- علاقة التقوى بالصيام وصحته وسبل تحقق التقوى
- ثمرات وآثار التقوى
- فضائل الصوم وأدوات التقوى ومظاهرها

عثمان عثمان
محمد الراوي
عثمان عثمان: السلام عليكم مشاهدينا الكرام ورحمة الله وبركاته، أهلا ومرحبا بكم على الهواء مباشرة في حلقة جديدة من برنامج الشريعة والحياة. يقول الله سبحانه وتعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}[البقرة:183]، ويقول عز من قائل أيضا {..وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ}[البقرة:197]، فكيف تتحقق التقوى وماذا نتقي؟ وكيف نعالج واقعنا المعاصر عن طريق الصوم؟ "لعلكم تتقون" موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة الدكتور محمد الراوي عضو مجمع البحوث الإسلامية في الأزهر الشريف، مرحبا بكم فضيلة الدكتور.

محمد الراوي: مرحبا بكم يا أخي وبأخوانك جميعا أهلا وسهلا.

علاقة التقوى بالصيام وصحته وسبل تحقق التقوى

عثمان عثمان: الحمد لله أن بلغنا شهر التقوى شهر الصيام، لماذا ربط فرض الصيام برجاء التقوى فضيلة الدكتور؟

محمد الراوي: بسم الله الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. نعم رمضان إنما شرع لكي تتحقق هذه الغاية التي لا يمكن أبدا لإنسان أن ينجو إلا بها، لعلكم تتقون، والتقوى تطلب في كل شيء ولذلك عندما كنا نرجو من الله أن يبلغنا رمضان لأنه لا بد لنا أن نستعد بالنية الصادقة في إصلاح حالنا إصلاح نيتنا إصلاح السلوك إصلاح التعامل لأن الله عز وجل لم يشرع لنا الصوم لإمساكنا عن طعام وشراب فحسب وإنما قال لنا الرسول صلى الله عليه وسلم "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه"، ولذلك الصيام إمساك، إمساك عن الرذائل عن السيئات عن كلمة السوء، وفعل الطيبات وتلك هي التقوى تجعل من الإنسان رادعا بحيث لا يقع منه إلا ما يكون فيه خير لنفسه وللناس، يكف عن الشر..

عثمان عثمان (مقاطعا): هذه التقوى فضيلة الدكتور كيف يمكن أن تتحقق في حياة الصائم في حياة المسلم؟

محمد الراوي: المسلمون جميعا لا بد أن يتعاونوا فيما بينهم على قضية التقوى لأن التقوى لا ترى إلا في التعامل، والله عز وجل يقول {..فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}[الأنفال:1]، لا يمكن أن يكون هناك تقوى وهناك فرقة وخلافات وإساءات وإنما التقوى تتحقق عندما تترابط النفوس عملا بقوله تعالى {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ..}[آل عمران:103]، ولذلك فإذا كنا نريد أن نحقق غاية رمضان فينا علينا أن نجمع الكلمة على إرضاء الله في كل شيء بصدق النية واستحضار أننا عائدون إليه ومحاسبون بين يديه، بذلك تتحقق التقوى تتحقق في المعاملة مع الناس تتحقق في النية تتحقق في داخل الأسرة في المجتمع في الأمة بحيث توجد الأمة الخير التي أخبر الله عنها {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ..}[آل عمران:110].

عثمان عثمان: إذاً فضيلة الدكتور لا بد أن تتوحد الأمة أن تكون أمة واحدة ولا تتفرق، اليوم ربما أمام واقعنا المعاصر نجد بعض المسلمين قد جعلوا من شهر الصيام شهر طعام يأكلون ملء بطونهم يضحكون ملء سنهم وفي المقابل نجد جراحات نازفة سواء كان في فلسطين سواء كان في أي مكان من عالمنا الإسلامي، كيف يمكن أن نحقق التقوى في هذا المجال بالذات؟

محمد الراوي: من هنا وجب المصارحة الكاملة وجب أن نقول لا يمكن أن تعد الأمة أمة صائمة وهي مفترقة متنازعة فيما بينها والله يأمرها {وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ..}[الأنفال:46]، الأمة التي تتفرق تحقق لعدوها أحب ما يحتاج إليه من نصر بلا تكاليف، من هنا فإن الصيام قد جاء إلينا ليذكرنا أن نخلص القصد في الترابط والتعاون والاعتصام بحبل الله وعدم التفرق، وإذا كانت الأمة لا تعي واقعها ويكون الصوم عندها مجرد إمساك عن طعام أو شراب أو شهوة فإن رسول الله كما قلت في الحديث يقول "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه"، وقد أخبر الرسول بامرأة..

عثمان عثمان (مقاطعا): كيف يمكن أن نفسر هذا الحديث فضيلة الدكتور؟

محمد الراوي: هذا الحديث نفسره في واقع بمعنى لم يجئ الصوم لكي نكنز الطعام كما ذكرت ونملأ البيوت بالأطعمة ونمد الموائد، دعني أذكر لك ما كان عليه صحابة رسول الله.

عثمان عثمان: تفضل.

محمد الراوي: أم المؤمنين عائشة يأتيها ما يأتيها من مال الله ينفق كله وتقول لها خادمتها هلا أبقيت لنفسك درهمين تفطرين عليهما؟ قالت "لو ذكرتني لفعلت. بمعنى أنها مشغولة بإرضاء ربها وإطعام غيرها وليست مشغولة بأن تجعل من صيامها إكنازا لنفسها من طعام وشراب. الأمة عندما تعرف قيمتها وقدرها في الفضائل نراها تتنافس في الطيبات في الأعمال الصالحة، وعندما تخاطب الأمة بما تخاطب به المخلوقات الأخرى من كلأ وعشب تكون أمة أسقطت نفسها وتركت نفسها لعدوها لكي ينال من مقدراتها ومقدساتها. لذلك عندما قال الرسول "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه" إنما ينبهنا أن تعلو فينا الفضائل وأن نستمسك بما كان يستمسك به أسلافنا. أنا أذكر فيما أذكر أن أبا عبيدة أرسِل مع جمع كبير من الصحابة وأرسلهم الرسول صلى الله عليه وسلم وأعطاهم متا من تمر، كان يعطي كل إنسان تمرة في اليوم يمتصها ليشرب عليها، أما أن يكون أمر الصيام إكنازا للطعام وغدونا الآن لتخاطب الشعوب بما يخاطب به المخلوقات الأخرى نأتي لكم بكذا وكذا، هذا كله بعيد كل البعد عن حقيقة الصوم، الصوم في حقيقته إمساك عن الرذائل وانطلاق إلى الفضائل واستمساك بالجد والعمل واستمساك بما يحيي موات هذه الأمة أما أن يكون الأمر غير ذلك فأرجو من الله أن يهدي المسلمين إلى ما يجب أن يكونوا عليه من تقدير لصومهم واستمساك بفضائلهم.

عثمان عثمان: دكتور لو أخذنا مثالا واقعا في حياتنا اليوم نجد غزة المحاصرة من قبل رمضان، اليوم ربما لا يجدون قوت يومهم قوت عيالهم بينما نجد المسلمين في معظم أقطار العالم.. طبعا هناك غزة هناك المسلمون في أفريقيا في الصومال في أي مكان من العالم، ما واجب المسلمين في الصيام أن يتعاونوا أو أن يتعاملوا مع هذا الوضع؟

محمد الراوي: المسلمون عندما يرون ذلك ولا يفعلون شيئا أشك في أنهم صائمون فإن الصوم يدعوهم إلى أن يذكروا ما عليه واقعهم وأن يمد من يحتاج إلى المدد من طعام وشراب وسلاح إذا احتاج أن يمد بكل ذلك وإلا عوقب المسلمون جميعا،. إذا اغتصب شبر أرض من أرض المسلمين وجب على المرأة أن تخرج بدون إذن زوجها وعلى الخادم أن يخرج بدون إذن سيده ووجب على الأمة كلها أن تكون مرابطة في سبيل ربها. الواقع المر يخبر أن أمة الإسلام تستقبل الصوم عادة لا عبادة وأنها لا يمكن أن تكون صائمة إلا إذا حققت أمر الله فيها بأن تنطلق جميعا لإعلاء كلمة الله ومن إعلاء كلمة الله إغاثة الملهوف ومن إعلاء كلمة الله التضامن والترابط والاعتصام بحبل الله ومن إعلاء كلمة الله..

عثمان عثمان (مقاطعا): طيب فضيلة الدكتور ذكرتم حديث النبي عليه الصلاة والسلام "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه"، هل يعني ذلك أن فعل قول الزور، النميمة، الغيبة هي من المفطرات في شهر الصيام؟

محمد الراوي: يقينا هي من المفطرات بل من المضيعات، وأذكرك بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم "أتدرون من المفلس من أمتي؟" كانت الإجابة ما اعتاد الناس أن يجيبوا به "المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع" قال "المفلس من أمتي من يأتي بصلاة وصيام وزكاة ويأتي وقد شتم هذا وسب هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وقتل هذا، فيأخذ هذا من حسناته وهذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم ألقي في النار"، وأذكر أيضا أن..

عثمان عثمان (مقاطعا): من فعل زورا أو قال زورا، -فضيلة الدكتور- أو كذب أو نم أو اغتاب هل عليه أن يعيد صيام اليوم الذي فعل فيه ذلك؟

محمد الراوي: عليه أن يستغفر ربه وأن يعلم أنه قد ضيع صيامه ولم يبق عليه. امرأة.. قيل لرسول الله إن امرأة تصوم نهارها وتقوم ليلها ولكنها تؤذي جيرانها بلسانها، قال لا خير فيها هي من أهل النار. لا بد أن نفقه صيامنا كما علمنا الرسول صلى الله وعليه وسلم وكما نقرأ في كتاب ربنا، لا يمكن أن يكون صائما من يفرط في حق دينه وفي حق عرضه وفي حق ماله ومن يتقاطع مع أخيه المسلم على صورة ما من الصور تشك تماما في صيامه وأنه مجرد امتناع عن طعام وشراب، وأنا أقول دائما بأن يعني إذا كان المسك..

عثمان عثمان: ذكرتم.. أو الآية الكريمة تقول {..لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}[البقرة:183] ربما كان هنا المفعول به مبهما، ماذا نتقي هنا حسب الآية الكريمة؟

محمد الراوي: المفعول به ليس مبهما بل محذوف وجاءت على هذه الصورة ليحتمل المفعول أو متعلق الفعل لكل ما يمكن أن نذكره، لعلكم تتقون غضب الله، لعلكم تتقون النار، دعني أقل لك بصراحة كاملة لعلكم تتقون الخيبة التي أنتم فيها معشر المسلمين من الفرقة والتنابذ، كل ذلك لا يمكن أن يتقى إلا إذا عرفنا أننا جئنا إلى الحياة بأمر خالقنا ونعود إليه بأمره وإذنه أما لذلك لعلكم تتقون، عندما ترى الأمة الإسلامية متنازعة فيما بينها محققة نصرا كذوبا لعدوها أمة غير صائمة وصيامها يجب أن تستغفر الله مما هي فيه قبل أن تقول إنها صامت واستجابت، ولذلك إحنا إذا كانت المسألة في الصيام نعرف عن بعض المخلوقات وبخاصة في بلادنا أن الجمل مثلا يمكن أن يصوم يوما واثنين وثلاثة ويقدم إليه الحشائش أو الطعام لا يمسه اتقاء لمرض ولا يمكن أن يطعم إلا إذا مر هذا المرض فليس الصيام في ذاته مدحا لامتناع أو امساك عن طعام وشراب إنما المدح فيه إمساك عن شهادة الزور وشهادة الزور تشمل كل باطل، إمساك عن الشر وفعل للخير إمساك وفعل للخير وبغير هذا لا يكون الصيام صياما إنما..

عثمان عثمان (مقاطعا): فضيلة الدكتور، أهل الفقه انصرفوا إلى العناية بمفسدات الصوم الحسية بينما انصرف أهل القلوب إلى المفسدات المعنوية للصوم، كيف نوازن بين الأمرين؟

محمد الراوي: نوازن بأن نعرف أن الإمساك إمساك عن الحسي والمعنوي معا، إذ ليس من المعقول أن يكون إمساك عن طعام وشراب وشهوة ولا يكون إمساك عن الرذائل ولا يكون إمساك عن الفواحش ولا يكون إمساك عن الفساد ولا يكون إمساك عن إهدار المال العام في فساد ناس وإهلاك آخرين، إنما الإمساك يجب أن يكون إمساكا عن الشر كله ويكون فعلا للخير. والرسول صلى الله وعليه وسلم عندما قال يعني عن صلة الإنسان بأخيه يعني أن تكون الصلة إنك أنت تنصر أخاك ظالما أو مظلوما، نصرته مظلوما فكيف إذا كان ظالما؟ قال تمنعه، تمنعه من الظلم فذلك نصرك إياه. هل تفعل أمتنا الإسلامية ذلك؟ أمتنا الإسلامية أغنى الأمم في الأرض وهي الأمم التي يتضور فيها ناس كثيرون من الجوع، هل هذا صيام؟ هل هذا إسلام؟ تعال بنا أيضا أقول لأمر بالغ الخطر، أمر العدل، رسالة الرسل جميعا بعثوا ليقيموا العدل ليقوموا بالقسط وتقرأ الآية الكريمة في سورة الحديد {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ}[الحديد:25]، جميع الرسل أرسِلوا لإقامة العدل، كيف حال العدل فينا؟ كيف حاله؟ تعال بنا نقول نحن عن أنفسنا بأن إحنا يعني "من أين لك هذا؟" أخذناها منهم، لا، دي هي من ديننا. أذكر بأن عمر بن الخطاب وهو من هو يخطب على منبره واستمعوا اسمعوا، فيقف سعد، يقف سلمان الفارسي ويقول لا نسمع، لا سمع، ماذا؟ يسأل لماذا؟ نرى يا أمير المؤمنين أنك أنت ما عدلت فينا، أخذت لنفسك ثوبين وأعطيت كل.. قال يا عبد الله، ينادي ابنه فلما قام ابنه عبد الله بن عمر وذكر أنه أعطى ثوبه لوالده عندئذ قال سلمان الفارسي الآن نسمع ونطيع. أنت لو سألت عن حقيقة أمة..

عثمان عثمان (مقاطعا): نعم فضيلة الدكتور إذاً نتابع فضيلة الدكتور إن شاء الله في فوائد الصيام وفي آثار الصيام إن شاء الله بعد أن نأخذ وقفة قصيرة، فابقوا معنا مشاهدينا الكرام نعود إليكم بإذن الله تعالى.

[فاصل إعلاني]

ثمرات وآثار التقوى

عثمان عثمان: أهلا وسهلا بكم مشاهدينا الكرام من جديد إلى حلقة هذا الأسبوع من برنامج الشريعة والحياة والتي هي بعنوان "لعلكم تتقون" مع فضيلة الدكتور محمد الراوي عضو مجمع البحوث الإسلامية في الأزهر الشريف. فضيلة الدكتور للصوم فوائد وآثار كثيرة نحاول أن نعرج على معظمها وبإيجاز لو سمحتم حتى نحاول أن نغطي أكثر هذه الفوائد والثمرات ثمرات التقوى، الآية الكريمة التي وردت في آثار التقوى يقول الله عز وجل {.. وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ..}[الطلاق:2، 3] {..وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً}[الطلاق:4] كيف تجلب التقوى السرور والفرج؟

محمد الراوي: نعم عندما نتابع ذلك في كتاب الله وفي سنة رسول الله نجد أن التقوى مفتاح لكل خير في الأمة وأن غيابها مدمر لكل شيء، التقوى كما قلت في الآية الكريمة نؤمر {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً}[الأحزاب:70]،  {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ}[التوبة:119] وتخبرنا آيات القرآن بأن التقوى تجلب ما ذكرت بل تجلب للإنسان راحة القلب وطمأنينة الضمير واستحضار العود إلى الله والحساب بين يديه، وغياب التقوى لا يمكن أن تعالج أمور الناس بوسائل أي وسائل بشرية إذا غابت التقوى لأن التقوى تجعل الإنسان بينه وبين نفسه يرتدع عن فعل الشر ويتقدم لفعل الخير ويعلم أن الله يطلع على نيته ويعلم أنه يعود إلى الله فيحاسب بين يديه ومن أجل هذا تتم المراجعة الدائمة، والأمة الإسلامية في حاجة إلى ذلك والعالم جميع العالم.. كنت من فترة زمنية أسمع كلمة من الدكتور محمود فوزي الذي كان وزيرا للخارجية يقول لا يمكن للعالم أن يحترم من يضع رأسه على كتف العالم ويبكي، إذاً لا بد للأمة الإسلامية أن تتعاون فيما بينها أن تتعاون على البر والتقوى أن تتعاون على القيام برسالتها كما أمرها الله أن تتعاون في أن تعين الفرد على أن يخشى ربه أن تكون أمتنا أمة رسالة وليست أمة عالة على غيرها..

عثمان عثمان (مقاطعا): فضيلة الدكتور هذه مقدمات لا بد منها ولكن عندما تتحدث آيات الكتاب الكريم عن أن التقوى تحقق للإنسان اليسر والفرج من كل هم ومن كل غم، كيف يتحقق ذلك؟

محمد الراوي: إذا وجدت التقوى يتحقق ذلك وإذا غابت التقوى لا يتحقق، التقوى أن تعرف ربك وأن تخشاه وأن تعمل في عملك وأنت تستحضر العودة إليه والحساب بين يديه، عندئذ يصبح العمل المجرد..

عثمان عثمان (مقاطعا): من آثار التقوى أيضا فضيلة الدكتور قول الله عز وجل {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَـكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ}[الأعراف:96] هنا ما علاقة التقوى أيضا بتنزل البركات؟

محمد الراوي: طبعا كل العلاقة، لأنه إذا نحن استحضرنا أن جميع ما نحن فيه من نعم هي من خالقنا فإذا نحن حاربناه وخالفناه وعصيناه ولم نتقه في أعمالنا فكيف تأتي التقوى وكيف يأتي الخير؟ {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَـكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} فلا بد التقوى يتوقف عليها ما يرجوه الإنسان لسعادة في دنياه ونجاة في أخراه، هذا أمر بيّن واضح، ولذلك تعال بنا نصارح ما الذي نراه في حياة الإنسانية من نكبات ما الذي نراه في حياة الإنسانية من ضياع ما الذي نراه في حياة الإنسانية من حروب وقتال وأمراض لم تكن تعرف من قبل، كل ذلك مرجعه إلى فساد وإفساد {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا..}[الروم:41] فكل ما تراه من أمور ونكبات مرجعها إلى غياب التقوى وعدم إدراك أن هذا الكون بيد الخالق والخالق لم يخلقنا عبثا {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ، فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ...}[الطلاق:115، 116] كل ما ذكرت من نكبات وما يقع منشؤه عدم التقوى منشؤه جحود وكفر ونكران وفسوق وفساد وإفساد والإنسان، أنا قرأت لك الآية من سورة الحديد أن الرسل جميعا جاؤوا لإقامة العدل، ماذا يكون حال الإنسانية عندما يعطيها الله الحديد فتصنع من القنابل الذرية ما تضرب به نفسها وما تدمر وتخرب؟ العدل غيب وتركت الإنسانية لناس لا يتقون الله في أنفسهم ولا في الناس وذلك كله يستلزم مراجعة الإنسان أولا مع ربه، نعم يا أخي.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور أيضا من آثار التقوى قول الله عز وجل {يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً..}[الأنفال:29] ما الفرقان؟

محمد الراوي: الفرقان تفرق بين الحق والباطل بمعنى أنك يكون فيك نور يعرض الأمر عليك فتقبل أو لا تقبل، معرفة أن هذا يقبل عند الله وهذا لا يقبل، هذا النور عندما يفتقد يكون الإنسان يقع في الضياع ولا يدري. وتحدثنا الآية الكريمة عن الأخسرين {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً}[الكهف: 103، 104] هذا واقع في حياة الناس يفعل المنكرات وهو يصلح ده مصلح ده يريد مصلحتكم، وبهذا عندما يغيب دين الله عن حياة الناس يقع الدمار ويقع الخراب وهنا كما قرأت الآية {.. هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً..} من هم؟ {الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً} هنا غاب الفرقان.

عثمان عثمان: {.. يُحْسِنُونَ صُنْعاً} نعم، فضيلة الدكتور أيضا من آثار التقوى..

محمد الراوي: {.. وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً}.

عثمان عثمان: نعم من آثار التقوى أيضا ولاية الله عز وجل {..إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ..}[الأنفال:34] كيف تستجلب التقوى ولاية الله عز وجل؟ ما معنى هذه الولاية؟ خاصة وأن بعض الصوفية يبالغون في موضوع الولاية.

محمد الراوي: التقوى حددها القرآن بكلمتين {الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ}[يونس: 63] هؤلاء أولياء الله  {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}[يونس: 62] من هم؟ {الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ} ولا يستلزم الأمر ادعاءات، فمن اليسير جدا على كل إنسان أن يرى هذه الصفات في نفسه وفي من حوله، من هم الأولياء؟ {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ، الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ} هذا هو تعريف الأولياء وغير ذلك أهواء وغير ذلك شهوات وغير ذلك ادعاءات، {.. آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ} حققوا الإيمان والتقوى فكانوا بذلك أولياء الله.

عثمان عثمان: إذاً أولياء الله هم الذين يتقون الله عز وجل، أيضا فضيلة الدكتور من آثار التقوى {..وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ}[الحج: 32] كيف يكون تعظيم شعائر الله؟ وما هي هذه الشعائر؟

محمد الراوي: الشعائر نحن نعلم أن جميع ما فرضه الدين في حج أو غير شعائر يجب أن تقام، فمثلا تعال عندما يذهب الناس إلى الحج في مناسك وشعائر تقام لا بد من تعظيمها ولا يستهان بها ولا يذهب الإنسان لغرض آخر غير إرضاء الله {ذلك وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ}[الحج: 32] ولا يمكن لإنسان أن يذهب ليؤدي فرضا فرضه عليه خالقه ويستهين بذلك أو يضيع أو يكون عمل الناس.. لا أحد يمنع المنافع ولكن لا تتعارض المنافع مع تقوى الله في إقامة الشعائر التي فرض الله أن تقام.

عثمان عثمان: نعم فضيلة الدكتور يشيع بين الناس أن التقوى هي سبب لحصول العلم {.. وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ..}[البقرة: 282] هل ترون أن هذا الفهم صحيح؟

محمد الراوي: ليس صحيحا بالمعنى الذي يفهمه الناس.

عثمان عثمان: ما هو الصحيح؟

محمد الراوي: العلم له وسائله، ما هو صحيح {.. وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ..} تقوى الله مطلوبة ولكن اتقوا ويعلمكم إذاً نحن نطلب العلم مجالات متعددة تؤخذ بوسائلها، أردت أن تتعلم علما ما يعرف أن هذا العلم مقوماته كذا وكذا لا بد أن تؤدى، أما استصحاب تقوى الله يجب أن يكون.. أما يقال اتق الله وأنت تتعلم مجردا عن القيام بوسائل وأسباب التعلم، هذا غير صحيح.

عثمان عثمان: إذاً لا بد أن تكون التقوى وأن يؤخذ بأسباب التعلم حتى يصبح الإنسان متعلما أو عالما. اسمح لي فضيلة الدكتور أن نأخذ الأخ تاج الدين من شمال العراق..

محمد الراوي (مقاطعا): هذا حق.

فضائل الصوم وأدوات التقوى ومظاهرها

عثمان عثمان (متابعا): يقول "نشكر فضيلة الشيخ على هذه التوضيحات لكن ألا يعتقد فضيلته أن أسلوب الترغيب يزيد من الإقبال على الصيام بدلا من الترهيب؟"

محمد الراوي: لا بد من الجمع بين الترغيب والترهيب، لا بد، الترغيب والترهيب ولا يكتفى بشيء منهما، الترغيب أن ترغب الناس في عمل الخير والترهيب لا بد أن تذكر الناس بالعودة والحساب {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ، فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ..}[المؤمنون:115، 116] أنت عندما تذكر الناس بالعودة إلى الله عز وجل فيها ترهيب قد يكون ولكن لا بد من التذكير بالعودة إلى الله وبغير التذكير بالعودة إلى الله لا يستقيم عمل الإنسان، الجمع بينهما لا بد منه.

عثمان عثمان: أيضا الأخ عبد العظيم من مصر يقول "أمرنا الرسول عليه الصلاة والسلام بتعليم أولادنا الصلاة لسبع وضربهم عليها، فلماذا لم تنوه السنة المطهرة على تعليم أو ضرب أولادنا من أجل الصيام؟" أين موقع الأطفال أو الأولاد في موضوع الصيام هنا؟

محمد الراوي: موضوع الصيام مرتبط بسن.. نحن ندربهم على الصيام ولكن لا يحتاج الأمر لضرب لأنه لا يكلف بالصيام إلا في سن معين هو يرغب فيه ويدرب عليه ولكن لا يضرب عليه، أما الصلاة فيمكن الضرب عليها لأنه يستطيع يؤديها دون أن يكون هناك عنت أو صعوبة عليها.

عثمان عثمان: نعم فضيلة الدكتور نأخذ بعض المشاركات، الأخ سعيد المكتومي مرحبا بك أخ سعيد.

سعيد المكتومي/ عمان: السلام عليكم.

عثمان عثمان: وعليكم السلام ورحمة الله تفضل أخي الكريم.

سعيد المكتومي: حياكم الله أخي، التقوى هي طريق الجنة حسبما ذكر في القرآن ولكن لماذا تم ربطه بالصيام؟ لماذا لم يتم ربطه بالصلاة علما بأن الصلاة هي عمود الدين؟

عثمان عثمان: نعم واضح سؤالك، فضيلة الدكتور لماذا تم ربط التقوى بالصيام ولم يتم ربطها بالصلاة مثلا؟ لماذا الصيام بالذات؟

محمد الراوي: قضية الإخلاص في الصيام نسمع الحديث كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي "الصوم لي وأنا أجزي به" لأن قضية الإخلاص في الصيام والتجرد بينة واضحة لأنه يمتنع عن طعام وشراب ابتغاء وجه الله والأمر بين واضح "..ترك طعامه وشرابه من أجلي"، ولذلك كما ذكرت الحديث الصيام لي وأنا أجزي به فالإخلاص فيه بين، والإخلاص جعل الصيام له خصائص يعني لا نظير له في قيمته في الإخلاص وعدم الرياء، من أجل هذا ارتبطت به هذه الصفة ولم تنف هذه الصفة عن غيره إنما ذكرت في جانبه ولم تنف عن غيره لأن من أخلص لله في أي عمل كان جزاؤه عند الله عز وجل جزاء المتقين.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور نأخذ معنا الأخ عبد المحسن مطيري من الكويت، مرحبا بكم أخي محسن.

محسن المطيري/ الكويت: مرحبا ومبارك عليكم الشهر.

عثمان عثمان: بارك الله فيكم تفضل أخي الكريم بسؤالك.

محسن المطيري: عندي سؤالان بس يعني طريقتي تفصيلية، السؤال الأول يتعلق بالتقوى، التقوى نحن فهمناها اللي هي يعني التوقف عن المحرمات والمكروهات وفعل الواجبات والمستحبات، السؤال هو يتعلق بأن هل التقوى درجات أم أنها درجة واحدة إذا حصل شيء معين اختل، لم يكن من المتقين؟

عثمان عثمان: نعم السؤال الثاني.

محسن المطيري: طبعا أن التقوى درجات. أما السؤال الثاني فبالنسبة لحديث الرسول عليه الصلاة والسلام لم أر حديثا يعني خاصا بكبائر إلا شهادة الزور، لماذا شهادة الزور فقط علما بأن الكبائر كثيرة يعني؟ لماذا قال الذي لا يترك شهادة الزور فلا حاجة لا.. أن يعني بالنسبة للحديث يعني لماذا شهادة الزور بالذات فقط؟

عثمان عثمان: شكرا جزيلا أخ عبد المحسن المطيري، نأخذ الأخ جميل الوحيدي من السعودية تفضل أخ جميل.

جميل الوحيدي/ السعودية: أشكر لك يا أخي على برنامجك الإسلامي وأبارك لك في هذا الشهر الكريم وأبارك لضيفك الشيخ محمد بهذا الشهر الكريم.

عثمان عثمان: بارك الله فيك تفضل بسؤالك أخ جميل.

جميل الوحيدي: أنا لي سؤال واحد وهو نداء من الشيخ، لي ولد وأولاد هنا موجودون في غزة منذ ثلاث سنوات محاصرون وهم مولودون هنا ذهبوا منهم للزيارة ومنهم للدراسة ومنذ ثلاث سنوات وهم تقطعت بهم السبل في قطاع غزة، أناشد شيخنا الكبير أن يناشد.. الحل الوحيد أنه يناشد الرئيس حسني مبارك للإفراج عنهم..

عثمان عثمان: شكرا جزيلا أخ جميل، فضيلة الدكتور نعود إليك وإلى سؤال الأخ عبد المحسن المطيري، يقول هل التقوى درجات أم أنها درجة واحدة؟

محمد الراوي: ما فيش شك التقوى درجات ولا يمكن أن نساوي بين الناس جميعا فيها، بعضهم يكون مستمسكا بها في كل شأن صغر أم كبر في نيته وفي عمله وبعضهم قد يتقي الله في شيء ويغيب عنه شيء آخر، فهنا يمكن أن تكون درجات، أما التقوى عند الله هي التقوى في جميع الحالات وفي جميع الأحوال ولا يمكن أن يتقي الله في موضع ثم يتناقض في موضع آخر، التقوى هي التقوى وقبولها عند الله يتوقف على الإخلاص لله والقيام بالعمل المشروع الذي ليس فيه مخالفة لله عز وجل، نطيعه بما شرع.

عثمان عثمان: {..وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً}[الفرقان:74]. فضيلة الدكتور أيضا سؤال الأخ عبد المحسن يقول ذكرتم أو الحديث أو السنة ذكرت "من لم يدع قول الزور.." قول الزور شهادة الزور من الكبائر، هناك كبائر أخرى أيضا، لماذا كان التحذير من قول الزور وشهادة الزور وضرورة تركها ولم تذكر الكبائر الأخرى في رمضان؟

محمد الراوي: كلمة "من لم يدع قول الزور والعمل به.." مقصود به الباطل عموما وليس الزور بالتحديد، من لم يدع الباطل عموما وكل باطل يعتبر زورا لأنه لا ينطبق على كلمة الزور فقط بل كل عمل باطل هو زور ولذلك الحديث شامل وليس يقف عند حالة واحدة وهي قول الزور بل كل عمل باطل يعتبر زورا ومخالفا للحق ومنافيا له.

عثمان عثمان: إذاً فيها دلالة على أن كل الكبائر يشملها هذا الحديث ولكن كان الأبرز هي شهادة الزور أو قول الزور.

محمد الراوي: هي تدخل تحت هذا الحديث، نعم تدخل في هذا الحديث.

عثمان عثمان: نعم فضيلة الدكتور أيضا نعلم أن التقوى هي أداة أو وسيلة أو سبب من أسباب.. الصوم هو سبب من أسباب التقوى وأداة من أدوات التقوى، هل من أدوات أخرى لتحقيق هذه التقوى؟

محمد الراوي: نعم أدوات وأدوات بمعنى دعني أعد بك إلى القرآن الكريم، اقرأ معي {وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ}[آل عمران:133] من هم؟ {الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ، وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ، أُوْلَـئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ}[آل عمران:134- 136] وأيضا عندما تنتقل إلى سورة الفرقان وتقرأ {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً..}[الفرقان:63] وتقرأ الصفات كل صفة من هذه الصفات لها دلالة في تحقيق التقوى، عندما أيضا تنتقل لبداية سورة المؤمنون ترى فيها {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ}[المؤمنون:1، 2] وعندما سئلت السيدة عائشة عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيها ثماني خصال ختمت بقوله {أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ، الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}[المؤمنون:10، 11] وإذاً فمقام التقوى وأسباب التقوى متعددة إذا نحن تتبعنا القرآن وفقهنا ما فيه وأخضعنا أنفسنا لطاعة الله عز وجل.

عثمان عثمان: إذاً فضيلة الدكتور ربما ذكرنا الكثير من الفوائد والآثار للتقوى في الحياة الدنيا ولكن في الآخرة ماذا عن فوائد التقوى؟ مع العلم أن القرآن الكريم ربما قد ذكر الكثير من هذه الفوائد.

محمد الراوي: الآخرة لا تنل مطلقا إلا بالتقوى بالحزم وبالقطع ولذلك {.. وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى..}[البقرة:197] ولو أننا يعني أخبرنا عمن سبقنا لقالوا ما نجونا إلا بتقوى الله فهي الطريق الوحيد للنجاة في الآخرة، لأنك تذهب إلى أين؟ تذهب إلى الله وتطلب ما عنده؟ ما عند الله لا يطلب إلا بطاعته وتقواه وإذاً ليس لها طريق آخر طريقها هو التقوى ومن تتبع آيات القرآن عرف ذلك فاتقوا الله يدخلكم الجنة بفضله ورحمته.

عثمان عثمان: الأخ عبد الرحمن يسأل "الله تعالى يقول {.. لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} لماذا لم يقل لتتقوا؟ أو لماذا لا يقول نعم لتتقوا، هل الصوم وتأديته للتقوى أمر مشكوك فيه؟"

محمد الراوي: لا ليس معناه هنا مشكوكا فيه لأن {.. لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} معناها ليس الشك بل معناها الرجاء ومعنى الرجاء لا بد منه لأنه قد تعمل العمل وأنت ترجو من ربك أن يقبله، فإذاً الرجاء ليس معناه الشك، بل {.. لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} هي الآية وهي الأصح وهي الأدق، أما لتتقوا، لا، لأن الإنسان لا يعد متقيا لربه إلا بقبول الله لعمله لأنه قد يكون دخل في العمل شيء ما ولو يسير من الرياء قد يحبطه ويبطله والله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا لوجهه، وإذاً {.. لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} ليس معناها شك بل معناها رجاء.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور كنا ننتظر رمضان والحمد لله بلغنا الله تعالى رمضان، كيف نخرج من رمضان وقد أحسنا الصيام والقيام وخرجنا من مدرسة المتقين لننال رضى رب العالمين؟

محمد الراوي: ولذلك أنا دعني هنا أقل شيئا إنه من أكبر الضياع للإنسان إذا خرج من رمضان ولم يغفر له، ونحن نعلم أنه عند مجيء رمضان يجيء بالرحمة ويتوسط بالمغفرة وينتهي بالخلاص من النار، الذي يخرج من الصيام مفلسا يكون ضيع على نفسه أمرا، إنما جاء رمضان لنا عونا لنا لكي نكون على حال نستحق فيه رحمة الله ورضوانه ولذلك يجب أن نحرص على أن يكون رمضان هو رمضان بفضله وقدره وعمله وفضائله وإحسانه، والعزم الأكيد على أن تترابط الأمة فيه رباطا كاملا لرد الغارة عنها والعيب عليها إن هي فرطت وظنت بأنها صائمة، الصوم يقتضي أن نستمسك وأن نعتصم، وثق بأن رمضان سيعود وينضم للشهور السابقة ويشهد بين يدي الله لأن القرآن الذي نتلوه والذي أنزل فيه يشهد والصوم يشهد، يأتي الصوم ويشهد على الإنسان ويأتي القرآن ويشهد على الإنسان، والقرآن "اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه"، "يؤتى بالقرآن وأهله الذين كانوا يعملون به في الدنيا تقدمه سورة البقرة وآل عمران تحاجان عن صاحبهما" ومن عجيب الأمر في أمر الصيام أنه الشهر الوحيد الذي وصف بهذا الوصف {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ..}[البقرة: 135] وهذا دلالته أن منهج العمل في رمضان هو اتباع الرسول اتباع القرآن وما جاء به سيد الخلق رسول الله صلى الله عليه وسلم.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور هل هناك من علامات أو إشارات أو إرهاصات يستطيع المسلم الصائم أن يعلم من خلالها أنه متلبس بالتقوى في شهر رمضان؟

محمد الراوي: يستطيع الإنسان أن يحكم على أمة الإسلام عموما وعلى نفسه بأنه صائم ولا.. يستطيع أن يحكم على أمته إن هي توحدت وترابطت وأحسنت وردت الكيد عنها وجمعت كلمتها على رضاه وأحسنت في أن تعمل للرسالة التي شرفها الله بها، إن هي فعلت ذلك تكون فعلا قبل صومها وكانت صائمة وإن هي انتهت من الصيام ولا زال الكيد هو الكيد والتفريط هو التفريط ولا زالت الفرقة هي الفرقة والتنازع هو التنازع، الله يقول لها {وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ..}[الأنفال: 46] إن بقي هذا فينا فقد ضيعنا صيامنا وأدعو الله أن يؤتينا على أن نتقي الله..

عثمان عثمان (مقاطعا): إذاً في ختام هذه الحلقة فضيلة الدكتور لا يسعنا إلا أن نشكركم فضيلة الشيخ الدكتور محمد الراوي عضو مجمع البحوث الإسلامية في الأزهر الشريف، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة، أتمنى لكم صياما مقبولا بإذن الله تعالى، لكم تحيات معد البرنامج الدكتور معتز الخطيب والمخرج سلام الأمير وسائر فريق العمل، إلى اللقاء في الأسبوع القادم بمشيئة الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.