل عليهم الإسلام ولكن حرفوا المصادر، المسيحية الإنجيل الأساسي لم يعرف حتى الآن، الأناجيل الموجودة ليست الإنجيل الذي أنزله الله على عيسى ولكن هي كتب كتبها يعني بعض تلاميذ عيسى أو تلاميذ تلاميذه وكتبت بعدها بعشرات السنين واللغة الأصلية التي كتب بها غير معروفة يعني إلى الآن، ففرق كبير من مصادر هذه الكتب وبين القرآن الكريم الذين نحفظه كما أنزله الله، نحن نقرأ القرآن كما كان الرسول يقرؤه بغنه ومده، تكلمنا عن هذا في الحلقة الماضية وأنا أقرؤه كما كتب في عهد عثمان بإقرار الصحابة فمصادرنا غير مصادرهم، نحن نؤمن بالمسيحية الأصلية وباليهودية الأصلية ولكننا لا نؤمن بها على حالتها الآن.

عثمان عثمان: الأخ جابر الجابري من العراق يسأل عن شطحات بعض الصوفية وهل تؤثر على الإسلام؟

يوسف القرضاوي:لا، هذه الشطحات طبعا معروفة عند الصوفية وكما قال ابن القيم هذه الشحطات كانت فتنة على فئتين من الناس، فئة أحسنت الظن بالصوفية فأخذت كل ما يقولونه بعجره وبجره وحلوه ومره ولم تنقدهم في شيء يعني وفتنة أخرى يعني انتقد الصوفية انتقادا لاذعا وكادوا يخرجونهم من الإسلام بسبب هذه الشطحات، ولكن الإمام ابن القيم كان من المعتدلين هو وشيخه ابن تيمية في النظر إلى الصوفية ولكن الصوفية هم شأنهم شأن غيرهم من الناس فيهم الظالم لنفسه وفيهم المقتصد وفيهم السابق بالخيرات بإذن الله، ولهم أخطاء كما يخطئ المتكلمون وكما يخطئ الفقهاء وكما كل الفئات عندها أخطاء، فنحن نأخذ من هذه الشطحات ما يمكن قبوله وما له وما عليه دليل ونرفض الباقي لأن الصوفية ليسوا أنبياء وليسوا معصومين، هم بش كسائر البشر، وكما قال الجنيد يعني "طريقنا هذا مقيد بالكتاب والسنة فمن خرج عنهما فليس منا" فهؤلاء هم الصوفية الحقيقيون.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور يعني أحد الكتاب يقول إن الموروث الفقهي تحول إلى إسلام جديد، قلص المسؤولية الفردية لصالح مصلحة الجماعة وجعل كل اجتهاداته البشرية أوامر إلهية واستخدم النصوص لتبرير الوقائع وسعى إلى ضبط سلوك الناس وتنميط الحياة بعد أن كانت الممارسات في المجتمع الإسلامي الأول ثرية ومتنوعة، ما مكانة الموروث الفقهي من الدين الإسلامي؟

يوسف القرضاوي: الموروث الفقهي ليس شيئا واحدا، هناك كما قلنا في أكثر من مدرسة وأكثر من مذهب ولكن كل هؤلاء مرتبطون بمصادر واحدة وأدلة واحدة، وأنا أذكر أول يوم دخلت المعهد الديني من معاهد الأزهر ودائما أول حصة يأخذها الطالب حصة الفقه، الحصة الأولى في السنة الدراسية، فجاء الشيخ الشناوي الله يرحمه اسمه الشيخ الشناوي اللي بيدرس لنا الفقه وأول حاجة درسنا قال لنا ما هو الفقه؟ الفقه هو معرفة الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية وقعد يشرح لنا الأحكام الشرعية يعني إيه الواجب والمستحب والحرام والمكروه والمباح والأدلة التفصيلية اللي هي القرآن والسنة والإجماع والقياس، فالفقه هو مأخوذ من هذا مش جايبين حاجة من عندهم، الموروث الفقهي وكونهم اختلفوا أعطونا سعة في هذا ولذلك فالتقليد ليس فرضا علينا وحتى لو قلدنا مذهبا يعني يستطيع الإنسان أن يخرج عن مذهبه في قضية معينة إلى قضية أخرى، فالفقه لم يأت بشيء جديد، إيش اللي عملوه الفقهاء حتى يعني قلصوا الفقه إلى الناحية الجماعية؟ لا تزال هناك في الفقه أشياء فردية وأشياء جماعية، العبادات أن كل واحد يتعبد ربنا لوحده ما فيش في الإسلام أنه لا بد واحد يعني قسيس يوصلك أو كاهن يوصلك، أنت تصل إلى الله وحدك "جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل" تستطيع أن تصلي وحدك وتستطيع أن تصلي.. وتستطيع أنك تكون الإمام وتستطيع أن تكون المأموم وهكذا، وهناك أشياء جماعية لأن الفقه جاء أيضا ينظم أمر الجماعة مش جاي ينظم أمر الفرد، ودي طبيعة المجتمعات كلما يعني المجتمعات تتحضر تتعقد يعني يبقى في عقد ويتسع الفقه ولكن من مزايا الفقه الإسلامي أن الأصل قائم على التيسير قائم وهذا هو منهج القرآن {..يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ..}[البقرة:185]، {يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً}[النساء:28]، {..مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ..}[المائدة:6] فالتيسير في القرآن والرسول يقول "يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا.." ومن هنا جاءت الرخص، شرعت الرخص بدل العزائم وشرعت الضرورات تبيح المحظورات والحاجة تنزل منزلة الضرورة، كل هذه وجاءت القواعد الفقهية، المشقة تجلب التيسير إلى آخر هذه الأشياء، فهذا هو الفقه جاء ينظم حياة الأمة بأحكام الشرع بأحكام الإسلام وطبعا يختلف الفقهاء من واحد لآخر، في ناس مشددين يعني نحن في عصرنا نجد مدارس تشدد على المسلمين ومدارس تيسر عليهم فمن فضل الله أن الفقيه مش كاهن يفرض عليك، من حقك أن تأخذ برأيه إن اقتنعت به ومن حقك أن تتركه وتأخذ بغيره، والعلماء في الساحة كثيرون.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور ربما أجبتكم في هذا الكلام الطيب على سؤال الأخ جمال الطواب في مصر الذي سأل عن اختلاف الفقهاء، يعني لم يتبق الكثير من الوقت، أشكركم مولانا فضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي على هذه الإفاضة الطيبة، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة أنقل لكم تحيات معد البرنامج معتز الخطيب والمخرج منصور الطلافيح وسائر فريق العمل، أعتذر من الإخوة الذين لم نستطع الإجابة على أسئلتهم خاصة الذين راسلونا عبر البريد الإلكتروني، دمتم بأمان الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.