- كلمة في ذكرى إحراق المسجد الأقصى
- أهمية العقل في القرآن الكريم
- العلاقة بين العقل والنقل وسبل إعمال العقل
- مجالات العقل وحدوده ومقومات العقلية العلمية

عثمان عثمان
 يوسف القرضاوي
عثمان عثمان:
السلام عليكم مشاهدينا الكرام وأهلا ومرحبا بكم على الهواء مباشرة في حلقة جديدة من برنامج الشريعة والحياة، يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}[الحج:46] مع أن القرآن الكريم دعا إلى التعقل والتفكر في كثير من آياته إلا أنه ساد في الوعي الديني خوف من العقل وإعماله وتعددت سبل تعطيله تحت عناوين متعددة، فما مجالات العقل وما سبل تعطيله؟ وما العلاقة بين العقل والنقل؟ وأي عقلية ينشئها القرآن الكريم؟ إعمال العقل موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي، مرحبا بكم سيدي.

يوسف القرضاوي: يا مرحبا.

كلمة في ذكرى إحراق المسجد الأقصى

عثمان عثمان: قبل الدخول فضيلة الدكتور إلى محاور الحلقة نعيش هذه الأيام الذكرى السنوية الأليمة لإحراق المسجد الأقصى، لا بد لكم في هذه المناسبة من كلمة تقولونها.

يوسف القرضاوي: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا وإمامنا وأسوتنا وحبيبنا محمد رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه وبعد. في هذه الأيام تمر علينا الذكرى الأربعون لحريق المسجد الأقصى حينما جاء يهودي من أستراليا ليحرق المسجد الأقصى وبدأ بإحراق منبر صلاح الدين وأحرق جزءا من المنبر وهناك غضب العالم الإسلامي، ثارت الأمة الإسلامية في المشارق والمغارب من أقصاها إلى أقصاها من أجل حريق جزء من منبر صلاح الدين وأجبروا القادة المسلمين لأول مرة أن يجتمعوا في المغرب من أجل المسجد الأقصى، والآن بعد أربعين سنة وبعد أن تكونت منظمة المؤتمر الإسلامي بناء على مؤتمر القمة الأول الذي انعقد من أجل الأقصى ومن أجل القدس الآن المسجد الأقصى مهدد بالحفريات من تحت والعدوانيات من فوق وفي كل يوم نجد عدوانا جديدا على المسجد الأقصى وعلى القدس ضمن العدوانيات المستمرة على الفلسطينيين في غزة وفي الضفة الغربية من أجل هذا أنشئت مؤسسة القدس الدولية التي عنيت بهذه القضية ضمن الجمعيات الكثيرة المعنية بالقدس، مهمة هذه المؤسسة أن تعمل على تثبيت أهل القدس ونصرة أهل القدس ومساعدة أهل القدس على أن يحيوا حياة كريمة وعلى أن يثبتوا في أماكنهم، الصهاينة يعملون بكل قوة وبكل حيلة لكي يهجروا هؤلاء من ديارهم ويضغطون عليهم ولا يسمحون لهم ببناء منازل جديدة، الناس الذين يعيشون في بيوتهم منذ مائة سنة ولا أكثر من مائة سنة الرجل وامرأته أصبح له أحفاد وأحفاد أحفاد وكثروا ونموا ولا بد أن يتسعوا ولهم أراض لا تأذن لهم السلطات الصهيونية بأن يبنوا لهم شيئا جديدا، يهجرونهم يجبرونهم على الهجرة مسلمين ومسيحيين، فمن عجب أن أهل البلاد الأصليين غير أحرار في بلادهم وهؤلاء الذين جاؤوا من روسيا ومن بلاد العالم أصبحوا هم المتحكمين في رقابهم. المهم أن نحن المسلمين نرى هذا ونتفرج على هذا ولا نصنع شيئا، نتكلم كثيرا ولكن ليس وراء الكلام عمل، اليهود يعني كم عدد اليهود في العالم؟ 14 مليونا ونحن 1500 مليون، مليار ونصف مليار من البشر، ماذا فعلنا أمام هذا؟ حتى الاحتجاج لا نحتج بقوة لا نصرخ صرخة يعني توقظ النائم ولكن نتخافت نتكلم بصوت خافت ينيم اليقظان! أين الأمة العربية وأين الأمة الإسلامية؟ وأين أحرار العالم؟ وأين مؤسسات المجتمع المدني؟ هذه كلها مطلوب منها أنها تعمل بكل قوة، مؤسسة القدس الدولية التي يعني شرفني الأخوة برئاسة مجلس أمنائها عندها عشرات المشروعات صحية وتعليمية وثقافية وعمرانية واجتماعية وكلها تحتاج إلى ملايين وعشرات الملايين لنصرة هؤلاء الأخوة وتثبيتهم، أين الأمة لتتبنى هذه المشروعات؟ الأمة عندها قدرة وأنا أرى الكثير من الشباب يتحرق للجهاد ونحن في حاجة إلى أنواع من الجهاد ليس الجهاد بالنفس وبالسلاح فقط، عندنا الجهاد بالمال، الجهاد باللسان، الجهاد بالتحريض، الجهاد بمقاطعة الأعداء، نستطيع أن.. "من غزا في سبيل الله فقد غزا، ومن جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازيا في أهله بخير فقد غزا" هذه كلها أنواع من الجهاد جاهدوا المشركين بألسنتكم وأيديكم وأموالكم، فنحن نجاهد باللسان ونجاهد بالمال، مطلوب من الأمة، نستطيع أن نمد هؤلاء أخواننا من الزكاة المفروضة ومن الصدقات التطوعية ومن ريع الأوقاف ومن وصايا أمواتنا ومن المكاسب التي فيها شبهة أو محرمة فوائد البنوك، عندنا ناس لها أموال في بنوك خارجية بعشرات الملايين ومئات الملايين لا يتركون لهم الفوائد، المفروض يأخذوا هذه الفوائد ويضعوها في الجهات الإسلامية خصوصا إخواننا في القدس وإخواننا في غزة وإخواننا في فلسطين عامة هم يستحقون كل هذا، يستحقون بأن يعطوا من الزكاة بأكثر من وجه هم فقراء ومساكين وغارمون وأبناء سبيل وهم في سبيل الله، فأدعو المسلمين في كل أنحاء العالم أن يقفوا مع أخوانهم وقفة الرجال المؤمنين ولا يسلموهم ولا يخذلوهم "المؤمن أخو المؤمن والمسلم أخو المسلم"، "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا" و"المسلم أخو المسلم لا يسلمه ولا يخذله" و"من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته" نسأل الله أن ينصر أخواننا في القدس وفي فلسطين وفي غزة على أعدائهم وأن ينصر المستضعفين في كل مكان على المعتدين الباغين، اللهم افتح لهم فتحا مبينا واهدهم صراطا مستقيما وانصرهم نصرا عزيزا.

عثمان عثمان: بارك الله فيكم مولانا، نتابع إن شاء الله في محاور الحلقة بعد أن نأخذ وقفة قصيرة، فاصل قصير مشاهدينا الكرام ثم نعود وإياكم إلى متابعة هذه الحلقة فابقوا معنا.



[فاصل إعلاني]

أهمية العقل في القرآن الكريم

عثمان عثمان: أهلا وسهلا بكم مشاهدينا الكرام من جديد إلى حلقة هذا الأسبوع من برنامج الشريعة والحياة والتي هي بعنوان إعمال العقل مع فضيلة شيخنا العلامة الدكتور يوسف القرضاوي، مولانا مادة عقل جاءت 49 مرة في كتاب الله عز وجل، ما أهمية العقل في القرآن الكريم؟ وكيف يعيد هذا الكتاب العزيز القيمة والاعتبار للعقل؟

يوسف القرضاوي: الحقيقة أنه لا يوجد دين من الأديان ولا كتاب من الكتب السماوية عني بالعقل والدعوة إلى إعمال العقل والحملة على الذين يعطلون عقولهم لا يوجد دين مثل الإسلام ولا كتاب مثل القرآن، هناك تقول اعتقد وأنت أعمى أو أغمض عينيك ثم اتبعني، الإسلام لا يقول هذا أبدا يعني يقول لا بد أن تعتقد عن بينة {أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ ..}[هود:17]، {قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ ..}[يوسف:108] ليس هناك دين يقبل يعني عشوائيا كده، علماء المسلمين يقولون إيمان المقلد.. المحققون من علماء المسلمين يقولون إيمان المقلد غير مقبول لا بد أن يؤمن عن دليل ولو كان دليلا إجماليا، معنى دليل إجمالي يعني إيه بتقول له تؤمن بالله ليه؟ يعني مش ضروري يعمل دليلا منطقيا مرتبا ترتيبا المناطقة، بيقول لك الله! أمال مين اللي خلقني؟ مين اللي خلق الكون ده؟ هذا.. تؤمن بمحمد ليه؟ يقول لك الله! أمال يا أخي القرآن ده مين جاب القرآن ده؟ أمال مين اللي نصره على أعدائه وهو كان ضعيفا وكان..؟ يعني عنده أدلة وإن لم يستطع أن.. العامي المسلم، فلا بد من دليل، نحن كنا ندرس في كتاب في الثانوي الأزهر اسمه "جوهرة التوحيد" نظم، يقول لك

إذ كل من قلد في التوحيد

إيمانه لم يخل من ترديد

فيعني إيمانه مشكوك فيه، لا بد.. ولذلك الكتاب الوحيد اللي فيه {.. قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}[النمل:64] طلب من المشركين {..هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ..} {..أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ..}[النمل:64] وطلب اليهود والنصارى حين قالوا {..لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى..}[البقرة:111] قال [..تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}[البقرة:111] فالدين الذي عني بالعقل شوف في القرآن يقول لك {..أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}[البقرة:44]، {..لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}[البقرة:164]، {..لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}[البقرة:73]، {..إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ}[آل عمران:118] وبس مش مادة عقل، فيه مواد أخرى تدخل في هذا التفكر {.. أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ}[الأنعام:50]، {..لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}[الأعراف:176]، {..لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}[يونس:24]، {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ..}[سبأ:46] ناقصكم خصلة واحدة قوموا لله مخلصين وتفكروا {..مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ..}[سبأ:46] فهذا الذي دعا الأستاذ العقاد رحمه الله يؤلف كتابا سماه "التفكير فريضة إسلامية" لأن الله أمر بالتفكير كما أمر بالصلاة والزكاة تفكروا فالتفكير، النظر يعبر أيضا عن هذا الأمر بالنظر {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ..}[الأعراف:184]، {أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللّهُ مِن شَيْءٍ..}[الأعراف:185]، {أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا..}[ق:6]، {أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ}[الغاشية:17] إلى آخره، فهذا إعمال العقل المؤمن يتعبد لله سبحانه وتعالى بإعمال عقله، فهذا هو شأن الإسلام.

عثمان عثمان: إذاً القرآن الكريم -فضيلة الدكتور- يعطي هذه القيمة العظيمة للعقل، ولكن ثمة من يرى في تراثنا الإسلامي خوفا من العقل، سوء ظن به، بل يذهب البعض إلى تحقير العقل على خلاف ما يقدمه القرآن الكريم، كيف يمكن تفسير هذا التناقض؟

يوسف القرضاوي: هذا جاء نتيجة عصور التراجع والتخلف تخلف المسلمين، في عصور الازدهار يوم كان الإسلام إسلاما وكان المسلمون مسلمين كان للعقل دوره، يعني انظر إلى تراثنا المختلف هناك أناس بالغوا في تمجيد العقل مثل الفلاسفة خصوصا فلاسفة المدرسة المشائية الإسلامية الكندي والفارابي وابن سينا ومن تبعهم بالغوا في تأليه العقل ومن أجله أوّلوا القرآن حتى أوّلوا ما لا يتأول ما لا يجوز تأويله، اعتبروا ما جاء في القرآن عن الآخرة وعن الجنة والنار والحور العين و {وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ}[الواقعة:21] والبعث والحشر والأشياء دي اعتبروها مؤولة وأن ده ليس.. حشر الأجساد مش ممكن والنعيم الحسي والعذاب الحسي، مع أن القرآن مليء، هذا تأويل ما لا يمكن تأويله فهذا مبالغة في.. أقل منهم درجة المعتزلة كانوا يعملون العقل مع النقل ولكنهم أحيانا إذا تعارض العقل والنقل أعملوا العقل يعني أكثر من اللازم، حتى أهل السنة الأشاعرة والماتريدية الذين يعني سادوا المدارس الدينية في العالم الإسلامي عدة قرون ولا تزال لهم السيادة إلى اليوم قالوا إن العقل أساس النقل، يعني إحنا أثبتنا أعظم قضيتين من قضايا العقائد، بماذا أثبتناهما؟ بالعقل، أعظم قضيتين قضية وجود الله، بماذا أثبتنا؟ ولا واحد مادي أو شيوعي قال لك أثبت لي وجود الله تقول له قال الله تعالى {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ}[الإخلاص:1، 2]، لازم تثبت له هذا بالعقل كما ذكر القرآن {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ، أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ..}[الطور:35، 36] هل هم اللي خلقوا يعني أنفسهم ولا خلقوا من غير حاجة؟ يعني لا يوجد معلول من غير علة ولا سبب من غير مسبب، {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ} هم اللي خلقوا أنفسهم؟ كيف يخلق العدم الوجود؟ {أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ..} السماوات والأرض مخلوقة قبلهم ولم يدع أحد ممن ادعى الربوبية مثل نمرود أيام إبراهيم أو فرعون قال أنا خلقت السماوات والأرض، فالقرآن يناقش هذا بطريقة عقلانية، فهذا هو ما جاء به القرآن ولا يوجد هذا في أي كتاب غير القرآن، يعني أنا قرأت في أسفار التوراة وقرأت في الأناجيل الأربعة ما يسمى الكتاب المقدس عند النصارى لم أجد فيه يعني كلمة عقل وكلمة برهان ولا كلمة يعني حكمة وكلمة.. كل هذه الأشياء مما تفرد به القرآن الكريم، فعندنا إحنا الأشعرية والماتريدية يقولون العقل أساس النقل، يعني بماذا أثبتنا وجود الله؟ بالعقل وأثبتنا الوحي والرسالة بالعقل..

عثمان عثمان (مقاطعا): فضيلة الدكتور..

يوسف القرضاوي (متابعا): كيف أثبتنا رسالة محمد؟ بالعقل، أنه جاءنا بقرآن وتحدى وقال هاتوا عشر سور مثله أو سورة مثله أو.. لم يستطع أحد فأثبتنا نبوة محمد بالعقل وحينما ثبتت النبوة بالعقل.. هنا كما قال الإمام الغزالي يعزل العقل نفسه ليتلقى من الوحي، ما دام ثبت الوحي بالقواطع العقلية يبقى العقل يقول أنا أتلقى مما هو أكبر مني من السلطة الأعلى مني وهي من الله سبحانه وتعالى.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور يعني تم تعطيل العقل أحيانا باسم الإيمان وذكرتم القول سابقا أغمض عينيك واتبعني لا علم إلا في الكتاب المقدس، وهو ربما ما أدخل أوروبا في عصور الظلام، السؤال هل من مستلزمات الإيمان أن نعطل العقل في بعض الأوقات؟

يوسف القرضاوي: لا، بأقول لك الإيمان عندنا نحن المسلمين مبني على العقل، لا يمكن أن نقبل إيمانا حقيقيا إذا عزل العقل عنه، لازم تؤمن بالله بناء على أن عقلك مطمئن على أدلة وجود الله ولو أدلة إجمالية، وكذلك الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، فنحن المسلمين الإيمان ليس ضد العقل، هذا في عصور التخلف الإسلامي بدأ العقل يعطل وغلب يعني التقليد على إعمال العقل مع أن التقليد ليس من العلم في شيء، العلماء يقولون العلم هو معرفة الحق بدليله إنما إذا عرفت الحق لأن فلان قال هذا، هذا ليس علما هذا تقليد أعمى، قد يكون فلان ده مخطئا خصوصا أن ده غير معصوم وكما يقول ابن القيم اعلم أن المقلد على غير ثقة فيما قلد فيه وإن المقلد بمثابة من أعطي شمعة فأطفأها ومشى في الظلمة، العقل بمثابة شمعة أو مصباح أعطاه الله.. فأنت بتطفئ الشمعة وماشي في الظلمة هذا شأن المقلد، فليس الإيمان عندنا ضد العقل إطلاقا، بالعكس الإيمان إذا كنا نؤمن بالقرآن يعني كتابا القرآن يحثنا على إعمال.. الآيات التي أنت بدأت بها قوله تعالى {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}.

عثمان عثمان: ما علاقة العقل بالقلب {..قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا..}؟

يوسف القرضاوي: هو القلب بيعبر عنه القرآن بالعقل، العقل القرآن يعبر.. في بعض الباحثين قالوا إن القرآن استعمل العقل كفعل ولم يستعمل العقل كجوهر ولكن هؤلاء مخطئون، القرآن استعمل العقل كجوهر بس لم يسمه عقلا، أحيانا يسميه لبا {..أُولِيْ الأَلْبَابِ..} ذكرت في القرآن 16 مرة {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ}[آل عمران:190] {..فَبَشِّرْ عِبَادِ، الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ}[الزمر:17، 18] أصحاب العقول، فعبر عن العقل باللب لأن الشيء لب وقشر فكأن الإنسان يعني جسمه هذا هو القشر والعقل هو اللب، وأحيانا يسميه القلب يقول {..لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا..}[الحج:46]، {.. لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا..}[الأعراف:179] وأحيانا يسميه النهى {.. إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُوْلِي النُّهَى}[طه:54] لأن هو اللي بينهى الإنسان ويردعه، الحجر {هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ}[الفجر:5] فكل دي أسماء لجوهر العقل.



العلاقة بين العقل والنقل وسبل إعمال العقل

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور يعني تطرقتم إلى قضية العقل والنقل وطبعا هذه مشكلة تاريخية ممتدة في التاريخ، ربما ابن تيمية كتب كتابا عن التعارض، "درء التعارض بين العقل والنقل" كيف يمكن الموازنة؟ كيف ترسمون العلاقة ما بين العقل والنقل؟

يوسف القرضاوي: الله خلق لنا العقول وأنزل على الرسل الوحي ولا يمكن أن تتعارض آثار الله تبارك وتعالى، الوحي من الله والعقل من الله فلا يمكن أن يكذب الوحي الثابت العقل القاطع ولكن الظنون هي التي تختلف وإذا وجدنا أن العقل لا يوافق النقل لا بد أن يكون ما ظنناه عقلا ليس عقلا صريحا أو ما ظنناه نقلا ليس نقلا صحيحا أما صحيح المنقول وصريح المعقول فلا يتعارضان وفي هذا يعني ذكر الإمام ابن تيمية كتابه، كان نشر قبل ذلك تحت عنوان "موافقة صحيح المعقول لصحيح المنقول" وبعدين نشر بعد ذلك باسم "درء تعارض العقل والنقل" في عشرة أجزاء، وكل أئمة المسلمين قالوا هذا، إمام الحرمين، الإمام الغزالي، الإمام الرازي قالوا لا يمكن تعارض، لو فرض أن في يعني عندنا نص يخالف العقل القطعي مخالفة قطعية لا بد أن نؤول النص حتى يتوافق مع العقل فلا يمكن أن قطعيان يتعارضان، قواطع العقل وقواطع النقل لا يمكن أن يتعارضا لأن الحق لا يمكن أن يعارض الحق فهذا هو شأن المسلم والكثير من العلماء يعني الإمام الغزالي له كلام كثير في إحيائه وفي كتاب "الاقتصاد في الاعتقاد" وفي الكتب الأخرى يقول "العقل شرع من الداخل والشرع عقل من الخارج" في يعني تداخل وتلازم بين العقل والنقل. وإحنا مهمة العقل والنقل كل منهما له مهمة، النقل هو الوحي يعني جاء بالأشياء التي يحتاج إليها الناس في حياتهم ليقوم الناس بالقسط {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ..}[الحديد:25] جاء ليعرف الناس بربهم وبالطريق الذي يرضي الله والطريق الذي يسخط الله ليسيروا في هذا ويجتنبوا هذا وجاء ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه. قضايا التي الإنسان يملك أو لا يملك يعني آه هذه تحتاج إلى وحي، الرأسماليون بيقولوا يملك كل شيء والاشتراكيون بيقولوا لا يملك شيئا الملكية أساس الفساد كله، الوحي يجي يقول هذا ولكن الإنسان يملك بشروط وبواجبات عليه وتكاليف وبضوابط وهكذا. فالحاجة إلى نص إلهي يرجع إليه الناس إذا اختلفوا لأن أي عقل تحكم؟ عقل الشرقي ولا عقل الغربي ولا عقل المثقف ولا عقل الأمي ولا..

عثمان عثمان: هناك مشكلة في هذا الموضوع، نعم.

يوسف القرضاوي: آه فالوحي له مجاله والعقل له مجاله، مجال من مجالات العقل أن يفهم الوحي، الوحي يحتاج إلى أن تفهمه {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا}[محمد:24]، {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ}[ص:29]، {..وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ..}[النساء:83]، اذا أنزل الله القرآن {..آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ..}[آل عمران:7]، ليه ما نزلهاش كلها محكمات واضحة الدلالة؟ علشان الناس تشغل عقولها تستنبط وتختلف، من شأن الناس أن يختلفوا فالعقل مهمته أن يفهم الوحي ويستنبط منه ما يشاؤه الإنسان من أحكام في ضوء أصول شرعية وضوابط مرعية. وبعدين بعد ذلك العقل هناك منطقة الشرع لم يقل فيها شيئا، منطقة عفو، سميناها منطقة العفو، منطقة فيها فراغ من التشريع الملزم كما جاء في الحديث "ما أحل الله في كتابه فهو حلال وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو عفو فاقبلوا من الله عافيته" دي منطقة العقل بيملؤها عن طريق القياس إلحاق الشيء بنظيره لعلة مشتركة بينهما عن طريق الاستحسان عن طريق الاستصلاح، المصلحة المرسلة، عن طريق الاستصحاب عن طريق سد الذرائع إلى آخر هذه الأشياء. ثم هناك شيء مهم للعقل، الكون علويه وسفليه عالم الحيوانات وعالم النباتات وعالم الجمادات وعالم الأفلاك وعالم البحار وعالم البر وعالم البحر كل هذا مجال مسرح للعقل الإنساني ليتفكر وليبتكر وليبدع وليخترع، هذا هو ما جاء به القرآن وما جاء به الإسلام.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور ربما ضاق بنا الوقت والمحاور متعددة يعني لو تكرمت ببعض الإيجاز في الإجابات. دكتورنا يعني هناك أيضا من سبل تعطيل العقل التقليد الأعمى سواء للآباء سواء لمن سبق سواء لشيوخ الطرق سواء لبعض الشخصيات والمذاهب، كيف يمكن التعامل مع هذه الحالات ومع هذه الأشخاص؟

يوسف القرضاوي: هذه لا بد من توعية هؤلاء جميعا أن الإسلام لا يقبل التقليد الأعمى، القرآن حمل حملة يعني شعواء على الذين يعطلون عقولهم لأنهم يتبعون آباءهم {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ}البقرة:170]،  لا يجوز التقليد الأعمى للآباء ودي وقفت أمام الرسل جميعا، يقولون كلهم تنهانا عما كان يعبد آباؤنا! فهذا موقف تقليد الآباء، وكذلك التقليد للسادة والكبراء {وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا، رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً}الأحزاب: 67، 68]، فالله تعالى يقول لهم كلكم في النار الأتباع والمتبوعون يعني لأنه أنتم ربنا خلق لكم عقولا، لماذا عطلتم عقولكم واتبعتوهم؟ وكذلك اتباع العوام، الحديث يقول "لا يكن أحدكم إمعة يقول أنا مع الناس إن أحسنوا أحسنت وإن أساؤوا أسأت ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا وأن أساؤوا ألا تظلموا". ولذلك التقليد في الفقه هو اللي ضيع الفقه، الاجتهاد مفروض في كل عصر، الإمام السيوطي عمل كتابا سماه "الرد على من أخلد إلى الأرض وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض" وهو ادعى الاجتهاد في زمنه فبعض الناس قاموا عليه وقالوا الاجتهاد كان زمان قال لهم الاجتهاد في كل عصر فرض. فلا يجوز التقليد الفقهي أو التقليد الصوفي يعني المريد بين يدي الشيخ كالميت بين يدي الغاسل، من قال لشيخه لم؟ لا يفلح، من اعترض انطرد، ومن باح راح. الصحابة كانوا بيناقشوا النبي عليه الصلاة والسلام ويعارضوه في بعض الأشياء، سيدنا عمر يقول له يا رسول الله أنت قلت لأبي هريرة كذا يقول له ليس هذا من مصلحة الناس دعهم يعملوا حتى لا يتكلوا، قال دعهم يعملوا حتى لا يتكلوا. يعني كانوا يناقشون رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا هو الواجب على أهل العلم أن ينبهوا الأمة ويعلموها هذا التعليم.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور اسمح لنا أن نأخذ الدكتور لؤي صافي باحث في الفكر الإسلامي ومدير مركز التنمية القيادية في ولاية إنديانا الأميركية. السلام عليكم دكتور.

لؤي صافي/ باحث في الفكر الإسلامي- أميركا: وعليكم السلام ورحمة الله.

عثمان عثمان: دكتور لكم كتاب مهم بعنوان "إعمال العقل" هناك الآن من يعمل على اعتقال العقل وسجنه، كيف نعمل عقولنا؟

لؤي صافي: هذا صحيح، حقيقة الكتاب الذي أشرت إليه يعني يعالج عدة دوائر من الحياة الإسلامية المعاصرة، النص، المجتمع والكون. يعني اسمح لي أن يعني أذكر بعض النقاط متابعة لما تفضل به الشيخ القرضاوي.

عثمان عثمان: تفضل.

لؤي صافي: النقطة الأولى أن العقل هو محل التكليف وليس النص أو الوحي وهو كذلك محل العلم والفهم، هذا المعنى حقيقة يعني ظاهر من الآية التي بدأت بها الحوار والتي تؤكد على أن  {..فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}[الحج:46]، تربط بين العقل والفهم والرؤية وتجعل المحك هو العقل وليس النظر فقط، النظر بدون عقل لا يكفي لذلك الآية من سورة الإسراء تقول {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً}[الإسراء:36]، أيضا يربط بين السمع والبصر والفؤاد. والحديث الذي أخرجه البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يعني يؤكد هذا المعنى يعني يقول إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إن الله لا يقبض العلم ينتزعه انتزاعا من الناس ولكن يقبض العلم بقبض العلماء" فمحل العلم هو العقل وليس الوحي، الوحي يأتي لإرشاد العقل وتكليف الإنسان طبعا مرتبط بعقله بفهمه، مسؤوليته تتعلق بفهمه وعقله، هذه نقطة. نقطة أخرى يعني حول الاجتهاد، الاجتهاد في فهم النص والواقع، لا بد أن يكون هناك ترابط بين النص والواقع في عملية الاجتهاد ويجب أن تتم من خلال تجربة المجتهد وليس من خلال يعني فقط تناقل اجتهادات سابقة أو النظر في أحكام تتعلق بأوقات يعني مضت، لا بد من إعادة قراءة المصادر التشريعية والمصادر الإسلامية قراءة ترتبط بواقع المجتهد وهذا حقيقة هو عملية إعمال العقل في الوحي وفي فهم الوحي والشريعة. النقطة الثالثة..

عثمان عثمان: والأخيرة دكتور.

لؤي صافي: والأخيرة، تتعلق بشيء نحن اليوم يعني عالمنا الإسلامي يعاني منه وخاصة في الدوائر يعني دوائر البحث الشرعي وهي النزعة النصوصية وأقصد بهذا الحرفية في الفهم والاقتصار في الفهم على ظاهر النصوص دون النظر إلى مقاصد الشارع ودلالات النص وأن هذا حقيقة أدى إلى حصر الفقه والفكر في إطار تاريخي كما أدى إلى تغييب الرؤية القرآنية وأقصد بالرؤية القرآنية هنا الكليات والمقاصد التي أرادها الله عز وجل أرادها رسوله صلى الله عليه وسلم عندما يعني عمل وقاد وأسس وفعل.

عثمان عثمان: شكرا الدكتور لؤي صافي باحث الفكر الإسلامي كنت معنا من الولايات المتحدة الأميركية. دكتور قبل أن ندخل إلى بقية الأسئلة هل لكم تعليق على ما ذكره الدكتور؟

يوسف القرضاوي: لا، ما عندي.



مجالات العقل وحدوده ومقومات العقلية العلمية

عثمان عثمان: دكتورنا، الآن العقل ضاع بين طرفين أحدهما يريد تأليه هذا العقل والطرف الآخر يريد تعطيله بل يذهب إلى تحقيره، يعني ما هي مجالات العقل؟ هل هناك من حدود معينة لهذا العقل يتحرك بها؟

يوسف القرضاوي: العقل طبعا له حدود وليس العقل بمستطيع أن يدرك كل شيء، هناك أشياء حتى الآن لم يدركها العقل، يدرك آثارها، حقيقة الحياة ما هي، حقيقة الروح ما هي، ولهذا جاء الإسلام يعني بالإيمان بالغيب حتى لا يبدد الناس طاقاتهم العقلية في ما لا طائل تحته، بدل أن تفكر ما هو العرش؟ ما هو الكرسي؟ ما هي ذات الله، حقيقة ذات الله، حقيقة الصفات؟ الحقيقة غير ممكنة كما قال الله تعالى {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً}[طه:110] وهذا حتى العلماء المسلمين المتكلمين الكبار الذين غرقوا في الجانب العقلي طوال حياتهم وبعدين في آخر حياتهم قال كانوا يتمنون إيمانا كإيمان العجائز، ويقول الفخر الرازي يعني "لقد تأملت الطرق الفلسفية والمناهج الكلامية فلم أجدها يعني تشفي عليلا أو تروي غليلا ووجدت خير الطرق طرق القرآن، أقرأ في النفي قوله تعالى {..لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ..}[الشورى:11] وفي الإثبات قوله {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}[طه:5] ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي"، فأحيانا البحوث اللاهوتية الميتافيزيقية هذه لا توصل إلى شيء والفلاسفة الكبار انتهوا إلى هذا الأمر ولذلك القرآن يقول آمن بالغيب ودع الكيفية والكنه ومعرفة الحقيقة لله، كما ورد عن سيدنا أبو بكر يقول "العجز عن درك الإدراك إدراك" يعني هو الإدراك بالنسبة للإنسان أن تعلن عجزك عن إدراك الحقيقة الإلهية، أنت ما عرفتش حقيقة نفسك، هناك من علماء الكون الكبار من ألف كتابا، ألكسيس كارل وهو أحد أقطاب العلوم الكونية وحائز على جائزة نوبل في العلوم ألف كتابا سماه "الإنسان ذلك المجهول" يعني الإنسان لم يعرف نفسه وذكر حقائق بالأرقام وبالبراهين أن الإنسان لا زال يجهل ذاته، عرف الكون وعرف المادة وحلل المادة واكتشف قوانين المادة ولكن لم يكتشف نفسه على حقيقته إلى الآن، فلذلك يحثنا الإسلام أن هذه الطاقات نشغلها في الكون نشغلها في اكتشاف قوانين الكون وفي الظواهر الكونية والظواهر الاجتماعية والاستفادة منها لمصلحة الإنسان.

عثمان عثمان: اسمح لنا مولانا يعني لم يتبق معنا إلا ثمان دقائق نحاول أن نأتي على مجمل الأسئلة والمحاور، الأخ أحمد العلي يقول "كيف يمكن تفسير مقولة سيدنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه "لو كان الدين بالعقل لكان الأولى مسح الخف من أسفل وليس من أعلى" مع تذكير حضرتكم بأن العقل أساس التفكير الديني، أرجو التوضيح" هناك الآن من يستغل هذه المقولة يقول لو كان الدين بالعقل لكان المسح..

يوسف القرضاوي (مقاطعا): أي.. يقصد بالدين إيه؟ يعني العبادات والعقائد وهذه الأشياء لا تؤخذ من العقل، بالعكس من أخذ هذا هذه منسميها بدعة لأن الدين يؤخذ بالاتباع، أنا أقول -لي مقولة معروفة- إن الأصل في شؤون الدين الاتباع وفي شؤون الدنيا الابتداع، اللي بنسميه إحنا الإبداع والابتكار، دي شؤون المسلمين لما كانوا يعني سادة الحضارة يعني اتبعوا في الدين وابتدعوا وابتكروا في أمور الدنيا ولما تخلفوا عكسوا الأمر ابتدعوا في الدين واتبعوا وقلدوا في أمور الدنيا، فهذا هو المطلوب.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور جاء عن بعض الصحابة أنهم أعملوا العقل في مناقشة بعض الأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ما حقيقة ذلك؟ ما موقفكم أيضا ممن يردون متون الحديث انطلاقا من العقل؟

يوسف القرضاوي: الصحابة أعملوا الحديث يعني سيدنا عمر توقف في قسمة أرض العراق حينما فتحوا العراق وقالوا النبي قسم أرض خيبر ولكن هو وجد أن هذا ليس من المصلحة لا يمكن أن يأتي الدين بهذا، نملّك أراضي الناس للفاتحين وتبقى البلاد من غير أرض و إلى أن اهتدى إلى أنه أبقاها وقفا وتركها في أيدي أربابها، السيدة عائشة ناقشت كثيرا من الصحابة في بعض الأحاديث يعني ردت وهم يعني سمعوها، قالت لهم لا ده أنتم لازم ما سمعتوهاش كويس، ابن عباس أيضا ناقش يعني قالوا له بعضهم روى حديث "من حمل جنازة فليتوضأ" فقال إنما هي أعواد يابسة، نشيل نعش إيه يعني فيه؟ يعني وهكذا. فأعملوا عقولهم ولا مانع أن تعمل العقل ولكن أحيانا الناس تبالغ في إعمال العقل يعني رأيت بعض الناس ينكر حديث يعني "بني الإسلام على خمس.." واحد من قادة ثورة 23 يوليو في مصر وقف على المنبر وقال حديثا في حديث مكذوب بيقول "بني الإسلام على خمس.." هذا الحديث لا يمكن أن يكون صحيحا، ليه؟ قال لأنه لم يذكر الجهاد، الله! يعني حديث يحفظه الخاص والعام ومروي في الصحيحين وفي الكتب السبعة وعن ابن عمر ومروي عن جرير بن عبد الله وكل المسلمين يحفظونه طيب يعني تكذب القرآن؟ القرآن لما يجي في سورة المؤمنون  {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ}[المؤمنون:1، 2] لم يذكر الجهاد، في أول سورة الأنفال {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ..}[الأنفال:2] ولم يذكر، في أول سورة البقرة وصف المتقين ولم يذكر، حتكذب القرآن؟! فأحيانا بعض الناس تكذب حديث البخاري ومسلم في قتال اليهود يعني قبل أن تقوم الساعة "..حتى يختبئ اليهودي وراء الشجر والحجر فيقول الشجر والحجر يا عبد الله هذا ورائي فاقتله" قال لك لا، الحجر والشجر ما.. يا أخي طيب أولها قل ينطق بلسان الحال مع أن حتى النطق بلسان المقال ليس ببعيد على الله تكون كرامة للمسلمين في ذلك الوقت، فالمبالغة في استعمال.. نحن نريد، ما نقبلش، بعض الناس تقبل الأحاديث التي لا يمكن أن يقبلها العقل..

عثمان عثمان: الأحاديث الضعيفة نعم.

يوسف القرضاوي: نحن نستعمل العقل وما كان يعني مخالفا مخالفة بينة للعقل لا نقبله حتى ولو ورد في الكتب الستة.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور هناك العقلية العامية الخرافية المقلدة يقابلها العقلية العلمية المتحررة التي ينشئها القرآن الكريم، ما مقومات العقلية العلمية حسب القرآن الكريم؟

يوسف القرضاوي: أنا لي كتاب اسمه "العقل والعلم في القرآن" بينت موقف القرآن من العقل والعلم الذي تفرد به عن كل كتب السماء وفيه فصل عن هذه العقلية العلمية التي ينشئها القرآن، يعني أنا أرى هذا أهم من الالتفات إلى إشارات الإعجاز العلمي وهذه الأشياء، أهم منها أن القرآن ينشئ في المسلم عقلية علمية ليست عقلية عامية ولا عقلية خرافية تصدق كل شيء ولا تمتحن معلوماتها، الإسلام يقيم هذه العقلية العلمية. أنا أسرد بس سردا الأشياء التي تقوم عليها هذه العقلية العلمية، أول شيء رفض الظنون في موقف بناء اليقين لا يقبل الظن، القرآن يقول عن المشركين {وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً}[النجم:28]، ويقول عن النصارى {..مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ..}[النساء:157]، الظنون لا تبني يقينا ولا عقيدة، اتباع الأهواء والعواطف الذاتية  {..وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ..}[ص:26]، ذم الله المشركين فقال {..إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ..}[النجم:23]، ليسوا موضوعيين ولا عقلانيين. أيضا من الأشياء التي.. إنكار التقليد، التقليد للآباء والتقليد للكبراء والتقليد للعوام، القرآن أنكر ذلك بشدة وعشرات الآيات يعني في هذا، ومما جاء به القرآن أنه لا يقبل قضية إلا ببرهان {..قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ..}[الأنبياء:24]، برهان سمعي {..هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا..}[لأنعام:148]، برهان تاريخي {..اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ..}[الأحقاف:4]، برهان حسي {..أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ..}[الزخرف:19] شفت هذا؟ أي برهان. رعاية سنن الله في الكون والمجتمع، القرآن يذكر هذه السنن ومن طابعها الشمول تشمل المؤمن والكافر والبار والفاجر والطائع والعاصي والمثقف والأمي، وطابعها الثبات {..فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً}[فاطر:43]، هذا أهم ما ترتكز عليه العقلية العلمية التي ينشئها القرآن بتعاليمه وتوجيهاته.

عثمان عثمان: في ختام هذه الحلقة لا يسعنا إلا أن نشكركم فضيلة شيخنا العلامة الدكتور يوسف القرضاوي على هذه الإفاضة الطيبة كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة، أنقل لكم تحيات معد البرنامج معتز الخطيب والمخرج منصور الطلافيح وسائر فريق العمل وهذا عثمان عثمان يستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.