- خصائص الشريعة وجوانب الثبات والتغير فيها
- أوجه الاجتهاد وحدود التغيير السليم

- معنى وحدود قاعدة تغير الأحكام بتغير الأزمان

- قواعد الثبوت والتغير وأسباب اختلاف الاجتهاد

عثمان عثمان
وهبه الزحيلي
عثمان عثمان: مشاهدينا الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلا ومرحبا بكم في حلقة جديدة من برنامج الشريعة والحياة تأتيكم على الهواء مباشرة وهذه المرة من العاصمة السورية دمشق. تطورات الحياة وتعقيداتها تطرح العديد من الأسئلة من قبيل كيف يمكن أن تواكب الشريعة هذه التطورات؟ وكيف يمكن إدارة العلاقة بين النص الثابت والواقع المتغير؟ وكيف يمكن للإسلام أن يدخل في جدل مع الواقع التاريخي؟ وهل تعتبر النصوص الدينية جميع النصوص على مرتبة واحدة لا مناص من الاحتكام إليها؟ ولماذا يصر البعض على خنق منطقة العفو في الشريعة؟ هذه الأسئلة وغيرها نناقشها في حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة الدكتور وهبة الزحيلي عضو المجامع الفقهية، مرحبا بكم سيدي.

وهبة الزحيلي: أهلا بكم، شكرا، بارك الله فيك.

خصائص الشريعة وجوانب الثبات والتغير فيها

عثمان عثمان: بداية فضيلة الدكتور ماذا نعني بالثبات والتغير على وجه التحديد؟

وهبة الزحيلي: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد، في بداية حديثي هذا لا يسعني إلا أن أقدم خالص الشكر وجزيل التقدير والامتنان لقناة الجزيرة على احتضانها هذا البرنامج الذي حقق نجاحا متميزا ومتفوقا واختير له صفوة من العلماء الذين يحققون طموحات هذه الأمة. فواقع الأمر أن هذه الشريعة تمتاز بخصال ثلاث، أولها أنها شريعة الخلود والدوام والبقاء والاستمرار إلى يوم القيامة، ثانيا أنها شريعة ذات نزعة عالمية بمعنى أنها تبغي تحقيق الخير والمحبة والوئام والسعادة للمجتمع الإنساني، ثالثها أنها خاتمة الرسالات الإلهية فلا وحي بعد وحي القرآن ولا نبي ولا رسول بعد نبينا عليه الصلاة والسلام، فهذه العالمية والخاتمية والخلود هي أساس ومنطلق الحديث في هذا الموضوع لنتمكن من إعطاء الوجه الصحيح والتصور السليم عن قضايا الثبات والمرونة..

عثمان عثمان: الشمول.

وهبة الزحيلي: والتغير والشمول في هذه الشريعة. من المؤكد أن هذه الشريعة ذات مصدر إلهي وأنها شريعة كاملة {..الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً..}[المائدة:3] وهذا يتطلب منها أن تعتمد على مرتكزات وأسس قويمة للحياة منذ بداية فجر هذه الرسالة وفي كل عصر وإلى يوم القيامة فاستمرار هذه الشريعة يتطلب أن تجمع بين عناصر الأصالة والثبوت والتغير أحيانا والمواءمة مع التطورات ومواكبة التغيرات والحفاظ على مصالح الفرد والجماعة مع الأخذ بعين الاعتبار بما تهدف إليه هذه الشريعة من تحقيق المصالح ودفع الضرر والتيسير في الأحكام ودفع المشقة ورفع الإصر والحرج كل هذا يجعل من هذه الشريعة أساسا عظيما وعميقا لتحقيق مواكبتها لكل العصور والأزمان والأمكنة.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور ذكرتم يعني أن من خصائص هذه الشريعة الثبات الشمول المرونة، كيف يمكن التوازن بين هذه الخصائص الثلاث دون إسراف؟

وهبة الزحيلي: في حقيقة الأمر الثبات هذا عنصر متميز لشريعة خالدة وهي أنها تعتبر الأصول في العبادات والمعاملات والمبادئ والأخلاق والواجبات والمحرمات وعلاقة هذه الأمة الإسلامية بغيرها من الأمم وبغير أتباعها من الذين يتعايشون معها في بلاد الإسلام والمسلمين فوجود هذا الثبات يعتمد على الأصالة التي تحقق للمجتمع الإنساني صفة نموذجية رائعة في احتضان الوحي الإلهي وهذه الثوابت التي لا يمكن بحال من الأحوال أن تتغير ولا تصطدم أيضا مع ظروف التطور وتغير الأزمان والأمكنة لأنها ذات مبادئ عليا ولا يستطيع أحد أن يعترض عليها مبادئ الحق، مبادئ العدل، مبادئ المساواة، مبدأ التراضي في العقود، ضمان الضرر، المسؤولية الفردية..

عثمان عثمان (مقاطعا): ألا يمكن أن تتغير هذه المعاني ما بين زمان وآخر ما بين مكان وآخر؟

وهبة الزحيلي: هذه المبادئ لا يمكن بحال من الأحوال، إلى الآن كل شرائع العالم تقر هذه المبادئ وإلا حلت الفوضى والفساد محل هذه القيم العليا فهذه القيم خالدة وثابتة ومحققة لمصالح البشرية فلا يعترض عليها بحال من الأحوال فهذه الثوابت تظل قائمة ما دام هذا الكون.

عثمان عثمان: يعني البعض يقول فضيلة الدكتور يعني إن هناك الجانب الاجتهادي الفقهي البشري هو الذي يتغير أما الجانب الإلهي فلا يتغير.

وهبة الزحيلي: ثم أيضا تمتاز بأنها شاملة لكل ما يحقق طموحات الإنسان من تسوية وتنظيم العلاقة مع الله جل جلاله ومع المجتمع ومع النفس فهذه أيضا صفة الشمول، ثم أنها بالإضافة إلى كل هذا تمتاز هذه الشريعة باليسر والسماحة والمرونة والمواءمة مع تطلعات المجتمع البشري لأنها تعتمد على أسس وركائز أيضا غير قابلة للتغير وهي رعاية مصالح الإنسان المتمثلة في مقاصد هذه الشريعة من الحفاظ على الدين والنفس والعقل والنسب أو العرض والمال، هذه أيضا أصول تعتبر وتسمى الكليات الخمس التي لم تكن شريعة من شرائع الله جل جلاله خالية عن هذه المقاصد، فلذلك هذه المعاني نستطيع أن نحقق بها ظروف التغير والتبدل والاختلاف فيما يتماشى مع رعاية المصالح والأعراف والظروف والأمكنة بحيث لا نخرق تلك الثوابت ولا نتصادم مع تطلعات الناس لحماية مصالحهم وتحقيق أغراضهم، فلذلك هذا الانسجام الرائع بين هذه الصفات الثلاث التي تفضلتم بذكرها الثبوت والشمول والتغير هذا الجمع يتعذر على أي شريعة وضعية في هذا العالم تحقيق هذا الانسجام ولكن شريعة الله سبحانه وتعالى تحقق هذا الانسجام والاتساق وتحقق هذه الأهداف وتضع لكل جانب منها مجالا لا يصح أن نخترقه ولا يصح أن نتضايق من وجود هذه الأحكام الإلهية الشرعية.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور هناك مقولة شائعة "الشريعة صالحة لكل زمان ومكان" انطلاقا مما تفضلتم به كيف يمكن شرح هذه المقولة؟

وهبة الزحيلي: مما لا شك فيه كما ذكرت أن هذه الشريعة خالدة وصالحة لكل زمان ومكان لأنها ذات مصدر إلهي وأنها تحقق طمأنينة النفس، تحقق للإنسان ظمأه الديني والروحي في الحفاظ على الاعتقادات وتترجم هذه العقيدة الصحيحة بالعبادة والممارسة والطاعة لله جل جلاله فيما أيضا يحقق الطمأنينة للنفس الإنسانية {.. أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}[الرعد:28] ثم إن هذه المعاملات التي هي بين مد وجزر واختلاف وتغير أيضا روعيت في هذه الشريعة بوضع مبادئ وقواعد وأسس وأحكام، إلى الآن لم يوجد في هذا المجتمع البشري ما ينقض هذه الأصول والمرتكزات مما يجعلنا دائما نعلن أننا سواء في القانون الدستوري أو المدني أو الجنائي أو الأحوال الشخصية وأحكام الأسرة أم علاقة المسلمين بغيرهم في داخل الدولة وخارجها أم في القضايا الجنائية وفي كل هذه الأحوال هذه العقود وهذه المعاملات محبوكة النظام متميزة بأنها تحقق الاستقرار والوئام والمحبة والانسجام مع الناس جميعا مما يؤكد أن هذه الشريعة صالحة لكل زمان ومكان بحق وأنها تحقق الطمأنينة والاستقرار كما حققت في العصور الماضية، وإن كان وجد انحراف فإن هذا الانحراف من الناس أنفسهم لا من المبدأ في حد ذاته، فإذاً نحن ما زلنا نقول إن هذه الشريعة الخالدة تظل متميزة ببقائها واستقرارها وحيويتها ومرونتها وصلاحيتها لكل الأعصار والأزمان والأمكنة.

عثمان عثمان: فيما يخص العبادات فضيلة الدكتور ذكرتم أنها لا تتغير ولكن نلاحظ هناك تغيرات تطرأ على أداء هذه العبادات، مثلا الصلاة لمن يكون في الفضاء، دفع الزكاة بالقيمة، إثبات هلال رمضان عن طريق الحساب، كيف يمكن توضيح ذلك؟

وهبة الزحيلي: أخي عندما نقول العبادات هي أمور تعبدية شرعها الله جل جلاله، أركان الإسلام الخمسة المعروفة هذه لا تقبل التغير وإنما التغير في الوسائل وفيما يحقق راحة الإنسان ويحقق يسر هذه الشريعة، ووجود هذه الأمثلة التي ذكرتموها إنما هي من صالح الإنسان في مساعدته على التمكن من الأخذ بالرخص الشرعية سواء في حال السفر أو في حال المرض أو في حال الأعذار المختلفة أو في حال التطورات أيضا نحن لا نهمل هذه التطورات فكل ذلك تعتبر خدما لتحقيق الهدف الأسمى من الحفاظ على هذه العبادة، وإنما هذه التغيرات هي في الوسائل وفي المجالات التي تمكن لكل إنسان أداء مهمته دون حرج ولا مشقة ولا إضرار ولا عسر فلا يكون هناك بحال من الأحوال أي مضايقة بين تفاعل الإنسان مع هذه الأحكام ولو كان في حال المرض الشديد أو في حال الانشغال أو في حال السفر أو في حال طروء الأعذار مثل النساء فيما يطرأ عليهن بعد الولادة أو في كل شهر كل هذه الأمور في حقيقة الأمر لا تغض من أهمية وحقيقة العبادات وتظل قائمة وهذه كلها التيسيرات والرخص الشرعية في العبادات إنما هي لتمكين كل إنسان من أداء واجبه وإقامة هذه الفرائض على وجه أكمل دون أن يقبل هناك اعتذار لا بالجهل فلا يقبل الجهل بالأحكام في دار الإسلام ولا يقبل فيها الإكراه، وتعد هذه العبادات بدنية محضة شخصية فلا يجوز لإنسان أن يوكل غيره في أداء صلاة أو صيام هذه عبادت بدنية محضة لأن خيرها وهدفها وغاياتها ترجع إلى الإنسان نفسه. فلذلك هذه الأمور في حقيقة الأمر إما لضبط أصول العبادة أو للتيسير على الناس أو لتحقيق مغزى ومتعة هذه العبادة وإشعار الإنسان بحاجته إلى الله جل جلاله مع الخشوع والاطمئنان ولذة المناجاة وصلة الإنسان بربه، فكل هذه المعاني في حقيقة الأمر التغيرات هي في مصلحة الإنسان أما حقيقة العبادة فهي واجبة وفريضة دائمة.



أوجه الاجتهاد وحدود التغيير السليم

عثمان عثمان: نعم دكتور لو قلنا بالتغير كيف يمكننا أن نحافظ على استقرار الأحكام من محرمات ومباحات ومكروهات وغير ذلك؟ يعني هل يعني التغير انقلاب الحكم من جهة إلى جهة أخرى أن يكون المباح وأن يتحول المباح إلى حرام مثلا؟

وهبة الزحيلي: يا أخي هذه الشريعة كما ذكرت لكم هي شريعة كاملة وشريعة نموذجية وشريعة ذات مصدر إلهي {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}[الملك:14] فهذه الشريعة من أصلها راعت ظروف أداء الواجبات والامتناع عن المحرمات واجتناب المنكرات واجتناب الفواحش والقيام بالمهمات والعلاقات الاجتماعية والإنسانية فلا يمكن بحال من الأحوال هذه الثوابت أن يتغير فيها الحلال إلى حرام ولا الواجب إلى مباح إلا في حالة الضرورة لأن الله سبحانه وتعالى كما قلت لكم جعل هذه الشريعة متكاملة، فخمس آيات في القرآن الكريم شرعت فيها أحكام تتناسب مع الضرورة الاستثنائية "والضرورات تبيح المحظورات" {.. فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ..}[البقرة:173] فهذه الضرورة فعلا تقلب الحرام إلى حلال من أجل الحفاظ على النفس الإنسانية والوجود الإنساني فهذا يمكن أن ينقلب الحرام فيه إلى مباح إنقاذا للإنسان وحفاظا على مصالحه أما في غير دائرة الضرورة التغيرات في حقيقة الأمر لا يمكن أن يقال إن هناك حلالا ثم صار حراما إلا في دائرة في الاختلافات الاجتهادية بين المذاهب الإسلامية قد تجد حكما مقررا في مذهب وضده تماما، هذا يقول حلال وهذا يقول حرام هذا في دائرة الاجتهاد يمكن أن يحدث.

عثمان عثمان: اجتهاد في النص ذاته.

وهبة الزحيلي: أيوه اجتهاد في النص ذاته بحسب ثبوت الدليل وقطعيته ودلالته على المراد عندئذ نستطيع أن نقول إن هناك تغيرا ونستفيد من هذه الاختلافات الفقهية بما يحقق المصلحة للمسلمين والمسلمات في كل زمان ومكان.

عثمان عثمان: في موضوع التغير فضيلة الدكتور ربما يطرأ لبس على ذهن بعض الناس بأن هذا التغير على الشريعة يناقض قول الله تعالى {..لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ..}[الأنعام:115] وقوله عز وجل {..وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً }[الأحزاب:62] أو يعني بهذا الإطار يعني كيف يكون هناك تغير ويكون هناك ثبات في هذه الآيات؟

وهبة الزحيلي: يا أخي الكريم الحقيقة الاستدلال في هذه الآيات في غير موضعه فهي أصول ثابتة فيما يتعلق بالسنن الكونية هذه لا مجال لتبديلها و {..لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ..}[يونس:64] {..وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً} فهذا الاستشهاد بهذه الآيات في السنن الكونية وليس في مجال الأحكام الجزئية.

عثمان عثمان: {..وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً}[الأحزاب:23].

وهبة الزحيلي: {..وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً} دليل على إصرارهم على الحفاظ على الثوابت وأنهم لا ينتقلون منها مما يدل على إخلاصهم وشدة رهبتهم لله عز وجل وحرصهم على الخوف من الله سبحانه وتعالى والحفاظ على مقاصد هذه العبادة فهذا في حقيقة الأمر لا يعد تبدلا، كل ما في الأمر يمكن أن تكون هناك أحكام معلقة على أمور معينة فيتغير الحكم بسبب تحقيق هذا التغير، مثلا صلة الأرحام، الدعاء "الدعاء والبلاء يعتلجان ما بين السماء والأرض ولا يرد البلاء إلا الدعاء" فإذاً إذا وجد الدعاء تغير الحكم، وإذا وجدت صلة الأرحام "من أحب أن ينسأ له في أثره وأن يبارك في عمره فليصل رحمه" هذه إن تحققت هذه الأمور تحقق طول العمر وتحققت البركة والطمأنينة والسعادة للإنسان يشعر اليوم مثل دهر بكامله، فالأمور المعلق بعضها على بعض في أصل القضاء والقدر هذه لا تتنافى مع تبديل السنن الكونية والله أعلم بما يشرع فالسنن الكونية هذه لا تتبدل سنّة الله {..وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً}[الأحزاب:62] أما في الجزئيات وفي الأمور..

عثمان عثمان: والتفصيلات.

وهبة الزحيلي: والتفصيلات والأمور المعلقة في أصل القضاء والقدر يمكن أن يحدث هذا التغير وذلك من أجل تحقيق الخير والمثوبة للإنسان وهذا من فضل الله ورحمته ولطفه بعباده حينما يجعلهم دائما مقبلين على ساحة الخير مبتعدين عن ساحة الشر ويرغبهم في سلوك طريق المعروف والابتعاد عن طرق الشر والمنكر والرذيلة، فكل هذا إذاً فتح لباب إلهي يفتحه الله سبحانه وتعالى ليستزيد الإنسان من ملء صحائفه بالأعمال الطيبة والمقبولة.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور البعض يرد القول بتغيير الأحكام وبتغير الأحكام بحجة أن التغيير لا يخرج عن أحد أمرين إما أن يكون نسخا وتبديلا وهذا ليس لأحد من البشر إنما لله عز وجل أو أن يكون اختلاف وقائع وتحقيق مناط فهو ليس تغييرا بل حكم مختلف لواقعة مختلفة، ما رأيكم في ذلك؟

وهبة الزحيلي: بارك الله فيك شكرا على هذا السؤال أيضا، أولا هذه القضية قضية النسخ أولا انتهى النسخ بوفاة النبي المصطفى صلوات الله وسلامه عليه ولم يعد هناك احتمال لأن ننسخ أي جزء من جزئيات الأحكام، أما فيما يتعلق في دائرة الاجتهادات التي هي منوطة برعاية المصالح والأعراف والعادات التي تتغير وتتبدل أو الأقيسة قياس شيء على شيء آخر فهذه في حقيقة الأمر يمكن أن يحدث فيها التغير والتبدل وهذا كما يعبر عنه علماء أصول الفقه وهو تحقيق المناط، معنى تحقيق المناط وهو النظر في تحقق علة الحكم لأن الحكم يدور مع علته وجودا وعدما والعلة هي الوصف الظاهر المنضبط الذي يرتبط به الحكم مما يحقق مصلحة أو يدرأ مفسدة، فملاحظة تحقق وجود هذه العلة في آحاد الصور الفرعية هذا اسمه تنقيح المناط وهذا يتطلب قدرة على الاجتهاد واجتهادا في نقل موضوع وحل الحكم الأصلي إلى هذه الجزئيات، فهذا التغير في حقيقة الأمر لا يعد تغيرا وإنما هذه مكنة فتحها الشرع لهذه الأمة بأن.. ولم يهمل عقولها بأن يجتهد علماؤها ليغطوا المتغيرات وحوادث الزمان ويحققون للناس المصالح وهذا فضل من الله ونعمة، فإذاً هناك دائرة اجتهادية قابلة للتغير مرتبطة بالمصالح والأعراف والعادات وهذا ما يراد فيه تحقيق المناط أي تطبيق علة الحكم الأصلي في آحاد الجزئيات والفرعيات في ضوء مقاصد الشريعة لأن هذه العلة يكمن فيها رعاية المصلحة ودرء المفسدة وهذا ما يقولون عنه تحقيق الوصف المناسب للحكم، فهذا التغير لأنه أحيانا يكون الحكم بصفة ثم يصبح بصفة أخرى هذا لخير الإنسان وإشادة بعظمة هذه الشريعة إذ أنها لم تضيق على البشرية ولا على المسلمين في تحقيق مصالحهم وتحقيق تطلعاتهم وطموحاتهم في مجتمعهم الذي يعيشون فيه.

عثمان عثمان: فيما يخص فضيلة الدكتور قاعدة تغير الأحكام بتغير الأزمان هل هي مطلقة؟ متى وأين يتم تطبيق هذه القاعدة؟ نسمع الإجابة إن شاء الله بعد وقفة قصيرة.

وهبة الزحيلي: إن شاء الله.

عثمان عثمان: نعود إليكم مشاهدينا الكرام فابقوا معنا.



[فاصل إعلاني]

معنى وحدود قاعدة تغير الأحكام بتغير الأزمان

عثمان عثمان: أهلا وسهلا بكم مشاهدينا الكرام من جديد إلى حلقة هذا الأسبوع من برنامج الشريعة والحياة والتي هي بعنوان الثوابت والمتغيرات في الشريعة الإسلامية مع فضيلة الدكتور وهبة الزحيلي عضو المجامع الفقهية. فضيلة الدكتور تغير الأحكام بتغير الأزمان، هل هذه القاعدة مطلقة؟

وهبة الزحيلي: هذه القاعدة فقهية واجتهادية وهي إحدى القواعد الـ 99 التي نصت عليها مجلة الأحكام العدلية بهذه العبارة "لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان" ومعنى هذه القاعدة أنه يُقبل تغير الحكم الشرعي في ضوء تغير المصلحة وتغير العرف والعادة وتغير احتمالات القياس وتغير ما يحقق مقاصد الشريعة لأن مقاصد الشريعة بمثابة الرادار الذي يوجه المجتهد إلى ما يحقق رعاية المصالح ودرء المضار والمفاسد، فهي قاعدة مسلم بها في نطاق الاجتهاد ولكنها ليست مطلقة كما..

عثمان عثمان (مقاطعا): أين ومتى يتم تطبيقها إذاً؟

وهبة الزحيلي: (متابعا): كما قد يتهم البعض ويظنون أنه يا أخي تتغير الأحكام بتغير الأزمان، الأحكام التي تتغير ليست أصول الأحكام ولا مبادئ هذه الشريعة ولا قواعدها ولا أحكامها الأساسية ولا القواعد الكلية لأن القرآن الكريم امتاز بهذا العموم وأحيانا يفصل الأحكام وأحيانا يجملها لكن يقرر قاعدة تشتمل على كل هذه الأشياء، فهذه القاعدة هي إذاً ليست مطلقة شاملة لكل الأحكام الشرعية حتى نقول إن الأحكام تتغير بتغير الأزمان ومعنى ذلك أننا نقع في هاوية خطيرة ونقع في مستنقع لا يمكن أن ننقذ أنفسنا منه فيما إذا قررنا أصول هذه الأحكام قابلة للتغير معناها نقضنا الشريعة وهدمنا مبادئها وألغيناها أو نسخناها وهذا لا يقبله منا إنسان بالنسبة لشريعة هي شريعة أحكم الحاكمين. أما الجانب الذي يمكن فيه التغيير إذا تبدت المصالح مثلا في العصر الحاضر قذفت الحياة الحديثة بكثير من الأوضاع والمعاملات التي لم تكن في السابق، مئات القضايا في قضايا الجو والبر والبحر وقضايا المعاملات وتعقدها وكل جانب من هذه الجوانب، إذا ذهبت إلى محام خصوصا في بلاد الغرب يكتب في قضية من القضايا 120 صفحة وهكذا مذكرات المحامين مشهورة في أميركا على هذا النحو، فهذه الأمور في حقيقة الوضع الشرعي أن المصالح تهتز وتتغير بحسب تطورات الأحوال والأزمان وعلينا نحن أن نواكب هذه التطورات وإلا أوقفنا عجلة الحياة وجمدنا هذه الشريعة. فإذاً الإخلاص للشريعة والحفاظ على مبادئها وثوابتها يقتضينا أن نحقق للناس ما يرعى مصالحهم فهذه دائرة هذه القاعدة التي تحمي المصالح وتتفاعل مع الأحداث ولا يمكن أن تصطدم معها عندئذ نقول هنا يمكن تغير الأحكام بتغير الأزمان إذاً هي في دائرة الأحكام الاجتهادية والعرفية والمصلحية والقياسية وليست في أصول هذه الأحكام التي وردت فيها نصوص ثابتة لا تقبل لا النسخ ولا التبديل ولا التغيير.

عثمان عثمان: فضيلة الشيخ مصطفى الزرقا رحمه الله يعني بين أن تغير الأزمان إنما يكون نوعان، فساد وتطور، كيف يمكن شرح هذا القول؟

وهبة الزحيلي: أخي أولا رحم الله الأستاذ الشيخ مصطفى الزرقا وأنا أحترمه رحمه الله وأقدر عطاءه في هذا الجانب، لكن هذا التقسيم هو براعة منه سبقه إليها العلامة المحقق محمد بن عابدين في حاشيته وفي كتابه..

عثمان عثمان: في الفقه الحنفي.

وهبة الزحيلي: في الفقه الحنفي، وكتابه الكتاب المشهور "نشر العرف -أي الرائحة الطيبة- في قضايا العرف" وقال تحدث عن قاعدة تتغير الأحكام بتغير الأزمان، وتحدث عن عوامل التغير، يعني الأشياء قابلة للتغير ولا يلزم أن تتغير، هو طرح الموضوع في أصله قضايا الثبوت والتغير في الإسلام هي الثبوت هو الأصل في هذه الشريعة لنحقق استقرارها وديمومتها ومراعاة ما جاءت به أما قبول بعض الأحكام للتغير وعوامل التغير إما أن يكون بسبب فساد الأخلاق وتطورات الزمان ومراعاة الأوضاع التي تتطور بحسب حال الناس وهو أن النبي عليه الصلاة والسلام قال "خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" فتجد أن الإمام أبا حنيفة عاش في عصر صغار التابعين وهذا القرن الثالث الذي شهد له النبي عليه الصلاة والسلام بالخيرية كان عصرا نموذجيا وعصرا مثاليا وعصر الكل يلتزم بالأحكام الشرعية بنفس طيبة فلذلك لما تغير الوضع في عصر الصاحبين اختلفت بعض الأحكام ومن هنا نجد الصاحبين أبا يوسف ومحمد يقرران أحكاما مخالفة لرأي الإمام أبي حنيفة بسبب تغير الأوضاع وفساد الأخلاق. فأضرب لكم مثلا قضية أخذ الأجر على تعليم القرآن وأداء الشعائر من إمامة وخطابة وأذان وغير ذلك، رفضه في مبدأ الأمر العلماء ثم قرروه بسبب أنه لو تركوا هذه الأمور لخشينا أن تتعطل شعائر الإسلام فكان الاندفاع في مبدأ الأمر ذاتيا ولا يأخذ أجرا على هذه الأعمال فأصبح لا بد من قبول مبدأ أخذ الأجر والراتب على ممارسة هذه الشعائر..



قواعد الثبوت والتغير وأسباب اختلاف الاجتهاد

عثمان عثمان: اسمح لنا فضيلة الدكتور أن نأخذ مداخلة من الدكتور كمال إمام أستاذ الشريعة في جامعة الإسكندرية، السلام عليكم دكتور.

كمال إمام/ أستاذ الشريعة الإسلامية- جامعة الإسكندرية: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. أخي عثمان عثمان..

عثمان عثمان: بارك الله فيك مرحبا بك دكتور، من المعلوم دكتور..

كمال إمام: تحياتي لك ولشيخنا الكريم الدكتور وهبة الزحيلي.

عثمان عثمان: مرحبا بك، دكتور من المعلوم أن النصوص الصحيحة من قرآن وسنة ليست على مستوى واحد من حيث الثبوت والدلالة ومن ثم في مجال الاستدلال والاحتجاج، هل لكم أن توضحوا لنا هذا وموقعه من الثبات والتغير؟

كمال إمام: أولا لا ينبغي أن نعمم في هذه المقولة لأن نصوص القرآن الكريم كلها قطعية الثبوت وبعضها ظني الدلالة وبعضها قطعي الدلالة، أما ما يتعلق بالسنة فقد يختلف عن هذا الأمر، ما أشار إليه العلامة أستاذنا الشيخ وهبة الزحيلي وهو المتعلق بقاعدة تغير الأحكام مع تغير الأزمنة والأحوال هو كلام صحيح من الزاوية الفقهية وهنا فقط حاشية على ما قاله شيخنا الكريم أن الحكم هنا يقصد به الحكم بالمعنى الفقهي وليس الحكم بالمعنى الأصولي لأن الحكم بالمعنى الأصولي كما نعلم جميعا فهو خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين ارتضاء أو تخييرا أو وضعا وهذا خطاب الله لا يقبل التغيير، فالتغير هنا يتعلق بالأحكام الفقهية التي جاءت عن طريق الظن والاجتهاد..

عثمان عثمان (مقاطعا): المتعلقة بالجانب البشري، الاجتهاد الفقهي البشري.

كمال إمام (متابعا): ويجانب النص الذي يتكلم عنه الكثيرون، النص هنا يقصد به هو ما قال به الأصوليون، حتى الأحناف نستطيع أن نقول إنهم قالوا به وهو ما ظهرت دلالته بنفسه على معناه بحيث لا يقبل التأويل ولا يقبل النسخ وهنا لا يجوز الاجتهاد مع النص القطعي ولكن يجوز الاجتهاد فيه بمعنى تنزيله على أرض الواقع والتنزيل قد يترتب عليه أن يوجد واقع مغاير للصورة التجريدية أو للعناصر التجريدية للخطاب النصي وهنا لا بد من اجتهاد جديد للوصول إلى حكم جديد. لكن أريد أن أؤكد أنه إذا كانت قاعدة أن الحكم يدور مع العلة وجودا وعدما وأنه حيث توجد المصلحة فثم وجه الله فكذلك أيضا حيث يوجد النص فتوجد المصلحة..

عثمان عثمان: فثم شرع الله.

كمال إمام: يعني إذا وجد النص الإسلامي القطعي ثبوتا ودلالة فنحن إذاً أمام مصلحة قطعية ثبوتا ودلالة وبالتالي لا ينبغي الاجتهاد في المصلحة وإنما الاجتهاد في التنزيل لهذه القواعد والأمثلة التي تضرب كثيرا على إمكانية أن يكون هناك تغيير في النصوص القطعية مثل سهم المؤلفة قلوبهم ومثل وقف حد السرقة هذه لم تفهم على حقيقتها وربما نحن فهمناها من شيوخنا من أمثال أستاذنا العلامة الشيخ وهبة الزحيلي لأن وصف المؤلفة قلوبهم هذا وصف ويتعلق.. الأوصاف تتغير قد يكون الإنسان اليوم مسكينا وغدا يصبح غنيا فلا يكون من مصارف الزكاة وكذلك ما يتعلق بكل الصور التي تتعلق بالأوصاف فهذه لا تتغير إلا مع تغير الأوصاف الشرعية..

عثمان عثمان (مقاطعا): إذاً دكتور، اسمح لي دكتور، إذاً أين ومتى يتم تطبيق التغير؟

كمال إمام (متابعا): من هنا قاعدة الثبات تتعلق بالنصوص القطعية الثبوت القطعية الدلالة، أما النصوص الظنية في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة فلا بد أن يعمل العقل على بيانها وعلى الاجتهاد فيها.

عثمان عثمان: الدكتور كمال إمام أستاذ الشريعة في جامعة الإسكندرية كنت معنا من القاهرة شكرا جزيلا لك. فضيلة الدكتور، هناك من يقول إن التغير قد يكون انطلاقا من جديد أو أن هناك جوانب ببعض المسائل لم تكن مدركة ثم أصبحت مدركة، ما يسمى باختلاف الاجتهاد.

وهبة الزحيلي: كما ذكرت لكم، أولا أكمل السؤال السابق، عوامل التغير إما فساد، فساد الأخلاق وتغير الأوضاع والظروف وإما تطور، كأن نقول عامل التغير هو تطور الأزمنة يعني التنظيمات الحديثة مثل نظام السجل العقاري واعتبار أن نقل الملكية في.. كما يسمونه أحيانا نظام السجل العيني لا تنتقل إلا بإفراغ وتبادل الإيجاب والقبول المثبت عند الدول، كذلك يعتبر هذا الوجود لنظام السجل العقاري دليل وقرينة على القبض، وأيضا لم يعد هناك حاجة لأن نذكر حدود العقار الأربعة من الجنوب والشمال والشرق والغرب، أصبحنا نكتفي بذكر رقم المحضر، فهذه التنظيمات الحديثة هي تحقق مدلول التطور وتقتضي تغير الحكم بسببها. أما ما ذكرتم من أن التغيرات تكون في هذه الجوانب المطلقة، هذا في واقع الأمر نحن نحترمه ونقدر أن النصوص الشرعية القابلة للاحتهاد هذه يمكن أن يحدث فيها تغير وتطور بحسب التحقق من مدى ثبوت النص خصوصا بعض الأحاديث النبوية فإذا كان النص ثابتا ثبوتا قطعيا كما هو القرآن الكريم وكان أيضا ثابتا أحيانا قطعيا كما في الحديث المتواتر أو حتى أخبار الآحاد الظنية التي تفيد غلبة الظن في حقيقة الأمر هذه النصوص نعتبرها من الشريعة ولا يجوز تجاوزها إنما يكون التغير في التطبيقات وفي الأمثلة والوقائع والمنحنيات التي تتأرجح فيها طبيعة المعاملة في كل زمان ومكان فهذا هو ما يقبل التغير.

عثمان عثمان: لدي فضيلة الدكتور سؤال عبر النت من الأخ الشيخ عماد أبو الرب من كييف يقول "سؤالي لحضرتكم أما آن الأوان للمجامع الفقهية أن تضع الثوابت والمتغيرات في الشريعة بكتب تحدد خفة الاختلافات الفقهية بين المدارس الإسلامية وتسهل فهمها؟ حيث أننا نرى التباين الكبير بينها في فهم معنى الثوابت والأولويات من ناحية وفي التعامل مع المستجدات الواقعية واعتباراتها".

وهبة الزحيلي: يا أخي هذا الكلام، أولا مهمة المجامع الفقهية نعم قد تتدخل في قضايا أصول الفقه وهذه القضية لا تحتاج إلى مثل هذه القرارات المجمعية فهي ميسورة ومعروفة في كتب الأصول وكتب القواعد الشرعية والمبادئ والدراسات التي تتعلق بهذه الشريعة فهي واضحة كل الوضوح، وإنما التغيرات هذه لا يمكن ضبطها بحال من الأحوال هذه متروكة لظروف الزمان والمكان، فماذا تفعل المجامع في رصد بعض التغيرات التي تطرأ في زماننا وفي المستقبل يمكن أن تتغير هذه الظروف فيتغير الحكم الشرعي؟ فإذاً المجامع لا تستطيع أن تتدخل في أمر هو ما يزال متروكا لظروف الزمان والمكان. أما الثوابت فهي واضحة وهي النصوص القطعية، النصوص الثابتة ثبوتا يقينيا وكذلك أيضا النصوص الحديثية التي تقرر أحكاما في هذه الشريعة وإلا ألغينا النبوة حينما نقول إن هذه النصوص التي هي من أخبار الأحاديث الظنية ولكنها صحيحة وثابتة هذه أيضا لا نستطيع أن نلغيها، ولذلك تهتز المعاملات إذا تجاوزنا المبادئ الربوية أو قضايا عقود الغرر أو القضايا التي كانت من أهم أسباب الأزمة العالمية الاقتصادية ونقول إن هذه قابلة للتغير، هذه الثوابت لا تقبل التغيير وهي مقررة إما في النصوص القرآنية وإما في الأحاديث النبوية التي أوضحت المجملات وبينت المطلقات وقيدتها وحددت معالم النص العام ووجهت إلى ضرورة الاحتفاظ بهذه الأحكام التي لا بد منها لقيام هيكل وبرج هذه الشريعة الإسلامية.

عثمان عثمان: نعرف فضيلة الدكتور أن هناك ما يسمى بمنطقة الفراغ التشريعي، البعض بالمقابل يلح على أن هذه الشريعة شاملة وجاءت بكل تفاصيل ودقائق حياة الإنسان من الميلاد حتى نهاية الحياة، يعني كيف نستطيع أن نفهم ذلك؟ لماذا ضاقت منطقة الفراغ التشريعي؟

وهبة الزحيلي: أنا لا أوافق على هذا التعبير لأن هذه الشريعة كاملة -كما ذكرت في مبدأ حديثي- وليس فيها منطقة فراغ إنما فيها منطقة اجتهاد وهذا الاجتهاد هو الذي يعبر عن حيوية هذه الأمة وتفاعلها مع أحداث الزمان والمكان وهذا متروك لظروف كل عصر وكل زمان وكل مكان، فهذا لا نستطيع أن نعبر عنه بأنه فراغ لأن الاجتهاد يكون بحسب ظروف الوقائع الجديدة وعرضها على المجامع الفقهية وهذا ما فعلناه في المجامع الفقهية قضايا أكثر هذه القضايا تتعلق إما بالقضايا الاقتصادية أو القضايا الطبية أو القضايا الأخلاقية أو القضايا الاجتماعية فهذه القرارات الصادرة عن المجامع تملأ ساحة الاجتهاد ولا أقول هناك فراغ، الفراغ معناه في نقص والنقص ليس من سمة هذه الشريعة وإنما على العكس إن منطقة الاجتهاد وساحة الاجتهاد على هذا النحو نحن مستعدون لملئها بحسب ظروف كل حادثة جديدة وبحسب مدلولاتها وأوضاعها، عندئذ ماذا تفعل المجامع الفقهية في هذا الأمر؟ فلا يصح أن يقال إن هناك منطقة فراغ وإنما هناك ساحة اجتهاد نعتز بالحفاظ عليها وأن باب الاجتهاد مفتوح إلى يوم القيامة، نعتز بأننا نستطيع أن نملأ هذه الساحة من خلال هذه الاجتهادات وهو ما تفعله دائما المجامع الفقهية.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور في الحديث عن الثبات والتغير هناك موضوع بالغ الأهمية ليس من حيث الثبوت إنما من حيث الدلالة، النبي عليه الصلاة والسلام كان نبيا يوحى إليه، كان قاضيا، كان رجلا بشرا، كيف يمكن الفرز هنا بين ما هو خاص بالنبي عليه الصلاة والسلام كبشر وبين ما هو وحي ملزم؟

وهبة الزحيلي: أخانا، النبي عليه الصلاة والسلام كان يجمع بين تبليغ الوحي الإلهي بصفته نبيا ورسولا مبلغا عن رب العزة ما يوحى إليه وهذه أحكام شرعية نحافظ عليها ولا يصح بحال من الأحوال أن نتجاوزها، وللنبي عليه الصلاة والسلام أنه قائد سياسي وهذا القائد السياسي يشرح ما يتناسب مع أحكام أحوال الدنيا، في كثير من الأمور كان يقول عليه الصلاة والسلام "أنتم أعلم بأمر دنياكم" فبصفته قائدا سياسيا وكان يستشير الصحابة في كثير من الأمور ويدربهم على الاجتهاد ويخالفونه ويأخذ برأي هؤلاء المستشارين في قضايا السلم والحرب وغير ذلك من الأوضاع والظروف التي مر بها. فإذاً كونه قائدا سياسيا هذه الأمور مثلا "من أحيا أرضا ميتة فهي له" هل قال ذلك بصفة النبوة وتبليغ وحي من الله أم بصفته أنه حاكم سياسي؟ هذا الواقع هو بصفة حاكم سياسي، ولذلك أصاب الحنفية والمالكية حينما قالوا هذا الإحياء يتطلب إذن الحاكم، فقاله النبي إذاً بصفته السياسية وبصفته كونه حاكما دنيويا، أما بصفة التبليغ للوحي عن رب العالمين فهذا في واقع الأمر تبليغ للنصوص الشرعية التي لا تقبل التغير. أما ما يتعلق بالقضايا السياسية والمدنية والاجتماعية والدنيوية فهذه في الحقيقة مع.. كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام وكل حاكم يأتي بعد النبوة له هذه الساحة يملؤها بحسب ظروف الحياة، لذلك سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يعتبر المنظم للدولة الإسلامية والمبرز لوجودها والذي وضع لها كل القواعد التي تشبه نظام الحياة الدولية المعاصرة، فإذاً هذا عمر إذاً يمارس الجانب الذي يوصف بأنه حاكم وهذا الجانب كان يمارسه النبي عليه الصلاة والسلام. فإذاً شخصية النبي لها شطران، شطر تبليغ الوحي وهذا لا يمكن أن يتغير أو يتبدل والشطر الثاني وهو جانب الحياة الدنيوية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية بحسب ظروف كل..

عثمان عثمان (مقاطعا):  شكرا، لا يسعنا في ختام هذه الحلقة إلا أن نشكركم فضيلة الشيخ الدكتور وهبة الزحيلي على وجودك معنا في هذه الحلقة. كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة، أنقل لكم تحيات معد البرنامج معتز الخطيب ومخرجنا من سوريا مازن باجي ومن قطر سلام الأمير، فلكم أيضا تحيات سائر فريق العمل، إلى اللقاء في الأسبوع القادم بإذن الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.