- معنى وحدود وضوابط الرعاية والمراعاة
- أصل مشروعية المراعاة وأمثلتها في القرآن الكريم

- أبواب مراعاة أحوال الناس وحدودها الشرعية

- تبديات المراعاة في السنة وجواز كتمان بعض العلم

توفيق طه
يوسف القرضاوي
توفيق طه:
بسم الله الرحمن الرحيم {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}[الأنبياء:107] صدق الله العظيم. جاءت الشريعة لرعاية مصالح العباد واختلفت بعض أجوبة النبي صلى الله عليه وسلم ووصاياه بحسب اختلاف أحوال السائلين وأصنافهم، فكيف يمكن للداعية أن يراعي أحوال الناس دون أن يقع في أسر رغباتهم؟ مشاهدينا الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وأهلا بكم إلى هذه الحلقة من برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي وموضوعنا اليوم الشريعة ومراعاة أحوال الناس، أهلا بك فضيلة الدكتور.

يوسف القرضاوي: أهلا بك يا أخ توفيق.

معنى وحدود وضوابط الرعاية والمراعاة

توفيق طه: فضيلة الشيخ عندما نتحدث عن رعاية الشريعة لمصالح الناس ومراعاتها لأحوالهم بأي معنى يكون ذلك؟ وهل هناك ضوابط وحدود للرعاية والمراعاة؟

يوسف القرضاوي: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا وإمامنا وأسوتنا وحبيبنا ومعلمنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه. وقبل أن نجيب عن هذا السؤال لا بد أن نقول كلمة عن عبث اليهود المستمر بالمسجد الأقصى ومحاولاتهم المتكررة العدوان على هذا المقدس الإسلامي والمسيحي واستغفالهم للمسلمين في كل مكان وللعرب مسلميهم ومسيحييهم وللمسلمين عربهم وعجمهم. ولا بد لهذه الأمة في مشارق الأرض ومغاربها أن تنتبه إلى كيد اليهود ومكرهم الكبار ومؤامراتهم التي يبيتونها لهذا المسجد العظيم، الأمة الإسلامية قامت عن بكرة أبيها من أقصاها إلى أقصاها بمناسبة حريق منبر صلاح الدين أو جزء من المنبر هاجت الأمة الإسلامية وأجبرت قادتها لأول مرة أن يجتمعوا في قمة إسلامية من أجل المسجد، والآن الأمر أصبح أخطر وأكبر مما كان من قبل ومع هذا لا نجد الأمة تتحرك ولا نجد القادة يعملون شيئا ذا بال من أجل الحفاظ على مسجدنا العظيم وعلى القدس الشريف، لا بد للأمة أن تحيا وأن تستيقظ وأن تجمع أمرها لمقابلة هذا الكيد العظيم والشر بالشر يحسم والبادئ أظلم. نعود إلى سؤالك يا أخ توفيق، أولا بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، الشريعة الإسلامية إنما أقامها الله سبحانه وتعالى لتحقيق مصالح العباد في المعاش والمعاد، هكذا يقرر فقهاء المسلمين من مختلف مذاهبهم ومدارسهم لأنه من المعروف أن الله سبحانه وتعالى غني عن خلقه لا يحتاج إليهم في شيء، من صفة الله تعالى أنه الغني {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ}[فاطر:15] فحينما شرع الله هذه الشرائع من عبادات ومعاملات وأحل الحلال وحرم الحرام ليس له فيها مصلحة ولا يعود عليه شيء منها إنما المصلحة كلها تعود علينا نحن المكلفين، فما أمر الله بأمر ولا نهى عن نهي ولا أحل حلالا ولا حرم حراما إلا وكان فيه المصلحة كل المصلحة لنا مصلحة تجلب لنا أو مفسدة تدرأ عنا، هذا ما يعني يؤكده كل علماء المسلمين هذه قضية لا نقاش فيها.

توفيق طه: نعم فما معنى المراعاة لأحوال الناس إذاً مع هذه الرعاية؟

يوسف القرضاوي: هذه المراعاة أن الله سبحانه وتعالى لا يشرع أمرا إلا فيه مراعاة مصالح الخلق، لا يحرم عليهم شيئا إلا فيه.. لا ينزل عليهم آية.. لماذا أنزل الله الكتب؟ ولماذا بعث الرسل؟ لماذا أنزل القرآن؟ ولماذا بعث محمدا صلى الله عليه وسلم؟ ذلك كله لهداية الخلق إلى مصالحهم، لكنها المصالح ليست بمفهوم بعض الناس القاصر، بعض الناس يظن المصلحة هي المصلحة المادية فقط ويغفل المصالح المعنوية، المصلحة الجزئية ويغفل المصالح الكلية، المصلحة الخاصة وينسى المصالح العامة، المصلحة الآنية وينسى المصالح المستقبلية، المصلحة المحلية وينسى المصالح العالمية، ولكن ربنا حينما يشرع هذا الأمر يراعي هذه الجوانب كلها، هذه الجوانب كلها لا يرعاها إلا عالم حكيم.. عليم حكيم، ولذلك الله سبحانه وتعالى هو الذي خلق الإنسان ويعلم ما يصلح الإنسان وما يفسده {..وَاللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ..}[البقرة:220]،  {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}[الملك:14]، لما واحد بيصنع جهازا يبقى هو الأدرى ما الذي يصلح هذا الجهاز إذا فسد وما الذي يمكن إعادته بعد يعني حدوث خلل فيه، هو صانع الجهاز.. والله هو صانع الإنسان وصانع هذا الكون وخالق هذا العالم وواهب الحياة ولذلك شرع للناس كل ما يصلحه علم بذلك من علم وجهل من جهل، ممكن بعض الناس لا يعرف الحكمة ولكن حينما يشرح له أهل العلم تتبين له الحكمة واضحة.

توفيق طه: ولكن أحكام الشريعة تختلف قليلا أو كثيرا في بعض الأحيان ووصايا النبي صلى الله عليه وسلم وإجاباته عن أسئلة السائلين كانت تختلف أحيانا من هذا إلى ذاك بما يراعي أحوال الناس كما قال العلماء، هل هناك حدود لهذه المراعاة وضوابط؟

يوسف القرضاوي: هناك النبي عليه الصلاة والسلام كان يسأل عن السؤال الواحد ما أفضل الأعمال؟ فواحد يقول له أفضل الأعمال أن تصلي الصلاة لوقتها، أن تبر والديك، أن تجاهد في سبيل.. واحد يقول له أفضل الأعمال "أن تطعم الطعام وتفشي السلام وتصلي بالليل والناس نيام" واحد يقول له أوصني، واحد يقول له اعمل كذا، واحد يقول له "لا تغضب" لماذا تختلف هذه الإجابات؟ لأن الرسول مع الناس من حوله كالطبيب مع المرضى، الطبيب لما يجيء واحد يقول له حالتي كذا مش بيدي لكل واحد دواء واحدا، لا، الدواء يختلف واحد عنده صداع يحتاج إلى (بنادولة) ولا واحد ثاني عينه بتوجعه محتاج إلى قطرة، واحد عنده إسهال غير واحد عنده إمساك، يعني فالرسول هو طبيب الأمة ولذلك يجيب إجابات مختلفة يراعي.. مثلا سئل النبي عليه الصلاة والسلام عن القبلة للصائم، اثنان سألوه واحد سأله عن القبلة قال له لا يجوز وواحد ثاني قال له قبل، الله! فلما بحث الصحابة في الأمر وجدوا أن الذي قال له من حقك أن تقبل كان شيخا والثاني كان شابا فرأى أن هذا رجل يستطيع أن يضبط نفسه فأجاز له ورأى في الثاني أنه لا يمكن أن يضبط نفسه فمنعه، ومعنى هذا أن المفتي أيضا يجب أن يراعي أحوال الناس، سيدنا عبد الله بن عباس جاء رجل يسأله وقال له هل للقاتل من توبة؟ إذا قتل واحد إنسانا هل ربنا يقبله بعدما قتله؟ فصعد فيه النظر وصوبه وقال له لا ليس للقاتل توبة، ثم أدبر الرجل مشى فأصحابه قالوا له كنا نسمعك تقول للقاتل توبة، فقال لهم إني نظرت في وجهه فرأيته مغضبا يريد أن يقتل مؤمنا، يعني فرق بين حالتين رجل قتل بالفعل وجاي يعني ندم على ما حدث..

توفيق طه: يريد أن يتوب.

يوسف القرضاوي: فيريد هل للقاتل للتوبة؟ نقول له آه ممكن ولكن واحد لم يقتل وإنما قبل أن يقتل جاي يأخذ فتوى بأن للقاتل توبة أقتله وبعدين أتوب، لا، فرق بين من عمل العمل فتقدر تقول ما دام عمل نحاول بقى نجد له حلا، لذلك أنا أحيانا أسأل عن الطلاق أنه حصل كذا أوقعت على امرأتي أقول له حدث؟ أنت قلت لها ما تعمليش كذا عملت؟ قال لا قلت له خلاص، إنما لو قال لي قلت لها ما تعمليش كذا وطلقتها وراحت واقعة آه أصبحت هنا بقى لازم أبحث له عن مخرج في أقوال السلف، في رأي ابن تيمية، في رأي فلان فيعمل كذا، فالفتوى قبل الابتلاء بالفعل غير الفتوى بعد الابتلاء بالفعل ومن هنا كانت هناك قاعدة مهمة في هذه الحالة قاعدة تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والحال والعرف إلى آخره كما قرره المحققون من علماء الأمة.



أصل مشروعية المراعاة وأمثلتها في القرآن الكريم

توفيق طه: نعم هنا السؤال ما هو أصل مشروعية مراعاة أحوال الناس في الشريعة؟ هل يعني هذه المراعاة هي في أصل الشريعة وملازمة لها منذ البداية أم هي طارئة مع تطور أحوال الناس؟

يوسف القرضاوي: لا، ده من أصل الشريعة، يعني نحن عندنا القرآن عندنا قرآن مكي وقرآن مدني، لماذا اختلف القرآن المكي عن القرآن المدني؟ ده بيعالج موضوعات وده بيعالج موضوعات وده له أسلوب وده له أسلوب، لأن القرآن المكي نزل على المجتمع الجاهلي المشرك فمهمته أنه يؤسس العقائد ويرسخ القيم والأشياء الأساسية، المجتمع المدني مجتمع مسلم يريد أن نشرع له في أموره في المعاملات، في الأحكام، في هذه الأشياء فيختلف، ولذلك القرآن نفسه لماذا نزل القرآن في 23 سنة؟ القرآن موجود في اللوح المحفوظ لماذا لم ينزل مثل التوراة مرة واحدة نزلت على موسى؟ لا، ربنا أراد أن يفرق القرآن طول العهد المكي وطول العهد المدني لينزل حسب الوقائع ولذلك المشركون قالوا هذا {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً..}[الفرقان:32] ليه ما نزلش..؟ {..كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً، وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً}[الفرقان:32، 33] ربنا أراد أن كلما يسألوا عن سؤال يجبهم، كلما تحصل واقعة ينزل القرآن، المشركون يقعدوا يقولوا يعني ما تعلوش صوتكم حتى لا يسمع إله محمد، ينزل القرآن يقول لهم {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ، أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}[الملك:13، 14] المنافقون يقعدون فيما بينهم يدبرون مكائد للمسلمين والقرآن ينزل يفضحهم، حتى بعض الصحابة سمى سورة التوبة "الفاضحة" لأنها فضحت المنافقين كشفت أسرارهم وهتكت أستارهم، فكان القرآن..

توفيق طه (مقاطعا): وكأنه يتابع أحوال المجتمع المسلم أولا بأول.

يوسف القرضاوي: شوف امرأة جاءت تسأل النبي عليه الصلاة والسلام في أمر حدث من زوجها ظاهر منها قال لها أنت علي كظهر أمي وجاءت تشتكي، بعدين القرآن نزل يقول {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا..}[المجادلة:1] يشوف {..يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا..} فالقرآن يتابع المجتمع أولا بأول ويعالج قضاياه، كل حادث له حديث وكل مشكلة لها حل وكل داء له دواء، هكذا..

توفيق طه (مقاطعا): هناك من العلماء فضيلة الدكتور من يقول إن نزول القرآن منجما على النبي صلى الله عليه وسلم يعني كان يرتبط أيضا بمسألة التحليل والتحريم وإنزال الأحكام بالتدريج مثل أحكام الخمر مثلا..

يوسف القرضاوي: هذا.. لماذا تنزل الأحكام بالتدريج؟ ما هو ده مراعاة لواقع الناس، السيدة عائشة بتقول لو نزل من أول الأمر لا تشربوا الخمر كانوا يقولوا لا، لا نستطيع أن نستغني عنها، إنما نزلت آيات وسور..

توفيق طه (مقاطعا): {..لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ..}[النساء:43].

يوسف القرضاوي: (متابعا): تذكر الجنة والنار وتذكر وحدانية الله سبحانه وتعالى وتقرر الحقائق الكبرى وبعدين التشريع يأتي بعد.. فالتدرج هذا هو أيضا مراعاة لواقع الناس وبيعلمنا بيعلم أهل الفقه وأهل الفتوى أن يتدرجوا بالناس أيضا في التعليم في الدعوة في هذه الأمور لأن التدرج سنة كونية وسنة شرعية.

توفيق طه: نعم حتى نزول.. يعني بعث الرسل كل من قومه، لم يبعث رسولا من غير قومه إلى قوم وبلغتهم وبلهجتهم، ربما في هذا شيء من مراعاة أحوال الأقوام.

يوسف القرضاوي: أولا لم يبعث الرسل من الملائكة، كان الناس يقولون لو شاء ربنا لأنزل ملائكة فالقرآن يقول {قُل لَّوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلآئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَلَكاً رَّسُولاً}[الإسراء:95] إنما يبعث ملك لبشر! الملك لا يأكل ولا يشرب ولا يتزوج ولا ينام ولا.. فحياة غير حياته كيف يقتدون به؟ وهو ربنا بيقول {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ}[الأنعام:9] لو أنزلنا ملَكا على الناس لازم نجعله بصورة الرجل حتى يعيش بينهم، ملَك ما يقدرش يعيش في وسط البشر ولا الناس يستطيعون يعيشوا معه فلازم نعمله في شكل الرجل وطيب وبعدين ما دام في شكل الرجل هل هو ملَك ولا رجل؟ لهذا أنزل الله الرسل بشرا من البشر من أقوامهم وكل واحد يعني من قومه لذلك يقول لك {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً..}[الأعراف:65] {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً..}[الأعراف:73] {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ..}[الأعراف:85] أخاهم ليه؟ لأنه منهم فهو واحد منهم، النبي عليه الصلاة والسلام يقول {لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ..}[آل عمران:164]، {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ..}[الجمعة:2]..

توفيق طه (مقاطعا): نعم لكن ربما فضيلة الدكتور..

يوسف القرضاوي: (متابعا): العرب {..رَسُولاً مِّنْهُمْ..}[الجمعة:2] يعني من جنسهم ليخاطبهم بلسانهم {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ..}[إبراهيم:4] حتى يفهموا عنه.

توفيق طه: لكن ربما فضيلة الدكتور أكثر ما تظهر مسألة مراعاة أحوال الناس في مسائل التشريع والفقه، فهل تشريع الرخص أيضا في الفقه هي من باب مراعاة أحوال الناس؟

يوسف القرضاوي: طبعا الرخص والعزائم هي من عند الله عز وجل، ومعنى الرخص إيه؟ يعني الشيء اللي خارج عن المألوف العادي يعني الأصل أن الإنسان عايش في بلده فهذه حالة عادية، إذا سافر بقيت حالته غير عادية فيحتاج إلى رخصة لأن السفر مشقة "السفر قطعة من العذاب"..

توفيق طه (مقاطعا): تعينه على القيام بالواجب.

يوسف القرضاوي: (متابعا): الأصل أن الإنسان في حال الصحة إذا أصابه المرض خرج عن الحالة العادية فيحتاج إلى رخصة للمرض ولذلك الشرع في هذه الحالات يأتي برخص، رخص يعني إيه؟ مخففات، من حق المريض أن يفطر في رمضان ومن حق المسافر أن يفطر في رمضان ومن حق المسافر أن يقصر الصلاة الرباعية إلى ركعتين وأن يجمع بين الصلاتين بين الظهر والعصر وما بين المغرب والعشاء تقديما أو تأخيرا، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول "إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه" وفي حديث آخر..

توفيق طه (مقاطعا): يعني إظهار لرحمة الله أمام العباد.

يوسف القرضاوي: (متابعا): " إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته" وبعض الناس يعني بيتشدد يشدد على نفسه، النبي لم يقبل منهم هذا، واحد رآه جاي يحج وهو ماش ونذر أن يحج مائة قال "إن الله عن تعذيب هذا نفسه لغني" وواحد صائم والناس قاعدين يظللون عليه ويرشون عليه ماء قال إيه ماله هذا؟ قالوا صائم وهو مسافر قال "ليس من البر الصيام في السر" أي بمثل هذا السفر، فلا يجوز الإنسان يرفض الرخصة وهو محتاج إليها.

توفيق طه: هنا فضيلة الدكتور في مسألة الرخص يحضرني سؤال سئلت عنه ووعدت بأن أستفسر منك عنه، المسح على الخفين أثناء الوضوء ما هو يعني باب جواز المسح على الخفين؟

يوسف القرضاوي: نعم؟

توفيق طه: المسح على الخفين عند الوضوء ما هي أسباب جوازه؟ سئلت عن هذا السؤال ووعدت أن أسألك إياه.

يوسف القرضاوي: هذا المسح على الخفين ثبت عن أكثر من عشرين من الصحابة وعلماء الحديث يقولون إن الحديث في إثبات المسح على الخفين متواتر وهذا جاء للتخفيف عن الناس، ومثل المسح على الخفين المسح على الجوربين وهذا مهم في عصرنا أفتى به أكثر من 16 صحابيا المسح على.. وهذا شيء مهم جدا، بعض الناس لم يكونوا يصلون في أعمالهم، موظفون في أعمالهم، ما تصلوش ليه؟ يقولون والله ما فيش وقت نتوضأ، قلت له أنت بتخرج من البيت في الصباح وأنت متوضئ؟ آه، بس يكفيك أنك تغسل وجهك كده وإيديك وتمسح على الجراب على الجورب، قال هذا يكفي؟ فبيقولوا أنت حليت لنا يعني ثلاثة أرباع المشكلة لأن ثلاثة أرباع المشكلة في غسل الرجلين، عايز يخلع الحذاء والجورب ويروح يعني شوف بقى يتوضأ على الحوض، عملية كبيرة، إنما لا، مسح عليه، فهذه رخصة عظيمة من الله سبحانه وتعالى.

توفيق طه: نعم ماذا عن التشريع لحالات الضرورة مما قد يشكل استثناء لحكم شرعي مثل أكل الميتة مثلا؟ هذا السؤال أريد أن أسمع الجواب عنه فضيلة الدكتور بعد الفاصل، مشاهدينا الكرام فاصل قصيرة ونعود إليكم.



[فاصل إعلاني]

أبواب مراعاة أحوال الناس وحدودها الشرعية

توفيق طه: أهلا بكم من جديد مشاهدينا الكرام إلى هذه الحلقة من برنامج الشريعة والحياة وموضوعنا اليوم الشريعة ومراعاة أحوال الناس ومع فضيلة العلامة الدكتور الشيخ يوسف القرضاوي وكنا قد وصلنا إلى مسألة التشريع لحالات الضرورة مما قد يشكل استثناء لحكم شرعي أو نقضا له مثل أكل الميتة ووعدتنا يعني كان الاتفاق أن يكون الجواب بعد الفاصل فضيلة الدكتور.

يوسف القرضاوي: نعم هذا أيضا من مراعاة واقع الناس، الشريعة الإسلامية شريعة واقعية معنى أنها واقعية أنها لا تحلق في أجواء مثالية بعيدا عما يعايشه الناس من أمور، لا تعامل الناس أنهم ملائكة أولو أجنحة ولكن تعامل الناس أنهم بشر يعيشون على الأرض يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق وتصيبهم ضرورات وتصيبهم حاجات فلا بد أن نراعي للضرورة حقها، ما هي الضرورة؟ الضرورة هي ما لا يستطيع الإنسان أن يعيش بغيره، يعني الأكل، الشرب، اللبس، المسكن، الدواء للحالات المرضية.. دي كلها ضرورات، فإذا الإنسان احتاج إلى هذه الضرورة ولم يمكن تحقيق الضرورة إلا بتناول الحرام يتناول الحرام، أحيانا ربنا يحرم بعض الأشياء كالأطعمة الأربعة المذكورة في القرآن {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ..}[البقرة:173] إلى هذه الأشياء يأكل من الميتة أو من لحم الخنزير يأكل ولا يموتش، بالعكس يعني جاء في بعض الأحاديث لو اضطر ولم يأكل حتى مات يدخل النار لأنه رفض رخصة الله سبحانه وتعالى وألقى بيده إلى التهلكة فربنا يبيح هذه ولكن {..غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ..} يعني ما يأخذهاش ببغية بشهوة، لا يعني بيأخذها وهو يعني كاره {..وَلاَ عَادٍ..} لا يعدو قدر الضرورة ولذلك قاعدة "الضرورات تبيح المحظورات" قاعدة مأخوذة من القرآن الكريم تكملها قاعدة أخرى ذكرها الفقهاء أن "ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها" يعني لا تتوسع في الضرورة، الضرورة يجب تظل استثناء يحفظ ولا يقاس عليه ولا يصبح أصلاة في الحياة وقاعدة..

توفيق طه (مقاطعا): يعني يأكل ما يحفظ حياته فقط.

يوسف القرضاوي: (متابعا): والضرورة مش بس ضرورة الأفراد، في ضرورة الأمة ضرورة الجماعة يعني في ضرورات تحتاجها الجماعة، ممكن في هذه الحالة.. افرض أمة محتاجة إلى السلاح وما تقدرش تشتري السلاح إلا بالفائدة عن طريق.. نقول لها آه لا تعري نفسها أمام الأعداء تشتري ولو بالفائدة، هذه.. ولكن بقدر الضرورة يعني وهكذا.

توفيق طه: هل يدخل في باب مراعاة أحوال الناس أيضا التشريعات التي تراعي أحوال الخطأ والنسيان والعمد؟

يوسف القرضاوي: آه كل دي من المخففات في الأشياء، من واقعية الشريعة أنها تراعي ما يخفف عن الناس، المخففات مثل الخطأ، النسيان، الإكراه، واخد بالك؟ عموم البلوى كما قال الله تعالى {..وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ..}[الأحزاب:5]، {..إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ..}[النحل:106]، {..رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا..}[البقرة:286] "إن الله وضع عن هذه الأمة الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه". ولكن هناك بعض الأخطاء يتحمل الإنسان نتيجتها، افرض واحد قتل خطأ لا يتحمل إثم القاتل ويدخل {..جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ..}[النساء:93] ولكن يتحمل الدية دية المقتول وعليه كفارة {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ..}[النساء:92] كفارة، أنت قتلت نفسا أحيي نفسا، كيف يحيي نفسا؟ واحد رقيق يحرره كأنما أعطاه الحياة ولهذا يعتبر كأن الإسلام يعتبر الرق نوع من الموت الأدبي والتحرير نوع من الإحياء {..فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ..} وبعدين {..وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ..}[النساء:92] تعويض مالي آخر وشرع الإسلام أن تساهم فيه العاقلة القبيلة أيام القبائل، النقابة دلوقت أيام النقابات وهكذا.

توفيق طه: والأساس أن من لا يملك حريته لا يملك قراره وإرادته.

يوسف القرضاوي: نعم.

توفيق طه: نعم هناك الآن في مجتمعاتنا الإسلامية مسلمون يعيشون في مجتمعات غير إسلامية في الغرب مثلا فنجد أنهم أحيانا يتشددون في تطبيق أحكام الشريعة مما يجعلهم خارجين كثيرا عن هذه المجتمعات التي يعيشون فيها، كيف نفسر ذلك؟ وبماذا توصيهم؟

يوسف القرضاوي: هذا يعني وجد بالفعل ومن أجل هذا أنشأ المسلمون في عصر الصحوة الإسلامية مؤسسات تنهض بالمجموعات الإسلامية التي تعيش خارج المجتمعات الإسلامية تعيش في مجتمعات غير إسلامية، الأقليات مجتمعات الأقليات الإسلامية، أنشأت منظمات ومؤسسات ومن هذه المؤسسات في أوروبا المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث الذي أتشرف برئاسته، مهمة هذا المجلس إيه؟ أن يفتي للمسلمين في حل مشاكلهم يعني حل لنا بعض المشاكل أننا أجزنا للمسلمين الذين يعيشون في أوروبا وليس لهم بيوت يسكنونها ويؤجرون البيوت بمبالغ طائلة ويظل الإنسان أربعين سنة يدفع على بيت ولا يملكه إنما أجزنا لهم أن القسط المبلغ اللي بيدفعه إيجارا ممكن يدفعه قسطا وبعد 15، 20 سنة يصبح البيت ملكا له ويأخذ أيضا مزايا أخرى كثيرة وراء هذا، هذا من.. أجزنا للمسلمة التي تسلم وزوجها باق على دينه أنها يعني تبقى معه كما هو مروي عن سيدنا عمر وعن سيدنا علي وعن الزهري وعن عدد من فقهاء السلف، هذا..

توفيق طه (مقاطعا): نعم لكن دكتور يعني السؤال الآن هل تبلغ مراعاة أحوال الناس في التشريع ترك إنكار المنكر مثلا أو ترك المصلحة العامة؟ بمعنى هل هناك حد تقف عنده مراعاة أحوال الناس؟

يوسف القرضاوي: آه يعني الإسلام قال إيه؟ "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" فإذا المسلم يعني كان عاجزا عن تغيير المنكر بيده حتى بلسانه ما يقدرش يتكلم يرجع إلى قلبه، أحيانا إذا كان حتى يقدر ولكن يترتب على إزالة المنكر باليد منكر أكبر منه، واحد شاف واحد بيشرب خمرة راح يمنعه بالقوة..

توفيق طه: أثار مشكلة.

يوسف القرضاوي: يمكن يقتله تسيل دماء، جماعة يشوفوا ناس بيعملوا موسيقى ولا مش عارف إيه يروح يعمل... المنكر علشان تغييره وخصوصا تغييره بالقوة له شروط كثيرة، لازم يكون منكرا مجمعا عليه يعني إذا كان مثلا الموسيقى في ناس بيجيزوها وناس بيمنعوها، لا يجوز لك أنك تنكرها، واحد يقول لك أنا على مذهب ابن حزم يا أخي أنت ليه حتمنعني، في كذا ناس من السلف أجازوا الغناء بآلة وبغير آلة، يعني لا بد يكون أمرا مجمعا.. ولا بد يكون المنكر واقعا ما يكونش متوقعا ويكون قادرا عليه ويكون لا تحدث من ورائه فتنة.

توفيق طه: مشاكل أكبر وفتنة أكبر.

يوسف القرضاوي: آه فتنة أكبر، النبي عليه الصلاة والسلام ترك الكعبة.. العرب لما جاؤوا يبنون الكعبة ما كانش معهم فلوس قصرت بهم النفقة فتركوا جزءا منها لم يدخلوه فيها اللي بنسميه حجر إسماعيل اللي بيشوف هناك حجر إسماعيل ده جزء من الكعبة وكان يجب يدخل فيه وكان الرسول يقدر يعيد الكعبة كما كانت على أيام سيدنا إبراهيم ولكن قال لعائشة "لولا أن قومك حديثوا عهد بشرك أو بجاهلية لهدمت الكعبة وبنيتها على.." إنما حيقولوا ده حيهدم الكعبة ولسه هم إسلامهم خفيف وضعيف فترك هذا الأمر فأعطانا فرصة أنه مش كل منكر يعني تسارع..

توفيق طه (مقاطعا): يجب أن يقوم بالقوة.

يوسف القرضاوي: (متابعا): كما يفعل بعض الشباب ويجلب على نفسه وعلى قومه مصائب كبيرة ولا داعي لها.

توفيق طه: سؤال وردنا بالبريد الإلكتروني فضيلة الدكتور، أين تقع مسألة تعدد الزوجات من مسألة مراعاة أحوال الزوجة الأولى؟ يثير غضبها وغيرتها..

يوسف القرضاوي: هو الإسلام هنا فيه أحيانا المصالح تتعارض، إذا تعارضت المصالح ماذا تفعل؟ لا بد أن توفق بينها أو ترجح إحدى المصلحتين على الأخرى، لو أمكن الترجيح يبقى جيد، إنما هنا واحد محتاج إلى الزواج من امرأة أخرى لأن امرأته كبر سنها أو لأن امرأته تطول عندها الحيض وهو لا يصبر عن النساء أو أن امرأته لا تنجب وهو يريد أولادا أو لأن.. يعني في أشياء كثيرة، المرأة الأولية لا تحب أن يشاركها أحد، بعض النساء الفاضلات حينما ترى هذا هي بتسعى حتى تزوج زوجها تقول له أنا حأجوزك أنت من حقك أن.. ولكن أكثر النساء لا يقبلن هذا، فهنا الشرع يغلب مصلحة الرجل ومصلحة المرأة الثانية، البعض يقول لك يعني ده ضد مصلحة.. أي المرأتين؟ طيب ما هو إذا كان ضد مصلحة المرأة الأولى وهو في مصلحة المرأة الثانية فهي في مصلحة المرأة الثانية إضافة إلى مصلحة الزوج، فأصبحت مصلحتان أقوى من مصلحة واحدة..

توفيق طه (مقاطعا): في بعض قوانين الأحوال الشخصية في بعض البلدان الإسلامية..

يوسف القرضاوي: (متابعا): وأحيانا يكون مصلحة المجتمع، يعني يكون النساء أكثر من الرجال وخصوصا عدد القابلات للزواج من النساء أكثر من عدد القادرين على الزواج من الرجال ففي عندنا وفرة من النساء إيش تعمل فيهم؟ ما فيش إلا تعدد الزوجات.

توفيق طه: لكن هناك بعض قوانين الأحوال الشخصية في مجتمعاتنا الإسلامية تفرض قبول وموافقة الزوجة الأولى، ما رأيك في ذلك؟

يوسف القرضاوي: هو في مصر هذا وبعض البلاد ولكن هذا لا يحل المشكلة وكثير من الأزواج يتحايلون على الزوجات وأحيانا الزوجة مش راضية في نفسها ولكن حتى لا تهدم بيتها بتوافق وهكذا يعني..

توفيق طه (مقاطعا): سؤالنا الآن..

يوسف القرضاوي: (متابعا): وبعض هؤلاء يعني هناك ناس لا تحلل تعدد الزوجات وتحلل تعدد الخليلات يعني يرضى بالحرام تعدد الحرام وتعدد الحلال يمنعه هذا غير مقبول وهذا ما يجري في الغرب، الغرب فيه تعدد وتعدد يعني هائل جدا أضعاف التعدد..

توفيق طه: لكن خارج إطار الشريعة نعم.

يوسف القرضاوي: ولكن تعدد في الحرام للأسف ليس وراءه أي مسؤولية أخلاقية ولا قانونية ولا شرعية.



تبديات المراعاة في السنة وجواز كتمان بعض العلم

توفيق طه: السؤال الآن فضيلة الدكتور عن سلوك النبي صلى الله عليه وسلم كيف كان يتمثل أو يتجلى هذا السلوك في مراعاة أحوال الناس، كيف كان يتبدى؟

يوسف القرضاوي: الرسول عليه الصلاة والسلام كان يراعي ظروف وأحوال من حوله يخاطب الرجل غير ما يخاطب المرأة، النساء طلبوا منه أن يكون لهم جلسة خاصة قالوا "غلبنا عليك الرجال يا رسول الله فاجعل لنا من نفسك يوما" وطبعا من حق النساء أن يكون لهم أسئلة ليست عند الرجال، الرجال لا بتحيض ولا بتولد ولا بترضع ولا.. يعني فمن حق النساء أن يكون لها جلسة فراعى هذا، كان يراعي الأطفال إذا أقبل على الأطفال سلم عليهم الصبيان، يكني الصبيان يعني دخل على بيت أبي طلحة اللي هو.. أم سليم أم سيدنا أنس بن مالك وكان عندها ولد منه صغير فقال له "يا أبا عمير ما فعل النغير؟" النغير ده طائر زي العصفور كان عنده ومات وهو كان زعلان عليه فالرسول كناه مع أن الكنية دي للكبير يقول "يا أبا عمير ما فعل النغير" شوف يخاطب كل إنسان بما يطيب نفسه، ويمازح المرأة التي جاءته تقول له يا رسول الله ادع الله يدخلني الجنة يقول لها الجنة ما بيدخلهاش عجائز تبكي بعدين يقولوا لها يقرؤوا عليها سورة الواقعة {إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاء، فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً، عُرُباً..}[الواقعة: 35- 37] ما فيش واحدة تدخل الجنة عجوز، العجوز حتدخل مصنع تجميل إلهي يعيدها بكرا يعني شابة وهكذا.

توفيق طه: ربما مخاطبة الأقوام بلهجاتهم أيضا من باب مراعاة الناس.

يوسف القرضاوي: آه نعم أحيانا قال "ليس من أم بر صيام في أم سفر" يعني وهكذا.

توفيق طه: سؤال أعتقد أنه ربما أشرت إليه، أجوبة النبي صلى الله عليه وسلم عن السؤال الواحد كانت تختلف أحيانا بحسب اختلاف السائل، أيضا وصايا النبي صلى الله عليه وسلم لبعض الناس ربما كانت تختلف، كذلك جاءت أحاديث عدة مختلفة في موضوع أفضل الأعمال، ذكرت شيئا من هذا القبيل.

يوسف القرضاوي: شوف أضرب لك مثالا في القرآن نفسه، القرآن فيه سؤال بصيغة واحدة أجيب عنه بجوابين في سورة البقرة قال الله تعالى {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ..}[البقرة:215] وفي نفس السؤال {..وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ..}[البقرة:219] الله! لماذا؟ لأنه عرف ما المراد بالسؤال، السؤال الأول بيسأل ماذا ينفقون عايز يعرف أين تكون النفقة؟ لمن؟ فقال له {..فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ..} والثاني عايز يعرف كم الإنفاق؟ قد إيه؟ ينفق ماله كله؟ قال لا، العفو يعني ما فضل عن الحاجة، فأحيانا يكون السؤال واحدا ولكن المراد مختلف والمقصود مختلف وعلى هذا كانت إجابات النبي عليه الصلاة والسلام.

توفيق طه: الآن الدعاة في وقتنا هذا هل يمكن أن يطبقوا سنة الرسول صلى الله عليه وسلم بالتدرج في أحكام الشريعة، بمراعاة أحوال الناس وهم يفتون؟

يوسف القرضاوي: هو ده أمر مهم جدا لأن القرآن يقول {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ..}[إبراهيم:4] وأنا أفسر الآية دي تفسير يعني ما معنى بلسان قومه؟ أكثر الناس بيفهموا يعني يكلم الإنجليز بالإنجليزية أو الطليان بالطليانية أو الروس بالروسية وهذا صحيح، إنما الآية تعطي معنى أعمق وأوسع من هذا لأن لكل قوم لسانا ولكل بلد لسانا يعني يكلم البدو بلغة البدو والحضر بلغة الحضر وأهل القرية لهم لسان وأهل المدينة لهم لسان، المثقفون لهم لسان والأميون لهم لسان وأهل الغرب لهم لسان وأهل الشرق لهم لسان وأهل القرن الماضي لهم لسان وأهل القرن الحادي والعشرين لهم.. فما يكلمش الناس في القرن الحادي والعشرين بلسان القرن الخامس عشر فهذا نريد أن.. وبعدين بعض الناس يلزم حالة واحدة حافظ كلاما في الكتب يقوله لكل الناس، واحد راح أميركا قعد قال محاضرة ضد الذين يعني يتبركون بالأضرحة ويذهبون إلى يعني مقامات الأولياء وأميركا لا فيها أضرحة ولا فيها أولياء إلا إذا كان سيدنا أوباما ولا سيدنا.. فلا يراعي.. الناس طبعا بعض الدعاة لما يتكلم عن الكبائر والمنكرات وهذه الأشياء كل اللي يعرفوه الزنا وشرب الخمر يا أخي ما فيش بالكبائر.. ما تقول للناس إن تزوير الانتخابات ده من الكبائر، إن نهب الأموال العام من الكبائر، إن الاستبداد بحقوق الشعوب وحرياتها من الكبائر، إن تخصيص الأقارب أو المحاسيب بثروة البلد وبالمناصب هذا من الكبائر ومن أكبر.. فيعني هناك.. فكل هذا مما ينبغي على الدعاة في عصرنا أن يراعوه..

توفيق طه (مقاطعا): ويمكن أن يتدرج في إفهامهم هذه الأحكام أحكام الشريعة. لكن قبل أن يدركنا الوقت فضيلة الدكتور هل يجوز للداعية أن يمتنع عن ذكر بعض العلم يكتم جزءا من العلم خوفا من التأويل سوء التأويل أو فتنة العامة أو خوفا من الجمهور جمهور السائلين؟

يوسف القرضاوي: آه ممكن هذا، ممكن يعني بعض الصحابة رأوا أنه في أشياء ليس من المصلحة، سيدنا عمر كان ماشيا في الطريق لقى سيدنا أبو بكر بيقول للناس أبشركم النبي عليه الصلاة والسلام يقول "من قال لا إله إلا الله دخل الجنة" ومعه نعل النبي يعني علامة أن ده.. وبعدين مسكه وقال له مين قال لك كده؟ قال له الرسول قال جابه وأخذه قال له يا رسول الله أنت قلت هذا له؟ قال له أنا قلت، قال له يا رسول الله خلي الناس يعملوا، الناس يتكلوا إذا قلنا لهم كذا يتكلوا ويتركوا العمل، قال "خلهم يعملون" فشوف، فغير.. سيدنا معاذ سمع من النبي حديث "أتدري ما حق العباد على الله وما حق الله على العباد؟" "حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا وحق العباد على الله أن يدخلهم الجنة.." فسيدنا معاذ ما رضيش يقول الحديث ده لأن الناس بيتكلوا أنه مجرد ما يتركوا الشرك يدخلوا الجنة لم يخبر بذلك إلا عند موته أخبر بعض الناس الذين كانوا من حوله تأثما علشان يبلغ العلم. أنا أعرف بعض العلماء -وذكرت هذا في أكثر من مناسبة- يعني كتموا بعض الأشياء، الشيخ العلامة الشيخ محمد أبو زهرة كان له رأي في الفقه وكنا في ليبيا وفي ندوة التشريع الإسلامي في ليبيا وقال أنا عندي رأي كتمته من عشرين سنة وأريد أن أبوح لكم بهذا الرأي وقال هذا الرأي وفجر قنبلة وهاج الناس عليه، المهم أنه عشرين سنة كتم هذا فممكن الإنسان يكتم هذا الرأي...

توفيق طه (مقاطعا): يعني الخلاصة أنه يجوز أحيانا كتم بعض العلم خوفا من سوء التأويل ومن الفتنة...

يوسف القرضاوي: (متابعا): وممكن إنسان يجد أن الرأي فيه شيء يعني أنا أقول لك مثلا أنكر..

توفيق طه (مقاطعا): الموضوع دكتور الموضوع شائك وطويل ولا ينتهي الحديث فيه، شكرا جزيلا لك فضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي.

يوسف القرضاوي: وبارك الله فيك.

توفيق طه: وإلى أن نلتقي مشاهدينا الكرام في الأسبوع المقبل بإذن الله لكم تحيات فريق البرنامج، المعد الدكتور معتز الخطيب والمخرج منصور الطلافيح وهذا توفيق طه يستودعكم الله، إلى اللقاء.